الأدلة العلمية القطعية على نُبوَّة خير البريَّة


نبذة مختصرة عن خَلْقه وخُلُقه r

هذه نبذة مختصرة عن خَلْق وخُلُق الرسول r وردت فى كثير من كتب الأحاديث والسيرة (مثل المعجم الكبير للطبرانى, وشُعَب الإيمان للبيهقى, والخصائص الكبرى للسيوطى) عن الحسن بن على – رضى الله عنهما – قال: سألت خالى هند بن أبى هالة – وكان وصّافاً – عن حِلية رسول الله r وأنا أشتهى أن يصِف لى منها شيئاً أتعلق به, فقال: كان رسول الله r فخماً مفخَّماً, يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر, أطول من المربوع (القصير) وأقصر من المُشَذَّب (البائن الطول مع نحافة) عظيم الهامَة (الرأس) رَجِل الشَّعر (وسط بين المسترسل والمجعَّد) إذا تفرقت عَقيصَته فَرَق وإلا فلا (العقيصة نحو الضفيرة) يجاوز شعره شحمة أذنيه, ذا وَفْرَة, أزهَر اللون (أبيض مُشرِق) واسع الجبين, أزَجّ الحواجب (مرققهما مع تقوُّس) سوابغ فى غير قَرَن (غير ملتحمَين) بينهما عِرْق يُدِرُّه الغضب, أقنَى العِرنِين (طويل الأنف مع دِقَّة أرنبته مع حَدَب فى وسطه) له نور يعلوه, يحسبه من لم يتأمله أشَمّ (مرتفعاً قصبة الأنف) كَثّ اللحية (كثيفها) أدْعَج (شديد سواد العين) سهل الخدين (ليس فيهما نتوء ولا ارتفاع) ضليع الفم (واسع الفم) أشْنَب (أبيض الأسنان مع بريق) مُفَلَّج الأسنان (أسنانه ليست ملتصقة) دقيق المَسْرُبَة (شعر دقيق بين الصدر والسرة) كأن عُنُقه جِيدُ دُمْيَة فى صفاء الفضة (الدُمْيَة هى الصورة المنقوشة من رخام أو عاج) معتدل الخلْق, بادِن متماسك (غير نحيل ولا مُتَرهِّل) سواء البطن والصدر (بطنه ليست بارزة عن مستوى صدره) عريض الصدر, بعيد ما بين المنكبين, ضخم الكراديس (رؤوس العظام) أنوَر المُتَجَرّد, موصول ما بين اللَّبَّة والسُّرَّة بشعر يجرى كالخط, عارى الثديين والبطن مما سوى ذلك (اللَّبَّة هى مكان الترقوة) أشعَر الذراعين والمنكبين وأعالى الصدر, طويل الزَّندَين (عَظْما الذراعَين) رَحْب الرّاحة (واسع الكَف حِسّاً وعطاءً) سَبْط القَصَب (عظام ساعديه وفخذيه ورجليه ليس فيها نتوء أو انحناء) شَثْن الكفَّين والقدمين (شَثْن أى غليظ) سابِل الأطراف (ممتدها) خُمصان الأخمَصَين (باطن قدميه مرتفعتان لا يلتصقا بالأرض عند المشى) مسيح القدمين (أملسهما مستويهما) ينبو عنهما الماء (لعدم وجوج تشققات أو نتوءات) إذا زال زال قَلعاً (إذا فارق مكانه بعد الوقوف رفع قدميه رفعاً بائناً) يخطو تكفّئاً (مائلاً إلى الأمام) ويمشى هوناً, ذَريع المِشية (سريع المِشية فى تُؤَدة) إذا مشى كأنما ينحط من صَبَب (كأنما ينحدر من ارتفاع) وإذا التفت التفت جميعاً (إذا نظر إلى خلفه التفت بجسده وليس بعنقه فقط) خافض الطرف (حياءً من الله) نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء, جُلّ نظرة الملاحظة, يسوق أصحابه (يمشى خلفهم) يبدأ من لَقِيه بالسلام.

قلت: صف لى مَنطقه, قال: كان رسول الله r متواصل الأحزان, دائم الفكرة, ليست له راحة, لا يتكلم فى غير حاجة, طويل السكوت, يفتح الكلام ويختمه بأشداقه, يتكلم بجوامع الكلم, فَصْل لا فضول ولا تقصير, دَمِث ليس بالجافى ولا المُهين, يُعظِّم النعمة وإن دَقَّت, لا يذم منها شيئاً ولا يمدحه, لا تغضبه الدنيا وما كان لها, فإذا تعرض للحق لم يعرفه أحد, ولم يقم لغضبه شىء حتى ينتصر له, لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها, إذا أشار أشار بكفه كلها, وإذا تعجب قلبها, وإذا تحدث يصل بها يضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى, وإذا غضب أعرض وأشاح, وإذا فرح غض طرفه, جُلّ ضحكه التبسُّم, ويفتُر (يضحك) عن مثل حَبّ الغَمام (أى البَرَد)

قال الحسن: فكتمتها الحسين بن على زماناً, ثم حدثته, فوجدته قد سبقنى إليه فسأله عما سألته عنه, ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه ومجلسه وشكله, فلم يدع شيئاً.

قال الحسن: سألت أبى عن دخول رسول الله r فقال: كان دخوله لنفسه مأذوناً له فى ذلك, وكان إذا آوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء, جزءاً لله, وجزءاً لأهله, وجزءاً لنفسه, ثم جزّأ جزءه بينه وبين الناس, فَرَدَّ ذلك على العامَّة والخاصَّة, لا يدَّخر عنهم شيئاً, وكان فى سيرته فى جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه, وقسَّمه على قدر فضلهم فى الدين, فمنهم ذو الحاجة, ومنهم ذو الحاجتين, ومنهم ذو الحوائج, فيتشاغل بهم, ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته, وإخبارهم بالذى ينبغى لهم, ويقول: (( ليبلِّغ الشاهد الغائب, وأبلغونى حاجة من لا يستطيع إبلاغى حاجته, فإنه من بلَّغ سلطاناً حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه, ثبَّت الله قدميه يوم القيامة )) لا يُذكَر عنده إلا ذلك, ولا يقبَل من أحد غيره, يدخلون عليه رُوّاداً, ولا يفترقون إلا عن ذواق, ويخرجون أدِلَّة فقهاء (أى أدِلَّة على الخير)

قال: وسألته عن مَخرجه كيف كان يصنع فيه؟ فقال: كان رسول الله r يخزن لسانه إلا بما يعنيه, ويؤلِّفهم ولا ينفِّرهم, ويكرم كريم كل قوم ويولِّيه عليهم, ويحذر الناس, ويحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد منهم بشرَه ولا خُلُقه, يتفقد أصحابه, ويسأل الناس عما فى الناس, ويحسِّن الحسن ويقوِّيه, ويقبِّح القبيح ويوهِّيه, معتدل الأمر غير مختلف, لا يغفل مَخافة أن يغفلوا أو يميلوا, لكل حال عنده عتاد, ولا يقصر عن الحق ولا يجوزه, الذين يلونه من الناس خيارهم, أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة, وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.

قال: فسألته عن مَجلسه كيف كان؟ فقال: كان رسول الله r لا يجلس ولا يقوم إلا على ذِكْر, ولا يوطن الأماكن (لا يحدد مكاناً ليجلس فيه باستمرار) وينهى عن إيطانها, وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهى به المجلس, ويأمر بذلك, يعطى كل جلسائه نصيبه, لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه, من جالسه أو قاومه (وقف معه) فى حاجة صابره (صبر عليه ولم ينصرف) حتى يكون هو المنصرف, ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول, وإذا جلسَ إليه أحدُهم لم يَقُم r حتى يقوم الذى جلسَ إليه, إلا أن يَتعجَّلَه أمرٌ فيستأذنه, ولا يقابل أحداً بما يكره, ليس بفاحش ولا مفحّش, ولا يجزى بالسيئة السيئة, ولكنْ يعفو ويصفح, ولا يَحقِر فقيراً لفقره, ولا يَهاب مَلِكاً لمُلكه, ما عابَ طعاماً قطُّ, إن اشتهاه أَكله, وإلا تركه, وكان يحفظ جاره, ويكرم ضيفه, وما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أَيسرهما, ما لم يكن إثماً أو قطيعة رَحِم, فيكون أبعدَ الناس منه, وكان أكثر جلوسه مستقبل القبلة, قد وَسِع الناس منه بَسطه وخُلُقه, فصار لهم أباً, وصاروا عنده فى الحق سواء, مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانه, لا تُرفَع فيه الأصوات, ولا تُؤبَن فيه الحُرُم, ولا تُثنَّى فَلَتاته (لا يُذكَر ما قد يحدث فيه من فلتات بعضهم) متعادلين, يتفاضلون فيه بالتقوى, منواضعين, يوقّرون فيه الكبير, ويرحمون الصغير, يُؤثرون ذا الحاجة, ويحفظون الغريب.

قال: فسألته عن سيرته فى جُلسائه, فقال: كان رسول الله r دائم البِشر, سهل الخُلُق, ليِّن الجانب, ليس بالفَظّ, ولا غليظ, ولا صخّاب, ولا فحّاش, ولا عيّاب, ولا مزّاح, يتغافل عما لا يشتهى, ولا يُوئَس منه, ولا يَخيب فيه, قد ترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً ولا يُعيّره, ولا يطلب عورته, ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه, إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير, فإذا سكت تكلموا, لا يتنازعون عنده, يضحك مما يضحكون منه, ويتعجب مما يتعجبون منه, ويصبر للغريب على الجفوة فى منطقه ومسألته, حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم, ويقول: (( إذا رأيتم صاحب حاجة فأرفدوه )) ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ, ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز, فيقطعه بانتهاء أو قيام.

قال: فسألته كيف كان سكوته؟ قال: كان سكوته على أربع, الحلم, والحذر, والتقدير, والتفكر, فأما تقديره ففى تسويته النظر والاستماع بين الناس, وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى, وجمع له r الحلم والصبر, فكان لا يغضبه شىء ولا يستفزه, وجمع له الحذر فى أربع: أخذه بالحسنى ليُقتَدى به, وترك القبيح ليُتناهَى عنه, واجتهاده الرأى فيما أصلح أمته, والقيام فيما جمع لهم الدنيا والآخرة.

الشهادة للرسول r قبل بعثته وبعدها

إن رسول الله r كان مشهوداً له قبل بعثته وبعدها بالصدق والأمانة ورجاحة العقل – حتى من أعدائه – وكان يُلقَّب بين قومه قبل بعثته بالصادق الأمين , ونذكر فيما يلى بعض من الأمثلة على ذلك :

الشهادة له r فى حياته

شهادة بَحيرا الراهب للرسول r بالرسالة وهو – وهو ابن اثنتى عشرة سنة – فى أثناء رحلته إلى الشام للتجارة مع عمه أبى طالب , لأن صفاته توافق ما جاء فى كتبهم المنزلة من عند الله جل وعلا :

أخرج أبو نعيم عن على قال : خرج أبو طالب فى تجارة إلى الشام فى نفر من قريش , وأخذ معه النبى r فلما أشرفوا على بحيرا الراهب فى وقت قَيظ وحَرّ , رفع الراهب بصره فإذا غمامة تظل النبى r من بين من معه من الشمس , فصنع بحيرا طعاماً ودعاهم إلى صومعته , فلما دخل النبى r الصومعة أشرقت الصومعة نوراً , فقال بحيرا : هذا نبى الله الذى يرسله من العرب إلى الناس كافة [كتاب الخصائص الكبرى] وفى روايات أخرى من كتب السيرة أن هذا الراهب سأل أبا طالب عنه , فقال : إنه ابنى , فقال بحيرا : ما ينبغى أن يكون له أب حى , ونصحه أن يرجع به إلى مكة , ولا يذهب به إلى الشام , لئلا يراه اليهود فيحاولوا النَّيْل منه .

كان من رجاحة عقله r وسياسته الحكيمة أن حقن دماء قبائل قريش حين اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود فى مكانه , بعدما أعادوا بناء الكعبة التى كان السيل قد غمرها , وكادوا يقتتلون على ذلك , لولا أن الله وفقهم لفكرة تحكيم أول من يدخل عليهم من باب الصفا ( وهو باب من أبواب المسجد الحرام ) وكان رسول الله r أول داخل , فاستبشروا به عندما رأوه , وقالوا : هذا الأمين.. رضينا.. هذا محمد , فأمرهم أن يأتوه بثوب , ثم وضع الحجر عليه , وأمرهم أن تأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب , ففعلوا حتى بلغوا به موضعه , ثم وضعه r بيده فى ركن الكعبة وبَنَى عليه [السيرة النبوية لابن هشام]

وكان مما يشهد على كريم أخلاقه وصفاته r قبل بعثته , أن السيدة خديجة – رضى الله عنها – لما سمعت عن صدقه وأمانته اختارته ليتاجر  لها فى مالها , وأرسلت خادمها ميسرة ليسافر معه فى رحلته إلى الشام , فلما عاد أعطاها من الربح ضعف ما كان يعطيه لها مَن قبله , ووصف لها ميسرة ما رآه من عظيم أخلاقه وأمانته , وكيف أن الغمامة كانت تظلله أينما ذهب , وأنه جلس تحت شجرة فى طريق عودته , فرآه راهب يسمى نسطورا , فقال لميسرة : إن هذه الشجرة لم يجلس تحتها إلا نبى [السيرة لابن هشام] وكيف أنه لم يرضَ أن يحلف باللات والعُزَّى عندما حدث خلاف بينه وبين رجل على سلعة , وقال : (( ما حلفت بهما قط )) [كتاب عيون الأثر] فاختارته ليكون زوجاً لها , وقد كانت غنية ذات نسب وشرف ورجاحة عقل , وكانت من أفضل نساء قريش , وكان أشراف قريش يتمنون الزواج منها , فخطبها r وتزوجها , وهو فى الخامسة والعشرين من عمره , وهى ما بين الخامسة والثلاثين إلى الأربعين , ولم يتزوج بغيرها إلا بعد مماتها , وكان كل أولاده وبناته منها , إلا إبراهيم كان من مارية القبطية التى أسلمت , فرضى الله عنها وأرضاها .

شهادة ورقة بن نوفل ابن عم السيدة خديجة – رضى الله عنها – عندما ذهبت إليه بالرسول r ليخبره بما كان من نزول الوحى عليه فى غار حراء , وخوفه أن يكون قد أصابه شىء ( وكان ورقة بن نوفل شيخاً كبيراً قد تنصَّر فى الجاهلية , وكان يكتب الإنجيل باللغة العبرانية ) فلما قصَّ عليه الرسول r ما رأى وسمع فى الغار , قال له : هذا الناموس الذى نزَّله الله على موسى ، يا ليتنى فيها جَذَعاً ، ليتنى أكون حياً إذ يخرجك قومك ، فقال رسول r : (( أوَ مُخرِجىَّ هُم ؟ )) قال : نعم ، لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئتَ به إلا عُودِىَ ، وإن يدركنى يومك أنصرك نصراً مؤزَّراً [الرحيق المختوم]

عن ابن عباس – رضى الله عنهما – قال : لما نزلت : {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} صعد النبى r على الصفا , فجعل ينادى : (( يا بنى فِهْر , يا بنى عَدِىّ )) لبطون قريش , حتى اجتمعوا , فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو ( أى ما هو الخَطْب ) فجاء أبو لهب وقريش , فقال r : (( أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادى تريد أن تُغِير عليكم , أكنتم مُصَدِّقِىّ ؟ )) قالوا : نعم.. ما جربنا عليك إلا صدقاً , قال : (( فإنى نذير لكم بين يَدَىّ عذاب شديد )) فقال أبو لهب : تَبّاً لك سائر اليوم , ألِهَذا جمعتنا ؟ فنزلت : {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ{1} مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} [صحيح البخارى] قد يظن البعض أن تصديق قريش للرسول r فى إخباره لهم بأن خيلاً ستهاجمهم أمْر هيِّن , كلا.. فقد كانت قريش لها مكانتها العظيمة بين قبائل العرب , وكانت لها هيبتها واحترامها , فما كان لأحد أن يتجرأ عليها ليحاربها , وهذا لوجود بيت الله الحرام فيها , حتى إن قوافلهم التجارية كانت لا تتعرض لأى أذى من قطاع الطُّرُق , الذين كانوا منتشرين بكثرة آنذاك , وقد ذكَّرهم الله سبحانه وتعالى بنِعَمه عليهم , ومَنّ عليهم بهذا الأمن , فقال : {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت:67] وقال : {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ{1} إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ{2} فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ{3} الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش] كما أن العرب كانوا قد سمعوا بما حدث لأبرهة وجنوده عندما أرادوا هدم الكعبة , وهم أقل من أبرهة فى العدد والعُدَّة , فعلموا أن الكعبة محفوظة وممنوعة , ولها ربها الذى يحميها من كيد أعدائها , ولكن لشدة صدق رسول الله r واستحالة صدور الكذب منه , وصل الأمر بهم إلى أن يصدقوه لو أنه أخبرهم بأن خيلاً ستُغِير عليهم .

عن ابن إسحاق قال : حدثنى الزهرى قال : حُدِّثت أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شُرَيق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله r وهو يصلى بالليل فى بيته ، وأخذ كل رجل منهم مجلساً ليستمع فيه ، وكلُّ لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له , حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا ، فجمعتهم الطريق فتلاوموا ، وقال : بعضهم لبعض : لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم فى نفسه شيئاً ، ثم انصرفوا , حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه ، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، فجمعتهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ، ثم انصرفوا فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه ، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، فجمعتهم الطريق ، فقالوا : لا نَبرَح حتى نتعاهد لا نعود ، فتعاهدوا على ذلك ، ثم تفرقوا , فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان فى بيته , فقال : أخبرنى يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد , فقال : يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها , فقال الأخنس : وأنا والذى حلفتَ به ، ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل ، فدخل عليه بيته , فقال : يا أبا الحكم.. ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال : ماذا سمعت ؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف , أطعَموا فأطعَمنا ، وحمَلوا فحَملنا ، وأعطَوا فأعطينا , حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفَرَسَى رِهان قالوا : منا نبى يأتيه الوحى من السماء ، فمتى ندرك هذه ؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصَدِّقه ، فقام عنه الأخنس بن شريق [دلائل النبوة للبيهقى] فيا تُرَى ما الذى أخرج هؤلاء الثلاثة ليستمعوا قراءة الرسول r للقرآن فى بيته لمدة ثلاثة أيام وهم ما زالوا على شركهم ؟ وهل قول أبى جهل للأخنس بن شريق يدل على أنه يكذِّب الرسول r ؟ أم يدل على أن الذى منعه من الإيمان به هو الحقد والحسد ؟ إن الذى يثبت ذلك أيضاً ما رواه ابن أبى حاتم عن أبى يزيد المدنى , أن النبى r لقى أبا جهل فصافحه , فقال له رجل : ألا أراك لا تصافح هذا الصابئ ؟ فقال : والله إنى لأعلم أنه نبى , ولكن متى كُنا لبنى عبد مناف تَبَعاً ؟

اجتمع الوليد بن المغيرة مع نفر من مشركى قريش – وكان أسَنّهم – ليقولوا فى الرسول r قولاً واحداً يكذبونه به عندما تأتيهم وفود العرب فى موسم الحج , فطلبوا منه أن يقول فيه رأياً , فقال لهم : بل أنتم فقولوا أسمع , قالوا : نقول كاهن , قال : لا.. والله ما هو بكاهن , لقد رأينا الكُهّان , فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه , قالوا : فنقول مجنون , قال : ما هو بمجنون , لقد رأينا الجنون وعرفناه , فما هو بخنقه ولا تَخَالُجه ولا وَسوسته , قالوا : فنقول شاعر , قال : ما هو بشاعر , لقد عرفنا الشعر كله , رَجَزَه وهَزَجَه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه , فما هو بالشعر , قالوا : فنقول ساحر , قال : ما هو بساحر , لقد رأينا السُّحّار وسحرهم , فما هو بنَفْثهم ولا عَقْدهم , قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : والله إن لقوله لَحلاوة , وإن أصله لعَذِق وإن فرعه لَجَناة , وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عُرِف أنه باطل , وإن أقرب القول فيه لأنْ تقولوا ساحر , جاء بقول هو سحر , يفرق به بين المرء وأبيه , وبين المرء وأخيه , وبين المرء وعشيرته [سيرة ابن هشام]

كان من شدة أمانته r أن المشركين كانوا يستودعون عنده أموالهم وأماناتهم , رغم عدم إيمانهم برسالته , وبقيت عنده هذه الودائع إلى أن هاجر إلى المدينة المنورة , وترك فى بيته سيدنا على بن أبى طالب t ليردها إليهم قبل أن يلحق به , فهل هذه أخلاق دجال ؟ إنه لو كان دجالاً لأخذ أموالهم وودائعهم بحجة أنهم كفار ومعادون له , ولكن حاشاه أن يخون الأمانة , وهو الذى أمر بأدائها فى أحاديث كثيرة , ومنها قوله r : (( أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك , ولا تخُن من خانك )) [سنن أبى داود, صحيح الجامع:240]

عندما جاء وفد نجران من النصارى للرسول r فى مسجده , تركهم يصلون ولم يمنعهم , وقال لأصحابه y : (( دعوهم )) فصلَّوْا إلى جهة المشرق , ثم عرض عليهم الإسلام فأبَوا , فدعاهم إلى المُباهَلة , وهى التى وردت فى قول الله تعالى : {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران:61] فطلبوا منه أن يمهلهم حتى يتشاوروا فيما بينهم , ثم خَلَوا بالعاقب – وكان ذا رأيهم ( أى صاحب رأيهم ) فقالوا : يا عبد المسيح ما ترى ؟ فقال : والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً لَنبى مرسل , ولقد جاءكم بالحق من خبر صاحبكم , ولقد علمتم ما لاعن قوم نبياً قط فبقى كبيرهم ولا نبت صغيرهم , وإنه لَلاستئصال منكم إن فعلتم , فإن كنتم قد أبيتم إلا إلْفَ دينكم والإقامةَ على ما أنتم عليه من القول فى صاحبكم , فوادِعوا الرجل ثم انصرفوا إلى بلادكم , فأتوا رسول الله r فقالوا : يا أبا القاسم.. قد رأينا أن لا نلاعنك , وأن نتركك على دينك , ونرجع على ديننا , ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا فى أشياء اختلفنا فيها من أموالنا , فإنكم عندنا رِضا [كتاب تفسير ابن كثير وكتاب عيون الأثر] ففى هذه القصة نرى الرسول r قد سمح لهم بالصلاة فى مسجده , وهم لا يزالون على كفرهم , وفيها اعتراف منهم بأنه على حق – وإن لم يظهروا ذلك – واعتراف بأن أصحابه y أيضاً على حق , لأنهم طلبوا واحداً منهم ليحكم بينهم .

روى البخارى عن ابن عباس – رضى الله عنهما – أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه فى رَكْب من قريش ، كانوا تجاراً بالشام ، فى المدة التى كان رسول الله r مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش ، فأتَوه وهم بإيلياء ، فدعاهم فى مجلسه وحوله عظماء الروم ، ثم دعاهم ودعا ترجمانه , فقال : أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذى يزعم أنه نبى ؟ قال أبو سفيان : فقلت : أنا أقربهم نسباً ، فقال : ادْنُوه منى ، وقرِّبوا أصحابه ، فاجعلوهم عند ظهره ، ثم قال لترجمانه : إنى سائل هذا عن هذا الرجل ، فإن كذبنى فكذِّبوه ، فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علىَّ كذباً لكذبت عليه .

ثم قال : أول ما سألنى عنه أن قال : كيف نَسَبه فيكم ؟ فقلت : هو فينا ذو نسب ، قال : فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله ؟ قلت : لا . قال : فهل كان من آبائه من ملك ؟ قلت : لا . قال : فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ قلت : بل ضعفاؤهم . قال : أيزيدون أم ينقصون ؟ قلت : بل يزيدون . قال : فهل يرتد أحد منهم سُخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ قلت : لا . قال : فهل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قلت : لا . قال : فهل يغدر ؟ قلت : لا ، ونحن منه فى مدة لا ندرى ما هو فاعل فيها – قال : ولم تمكنِّى كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة – قال : فهل قاتلتموه ؟ قلت : نعم . قال : فكيف كان قتالكم إيّاه ؟ قلت : الحرب بيننا وبينه سِجال ، ينال منا وننال منه . قال : ماذا يأمركم ؟ قلت : يقول : ( اعبدوا الله وحده ، ولا تشركوا به شيئاً ، واتركوا ما يقول آباؤكم ) ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة .

فقال للترجمان : قل له : سألتك عن نَسَبه ، فذكرتَ أنه فيكم ذو نسب ، وكذلك الرسل تُبعث فى نسب من قومها . وسألتك : هل قال أحد منكم هذا القول قبله ؟ فذكرت أن لا . قلت : لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت : رجل يأتسى بقول قيل قبله . وسألتك : هل كان من آبائه من ملك ؟ فذكرتَ أن لا . فقلتُ : فلو كان من آبائه من ملك قلتُ : رجل يطلب ملك أبيه . وسألتك : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فذكرت أن لا ، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ، ويكذب على الله . وسألتك : أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم ؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه ، وهم أتباع الرسل . وسألتك : أيزيدون أم ينقصون ؟ فذكرت أنهم يزيدون ، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم . وسألتك : أيرتد أحد سُخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ فذكرت أن لا ، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب . وسألتك : هل يغدر ؟ فذكرت أن لا ، وكذلك الرسل لا تغدر . وسألتك : بماذا يأمر ؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ، ولا تشركوا به شيئاً , وينهاكم عن عبادة الأوثان ، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف ، فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمَىَّ هاتين ، وقد كنت أعلم أنه خارج ، ولم أكن أظنه أنه منكم ، فلو أنى أعلم أنى أَخلُص إليه لتجشمت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه [الرحيق المختوم]

عندما هاجر بعض المسلمين إلى الحبشة فراراً بدينهم من التعذيب والفتن , وأخْذاً بنصيحة نبيهم r الذى قال لهم : (( لو خرجتم إلى أرض الحبشة , فإن بها ملكاً لا يُظلَم عنده أحد , وهى أرض صدق , حتى يجعل الله لكم فرجاً )) [سيرة ابن هشام] ومكثوا عنده بالحبشة مدة لا يتعرض لهم أحد بسوء , ثم أرسلت قريش فى إثرهم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة , ليوقعا بينهم وبين النجاشى , فقالا له : إنهم ( أى المسلمين ) يقولون إن عيسى بن مريم عبد , فأرسل إليهم يسألهم عما يقولون فى عيسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – فأخبره سيدنا جعفر بن أبى طالب t بما جاء فى كتاب الله بشأنه , وتلا عليه بعض آيات من سورة مريم… إلى آخر القصة المعروفة , والشاهد فيها أن النجاشى t بكى حتى اخضلت لحيته , وقال : إن هذا والذى جاء به عيسى لَيَخرج من مِشكاة واحدة [سيرة ابن هشام]

الشهادة له r فى الكتاب المقدس

إن الكتاب المقدس – رغم ما حدث فيه من تحريف – ما زال يحمل بعض البُشرَيات بالرسول r ولكن ليس باسمه صريحاً , بل تلميحاً , أما قبل تحريفه , فقد ذُكِرَ فيه اسمه صريحاً , كما قال سيدنا عيسى : {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف:6] وها هى بعض النصوص التى بشَّرت به r :

وقال إبراهيم لله ليت إسماعيل يعيش أمامك. فقال الله بل سارة امرأتك تلد لك ابناً وتدعو اسمه إسحق. وأقيم عهدى معه عهداً أبدياً لنسله من بعده. وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه وأُثَمِّرَه وأُكَثِّرَه كثيراً جداً. اثنى عشر رئيساً يلد وأجعله أُمَّة كبيرة (تكوين17: 18-20)

وابن الجارية أيضاً سأجعله أُمَّة لأنه نسلك (تكوين21: 13)

فسمع الله صوت الغلام. ونادى مَلاك الله هاجر من السماء وقال لها مالَكِ يا هاجر. لا تخافى لأن الله قد سمع صوت الغلام حيث هو. قومى احملى الغلام وشدِّى يدك به. لأنى سأجعله أُمَّة عظيمة. وفتح الله عينها فأبصرت بئر ماء. فذهبت وملأت القربة ماء وسقت الغلام. (تكوين21: 17-19) فمن تكون هذه الأمة العظيمة إن لم تكن أمة سيدنا محمد r ؟ وما هى هذه البئر إن لم تكن بئر زمزم ؟    

أُقيمُ لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك وأجعلُ كلامى فى فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به ويكون أن الإنسان الذى لا يسمع لكلامى الذى يتكلم به باسمى أنا أطالبُه. (تثنية18: 18-19) إن هذه بشارة بالرسول r وليست بالمسيح عليه السلام كما يقولون , لأنها قالت عن هذا النبى : ( مثلك ) أى مثل سيدنا موسى , ولو أن وجه الشبه بين موسى وعيسى أنهما نبيّان من بنى إسرائيل, لكانت تنطبق على أنبياء كثيرين ممن جاءوا بعد موسى , مثل : سليمان , وإشعياء , ودانيال , وحزقيال , وهوشع… إلى آخرهم , ولكن سيدنا محمداً هو الذى مثل سيدنا موسى , وليس المسيح.. بدليل :

إن المسيح لا يشبه موسى بمقتضى عقيدتهم , لأنهم يزعمون أن المسيح هو الإله المتجَسِّد على هيئة البشر , ولكنهم لا يقولون إن موسى كان إلهاً . 

هم يعتقدون أن المسيح ضحَّى بنفسه من أجل خطايا البشر , ولا يعتقدون ذلك فى موسى .

كان لموسى أب وأم كما كان لمحمد r أما المسيح فلم يكن له أب .

محمد r وموسى تزوَّجا وأنجبا , أما المسيح فظل عَزَباً طوال حياته قبل رفعه .

محمد وموسى – عليهما الصلاة والسلام – هاجرا بشعبيهما بسبب ما لقِياه وقومهما من أذى الكفار واضطهادهم , ولم يهاجر المسيح عليه السلام بأتباعه . 

محمد r وموسى كانا نبيَّيْن مثلما كانا زعيمَيْن , أى أنهما كانا يحكمان شعبيهما , ولهما سلطان عليهما , بحيث يوقعان العقوبة على المخطئ , كما جاء عن موسى فى الكتاب المقدس أمره بإعدام عَبَدَة العجل (خروج32: 26-29) أما المسيح فكان نبياً فقط , ولم يحكم شعبه , بل كان يأمره بطاعة ولىّ أمره : حينئذ ذهب الفريسييون وتشاوروا لكى يصطادوه بكلمة… فقُل لنا ماذا تظن. أيجوز أن تعطى جزية لقيصر أم لا… فقال لهم أعطوا إذاً ما لقيصر لقيصر وما لله لله. (متى22: 15-21) وصرَّح بأن مملكته ليست على الأرض : أجاب يسوع مملكتى ليست من هذا العالم. لو كانت مملكتى من هذا العالم لكان خُدّامى يجاهدون لكى لا أُسَلَّم إلى اليهود. ولكن الآن ليست مملكتى من هنا. (يوحنا18: 36)

محمد r وموسى أتيا بشريعة جديدة وأحكام جديدة لشعبيهما , أما المسيح فلم يأتِ بشريعة جديدة ولا بأحكام جديدة , بل كان يؤكد لهم أنه لم يأتِ لينقض الناموس ( أى التوراة ) بل ليكمِّله .

محمد r وموسى ماتا موتة طبيعية مثل جميع البشر , أما المسيح فقد رفعه الله إليه حياً , وهم يعتقدون أنه صُلِبَ , ولا يعتقدون ذلك فى موسى .

محمد r وموسى يرقدان فى قبريهما فى الأرض , أما المسيح فهم يقولون إنه : منذ الآن يكون ابن الإنسان جالساً عن يمين قوة الله. (لوقا22: 69)

هم يعتقدون أن المسيح مكث فى قبره ثلاثة أيام ثم رُفِعَ , ولكن موسى لم يُفعَل به ذلك .

وهناك أمور أخرى – وهى الأهم – تثبت أن هذه البشارة خاصة بسيدنا محمد r غير كونه مثل موسى , فلم تَقُل البشارة ( نبياً من أنفسهم ) حتى يظنوا أن هذا النبى من بنى إسرائيل ( أى من بنى يعقوب بن إسحاق – على نبينا وعليهما الصلاة والسلام – لأن إسرائيل هو يعقوب ) ولكنها قالت : ( من وسط إخوتهم ) وهم العرب أبناء إسماعيل , على نبينا وعليه الصلاة والسلام. والكتاب المقدس نفسه يثبت أن أبناء إسماعيل إخوة لأبناء إسحاق : فولدت هاجر لأبرام ابناً. ودعا أبرام اسم ابنه الذى ولدته هاجر إسماعيل. (تكوين16: 15) ( أبرام معناه إبراهيم ) وأمام جميع إخوته يسكن. (تكوين16: 12) وهذه سِنو حياة إسماعيل. مئة وسبع وثلاثون سنة. وأسلم روحه ومات وانضم إلى قومه. وسكنوا من حويلة إلى شور التى أمام مصر حينما تجىء نحو أشور. أمام جميع إخوته نزل (تكوين25: 17-18)

وقد قالت البشارة : ( وأجعل كلامى فى فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به ) وهذا ينطبق على سيدنا محمد r لأنه عندما جاءه جبريل u فى غار حراء وقال له مرتين : {اقْرَأْ} ورد عليه r فى كل منهما بقوله : (( ما أنا بقارئ )) فقال له فى الثالثة : {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ{2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ{3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ{4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} عَلِمَ الرسول r أن أمر جبريل له بالقراءة هو أن يردد هذا القول خلفه , لا أن يقرأ من كتاب , وهذا ما دلَّت عليه بشارة الكتاب المقدس ( وأجعل كلامى فى فمه ) أى أنه ينطق بكلام الله .

ثم إن الكتاب المقدس نفسه ينفى مجىء نبى من بنى إسرائيل مثل موسى , فيقول : ولم يَقُمْ بَعْدُ نبى فى إسرائيل مثل موسى الذى عرفه الرب وجهاً لوجه (تثنية34: 10)

وهناك بشارات أخرى بالرسول r فى الكتاب المقدس , ومنها : أو يُدفَع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة ويُقال له اقرأ هذا فيقول لا أعرف الكتابة (إشعياء29: 12) وهذا النص واضح الدلالة على أنه سيدنا محمد r .

جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبال فاران وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم. (تثنية33: 2) ( جاء الرب ) أى جاء مَلاك الرب بالوحى , وهذا يعنى نبوَّة سيدنا موسى , ثم نبوة سيدنا عيسى , ثم نبوة سيدنا محمد – صلوات الله وسلامه عليهم – حسب ترتيبهم الزمنى , لأن ( سيناء ) هى مهبط الوحى على سيدنا موسى , و( سعير ) مهبط الوحى على سيدنا عيسى , و( فاران ) مهبط الوحى على سيدنا محمد r . والدليل على أن ( فاران ) هى ( مكة المكرمة ) أن الكتاب المقدس ذكر أن سيدنا إسماعيل سكن فيها : وكان الله مع الغلام فكبر. وسكن فى البرية وكان ينمو رامى قوس. وسكن فى بريَّة فاران. وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر (تكوين21: 20-21) ولكنهم يغالطون أنفسهم ويقولون إن ( فاران ) هى ( إيلات ) مع أن ( إيلات ) لم يُبعَث فيها نبى قط . ونلاحظ أن النَّص قال : ( تلألأ من جبال فاران ) وقد أنزل الوحى على سيدنا محمد r وهو فى غار حِراء على جبل النور , وكلمة ( تلألأ ) أقوى من ( جاء ) و( أشرق ) أى أن نور رسالة سيدنا محمد r أقوى من سابقتيها , وهناك دليل آخر فى هذا النَّص (أى: تثنية33: 1-2) ولكنه فى الترجمة الإنجليزية للكتاب المقدس , حيث تقول البشارة :

The LORD came from Sinai, and rose up from Seir unto them; he shined forth from mount Paran, and he came with ten thousands of saints

أى أن الذى تلألأ من جبال فاران أتى ومعه عشرة آلاف قديس , وهى إشارة لدخول الرسول r إلى جبال فاران ( أى جبال مكة ) عام الفتح , ومعه عشرة آلاف من أصحابه الكِرام y ولكنهم أخفَوا هذا النَّص من الترجمة العربية , حتى لا يكون واضح الدلالة على نبوة سيدنا محمد r وبعد هذا يزعمون أنه لا يمكن التلاعب بالكتاب المقدس !

الله جاء من تِيمان والقدوس من جبل فاران. سِلاه. جلاله غطى السماوات والأرض امتلات من تسبيحه. وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع وهناك استتار قدرته. قُدّامه ذهب الوَبَأ وعند رجليه خرجت الحُمَّى. (حبقوق3: 3-5) وقد ذكرنا أن فاران هى مكة , وأظن أنه لا يتمارى اثنان فى أن سيدنا محمد r وأُمَّته هم أكثر أهل الأرض تسبيحاً لله جل وعلا , ومعلوم أن الرسول r عندما هاجر إلى المدينة المنورة هو وأصحابه y كان بها وباء أصاب بعضهم بالحُمَّى الشديدة , فدعا رسول الله r ربه عز وجل أن ينقل الوباء إلى خارج المدينة , فاستجاب الله سبحانه وتعالى لدعائه .

عن أم المؤمنين عائشة – رضى الله عنها – قالت : قَدِمنا المدينة وهى وَبِيئَة , فاشتكى أبو بكر واشتكى بلال , فلما رأى رسول الله r شكوى أصحابه قال : (( اللهم حَبِّب إلينا المدينة كما حبَّبت مكة أو أشد , وصَحِّحها , وبارك لنا فى صاعِها ومُدِّها , وحَوِّل حُمّاها إلى الجُحْفَة )) [صحيح مسلم] وقال رسول الله r : (( رأيت كأن امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى قامت بمَهَيْعَة – وهى الجُحفة – فأوَّلْتُ أن وباء المدينة نُقِل إليها )) [صحيح البخارى]

وَحْىٌ من جهة بلاد العرب. فى الوَعْر فى بلاد العرب تبيتين يا قوافل الددانيين. هاتوا ماء لمُلاقاة العطشان يا سكان أرض تَيْماء وافُوا الهارب بخُبْزِه. فإنهم من أمام السيوف قد هربوا. من أمام السيف المسلول ومن أمام القوس المشدودة ومن أمام شدة الحرب. فإنه هكذا قال لى السيد فى مدة سنة كَسَنَة الأجير يَفنَى كل مجد قيدار وبقية عدد قِسِىّ أبطال بنى قيدار تَقِل لأن الرب إله إسرائيل قد تكلم (إشعياء21: 13-17)

دعونا نسألكم : أىّ وَحْى هذا الذى جاء من جِهَة بلاد العرب إن لم يكن الوحى الذى أُنزِل على الرسول r ؟ وهل هناك أى نبى من أنبياء بنى إسرائيل خرج من بلاد العرب ؟

ربما يلتبس الأمر على البعض ويظن أن خروج أنبياء بنى إسرائيل – صلوات الله وسلامه عليهم – من أرض فلسطين يُعَد خروجاً من بلاد العرب , ولكن الحقيقة غير ذلك , فإن فلسطين وما جاورها من الدّوَل كانت – وما زالت – تُسمَّى ببلاد الشام , أما بلاد العرب فهى تُطلَق على بلاد الجزيرة العربية .

 وهذا النَّص واضح الدلالة على البشارة بالرسول r وهجرته إلى المدينة المنورة هروباً من اضطهاد مكة وتعذيبها له ولأصحابه y , وذلك لأن ( تَيْماء ) هى أرض تقع شمال المدينة المنورة , والددانيون هم أبناء سيدنا إبراهيم – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – بدليل ما جاء فى الكتاب المقدس نفسه :

وعاد إبراهيم فأخذ زوجة اسمها قَطُورَة. فولدت له زِمْران ويَقْشان ومَدَان ومِدْيان ويِشْباق وشُوحاً. وولد يَقْشان شَبَا ودَدَان. (تكوين25: 1-3)

أما بنو قيدار فهم أجداد العرب , من نسل سيدنا إسماعيل – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – بدليل من الكتاب المقدس أيضاً , ألا وهو :

وهذه أسماء بنى إسماعيل بأسمائهم حسب مواليدهم. نبايوت بِكْر إسماعيل وقيدار وأدبئيل ومبسام (تكوين25: 13)

ومجد قيدار الذى ذُكِرَ فى النَّص هو مجد قريش , لأن قريش كانت بمثابة العاصمة للجزيرة العربية , وكانت لها مكانتها العظيمة – التى لا يمارى فيها اثنان – بين قبائل العرب , وذلك – كما هو معلوم – لوجود بيت الله الحرام والكعبة المشرَّفة فيها , وقد جاء فى النَّص : ( فى مدة سنة كَسَنَة الأجير يَفنَى كل مجد قيدار ) وهذا ما حدث بالفعل , فقد هزم الله قريشاً فى موقعة بدر بعد عام من الهجرة , وفقدت مكانتها وهيبتها بين القبائل العربية , وقُتِلَ فيها العشرات من وُجَهاء القوم وأفضل فرسانهم , وذلك معنى : ( وبقية عدد قِسِىّ أبطال بنى قيدار تَقِل )

هُوَذا عبدى الذى أعْضُدُه مُختارى الذى سُرَّت به نفسى. وضعتُ روحى عليه فيُخرِج الحق للأمم. لا يصيح ولا يَرفع ولا يُسمِع فى الشارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصِف وفتِيلَة خامدة لا يُطفِئ. إلى الأمان يُخرِج الحق. لا يَكِلّ ولا ينكسر حتى يضع الحق فى الأرض وتنتظر الجزائر شريعته (إشعياء42: 1-4) النصارى يقولون إن هذه البشارة خاصة بالمسيح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – ولكنهم يغالطون أنفسهم , لأنهم لا يعترفون بأن السيد المسيح عبد , بل يزعمون أنه الله أو ابن الله , كما أن البشارة تتحدث عن مجىء من يختاره الله ليُخرِج الحق للأمم , وينتظر العالم شريعته , والمسيح لم يُرسَل إلى جميع الأمم , بدليل قوله : لم أُرسَل إلا إلى خِراف بيت إسرائيل الضالَّة. (متى15: 24) أما الرسول r فهو الذى أُرسِل لجميع الأمم {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] وشريعته هى التى ستسود العالم بعِزّ عزيز أو بذُلّ ذليل , عِزّاً يُعِزُّ اللهُ به الإسلام وأهله , وذُلاً يُذِلُّ اللهُ به الشرك وأهله .

غنوا للرب أغنية جديدة تسبيحه من أقصى الأرض. أيها المنحدرون فى البحر وملؤه والجزائر وسكانها. لترفع البَرِيَّة ومُدُنها صوتها الديار التى سكنها قيدار. لتترنم سُكّان سالِع. من رؤوس الجبال ليهتفوا. ليُعطوا الرب مجداً ويُخبروا بتسبيحه فى الجزائر. (إشعياء42: 10-12) وقد ذكرنا أن أهل قيدار هم أهل مكة , وفى مكة تُرفَع الأصوات بالتكبير والتهليل والتحميد , وخصوصاً فى الحج والعمرة والأذان والأعياد , أما من يظنون أن هذه البشارة خاصة بالمسيح عليه السلام , فنسألهم ونقول لهم : هل أتى السيد المسيح بتسبيحات جديدة , أم أن عبادته وشريعته كانت على نَهْج رسالة سيدنا موسى , على نبينا وعليهما الصلاة والسلام ؟ ولو كان جاء بتسبيحات جديدة.. فهل رفع أهل قيدار أصواتهم بها ؟

غنُّوا للهِ رنِّموا لاسْمِه. أعِدِّوا طريقاً للراكب فى القِفار باسمه ياهْ واهتفوا أمامه. أبو اليتامى وقاضى الأرامل اللهُ فى مَسْكَن قُدْسِه. (مزمور68: 4-5) ( باسمه ياهْ ) أى باسم الله , لأن كلمة ( ياهْ ) تعنى فى بعض نُسَخ الكتاب المقدس ( الله ) والرسول r أبو اليتامى , سواء أولاده الذين كانوا من السيدة خديجة – رضى الله عنها – أو من تكفَّل برعايتهم بعد موت آبائهم , مثل أولاد زوجته أم سَلَمَة – رضى الله عنها – وأولاد سيدنا جعفر بن أبى طالب t بعد استشهاد أبيهم فى غزوة مؤتة , كما أنه r كانت كل زوجاته – رضى الله عنهن – أرامل , ما عدا السيدة عائشة , فهو قاضيهن , أى الذى ينصِفهن , ويقضى فى أمرهن بالحق , وقد جعل الله بيته داخل مسجده ( اللهُ فى مَسْكَن قُدْسِه )

والرسول r – بالإضافة لكفالته لليتامى – فقد أوصى بهم فى أحاديث كثيرة , منها قوله : (( أنا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا )) وأشار بالسَّبابة والوُسْطَى ( أى أُصبعيه السبابة والوسطى ) وفرَّج بينهما شيئاً [صحيح البخارى] وأوصى أيضاً بالأرامل , فقال : (( الساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله , أو كالذى يصوم النهار ويقوم الليل )) [صحيح البخارى]

ونحن نعلم أن اليتيم هو الذى فقد أباه , ولكن عندما يقال : ( أبو اليتامى ) ينصرف الذهن إلى رجل ماتت زوجته , وتركت له أولاداً , أو تكفَّل بيتامى آخرين , والأمران تحققا للرسول r هذا بالإضافة لما فى النَّص من تلميح لهجرته r ( أعِدِّوا طريقاً للراكب فى القِفار )

قال رسول الله r : (( إن مثلى ومثل الأنبياء من قبلى , كمثل رجل بنى بيتاً , فأحسنه وأجمله , إلا موضع لَبِنَة من زاوية , فجعل الناس يطوفون به , ويعجبون له , ويقولون هلا وُضِعَت هذه اللَبِنَة , فأنا اللَبِنَة , وأنا خاتم النبيين )) [صحيح البخارى] وقد جاء فى الكتاب المقدس على لسان سيدنا داود – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – ما يوافق هذا الكلام :

الحجر الذى رفضه البنّاؤون قد صار رأس الزاوية. من قِبَل الرب كان هذا وهو عجيب فى أعيننا (مزمور118: 22-23) إن هذا معناه أن جميع أنبياء بنى إسرائيل – على نبينا وعليهم الصلاة والسلام – تشير إليهم الحجارة الكثيرة فى بناء بيت الرب , أما الحجر الذى هو رأس الزاوية , والذى يمسك البناء كله , فهو – وإن كان حجراً واحداً – إلا أنه هو الأهم والأعظم أثراً فى إقامة هذا البناء وتماسكه , وهو يشير بذلك إلى سيدنا محمد r باعتباره خاتم النبيين , وبرسالته يتم البناء ويكتمل . ولقد ظن النصارى أن هذه البشارة خاصة بالمسيح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – فى حين أن المسيح نفسه قال : 

اسمعوا مثلاً آخر. كان إنسان رب بيت غرس كَرْماً وأحاطه بسياج وحفر فيه معصرة وبنى بُرجاً وسَلَّمه إلى كرّامين وسافر. ولما قرب وقت الأثمار أرسل عبيده إلى الكرّامين ليأخذ أثماره. فأخذ الكرّامون عبيده وجلدوا بعضاً وقتلوا بعضاً ورجموا بعضاً. ثم أرسل أيضاً عبيداً آخرين أكثر من الأولين. ففعلوا بهم كذلك. فأخيراً أرسل إليهم ابنه قائلاً يهابون ابنى. وأما الكرّامون فلما رأوا الابن قالوا فيما بينهم هذا هو الوارث. هلمُّوا نقتله ونأخذ ميراثه. فأخذوه وأخرجوه خارج الكَرْم وقتلوه. فمتى جاء صاحب الكَرْم ماذا يفعل بأولئك الكرّامين. قالوا له. أولئك الأردياء يُهلكهم هلاكاً رَدِيّاً ويُسَلِّم الكَرْم إلى كرّامين آخرين يعطونه الأثمار فى أوقاتها. قال لهم يسوع أمَا قرأتم قط فى الكتب. الحجر الذى رفضه البنّاؤون هو قد صار رأس الزاوية. من قِبَل الرب كان هذا وهو عجيب فى أعيننا. لذلك أقول لكم إن ملكوت الله يُنزَعُ منكم ويُعطَى لأُمَّة تعمل أثماره. ومن سقط على هذا الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه (متى21: 33-44) فى هذ النَّص يضرب المسيح عليه السلام مثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} – للأنبياء الذين أرسلهم الله جل وعلا لهداية خلقه , فجلدهم المكذبون بهم , وقتلوهم , ورجموهم , ثم أرسل الله إليهم المسيح , فقتلوه هو أيضاً بزعمهم ( ابن الله فى الكتاب المقدس معناها المؤمن بالله ) ثم أخبرهم المسيح أن ( الملكوت ) أى ( النبوة ) ستُنزَع منهم ( أى من بنى إسرائيل ) وتُعطَى لأُمَّة أخرى تقوم بحقها أفضل ممن سبقها , وأشار إلى الحجر الذى صار رأس الزاوية , والذى جاء ذكره فى بشارة سيدنا داود – وهو محمد r – والذى لا يستقيم البناء بغير وجوده , وأن ( من سقط على هذا الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه ) وهذه إشارة لجهاده r فى سبيل الله , وإلى قوة الإسلام , وأن من يعاديه سوف يسحقه الله . وقد حدث هذا عندما استطاع المسلمون الأوائل – رغم قِلَّتهم – الانتصار ( بإذن الله ) على أعظم قوتين فى ذلك الحين , وهما الفرس والروم . إن تنبُّؤ المسيح بقوة النبى r وأمته , يوافق ما جاء فى بشارة سيدنا موسى التى ذكرناها ( ويكون أن الإنسان الذى لا يسمع لكلامى الذى يتكلم به باسمى أنا أطالبه ) أى أن الله سبحانه وتعالى سينتقم ممن لا يطيع هذا النبى المبارك r . 

لقد تبَيَّن لنا من كلام المسيح – عليه السلام – أن عبارة ( ملكوت الله ) تعنى ( النبوة ) حتى لا يقول مجادل : إنها تعنى يوم القيامة . إذ كيف يقول عن يوم القيامة ( يُنزَع منكم ) ؟ ومن ثَم فإن النصوص التالية تؤكد هذا المعنى , أى أن النبوة ستصير لنبى آخر بعد المسيح عليه السلام , ألا وهو رسولنا r : جاء يسوع إلى الجليل يَكْرِز ببشارة ملكوت الله. ويقول قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل (مرقس1: 14-15) ( يَكْرِز ) معناها ( يُبَشِّر )

فقال لهم متى صليتم فقولوا أبانا الذى فى السمَوات. ليتقدس اسمك. ليأتِ ملكوتك. (لوقا11: 2)

فصلوا أنتم هكذا. أبانا الذى فى السمَوات. ليتقدس اسمك. ليأتِ ملكوتك. (متى6: 9-10)

وقد جاءت بشارات أخرى بالرسول r فى الكتاب المقدس باسم ( المُعَزِّى ) أو ( روح الحق ) أو ( الروح القدس ) أو( الكامل ) ومنها ما يلى :

الذى لا يحبنى لا يحفظ كلامى. والكلام الذى تسمعونه ليس لى بل للآب الذى أرسلنى. بهذا كلمتكم وأنا عندكم. وأما المُعَزِّى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى فهو يعلمكم كل شىء ويذكركم بكل ما قلته لكم (يوحنا14: 24-26) و( المُعَزِّى ) معناه ( المُواسِى ) أى الذى يواسى أتباعه , ويُصبِّرهم على ما يلاقونه من الأذى . والرسول r هو الذى علمنا كل شىء , حتى قال أحد اليهود لعمر بن الخطاب t : لقد علمكم نبيكم كل شىء حتى الخِراءة ( أى حتى التطهر من البراز ) أما تذكيره r بما قاله المسيح – عليه السلام – فقد جاء فى آيات كثيرة معلومة .

ومتى جاء المُعَزِّى الذى سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذى من عند الآب ينبثق فهو يشهد لى. وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معى من الابتداء (يوحنا15: 26-27) والرسول r يشهد بنبوة المسيح عليه السلام , ويشهد للحواريين أتباعه بأنهم آمنوا به ونصروه .

لكنى أقول لكم الحق إنه خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المُعَزِّى. ولكن إن ذهبت أرسله إليكم… وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية. ذاك يُمَجِّدنى لأنه يأخذ مما لى ويخبركم. (يوحنا16: 7-14) هذا النَّص يوضح أن ( المُعَزِّى ) أفضل من المسيح , لأنه قال : ( خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعَزِّى ) ويوضح أيضاً أن ( المعَزِّى ) يرشدنا إلى جميع الحق , وهذا لا يحتاج لبيان من سيرته عليه الصلاة والسلام , ويوضح أيضاً أنه يخبرنا بما سيأتى , ولا شك أن الآيات والأحاديث أخبرتنا بغيبيات كثيرة ( كما ذكرنا بعضها فى باب الإخبار عن الغيبيات ) وأخيراً يوضح النص أن ( المُعَزِّى ) يمجِّد المسيح , والرسول r مجَّد جميع الأنبياء والمرسلين – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – ورغم هذا الوضوح فى مدلول النصوص , إلا أنهم يزعمون أن ( المُعَزِّى ) هو روح القُدُس , وهذا القول مردود عليهم , لأن روح القدس كان ملازماً للسيد المسيح عليه السلام , أما المعزى فتقول النصوص إنه سيأتى بعده , وروح القدس بالطبع ليس أفضل من المسيح , ولكن النصوص قالت إن المعزى أفضل منه , كما أن روح القدس لا يتكلم كما يتكلم المعزى , بل هو – كما فى عقيدتهم – روح المسيح التى يحيا بها .

لأننا نعلم بعض العلم ونتنبَّأ بعض التنبُّؤ. ولكن متى جاء الكامل فحينئذ يُبْطَلُ ما هو بعضٌ. (الرسالة الأولى إلى كورنثوس13: 9-10) فمن هو الكامل الذى شملت رسالته كل الرسالات قبله إن لم يكن الرسول r ؟ ومن الذى تكون رسالته كاملة لجميع الأمم ؟ ومن الذى لم تترك رسالته صغيرة ولا كبيرة إلا وتكلمت عنها ؟ إن هذا النص معناه أن علم من قبله وتنبؤاتهم لم تكن كاملة , حتى يأتى r فتكون رسالته الكاملة ناسخة لما قبلها , وهو معنى ( يُبْطَلُ ما هو بعضٌ ) .

وهناك دلائل أخرى فى الكتاب المقدس تشير إلى الرسول r وإلى مكة المكرمة , والمدينة المنورة , وإلى انتصاراته على أعدائه , وغير ذلك , فليرجع إليها من شاء فى مصادرها , ومنها كتاب ( محاضرات فى مقارنة الأديان ) للأستاذ إبراهيم خليل أحمد , وكتاب ( مناظرة بين الإسلام والنصرانية ) وهو عبارة عن مناقشة بين مجموعة من رجال الفكر من الديانتين , الإسلامية والنصرانية , وكتاب ( إظهار الحق ) لرحمة الله بن خليل الرحمن الهندى .

الشهادة له r فى زمننا الحاضر

يقول المفكر الفرنسى لامارتين : محمد هو النبى الفيلسوف الخطيب المشرِّع المحارب قاهر الأهواء , وبالنظر لكل مقاييس العظمة فى البشرية أودُّ أن أتساءل : هل هناك من هو أعظم من النبى محمد ؟

أما الأديب الإنجليزى الشهير برنارد شو فيقول : إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل فى تفكير محمد , هذا النبى الذى لو تولى أمر العالم اليوم لوُفِّق فى حل مشكلاتنا بما يؤمِّن السلامة والسعادة التى يرنو البشر إليها .

أما مايكل هارت فيقول : إن اختيارى لمحمد ليكون الأول فى أهم وأعظم رجال التاريخ قد يدهش القرّاء , لكنه الرجل الوحيد فى التاريخ كله الذى نجح أعلى نجاح على المستويين الدينى والدنيوى .

الزعيم الهندى المهاتما غاندى يقول : بعد انتهائى من قراءة الجزء الثانى من حياة الرسول محمد , وجدت نفسى بحاجة للتعرف أكثر على حياته العظيمة , إنه يملك بلا مُنازع قلوب ملايين البشر .

أما الكاتب الإنجليزى توماس كارلاى فيقول : إنى لأحب محمداً لبراءة طبعِه من الرياء والتصنُّع , إنه يخاطب بقوله الحر المبين قياصرة الروم وأكاسرة العجم , يرشدهم إلى ما يجب عليهم لهذه الحياة الدنيا والحياة الآخرة .

أما الأديب البريطانى جورج ويلز فيرى فى محمد r أعظم من أقام دولة للعدل والتسامح .

وأما الباحث الإنجليزى لايتينر فيقول : إنى لأجهر برجائى بمجىء اليوم الذى يحترم فيه النصارى المسيح عليه السلام احتراماً عظيماً باحترامهم محمداً , ولا ريب فى أن المسيح المعترف برسالة محمد وبالحق الذى جاء به هو المسيحى الصادق .

ويرى الأديب الروسى الشهير تولُستوى أن شريعة محمد r ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة .

ويقول المستشرق ميشون : إن الإسلام الذى أمر بالجهاد قد تسامح مع أتباع الأديان الأخرى , وبفضل تعاليم محمد لم يمس عمر بن الخطاب المسيحيين بسوء حين فتح القدس .

ويقول المؤرخ الفرنسى غوستاف لوبون : إن محمداً هو أعظم رجال التاريخ .

أما مؤلف موسوعة قصة الحضارة ويل ديورانت فيقول : إذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر فى الناس , لقلنا : إن محمداً هو أعظم عظماء التاريخ .

شواهد متفرقات على نُبوَّة الرسول r

هل هناك دجال ظهر على مَر التاريخ فغيَّر ما عليه قومه تغييراً شاملاً , سواء فى عقائدهم أو عباداتهم , أو معاملاتهم وعاداتهم وتقاليدهم , وحوَّلهم من أُناس لا وزن لهم بين الأمم إلى أن يكونوا سادة الأمم كما فعل الرسول r ؟

إنه لا يخفى على أحد ما كان عليه أهل الجزيرة العربية قبل بِعثة الرسول محمد r من عبادة الأصنام التى لا تنفع ولا تضر , ومن اقتراف الموبقات والفواحش , مثل القتل والنهب والسرقة , ومثل الزنى وشرب الخمر والمَيْسِر , وَوَأد البنات , وقطع الطريق , وظلم المرأة , وقهر الخَدَم , والحروب الطاحنة التى كانت تدور بينهم على أتفه الأسباب , إلى غير ذلك مما هو معلوم للعدو قبل الصديق , فأخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم , وحوَّلهم بفضل الله سبحانه وتعالى إلى خير أمة أُخرِجَت للناس , تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر , وتَبَر الآباء والأمهات , وتُحسِن الجِوار , وتصل الرحم , وتوقِّر الكبير , وترحم الصغير , وتكرم المرأة , وتحافظ على الأموال والأعراض , وتعطى الخَدَم حقوقهم , وتحفظ كرامتهم , وتصون العفة , وتستر العورات , وتحرم الرِّشوة والغش والكذب , والغيبة والنميمة , وسائر الأخلاق الذميمة , وتحافظ على الصحة البدنية والعقلية والنفسية , وترفُق بالطير والحيوان وجميع الكائنات… إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق . 

إن هذا التحوُّل – الذى ذكرنا بعضه – فى عقائد وسلوكيات وأخلاقيات أتباعه r كان غريباً , لأن الرسول r جاء ليعمل فى أرض بور خالية من التوحيد , ولم يساعده أحد إلا الله , أما مَن سبقه من الأنبياء والمرسلين – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – فكان يساعد بعضهم بعضاً , فإبراهيم كان معه ابن أخيه لوط , وكان معه ولداه إسماعيل وإسحاق , وإسحاق كان معه يعقوب , وكان ليعقوب اثنا عشر ابناً هم الأسباط , وموسى كان يساعده أخوه هارون ويوشع بن نون تلميذه , وزكريا كان معه ابنه يحيى , وعيسى كان معه ابن خالته يحيى , وقد جاء وقومه موحدون , وهم أتباع موسى , أما الرسول r فقد أُرسِل إلى قوم مشركين , ليس لهم علاقة بأى دين , ولا يؤمنون بالبعث والحساب , والجنة والنار , فبينه وبين جده إسماعيل حوالى خمسة آلاف سنة , ولذلك قال له الله سبحانه وتعالى : {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [السجدة:3]

هل سمع التاريخ أجمع على مر السنين أن دجالاً أو مُدَعِياً للنبوَّة شغل نفسه بكل صغيرة وكبيرة فى حياة أتباعه ؟

وبمعنى آخر : هل هناك دجال يشغل نفسه بتعليم أتباعه كل شىء من العقائد والعبادات , والمُعاملات الاجتماعية بينهم وبين آبائهم وأزواجهم وأولادهم وأقاربهم وجيرانهم… إلخ , ويَسُن لهم قوانين الزواج والطلاق والميراث وغير ذلك , ويخبرهم بما مضى من أحوال الأمم التى سبقتهم , وبما سيكون فى مستقبلهم ومستقبل ذرياتهم , ويعلمهم ما ينفعهم فى معايشهم , وينهاهم عما يضرهم , سواء فى أبدانهم أو أموالهم أو أعراضهم , ويعلمهم النظافة وسُبُل الوقاية من الأمراض , ويصف لهم بعض العلاجات لبعض الأمراض , وغير ذلك الكثير والكثير , حتى إنه يعلمهم كيفية الاستنجاء للتطهُّر من بولهم وغائطهم ؟

إن الرسول r كان قِمَّة ومثالاً صالحاً يُحتذَى فى كل شىء , فى عبادته وأخلاقه ورجولته , فى زهده وتواضعه وخشوعه وصبره وحِلمه , فى صِدقه وإنصافه وعدله , فى بيته مع زوجاته وأولاده وخَدَمه وجيرانه , فى تعامله مع أوليائه وأعدائه , فى سياسته وقيادته لجيشه ودولته… إلخ .

إن أى إنسان ممن يسمونهم ( عُظَماء التاريخ ) لا تجده متميِّزاً إلا فى مجال واحد , إما السياسة , وإما القيادة , وإما الفِكْر… إلخ , ويستحيل أن يجمع بين كل صفات الكمال , أما الرسول r فقد كان كاملاً فى كل شىء , ولو اجتمع كمال البشرية كلها ما جاوز كماله r ولا رَقَى إليه .

إن التعاسة التى أصابت البشرية هى من بُعدها عن منهج الله ورسوله r ولو فكر كل واحد منا فيما يَعرِض له من مشاكل مع أهله أو جيرانه أو أقاربه… إلخ , لوجد أن أحد – أو أكثر – الأطراف المتنازعة قد خالف أمر الله ورسوله r فتسبب فى وجود تلك المشاكل , فهى إما أن تكون ناتجة – مثلاً – عن سَبّ  وشتم وقذْف وغِيبة ونميمة , أو دَجَل وسرقة ونَصْب واحتيال , أو ظلم وغش ورِشوة وأكل لأموال الناس بالباطل… إلخ , حتى المشاكل على مستوى الدولة – بل على مستوى العالم – فهى أيضاً نتيجة مخالفة أوامر الله سبحانه وتعالى , وأوامر رسوله r ومن أمثلتها وجود الفقراء المُعدَمين , واليتامى المحتاجين , والمرضى العاجزين… إلى غير ذلك من آثار الجشع والطمع والنهب والسرقة , وعدم إخراج الزكاة , وقطع الأرحام , وقلة التراحُم والمودَّة بين الناس… إلخ , ولو أن كل أغنياء العالم أخذوا بمبدأ الزكاة وتصدقوا من فائض أموالهم , لمَا وٌجِدَ فقير على وجه الأرض , ولمَا وجدنا إخواننا من المسلمين – فى النيجر وغيرها – على هذه الحالة من الفقر والجهل والمرض… إلى غير ذلك مما لا يخفى على أحد .

ومن أمثلة المشاكل المُعاصرة الانهيار الاقتصادى الذى أصاب الدول الصناعية وغيرها من الدّوَل , وقد اعترفوا بأنفسهم أن الحل للخروج من أزمتهم المالية هو فى اتباعهم للنظام الاقتصادى الإسلامى , لأنه لم يحرم الربا فقط, ولكنه حرم المُضاربات والمُخاطَرات الكبيرة والقِمار وعقود الغَرَر ( مثل عقود التأمين )… إلخ , وحَثَّ على الاستثمار المباشر فى المشاريع الحلال النافعة , وحرم الاستثمار فى المشاريع المحرَّمة , مثل تجارة الخمور والخنازير والمشاريع الإباحية… إلخ .        

وقد جاء تقرير مصوَّر من محطة التليفزيون الفرنسية ( Arte ) يقول : إن البنوك الإسلامية هى التى نجت من الأزمة الاقتصادية العالمية , وإن السبب فى ذلك هو التزامها بقواعد القرآن , لأنهم يستثمرون أموالهم فى المشاريع الحقيقية فقط , ولا يسثمرونها فى المُضارَبات , ويقول : إن البنوك الإسلامية تعمل الآن فى لندن فقط , وإن فرنسا تُبدِى اهتمامها بهذه المؤسسات المالية , وإن فى هذا القطاع كثيراً من الانتعاش الاقتصادى , والانتعاش الأكبر ما زال أمامنا , وإن قطاع البنوك الإسلامية فى جميع أنحاء العالم يوظِّف خمسمائة مليار دولار طبقاً لتعاليم القرآن , وإن البنوك الإسلامية تلتزم بعدة مبادئ أخلاقية , فلا تسمح بأخذ الفوائد لأنها ربا , ولا تسمح بالتعامل مع الشركات التى تعمل فى مجالات الإباحية وتجارة السلاح , ولا الاستثمارات ذات المخاطر الكبيرة , أو المُضارَبات المحرَّمة , ويقول التقرير : إن الاقتصاد الإسلامى بدأ تدريسه فى فرنسا , وإن الذين يدرسونه من بلاد عديدة , وإنه نظام شامل , ولا يهتم فقط بالمسلمين , وليس حِكْراً على طائفة من البشر , وإنه قبل كل شىء يوجِّه عالم الأعمال نحو الالتزام بالأخلاق فى الاستثمار , ويقول التقرير أيضاً : إنه فى نيويورك ولندن يوجد مُؤَشِّر إسلامى , وإنه سيوجد فى القريب العاجل فى بورصة فرنسا , وسيكون هناك تداول أوراق لشركات تتوافق أنشتطها مع قواعد الشريعة الإسلامية , وهذا للارتقاء بالمستوى الأخلاقى للأنشطة الاجتماعية , وإن فرنسا تأمَل فى مائة مليار يورو من منطقة الخليج , وإن غالب هذا المال يذهب إلى بريطانيا , حيث يوجد هناك خمسة بنوك إسلامية , وإن فرنسا لديها الأمل فى أن يُستثمَر هذا المال فى الاقتصاد الفرنسى , وإنه يحفِّز كثيراً على تداول رؤوس الأموال , وإن هذا هو سر الإقبال عليه .

وجاء فى تقرير آخر من التليفزيون الألمانى يقول : إن عالم الاقتصاد الإسلامى له شكل مختلف , فلا يوجد به مُضاربات , وإنه سيُطبَّق فى ألمانيا فى القريب العاجل , وإنهم يبحثون حالياً عن نظام جديد للرأسمالية , وإن الشريعة الإسلامية قد وصلت إلى الفاتيكان , الذى يقول : يجب أن تلتزم البنوك فى المستقبل بالقوانين الإسلامية , وإن هذا ما طالبت به صحيفة ( أوسرفرتورو رومانو ) الناطقة الرسمية باسم البابا , وأورد التقرير مقالات خبيرة الاقتصاد ( لوريتا نابليونى ) التى اتُّهِمت بالدعاية للإسلام , لأنها تدعو لتطبيق نظامه الاقتصادى , وتقول لوريتا : إنه كان من الممكن تفادى إفلاس البنوك إذا التزمت هذه البنوك ببعض المبادئ الأخلاقية , والتزمت بالشريعة الإسلامية فى أعمالها المالية , وإنها قارنت النظام المالى الغربى بالنظام المالى الإسلامى , وتوصلت إلى أن النظام المالى الإسلامى خسائره محدودة , لأن الشريعة تحرم الاقتراض المالى مقابل الربا , وتحرم المساهمة مع البنوك التقليدية وشركات التأمين , فقط الاستثمار المباشر هو المسموح به , المشاريع ذات المخاطرة العالية غير مسموح بها , وتقول : نحن لدينا غالباً شخصان أو طرفان يدخلان فى شَراكة , ويتساويان فى تحمل مخاطر هذه الشراكة , وهذا بالضبط عكس ما نعرفه عن الاقتصاد الغربى , وإن المخاطرة أصبحت فى النظام الغربى نوعاً من الاستثمار , وإن التعاملات تتحكم فى زيادة أو هبوط قيمتها , وهذا الذى أوصلهم إلى هذه المرحلة . وقال التقرير : إن لندن هى مركز الاقتصاد الإسلامى فى أوربا , وإنهم لا يشاركون فى المُضاربات , ولا فى إنتاج الخمور أو الإباحية , أو إنتاج الأسلحة , وهناك استثمار مباشر فى مشاريع مشتركة بدلاً من القروض , وإن قطاع هذه البنوك ازداد فى العام الماضى فقط إلى نسبة 20% , وإن مؤسسة المال الأوربية التى تمتلكها قطر تنتمى إلى هذا القطاع , ومديروها ليسوا من المسلمين فقط , يقول أحدهم : جميع أنواع الاستغلال والإفراط فى المخاطر وعمل مال من المال , كل هذه الأشياء محرمة فى الإسلام بشدة , ليس هناك قروض لشراء منزل , وبدلاً من هذا يشترى البنك المنزل , ويطرحه للعميل بإيجار بيع , وهكذا يتساوى الطرفان فى المُخاطرة , وعلاوة على هذا يحقق البنك مكاسب أيضاً , وإن القرآن يتكلم بلغة واضحة جداً , وإن كل المعامَلات المالية يجب أن تستند على أساس قيمة الشراء والبيع الفعلية , وإن الذين حصلوا على قروض ضخمة من البنوك غير الإسلامية جعلوا العالم على حافة الهاوية , وإن موَظَّفى الاستثمار فى البنوك الأمريكية يغادرون منهاتن الأمريكية بتعويضات ضخمة وعلامات النصر , ويذهبون بالسيارات الفاخرة إلى البطالة , وإن فُقّاعة مضاربات البورصة والقروض الواهية كان ممكن تجنبها . وتقول نابليونى : إن أى منتج للبنوك الإسلامية لابد أن يفحص ما يسمى بلجنة الشريعة , وهؤلاء بالطبع مصرفيون ومتخصصون فى الشئون الإسلامية , وإنه يوجد رقابة أخلاقية على المنتجات , وإن الغرب إذا لم يتجه إلى الاقتصاد الإسلامى فسوف تصبح الدول الإسلامية قلب العالم فى القريب العاجل , وإن الرأسمالية العنيدة مصابة بمرض مميت , وتعيش على التغذية القصرية .

وقد وضعت مجلة التايم ( TIME ) الأمريكية على غلافها فى إحدى إصداراتها صورة لسندوتش من اللحم المُسَمَّى ( بِرْجَرْ ) مكتوب تحته : ( The halal economy ) أى الاقتصاد الحلال , ومكتوب أيضاً على الغلاف كلمة ( حلال ) كما هى باللغة العربية , وكتبوا فى هذا العدد ما معناه أن الأكل الحلال والبنوك الحلال والاقتصاد الحلال , مُجمَلاً فى ( الاقتصاد الإسلامى ) يربح سنوياً تريليون دولار , وإنه لم يتأثر بالأزمة الاقتصادية كبقية الاقتصاد غير الإسلامى القائم على الفائدة والتوريق والأوراق… إلخ .

أما بقية الأديان فلم تُحرِّم الربا تحريماً مطلقاً كما حرَّمه الإسلام, فقد جاء فى الكتاب المقدس قوله: إن أقرضتَ فضة لشعبى الفقير الذى عندك فلا تكن له كالمرابى. لا تضعوا عليه ربا (خروج22: 25) ولكن هذا التحريم – للأسف – خاص بأبناء دينهم, بدليل قوله: لا تُقرِض أخاك برباً ربا فضة أو ربا طعام أو ربا شىء ما مما يُقرَض بربا. للأجنبى تُقرِض بربا ولكن لأخيك لا تُقرِض بربا لكى يباركك الرب إلهك (تثنية23: 19-20) وجاء فيه أيضاً (حسب زعمهم) على لسان السيد المسيح, على نبينا وعليه الصلاة والسلام: فلماذا لم تضَع فِضَّتى على مائدة الصيارفة فكنتُ متَى جئتُ أستوفيها مع ربا. (لوقا19: 23)

شواهد أخرى متفرقات على نُبوَّة الرسول r

إن ولادة الرسول r صحبتها بعض المعجزات ( كما جاء فى كثير من كتب السيرة وغيرها ) ومن هذه المعجزات أن جميع الأصنام التى كانت فى الكعبة وقعت يوم ولادته , حتى ( هُبَل ) الذى كان أضخمها , وكان مُثبّتاً فى الأرض بالأوتاد وقع على وجهه . وغارت بُحَيرة ( ساوا ) التى كانت تُعبَد من دون الله , وسقطت كل الكنائس التى حولها , واهتز إيوان ( كسرى ) عظيم الفرس , وسقطت منه بعض الشُّرُفات , وأُطفِئَت نار المجوس التى مر عليها ألف عام وهى مُوقدة , وقد كان الفرس يعبدونها من دون الله , ولم تكن ناراً عادية , فقد كان لها معبد ضخم البنيان , ومصادر لتغذيتها بالوقود من الزيت والخشب , وكان لها دوريات تحرسها ليل نهار , فانطفأت فجأة , مما أثار تشاؤم كسرى , الذى كان يسمى ( أنوشروان ) وكاد يفتك بالجند الموكلين بحراستها , ولكنه سأل الكهنة والسحرة عن السبب فى هذا , فقالوا له : إن نبى العرب قد وُلِدَ , وقد نزل الرسول r شاخصاً ببصره إلى السماء , واضعاً كفّيه على الأرض , كأنه ساجد لله تعالى , وقد حدثت هذه الأشياء كلها كإشارة إلى التوحيد الذى جاء به هذا النبى الخاتم r .

إن الرسول r كان أميّاً , ورغم ذلك فقد كان يَؤُم الناس فى الصلاة بالقرآن دون أن ينسى منه شيئاً , فى حين أن أى واحد منا لابد أن يراجعه مرات ومرات حتى يثبت فى صدره , فلو كان الرسول r دجالاً لنسى بعض الآيات , أو ترتيبها , أو زاد عليها , أو نقص منها , لأن الذى يكذب لابد أن يفتضح أمره , ويظهر كذبه فى يوم من الأيام , ولذلك قيل : ( إن كنت كذوباً فكن ذَكوراً ) وكان من إتقانه r للقرآن أن الآيات كانت تنزل عليه , فيأمر بوضعها بعد آيات معينة أو قبلها , وحين يقرؤها يقرؤها بترتيبها الجديد , دون أن يختلط عليه الأمر , وذلك مع عدم تفرّغه لتلاوة القرآن , فقد كان وقته مشحوناً بكثير من المهام الأخرى , كمقابلة الوفود , والجهاد فى سبيل الله , وغير ذلك من أعمال النبوَّة .

هل يوجد صاحب بضاعة يحب أن ينقِّب الناس فى بضاعته ليكتشف ما قد يكون فيها من عيب ؟ فلو كان الرسول r هو الذى ألَّف القرآن , أكان يدعو قومه – وهم أساطين اللغة وهو أُمِّى – ليتفحصوا كتابه , كى يستخرجوا منه ما قد يجدونه من عيوب ؟ لقد تحداهم القرآن بذلك فى قوله تعالى : {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء:82] وقوله : {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24] إن هذه دعوة لإعمال الفكر فى القرآن , وعدم المرور عليه مرّاً سريعاً , أما أصحاب الرسالات فيتمنَّون أن تُقبل رسالاتهم على حالها ولا يفتش فيها أحد , وإذا اقتبسوها أو سرقوها من رسالات غيرهم ودُّوا ألا يطلع على ذلك أحد , أما القرآن فقد تحداهم أن يمعنوا فيه نظرهم , ويُعمِلوا فيه فكرهم , وتحداهم أيضاً بالمجىء بمثله , أو بسورة مثل سُوَره , فلم يستطيعوا .  

الرسول r تكلم بثلاثة أساليب , ومعروف أن لكل صاحب قلم أسلوباً خاصاً , كالشعراء والأدباء والكتّاب والصحفيين , لدرجة أنك لو قرأت كتاباً أو مقالاً أو شعراً , لحكمت عليه بأنه أسلوب فلان , وكأنه بَصمته , أمّا الرسول r فقد جاء بثلاثة أساليب : القرآن والحديث النبوى والحديث القدسى , وكل أسلوب مختلف عن الآخر , أمّا لو أن أحداً من الكتاب أو غيرهم حاول تغيير أسلوبه , فبعد فترة تجد أن الأساليب قد توحدت فى أسلوب واحد , وكأنك وضعت عدة ألوان مع بعضها , فتكون النتيجة أنها أصبحت لوناً جديداً واحداً .

إن الإنسان إذا استطاع أن يمثل دوراً معيناً على المجتمع كله , فإنه لا يستطيع التمثيل على زوجته , فهى أعلم الناس به , وقد كان الرسول r متزوجاً بتسع نساء , ولم تتحدث أى واحدة منهن – رضى الله عنهن – عن أى شىء من تصرفاته تخالف نبوته , حتى بعد موته , ونحن نرى زوجات الزعماء يفشين أسرارهم , وخصوصاً بعد مماتهم , ولكن زوجات الرسول r لم يفعلن ذلك , مما يدل على أن فِعاله كانت لا تخالف أقواله , وقد كان لهُنَّ ضرائر , وذلك أدعى لإفشاء سره , لأن المرأة تثور ثائرتها – عادة – عند زواج زوجها عليها , أما لو كانت وحدها فإن ولاءها يكون أكثر لزوجها , والسيدة صفية كانت قد سُبِيَت فى غزوة خيبر , فأعتقها الرسول r وتزوجها , وهى بنت ( حُيَىّ بن أخطب ) سيد بنى النضير , وقد قتل الرسول r أباها وأخاها وعمها وزوجها , وكانت قد رأت فى المنام أن القمر سقط فى حِجرها , فحين قصت رؤيتها على أبيها , لطمها على خدها حتى اخضرت عينها , وقال لها : أتريدين أن تتزوجى ملك العرب ؟ ويعنى بذلك سيدَنا محمداً r وكان المفروض – بمنطق البعض – أنها تكره النبى r لقتله هؤلاء الرجال الأربع , ولكنها أسلمت , وحسُن إسلامها , وكانت من خير زوجاته – رضى الله عنهن – ولم ترتد بعد مماته أو تتحدث عنه بسوء , كيف لا.. وقد رأت أخلاقه العظيمة , وسيرته الطيبة فى بيته وخارجه ؟ وقد قالت عنها السيدة عائشة ذات يوم : حسبُك من صفية أنها كذا ( أى قصيرة ) فقال لها : (( لقد قلتِ كلمة لو مُزِجَت بماء البحر لمَزَجَته )) [سنن أبى داود, صحيح الجامع:5140] (( لمزجته )) أى ( عكَّرته ) وقد كانت هذه الكلمة فى غَيبة السيدة صفية , أى أنها لم تسمعها , ورغم ذلك لم يسكت الرسول r عن هذه الغِيبة , مع حبه الشديد للسيدة عائشة , وفضلها على سائر زوجاته – رضى الله عنهن – ورغم حبه لأبيها ومكانته عنده , ورغم أن أبا صفية – كما ذكرنا – كان يهودياً , ورغم أن قِصَر القامة يراه الناس ولا يخفى عليهم ,  فهل هذه أخلاق دجال ؟  

إن الرسول r لم يسترِح من أعباء الدعوة إلى الله يوماً واحداً , منذ أن كلَّفه الله بالقيام بها إلى أن توَّفاه , حتى فى أشد المِحَن التى مرت به , وذلك مثل ما أصابه فى عام الحزن , من وفاة عمه أبى طالب , الذى كان يصد عنه أذى قريش , ومن وفاة زوجته السيدة خديجة – رضى الله عنها – التى كانت تسانده وتشُد أزْره , ولم يسترح أيضاً عندما ماتت بناته – رضى الله عنهن – ولا عندما مات ابنه إبراهيم , ولا حتى عندما جُرِح وأُصيب إصابات شديدة فى غزوة أحد , بل إنه r عندما سمع بعزم الكفار على الرجوع إلى المدينة , رجع ليقاتلهم وهو مُثخَن بالجراح , هو ومن معه من صحابته الكرام y ومكثوا بحمراء الأسد عدة أيام فى انتظار المشركين , ولكنهم لم يأتوا للقائهم , فهل هذه تصرفات دجال ؟

لقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله r أن يقول لمن لم يؤمن بدعوته : {قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سبأ:25] وكان المتوقع أن يقول : ( ولا نُسأَل عما تجرمون ) من باب المساواة , ولكنه قال : {عَمَّا تَعْمَلُونَ} وذلك فى قمة آداب الحوار التى لا يرقَى إليها بَشر , فهل هناك دجال ينسب لنفسه الإجرام – ولو على سبيل الافتراض – ولا ينسبه لمن خالفه ؟

قال الله تعالى : {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} [آل عمران:75] فلو كان الرسول r هو الذى ألَّف القرآن.. أكان يبدأ بذكر الأُمناء على الودائع من أهل الكتاب قبل الذين يفرطون فيها ؟ أم أنه كان يصُب عليهم السَّب واللعن , ثم يستثنى قليلاً منهم لو كان مُنصِفاً ؟

كان النبى r يرى مِن خلفه كما يرى مِن أمامه , ولم يكن له ظل , كرامة له , حتى لا يقف على ظله أحد , ولا يُرَى له أثر بول أو غائط , احتراماً له r وكان لا يتثاءب , لأن التثاؤب يُضحِك الشيطان , وكان لا يحتلم , وتنام عينه ولا ينام قلبه , وتظلله غمامة أينما ذهب , ولا يقف عليه الذباب .

ما الذى جعل الرسول r فى محنة حادثة الإفك شهراً كاملاً ؟ ألم يكن قادراً – لو كان دجالاً – أن يحلها فى يوم وليلة , ويُخرِس ألسنة المنافقين , ويظهر براءة السيدة عائشة , رضى الله عنها ؟ إن صبر الرسول r شهراً كاملاً يدل على أنه غير دجال , ويدل على أنه لم يتكلف شيئاً من القرآن , مع أن المستشرقين يقولون إن القرآن نزل منجَّماً ليحل أزمات ومشاكل محمد , فلِمَ لم تُحَل هذه المشكلة بسرعة ؟ فلو كان دجالاً لألَّف آيات لبراءة زوجته الطاهرة المطهرة , ولَعاقَب من روَّج هذه الشائعة الآثمة أشد العقاب , ولعلَّق لهم المشانق كما يفعل الكثيرون .

نزول الوحى على الرسول r وثِقَل فخذه على فخذ زيد بن ثابت t هل يدل على أنه كان دجالاً ؟ وإذا قيل ربما أنه كان متواطئاً معه , فقد ثقُل على الناقة عند نزول الوحى عليه , حتى بَرَكَت , وكان جبينه يتفصد عرقاً فى الليلة الباردة , فهل هذا كان تمثيلاً ؟

هل عرف التاريخ على مر العصور دجالاً أو حاكماً رد ما أخذه من عدوه من سبايا وغيرها بعدما انتصر عليهم , كما ردَّ رسول الله r على هوازن سباياهم ؟ فقد جاء فى [عيون الأثر] ما نَصّه : وكان r أسخى الناس كفّاً , ما سُئِل شيئاً فقال لا , وأعطى صفوان بن أمية غنماً ملأت وادياً بين جبلين , فقال : أرى محمداً يعطى عطاء من لا يخشى الفقر , وردَّ على هوازن سباياهم , وكانت سِت آلاف .

وَرَدَ فى كتب السيرة أحاديث كثيرة تظهر بركة الرسول r فى تكثير الطعام القليل ليصبح كثيراً – فى عدة مواقف – بإذن الله سبحانه وتعالى , كما وردت أحاديث أخرى تثبت نبع الماء من بين أصابعه r فى عدة مواقف أيضاً , وهذا وغيره فيه دلالة على نبوَّته r إذ كيف يحدث هذا للدجال أو من يدَّعى النبوَّة ؟ وسنذكر مثالاً واحداً على كل منهما , وبالله التوفيق :

عن جابر بن عبد الله – رضى الله عنهما – قال : عملنا مع رسول الله r فى الخندق , فكانت عندى شويهة غير جِدّ سمينة , فقلت : والله لو صنعناها لرسول الله r , فأمرت امرأتى , فطحنت لنا شيئاً من شعير , فصنعت لنا منه خبزاً , وذبحت تلك الشاة , فشويناها لرسول الله r فلما أمسينا , وأراد رسول الله الانصراف عن الخندق – وكنا نعمل فيه نهاراً , فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا – قلت : يا رسول الله.. إنى قد صنعت لك شويهة كانت عندنا , وصنعنا معها شيئاً من خبز هذا الشعير , فأحب أن تنصرف إلى منزلى – وإنما أريد أن ينصرف معى رسول الله r وحده – فلما أن قلت له ذلك , قال : (( نعم )) ثم أمر صارخاً , فصرخ أن انصرفوا مع رسول الله r إلى بيت جابر بن عبد الله , قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون , فأقبل رسول الله r وأقبل الناس معه , فجلس وأخرجناها إليه , فبرَّك وسمَّى الله , ثم أكل , وتواردها الناس , كلما فرغ قوم قاموا , وجاء ناس حتى صدر أهل الخندق عنها [السيرة لابن هشام] شويهة : أى شاة صغيرة .

عن جابر t أن رسول الله r كان بين يديه بالحديبية رَكْوَة فتوضأ فيها , ثم أقبل الناس نحوه , فقال : (( ما لكم ؟ )) فقالوا : يا رسول الله.. ليس عندنا ما نتوضا ولا نشرب إلا ما فى ركوتك , فوضع رسول الله r يده فى الركوة ، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون ، فشربنا وتوضأنا [سبل الهدى والرشاد]

كان أول بيان له r بعد دخوله المدينة المنورة : (( يا أيها الناس..  أفشوا السلام , وأطعموا الطعام , وصِلوا الأرحام , وصلُّوا بالليل والناس نيام , تدخلوا الجنة بسلام )) [صحيح الجامع:7865]‌ ولم يبدأ عهده معهم بخطبة رنانة كما يفعل الملوك والرؤساء والدجالون , ولم يقل لهم مثلاً ( لقد بعثنى الله إليكم لأخرجكم من الظلمات إلى النور , فقد كنتم تعبدون أصناماً لا تنفع ولا تضر , فأنقذكم الله بى , فعليكم بطاعتى حتى تدخلوا الجنة… إلخ ) ولم يقل لهم إنى سأفعل كذا وكذا , وستهنَأون بقيادتى الرشيدة , لأنى سأنقلكم من التعاسة إلى السعادة , ومن الفقر إلى الغنى , وأحُلّ مشاكلكم الاجتماعية والاقتصادية… إلى غير ذلك من الوعود المزيَّفة والأحلام الوردية . 

قال r : (( من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا , وليعتزل مسجدنا , وليقعد فى بيته )) [صحيح الجامع:6084]‌ لو كان الرسول r دجالاً ما الذى كان يضره من البصل والثوم ؟ ألا يريد الدجال كثرة أتباع على أى شاكلة ؟

قال r : (( إن بنى إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين مِلَّة , وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين مِلَّة , كلهم فى النار إلا مِلَّة واحدة )) فقيل له : ما الواحدة ؟ قال : (( ما عليه أنا وأصحابى )) [صحيح الجامع:5343] فلو كان الرسول r دجالاً لَمَا قال ذلك , وَلَقال إن أُمَّته كلها على الحق , وإنهم سيدخلون الجنة وحدهم دون غيرهم , وإنهم كذا وكذا… إلخ .

عن جابر بن عبد الله – رضى الله عنهما – أن قتادة بن النعمان t أصيبت عينه يوم أحد حتى سالت على خده , فردها رسول الله r مكانها , فكانت أحسن عينيه وأحَدّهما ، وكانت لا تَرمَد إذا رَمدَت الأخرى [السيرة النبوية لابن كثير] فهل الدجال يستطيع فعل ذلك ؟ وإذا فعل.. أفلا يَرُد ذلك إلى قدرته ومهارته الشخصية , ليطلب كثرة التابعين والمهللين المبهورين ؟

انتصار الرسول r فى غزوة بدر – رغم قِلَّة العدد والعُدَّة – ألا يدل على أن الله هو الذى نصره ؟ لقد خرج هو وأصحابه y لقطع الطريق على قافلة أبى سفيان فى عودتها إلى مكة , لعلهم يستردون بعض ما أخذه الكفار منهم ظلماً وعدواناً , وما استحوذوا عليه من بيوتهم وممتلكاتهم فى مكة , ففوجئوا بأن أبا سفيان نجا بالقافلة , وسار بها إلى طريق آخر , وأن قريشاً قد جمعت العُدَّة لقتالهم , ولم يكن الصحابة y قد أعدوا العدة لقتالهم , حتى إن كثيراً منهم تخلفوا عنها , لعدم علمهم بوقوع حرب بينهم وبين المشركين , وكان عدد المشركين ألفاً , معهم الدروع والسيوف والرِّماح والخيول , أما المسلمون فكان عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً , وليس معهم إلا فَرَسان , ولم يكن معهم دروع ولا رماح , فهل هذا النصر كان ممكناً بمقاييس البشر ؟

وهنا نقطة هامَّة يغفل عنها الكثيرون ممن يثيرون الشبهات الباطلة حول الإسلام , ويقولون : ( إنه انتشر بالسيف ) فلو كان قولهم حقاً فى انتشار الفتوحات الإسلامية شرقاً وغرباً فى ذلك الزمن القياسى , أكانت هذه الفتوحات فى ذلك الزمن اليسير تؤيد ظنهم فى عدم نبوة الرسول r ؟

وبمعنى آخر : لو كان الرسول r دجالاً – وحاشاه – هل كان يستطيع هو وأصحابه y أن ينتصروا على أعظم امبراطوريتين فى ذلك الوقت , وهما الفُرْس والرُّوم ؟

لقد عجز العرب قاطبة قبل بعثته r أن يصدوا – فقط – عدوان أبْرَهَة وجيشه , حينما أرادوا هدم الكعبة , وقد حاولت بعض القرى التصدى له وهو فى طريقه إلى مكة , فقهرهم وأسَرَ زعماءهم , فلاذوا بالفِرار , وصعدوا إلى أعالى الجبال ليستتروا منه , وبعد بضع سنين من بعثة الرسول المباركة , وخلافة أبى بكر وعمر – رضى الله عنهما – انقلب الحال رأساً على عَقِب , وهزم المسلمون الفُرْس والرُّومان , وفتحوا البلاد التى كانت تحت إمرتهم , أليس فى هذا ما يثير الدهشة والعَجَب ؟

فلو أن أعداء الإسلام – الذين لا يرون الشمس فى كبد السماء ساطعة – عندهم أدنى قدر من الإنصاف أو البصيرة , لأدركوا أن هذه الانتصارات كان لا يمكن وقوعها إلا بتأييد من الله تبارك وتعالى , وَلَثارت دهشتهم من انتصار العرب المسلمين – قليلى العدد والعُدَّة والخبرة العسكرية والتسَلُّح – على الفُرْس والرومان , وهم فيما كانوا فيه من القوة والمَنَعَة , والخبرة العسكرية , والتسَلُّح بالأسلحة الراقية الفعَّالة المدمرة ( كما هو الحال فى عصرنا الحاضر ) فى حين أن أسلحة المسلمين كانت بدائية الصُّنع , وأغلبها السيوف والرِّماح والنِّبال , ولكنهم كانوا يتسلحون بأقوى سلاح وُجِدَ على وجه الأرض , ألا وهو الإيمان بالله , والاعتصام به , والتوكُّل عليه , وبذل الغالى والرخيص فى سبيل إعلاء كلمته , والتضحية بأموالهم وأنفسهم وأهليهم وكل ما يملكون لرفع راية التوحيد فى الأرض , وتحكيم شرع الله فى ربوع المعمورة , من أدناها إلى أقصاها , لا يبتغون بذلك مالاً ولا جاهاً , ولكن يبتغون فضلاً من الله ورِضواناً .

عدم تغيير مَنهَجه r

إن الرسول r جاء بثلاثة أساليب (كما ذكرنا من قبل) وهى أسلوب القرآن والأحاديث والأحاديث القدسية, وكل هذه الأساليب تسير وِفْق نَسَق واحد, بمعنى أنه لا يوجد تنافر بينها ولا اختلاف, فلا خلاف بين آيات القرآن الكريم, قال الله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء:82] كما أنه لا يوجد تنافر ولا اختلاف بين الأحاديث وبعضها, ولا بين القرآن والأحاديث, ولا بينهما وبين الأحاديث القدسية, إلا فى بعض الأحكام التى نُسخِت واسْتُبدِلت بغيرها, وهى فى مُجْمَلها لا تُمثِّل تناقضاً واضحاً بين بعضها البعض, ولكنها اختلافات يسيرة ولأسباب, ذكرنا بعضها فى الرد على الشبهة رقم31 من كتاب (ردود علماء المسلمين على شبهات الملحدين والمستشرقين) فلا يوجد فى الإسلام – مثلاً – فرض عقوبة على شارب الخمر ثم العفو عنه, ولا فرض عقوبة على الزانى ثم العفو عنه, ولا أمر بتعرية النساء ثم الأمر بحجابهن, ولا أمر بقتل الأطفال ثم الأمر بحبهم والرفق بهم, ولا أمر بحرق المُدُن والشعوب, ثم الأمر بالتسامح مع الأعداء والدعاء لهم.. وهكذا, ولو كان الرسول r دجالاً أو شاعراً (كما يقولون) لوجدنا اختلافات كثيرة بين كلامه وتصرفاته وأوامره ونواهيه, فإن الشعراء لهم أحوال نفسية متقلبة كسائر البشر, ويظهر ذلك فى شعرهم, فتراه متناقضاً حسب أحوالهم ومصالحهم.

أما الكتاب المقدس فبين عهدَيه القديم والجديد تنافر واختلاف وتباعُد أكثر مما بين السماء والأرض, فبينما يأمر العهد القديم بتدمير الشعوب وإهلاكها وحرقها بالنار بما فيها ومن فيها, نجد العهد الجديد يأمر بالرحمة والرأفة والعفو عن الأعداء, إلا فى بعض نصوصه التى سنذكر أمثلة منها (إن شاء الله) ولكنها لا تُقارَن بالعنف والقسوة والوحشية التى وردت فى نصوص العهد القديم من حيث عددها ومُحتَواها.

يقول العهد القديم مثلاً:

فالآن اذهب واضرب عماليق وحرِّموا كل ماله ولا تعفُ عنهم بل اقتل رجلاً وامرأة. طفلاً ورضيعاً. بقراً وغنماً. جَمَلاً وحِماراً. (صموئيل الأول15: 3)

وسَبَى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكل أملاكهم. وأحرَقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار. (عدد31: 9-10)

اعبروا فى المدينة وراءه واضربوا. لا تشفق أعينكم ولا تعفوا. الشيخ والشاب والعذراء والطفل والنساء اقتلوا للهلاك. ولا تقربوا من إنسان عليه السمة وابتدئوا من مقدسى. فابتدأوا بالرجال الشيوخ الذين أمام البيت. وقال لهم نجسوا البيت واملأوا الدور قتلى. (حزقيال9: 5-7)

وأخرج الشعب الذى فيها ووضعهم تحت مناشير ونوارج حديد وفؤوس حديد وأمَرَّهم فى أَتُون الآجر وهكذا صنع بجميع مدن بنى عمون. ثم رجع داود وجميع الشعب الى أورشليم (صموئيل الثانى12: 31) كلمة (أتُون) معناها فُرْن.

ملعون من يعمل عمل الرب برخاء وملعون من يمنع سيفه عن الدم (إرميا48: 10)

فقال لهم إيليا أمسكوا أنبياء البعل ولا يفلت منهم رجل. فأمسكوهم فنزل بهم إيليا إلى نهر قيشون وذبحهم هناك (الملوك الأول18: 40)

ويكون عند أخذكم المدينة أنكم تضرمون المدينة بالنار. كقول الرب تفعلون. انظروا. قد أوصيتكم. (يشوع8: 8)

وهناك نصوص أخرى كثيرة جداً غير هذه فى العهد القديم تأمر بالعنف والوحشية (مثل التى ذكرناها فى باب نسمات من رأفته ورحمته r) لدرجة أكْل الآباء والأبناء والمشيمة:

لأجل ذلك تأكل الآباء الأبناء فى وسطك والأبناء يأكلون آباءهم (حزقيال5: 10)

فتأكل ثمرة بطنك لحم بنيك وبناتك الذين أعطاك الرب إلهك فى الحصار والضِّيقَة التى يضايقك بها عدوك. الرجل المتنعِّم فيك والمترفِّه جداً تبخل عينه على أخيه وامرأة حضنه وبقيَّة أولاده الذين يبقيهم بأن يعطى أحدهم من لحم بنيه الذى يأكله لأنه لم يبق له شىء فى الحصار والضيقة التى يضايقك بها عدوك فى جميع أبوابك. والمرأة المتنعِّمة فيك والمترفِّهة التى لم تجرِّب أن تضع أسفل قدمها على الأرض للتنعُّم والترفُّه تبخل عينها على رجل حضنها وعلى ابنها وبنتها بمشيمتها الخارجة من بين رجليها وبأولادها الذين تلدهم لأنها تأكلهم سِرّاً فى عِوَز كل شىء فى الحصار والضيقة التى يضايقك بها عدوك فى أبوابك. (تثنية28: 53-57)

ثم قال لها المَلَك مالِك. فقالت إن هذه المرأة قد قالت لى هاتى ابنك فنأكله اليوم ثم نأكل ابنى غداً. فسَلَقْنا ابنى وأكلناه ثم قلتُ لها فى اليوم الآخر هاتى ابنك فنأكله فخبّأَت ابنها. (الملوك الثانى6: 28-29)

وفى المقابل نجد العهد الجديد يقول:

 سمعتم أنه قيل عَيْن بعَين وسِنّ بسِنّ. وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر. بل من لطمك على خدك الأيمن فحوِّل له الآخر أيضاً (متى5: 38-39)

سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم أحبُّوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلُّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم. (متى5: 43-44)

ومن لا يحب لا يعرف الله لأن الله محبة. (رسالة يوحنا الأولى4: 8)

ولكنه مع ذلك لا يتنازل عن العنف فى بعض الأحيان, فيقول مثلاً:

 لأن إلهنا نار آكلة (الرسالة إلى العبرانيين12: 29)

أما أعدائى أولئك الذين لم يريدوا أن أَمْلِكَ عليهم فَأْتُوا بهم إلى هنا واذبحوهم قُدّامى (لوقا19: 27)

لا تظنوا أنى جئتُ لألقى سلاماً على الأرض. ما جئتُ لألقى سلاماً بل سيفاً. فإنى جئتُ لأفرِّق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها والكنَّة ضد حماتها. وأعداء الإنسان أهل بيته. (متى10: 34-36)

جئتُ لألقى ناراً على الأرض. فماذا أريد لو اضطرمت. ولى صبغة أصطبغها وكيف أنحصر حتى تكمل. أتظنون أنى جئتُ لأعطى سلاماً على الأرض. كلا أقول لكم بل انقساماً. (لوقا12: 49-51)

وكان جموع كثيرة سائرين معه فالتفت وقال لهم إن كان أحد يأتى إلىَّ ولا يُبغض أباه وأمّه وأولاده وإخوته وأخواته حتى نفسه أيضاً فلا يقدر أن يكون لى تلميذاً. (لوقا14: 25-26)

فقال لهم لكن الآن من له كيس فليأخذه ومِزوَد كذلك. ومن ليس له فليَبِع ثوبه ويشترِ سيفاً. (لوقا22: 36)

نجد العهد القديم يقسو على النساء والأطفال, لدرجة شق بطون الحوامل, وضرب رؤوس الأطفال بالصخور, بينما نجد العهد الجديد يأمر بحب النساء والرفق بالأطفال.

فيقول العهد القديم مثلاً:

 إذا تخاصم رجلان بعضهما بعضاً رجل وأخوه وتقدمت امرأة أحدهما لكى تخلِّص رُجُلَها من يد ضاربه ومدَّت يدها وأمسكت بعورتِهِ فاقطع يدها ولا تشفق عينك (تثنية25: 11-12)

تُجازَى السامرة لأنها قد تمرَّدت على إلهها. بالسيف يسقطون. تُحَطَّم أطفالهم والحوامل تُشَق (هوشع13: 16) نلاحظ شق بطون الحوامل, كما فعل الصِّرب بمسلمى البوسنة.

طوبى لمن يمسك أطفالك ويضرب بهم الصخرة (مزمور137: 9)

كل من وُجِدَ يُطعَن وكل من انحاش يسقط بالسيف. وتُحَطَّم أطفالهم أمام عيونهم وتُنهَب بيوتهم وتُفضَح نساؤهم (إشعياء13: 15-16)

فتحطِّم القِسِىّ الفتيان ولا يرحمون ثمرة البطن. لا تشفق عيونهم على الأولاد. (إشعياء13: 18)

وفى المقابل نجد العهد الجديد يقول مثلاً:

أيها الرجال أحبوا نساءكم ولا تكونوا قُساة عليهن (رسالة بولس إلى كولوسى3: 19)

فقدَّموا إليه الأطفال أيضاً ليلمسهم. فلما رآهم التلاميذ انتهروهم. أما يسوع فدعاهم وقال دعوا الأولاد يأتون إلىَّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله (لوقا18: 15-16)

نجد العهد القديم يُنزِل أشد العقوبات بالزانيات, لدرجة حرقهن وأولادهن بالنار, بينما نجد العهد الجديد يتساهل معهن ولا يعاقبهن, لدرجة أنه يبشر الزوانى بالملكوت

فيقول العهد القديم مثلاً:

وإذا تدنَّست ابنة كاهن بالزنى فقد دنَّست أباها. بالنار تُحْرَق (لاويين21: 9)

ولما كان نحو ثلاثة أشهر أُخبِرَ يهوذا وقيل له قد زنت ثامار كنَّتك. وها هى حُبْلى أيضاً من الزنى. فقال يهوذا أخرجوها فتُحرَق. (تكوين38: 24)

وأجعل غيرتى عليكِ فيعاملونكِ بالسخط. يقطعون أنفكِ وأذنيكِ وبقيِّتكِ تسقط بالسيف. يأخذون بنيكِ وبناتكِ وتُؤكل بقيِّتكِ بالنار. (حزقيال23: 25)

إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل فى المدينة واضطجع معها فأخرِجوهما كِليهما إلى باب تلك المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا (تثنية22: 23-24)

هكذا دخلوا على أهولة وعلى أهوليبة المرأتين الزانيتين. والرجال الصديقون هم يحكمون عليهما حكم زانية وحكم سفّاكة الدم لأنهما زانيتان وفى أيديهما دم. لأنه هكذا قال السيد الرب. إنى أُصعِدُ عليهما جماعة وأسلِّمهما للجور والنهب. وترجمهما الجماعة بالحجارة ويقطعونهما بسيوفهم ويذبحون أبناءهما وبناتهما ويحرقون بيوتهما بالنار. فأبطل الرذيلة من الأرض فتتأدَّب جميع النساء ولا يفعلنَ مثل رذيلتكما. (حزقيال23: 44-48)

وفى المقابل نجد العهد الجديد يقول:

قال لهم يسوع الحق أقول لكم إن العشّارين والزوانى يسبقونكم إلى ملكوت الله. (متى21: 31)

وسأله واحد من الفريسيين أن يأكل معه فدخل بيت الفريسى واتّكَأ. وإذا امرأة فى المدينة كانت خاطئة إذ علمت أنه متكئ فى بيت الفريسى جاءت بقارورة طيب ووقفت عند قدميه من ورائه باكية وابتدأت تبُل قدميه بالدموع وكانت تمسحهما بشعر رأسها وتُقبِّل قدميه وتدهنهما بالطِّيب. فلما رأى الفريسى الذى دعاه ذلك تكلم فى نفسه قائلاً لو كان هذا نبيّاً لعلم من هذه الامرأة التى تلمسه وما هى. إنها خاطئة… ثم التفت إلى المرأة وقال لسمعان أتنظر هذه المرأة. إنى دخلت بيتك وماء لأجل رجلى لم تُعطِ. وأما هى فقد غسلت رجلى بالدموع ومسحتهما بشعر رأسها. قُبْلة لم تُقبِّلنى. وأما هى فمنذ دخلت لم تَكُفّ عن تقبيل رجلىّ. بزيت لم تدهن رأسى. وأما هى فقد دهنت بالطِّيب رجلىّ. من أجل ذلك أقول لك قد غفرتُ خطاياها الكثيرة… ثم قال لها مغفورة لكِ خطاياك… إيمانك قد خلَّصك. اذهبى بسلام (لوقا7: 36-50)

وقدَّم إليه الكتبة والفريسييون امرأة أُمسِكَت فى زنا. ولما أقاموها فى الوسط قالوا له يا مُعلِّم هذه المرأة أُمسِكَت وهى تزنى فى ذات الفعل. وموسى فى الناموس أوصانا أن مثل هذه تُرجَم. فماذا تقول أنت… ولما استمروا يسألونه انتصب وقال لهم من كان منكم بلا خَطِيَّة فليرمها أوَّلاً بحجر… وبقىَ يسوع وحده والمرأة واقفة فى الوسط. فلما انتصب يسوع ولم ينظر أحداً سوى المرأة قال لها يا امرأة أين هم أولئك المشتكون عليكِ. أمَا دانَكِ أحد. فقالت لا أحد يا سيد. فقال لها يسوع ولا أنا أُدِينك. اذهبى ولا تخطئى أيضاً (يوحنا8: 3-11)

نجد العهد القديم يأمر بقتل شاربى الخمر, بينما نجد العهد الجديد يتساهل معهم, لدرجة أنه يقول إن يسوعاً كان يشربها.

فيقول العهد القديم مثلاً:

إذا كان لرجل ابن معاند ومارد لا يسمع لقول أبيه ولا لقول أمه ويؤدّبانه فلا يسمع لهما. يمسكه أبوه وأمه ويأتيان به الى شيوخ مدينته وإلى باب مكانه ويقولان لشيوخ مدينته. ابننا هذا معاند ومارد لا يسمع لقولنا وهو مسرف وسكِّير. فيرجمه جميع رجال مدينته بحجارة حتى يموت. (تثنية21: 18-21)

وفى المقابل يقول العهد الجديد:

جاء ابن الانسان يأكل ويشرب فتقولون هُوَذا إنسان أكول وشرِّيب خمر. مُحِب للعشّارين والْخُطاة. (لوقا7: 34)

بل إن العهد الجديد نَسَبَ للسيد المسيح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – تحويل الماء إلى خمر, وجعل ذلك أول معجزاته, فقال:

وفى اليوم الثالث كان عُرس فى قانا الجليل وكانت أم يسوع هناك. ودُعِىَ أيضاً يسوع وتلاميذه إلى العُرس. ولما فرغت الخمر قالت أم يسوع له ليس لهم خمر. قال لها يسوع ما لى ولكِ يا امرأة. لم تأتِ ساعتى بعد. قالت أُمُّه للخُدّام مهما قال لكم فافعلوه. وكانت سِتّة أجْرَان من حجارة موضوعة هناك حسب تطهير اليهود يَسَع كل واحد مطرين أو ثلاثة. قال لهم يسوع املأوا الأجران ماء. فملأوها إلى فوق. ثم قال لهم استقوا الآن وقدموا إلى رئيس المتَّكأ. فقدموا. فلما ذاق رئيس المتكأ الماء المتحوِّل خمراً ولم يكن يعلم من أين هى. لكن الخدام الذين كانوا قد استقوا الماء علموا. دعا رئيس المتكأ العريس وقال له. كل إنسان إنما يضع الخمر الجيدة أولاً ومتى سكروا فحينئذ الدُّون. أما أنت فقد أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن. هذه بداية الآيات فعلها يسوع فى قانا الجليل وأظهر مجده فآمن به تلاميذه (يوحنا2: 1-11)

نجد العهد القديم يتكلم بفاحش القول, ويأمر بالزنى وخطف النساء, ويذكر عورات الرجال والنساء (مثل ما جاء فى نشيد الأنشاد وحزقيال16و23) لدرجة أنه يقول إن غُلَف الرجال (أى الجلد الذى يُقطَع فى الختان) كانت مهراً لبنت الملك شاول, بينما نجد العهد الجديد لا يتكلم إلا كلاماً عفيفاً, بل ويأمر بستر النساء وحجابهن, وإن لم يَفعلن فَليُقص شَعرهن.

فيقول العهد القديم مثلاً:

أول ما كلم الرب هوشع قال الرب لهوشع اذهب خذ لنفسك امرأة زنى وأولاد زنى لأن الأرض قد زنت زنى تاركة الرب. فذهب وأخذ جومر بنت دبلايم فحبلت وولدت له ابناً. (هوشع1: 2-3)

وأوصوا بنى بنيامين قائلين امضوا واكْمنوا فى الكروم. وانظروا فإذا خرجت بنات شيلوه ليَدُرنَ فى الرقص فاخرجوا أنتم من الكروم واخطفوا لأنفسكم كل واحد امرأته من بنات شيلوه واذهبوا إلى أرض بنيامين. (قضاة21: 20-21)

فقال شاول هكذا تقولون لداود ليس مَسَرَّة الملك بالمهر بل بمئة غُلفة من الفلسطينيين للانتقام من أعداء الملك. وكان شاول يتفكر أن يوقع داود بيد الفلسطينيين. فأخبر عبيده داود بهذا الكلام فحسن الكلام فى عينى داود أن يصاهر الملك. ولم تكمل الأيام حتى قام داود وذهب وقتل من الفلسطينيين مئتى رجل وأتى بغُلفهم فأكملوها للملك لمصاهرة الملك. فأعطاه شاول ميكال ابنته امرأة. فرأى شاول وعلم أن الرب مع داود. (صموئيل الأول18: 25-28)

خُذى الرَّحَى واطحنى دقيقاً. اكشفى نقابك شمّرى الذيل. اكشفى الساق. اعبرى الأنهار. تنكشف عورتكِ وتُرَىَ مَعَاريكِ. (إشعياء47: 2-3)

بالديباج فرشتُ سريرى بمُوَشى كتان من مصر. عطَّرتُ فراشى بمُر وعود وقرفة. هَلمَّ نَرتَوِ وِدّاً إلى الصباح. نتلذَّذ بالحب. لأن الرجل ليس فى البيت. (الأمثال7: 16-19)

لأنى من كوَّة بيتى من وراء شبّاكى تطلعت فرأيت بين الجهال لاحظت بين البنين غلاماً عديم الفهم عابراً فى الشارع عند زاويتها وصاعداً فى طريق بيتها فى العشاء فى مساء اليوم فى حدقة الليل والظلام. وإذا بامرأة استقبلته فى زِىّ زانية وخبيثة القلب. صخّابة هى وجامِحَة. فى بيتها لا تستقر قدماها. تارة فى الخارج وأخرى فى الشوارع. وعند كل زاوية تكمن. فأمسكَتْه وقبَّلته. (أمثال7: 6-13)

وافرح بامرأة شبابك الظبية المحبوبة والوعلة الزهية. لِيُرْوِكَ ثدياها فى كل وقت وبمحبتها اسكر دائماً. (أمثال5: 18-19)

أحلِّفكن يا بنات أورشليم إن وجدتن حبيبى أن تخبرنه بأنى مريضة حُبّاً (نشيد الأنشاد5: 8)

لنا أخت صغيرة ليس لها ثديان. فماذا نصنع لأختنا فى يوم تُخطَب (نشيد الأنشاد8: 8)

ليتكَ كأخ لى الراضع ثديى أمى فأجدكَ فى الخارج وأُقبِّلكَ ولا يخزوننى. وأقودكَ وأدخل بكَ بيت أمى وهى تعلمنى فأسقيكَ من الخمر الممزوجة من سلاف رمانى. شماله تحت رأسى ويمينه تعانقنى. أُحَلِّفكن يا بنات أورشليم ألا تيقظن ولا تنبِّهن الحبيب حتى يشاء من هذه الطالعة من البرية مستندة على حبيبها… لأن المحبة قوية كالموت. الغيرة قاسية كالهاوية. لهيبها لهيب نار لظى الرب. مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة والسيول لا تغمرها… أنا سُور وثدياى كبُرْجين. (نشيد الأنشاد8: 1-10)

فى الليل على فراشى طلبتُ من تحبُّه نفسى طلبتُه فما وجدتُه. إنى أقوم وأطوف فى المدينة فى الأسواق وفى الشوارع أطلبُ من تحبه نفسى. طلبتُه فما وجدتُه. وجدنى الحرس الطائف فى المدينة فقلت أرأيتم من تحبه نفسى. فما جاوزتُهم إلا قليلاً حتى وجدتُّ من تحبه نفسى فأمسَكْتُه ولم أُرْخِهِ حتى أدْخلتُه بيتَ أمى وحجرة مَن حَبَلَت بى. أُحَلِّفكُنَّ يا بنات أورشليم بالظباء وبأيائِل الحقل ألا تُيَقِّظنَّ ولا تُنبِّهنَ الحبيب حتى يشاء (نشيد الأنشاد3: 1-5)

ما أجمل رجليكِ بالنعلين يا بنت الكريم. دوائر فَخِذَيكِ مثل الحلى صنعة يَدَىْ صنّاع. سُرَّتكِ كأس مدورة لا يعوزها شراب ممزوج. بطنكِ صبرة حنطة مسيجة بالسوسن. ثدياكِ كخشفتين توأمى ظبية. عنقكِ كبرج من عاج… ما أجملكِ وما أحلاكِ أيتها الحبيبة باللذّات. قامُتِكِ هذه شبيهة بالنخلة وثدياكِ بالعناقيد. قلتُ إنى أصعدُ إلى النخلة وأمسكُ بعذوقها. وتكون ثدياكِِ كعناقيد الكرم ورائحة أنفكِ كالتفاح وحنككِ كأجود الخمر. لحبيبى السائغة المرقرقة السائحة على شفاه النائمين أنا لحبيبى وإلىَّ اشتياقه. تعالَ يا حبيبى لنخرج إلى الحقل وَلْنَبِتْ فى القرى… هنالك أعطيكَ حُبِّى. اللفاح يفوح رائحة وعند أبوابنا كل النفائس من جديدة وقديمة ذخرتها لكَ يا حبيبى (نشيد الأنشاد: الإصحاح7)

فاتَّكلتِ على جمالِك وزنيتِ على اسمك وسكبتِ زناكِ على كل عابرٍ فكان له. وأخذتِ من ثيابكِ وصنعتِ لنفسكِ مُرتفعات موشاة وزنيتِ عليها. أمرٌ لم يأتِ ولم يكن. وأخذتِ أمتعة زينتكِ من ذهبى ومن فضتى التى أعطيتُكِ وصنعتِ لنفسكِ صُوَر ذكور وزنيتِ بها… وفرَّجتِ رجليكِ لكل عابر وأكثرتِ زناكِ. وزنيتِ مع جيرانكِ بنى مصر الغِلاظ اللحم وزدتِ فى زناكِ لإغاظتى… وزنيتِ مع بنى أشور إذ كنتِ لم تشبعى فزنيتِ بهم ولم تشبعى أيضاً. وكثرتِ زناكِ فى أرض كنعان إلى أرض الكلدانيين وبهذا أيضاً لم تشبعى (حزقيال16: 15-29)

وكان إلىَّ كلام الرب قائلاً. يا ابن آدم كان امرأتان ابنتا أم واحدة. وزنتا بمصر. فى صِباهما زنتا. هناك دُغدِغت ثديّهما وهناك تزغزغت ترائب عِذرتِهما. واسمها أهولة الكبيرة وأهوليبة أختها وكانتا لى وولدتا بنين وبنات… وزنت أهولة من تحتى وعشقت محبّيها أشور الأبطال… كلهم شُبّان شهوة… ولم تترك زناها من مصر أيضاً لأنهم ضاجعوها فى صباها وزغزغوا ترائب عِذرَتِها وسكبوا عليها زناهم… هم كشفوا عورتها… فلما رأت أختها أهوليبة ذلك أفسدت فى عشقها أكثر منها وفى زناها أكثر من زنى أختها. عشقت بنى أشور… كلهم شُبّان شهوة… عشقتهم عند لمح عينيها إياهم… فأتاها بنو بابل فى مضجع الحب ونجسوها بزناهم فتنجست بهم وجفتهم نفسها. كشفت زناها وكشفت عورتها فجفتها نفسى كما جفت نفسى أختها… وعشقت معشوقيهم الذين لحمهم كلحم الحمير ومَنِيّهم كَمَنِىّ الخيل. وافتقدتِ رذيلة صباكِ بزغزغة المصريين ترائبكِ لأجل ثدى صباكِ لأجل ذلك يا أهوليبة هكذا قال السيد الرب. هَأنذا أُهَيِّج عليكِ عُشّاقكِ الذين جفتهم نفسكِ وآتى بهم عليكِ من كل جهة… كل بنى أشور شُبّان شهوة… وأجعلُ غيْرتى عليكِ… ويتركونك عريانة وعارية فتنكشف عورة زناكِ ورذيلتكِ وزناكِ… وتجتثين ثدييكِ لأنى تكلمتُ يقول السيد الرب. لذلك هكذا قال السيد الرب من أجل أنكِ نسيتنى وطرحتنى وراء ظهركِ فتحملى أيضاً رذيلتكِ وزناكِ (حزقيال23: 1-35)

وفى المقابل نجد العهد الجديد يقول:

كل من ينظر الى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها فى قلبه. (متى5: 28)

وأما كل امرأة تصلِّى أو تتنبّأ ورأسها غير مُغطَّى فتُشين رأسها لأنها والمحلوقة شىء واحد بعينه. إذ المرأة إن كانت لا تتغطى فليُقَصُّ شعرها. وإن كان قبيحاً بالمرأة أن تقص أو تحلِق فلتتغطَّ. (الرسالة الأولى إلى كورنثوس11: 5-6)

احكموا فى أنفسكم. هل يليق بالمرأة أن تصلِّى إلى الله وهى غير مُغطّاة. (الرسالة الأولى إلى كورنثوس11: 13)

ونحن نتسائل ونقول للنصارى: أنتم تزعمون أن السيد المسيح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – هو الله, فما الذى غيَّر سلوكه وكلامه وأوامره ونواهيه فجأة من العهد القديم للعهد الجديد؟

ولا تردُّوا علينا بقولكم: لا شأن لنا بالعهد القديم, فنحن الآن فى العهد الجديد.

لأننا سنرُد عليكم حتماً بقولنا: إذا كان ليس لكم به شأن, فلماذا تضعونه مع العهد الجديد؟ وتسمونهما بالكتاب المقدس؟ كما أن قساوستكم وباباواتكم يعترفون به, ولا يقولون إنهم لا شأن لهم به, فكيف تخالفونهم؟

ولا تقولوا أيضاً: إن سلوكه كان فى العهد القديم هكذا, لأن البشرية كانت تحمل الخطيئة, ولم تتطهَّر منها بعد, وعندما افتداهم السيد المسيح بنفسه, وصُلِبَ بدلاً منهم, تغيَّر كلامه وسلوكه فى العهد الجديد.

لأننا حتماً سنسألكم ونقول لكم: فما الذى جعله يقرر فجأة أن ينزل إلى الأرض بعد آلاف السنين ليفتدى البشرية بنفسه؟

آيات عتابه r وإخباره بأنه لا يملك لنفسه أو لأتباعه شيئاً

قبل أن نبدأ هذه الفقرة.. نود أن نسألكم : هل رأيتم أو سمعتم عن دجال يذكر ما وقع فيه من أخطاء , ولو عن غير قصد ؟ ولو لم يعلم بخطئه أحد من البشر ؟ فلو كان الرسول r دجالاً ألف كتاباً , هل كان يذكر فى هذا الكتاب ما وقع فيه من أخطاء , ولو عن غير قصد كما قلنا ؟ فمثلاً : لو أنه ألَّف القرآن – كما تدَّعون – هل كان يقول عن نفسه : {عَبَسَ وَتَوَلَّى{1} أَن جَاءهُ الْأَعْمَى} [عبس:1-2] ؟ مع أن هذا العبوس لم يره هذا الأعمى – وهو سيدنا عبد الله بن أم مكتوم t – ولم يكن بحضرة أحد من الصحابة y فما الذى كان يحمله على ذكره رغم سِرِّيته ؟ 

لو كان الرسول r دجالاً.. هل كان يقول : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} [الأحزاب:1] ؟ أو يقول : {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} [الأحزاب:37] ؟ أو يقول : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} [التحريم:1] ؟ مع أن هذه الآيات تثير التساؤلات والشبهات حوله r من أعدائه – كما هو الحال فى عصرنا – وقد أجبنا على هذه الشبهات الحاقدة وغيرها – بفضل الله سبحانه وتعالى – فى كتاب ( ردود علماء المسلمين على شبهات الملحدين والمستشرقين ) وهو موجود على الشبكة العنكبوتية ( الإنترنت ) فى إحدى مجموعات موقع جوجل , وعنوانها :

http://Groups.google.com.eg/group/islamdefence

لو كان الرسول r هو الذى ألَّف القرآن لَمَا قال : {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً{73} وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً{74} إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} [الإسراء:73-75] وَلَقال : أنا لا أُفتَن أبداً , أو لَقال : إن الله ثبت قلبى فيستحيل أن أُفتَن . إنه r لم يكتفِ ببلاغ هذه الآيات عن ربه جل وعلا , بل قال : (( إنه ليُغان على قلبى , وإنى لأستغفر الله فى اليوم مائة مرة )) [صحيح مسلم] وكان أكثر دعائه : (( يا مقلب القلوب ثبِّت قلبى على دينِك )) فلما سُئِل عن ذلك , قال : (( إنه ليس آدمىّ إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله , فمن شاء أقام , ومن شاء أزاغ )) [صحيح الجامع:4801]

لو كان الرسول r هو الذى ألَّف القرآن.. أكان يقول لزوجاته , رضى الله عنهن : {يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب:30] ؟ إن الزعماء وأصحاب المناصب العُليا يعظمون زوجاتهم , ويصفونهن بأنهن سيدات المجتمع , وبأنهن السيدات الأُولَيات , وأنهن المثقفات اللبِقات الخيِّرات… إلخ , وإذا وقع منهن أى خطأ يخفونه ولا يظهرونه , أليس كذلك ؟  

قال الله تعالى لرسوله r : {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [يونس:94] فهل هناك دجال ينسب لنفسه احتمال الشك فيما يدَّعِيه ؟ إن الرسول r لو كان هو الذى ألَّف القرآن ما قال هذه الآية قط , لأنها ستثير حوله الشبهات ممن لا يفهمونها على حقيقتها , وبالفعل.. فإن هذه الآية يتغنَّى بها أعداء الإسلام , ويقدحون فى صِدْق رسالته r ولو تدبروها جيداً لعلِموا أنها دليل على صِدْقه , إذ لو كان كاذباً فيما بلَّغ عن الله سبحانه وتعالى ما قالها . وقد رددنا على هذه الشبهة وغيرها فى كتاب ( ردود علماء المسلمين على شبهات الملحدين والمستشرقين ) وكان الرد كالآتى :

لقد قال العلماء : إن ما جاء فى الآية الكريمة خطاب للناس عن طريق سيدنا محمد r لأن الله عز وجل يعلم يقينه , وأنه لم ولن يشك . قال قتادة : بلغنا أن الرسول r قال : (( لا أشك ولا أسأل )) وقد ورد – فى أكثر من آية – توجيه الخطاب للناس عن طريق سيدنا محمد r مثل : {لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً} [الإسراء:22] وفى السورة نفسها : {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً} [39] وغيرها فى معناها كثير , فهل كان مُتوقَّعاً من الرسول r أن يشرك بالله ؟ حاشا وكلا . وقد ضرب العلماء لهذا مثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} – إذا أصدر الرئيس أمراً لقائد القوات المسلحة بالانتظام فى عمله , فإن هذا الأمر ( بطريق الأَوْلى ) يشمل جنوده , وإذا حذَّره من عقابه إن خالف أمره , ففى هذه الحالة يكون التحذير لمن هو دونه أشد . والآية فيها حجة على أهل الكتاب , لأنه قد وردت البشرى بنبوءته وصفاته الخِلْقية والخُلُقية فى كتبهم . وتفسير آخر يقول إنه خطاب له r ولكن معلوم رَدُّه , ليكون حجة على الناس , مثل ما ورد من سؤال الله عز وجل لسيدنا عيسى , على نبينا وعليه الصلاة والسلام : {وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ} [المائدة:116] ومثل سؤال الملائكة : {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} [سبأ:40] فالله سبحانه وتعالى يعلم أن سيدنا عيسى لم يأمر الناس بعبادته , ولكن السؤال حجة على من اتخذوه وأمه إلاهَين من دون الله , وكذلك الحال فى سؤال الملائكة .

القرآن لم يوافق رأى الرسول r ووزيره الأول سيدنا أبى بكر t فى أُسارَى بدر , ووافق رأى سيدنا عمر t , فالرسول r كان رأيه أخذ الفدية من الأسرى , وكان هذا رأى أبى بكر أيضاً , وقد تم هذا بالفعل , أما عمر فكان رأيه أن يُقتلوا , بسبب ما كان منهم من تعذيب المسلمين قبل الهجرة , ومحاربتهم بعدها , فنزلت الآيات تعاتب الرسول r فى أخذ الفدية , وتقول : {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ{67} لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال:67-68] فلو كان الرسول r دجالاً.. هل كان يتلو ويردد هذه الآيات ؟ إن الرسول r لم يكتفِ ببلاغ هذه الآيات عن ربه جل وعلا , بل زاد عليها أن مدح سيدنا عمر t بقوله : (( لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه إلا عمر )) [سُبُل الهدى والرشاد]

وهناك أمثلة كثيرة من الآيات التى وردت فى القرآن الكريم , لو كان الرسول r هو الذى ألَّفَه ما قالها , نذكر منها – على سبيل المثال – قول الله تعالى : {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء:79] فلو كان الرسول r دجالاً لقال ( وما أصابك من سيئة فمن الناس , أو من الحسد , أو من السحر… إلخ ) وكذلك قوله تعالى : {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال:63] لو كان الرسول r دجالاً لقال إنه هو الذى ألَّف بينهم , وخصوصاً أن التآلف بينهم كان بسبب إيمانهم به r واتباع دعوته , بعد ما كان بينهم من الإحَن والبغضاء , والحروب المستعرة لعدَّة سنوات , وخصوصاً حرب بُعاث التى كانت بين الأوس والخزرج , والتى راح ضحيتها العشرات والعشرات , فلو كان الرسول r دجالاً لنسَب الفضل لنفسه , ولَقال لهم لَوْلاى وتوجيهاتى ومعاملتى الحسنة لكنتم على عداوتكم السابقة , ولَكان كذا وكذا… إلخ . وكذلك قوله تعالى : {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [غافر:55] ولم يقل r إنه بغير ذنب دون سائر البشر , وقوله : {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة:43] وقوله : {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ} [التوبة:80] وقوله : {فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} [الشورى:24]… إلى غير ذلك من الآيات التى لو كان الرسول r هو الذى ألَّف القرآن ما قالها , لأنها توجِّه إليه العتاب فى بعض الأحيان , وتنسب إليه الخطأ فى أحيان أخرى , وتوضح أنه لا فائدة من استغفاره للمنافقين… إلى آخر ما فيها من مَعانٍ .

قصة السرقة التى أُشيرَ إليها فى سورة ( النساء ) تدل دلالة قطعية على أن القرآن منزَّل من عند الله سبحانه وتعالى , وليس من عند سيدنا محمد r وتدل على عدل الإسلام , وإدانة الظالم ولو كان مسلماً , وإنصاف المظلوم ولو كان كافراً… إلى غير ذلك من المعانى العظيمة , فقد سرق أحد ممن ينتسب إلى الإسلام على عهد الرسول r وألصق التهمة بيهودى , وكان هذا المنافق من بنى أُبَيْرِق , واليهودى هو زيد بن السَّمين , وكانت الدلائل الظاهرة تشير إلى تورُّط اليهودى فى هذه السرقة , ولكن الله سبحانه وتعالى لم يرضَ بظلم اليهودى , وبيَّن لرسوله r حقيقة الأمر , وأنزل قوله تعالى : {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً{105} وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً{106} وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً{107} يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً{108} هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً{109} وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً{110} وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً{111} وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً{112} وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} [النساء:105-113]

هل هناك دجال يقول إنه لا يملك لنفسه ولا لأتباعه شيئاً ؟ يقول الله سبحانه وتعالى مخاطباً رسوله r : {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} [القصص:56] ويقول : {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف:188] ويقول : {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} [الأحقاف:9] ويقول : {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً{21} قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً{22} إِلَّا بَلَاغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ} الجن:21-23] {مُلْتَحَداً} ( أى ملجأً ) فلو كان الرسول r دجالاً لقال لهم لا تخافوا.. فإنكم أتباعى , ولن يضركم أى شىء , وقد ضمنت لكم الجنة , وكذا وكذا… إلخ , ولكن شيئاً من هذا لم يحدث , بل إنه زاد على ذلك بأن قال لهم : (( لن يُدخِل أحداً عملُه الجنة )) قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : (( ولا أنا , إلا أن يتغمدنى الله بفضل ورحمة , فسددوا وقاربوا , ولا يتمنَّين أحدكم الموت , إما محسناً فلعله أن يزداد , وإما مسيئاً فلعله أن يستعتب )) [صحيح البخارى]

عن أبى هريرة t قال : لما أُنزِلَت هذه الآية : {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214] دعا رسول الله r قريشاً فاجتمعوا , فعَمَّ وخَصَّ , فقال : (( يا بنى كعب بن لُؤَىّ أنقذوا أنفسكم من النار , يا بنى مُرَّة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار , يا بنى عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار , يا بنى عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار , يا بنى هاشم أنقذوا أنفسكم من النار , يا بنى عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار , يا فاطمة أنقذى نفسك من النار , فإنى لا أملك لكم من الله شيئاً , غير أن لكم رَحِماً سأبُلُّها بِبِلالِها )) [صحيح مسلم] فهل هذا فعل دجال ؟ إنه r أعلنها واضحة وضوح الشمس أنه لا يملك لأقاربه شيئاً , ومع ذلك فإنه لم يتنكر لهم , بل أقرَّ بما لهم عليه من صلة رحم , وأنّ من حقهم عليه ألا يقطعها .

قال r : (( ما من رجل يسلك طريقاً يطلب فيه علماً إلا سهل الله له طريقاً إلى الجنة , ومن أبطأ به عمله لم يُسرِع به نسبه )) [صحيح الجامع:5715] فالرسول r لم يَكِل قرابته إلى نسبهم إليه , ولم يُمنِّهِم أو يَقُل لهم إن دخولهم الجنة مضمون لقرابتهم منه , أو أن الله سيزيد فى أجورهم عن بقية المؤمنين لمجرد قرابتهم له , فى حين أن الدجالين يؤثِرون أقاربهم على غيرهم فى الأموال والمناصب والعطايا… إلخ .

إن القرآن لم يُحابِ أحداً من المسلمين لمجرد إسلامه , بل جعل العمل قريناً للإيمان لمن أراد الفوز بالجِنان , فقال : {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [النساء:13] {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً} [الكهف:107] {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ} [لقمان:8]… إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة المعلومة , وتوعَّد العاصين منهم مثلما توعَّد العاصين من أهل الكتاب , وذلك فى قوله تعالى : {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} [النساء:123] ولو كان الرسول r هو الذى ألَّف القرآن لقال لأتباعه : إنكم لستم كمن كان قبلكم , فإنهم معاقَبون وأنتم مُعافون… إلى آخر الأقوال المزيَّفة المعسولة , التى يستجلب بها الدجالون أنصارهم .

عندما مات سيدنا عثمان بن مظعون t قالت امرأة من الأنصار تعرف وَرَعه وتقواه : رحمة الله عليكَ أبا السائب , فشهادتى عليكَ لقد أكرمك الله , فقال النبى r : (( وما يدريك أن الله قد أكرمه ؟ )) فقالت : بأبى أنت وأمى يا رسول الله , فمن يكرمه الله ؟ فقال : (( أما هو فقد جاءه اليقين , والله إنى لأرجو له الخير , والله ما أدرى وأنا رسول الله ما يُفعَل بى )) قالت : فوالله لا أزكى أحداً بعده أبداً . [صحيح البخارى] فهل هناك دجال يقول إنه لا يدرى ما هى عاقبة أتباعه , فضلاً عن عاقبة نفسه ؟ وهل كان يُضيره شىء أن يتركها لتقول ما تقوله ؟

إن الرسول r لم يدَّعِ لنفسه أنه غير سائر البشر فى معرفة السرائر والضمائر , فقال : (( إنما أنا بشر , وإنكم تختصمون إلىَّ , فلعل بعضكم أن يكون ألْحَن بحجته من بعض , فأقضى له على نحو ما أسمع , فمن قضيتُ له بحق مسلم فإنما هى قطعة من النار , فليأخذها أو ليتركها )) [صحيح الجامع:2342] فى حين أن بعض الناس يدَّعى أنه يعرف ما فى سرائر الناس بمجرد النظر إليهم , ويقول : لا يوجد أى أحد يستطيع أن يضحك أو يكذب علىَّ , لأنى أحلل شخصيته , وأعرف ما بداخله بمجرد النظر إليه , أما الرسول r فقد قالها صريحة مدوية إنه لا يعلم سرائر الناس وما تخفيه ضمائرهم التى لا يعلمها إلا الله .

لم يدَّعِ الرسول r قط أنه لا يخطئ , وكان من دعائه : (( اللهم اغفر لى خطيئتى وجهلى , وإسرافى فى أمرى , وما أنت أعلم به منى , اللهم اغفر لى هَزْلى وجِدِّى , وخطئى وعَمْدى , وكل ذلك عندى )) [صحيح البخارى] فهل هناك دجال ينسب لنفسه الخطأ على مَسمَع من أتباعه ؟

عندما طلب سيدنا سعد بن أبى وقاص t من النبى r أن يدعو الله أن يجعله مستجاب الدعوة , لم يقُل له الرسول r ( أنت مستجاب الدعوة ) رغم أن سيدنا سعداً خالُه , فى حين أن الدجالين يمنحون البركات – بزعمهم – لمن يريدون , ولكن الرسول r قال له : (( يا سعد أطِب مَطعمك تكن مُستجاب الدعوة )) [المعجم الأوسط للطبرانى]

عندما كان الرسول r يُسأَل عن الساعة , كان لا يدَّعى العلم بوقتها , ولكنه كان يَكِل علمها إلى الله جل وعلا , كما جاء فى قوله سبحانه وتعالى : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} [الأعراف:187] وقوله : {قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً} [الجن:25] وكما ورد فى الحديث المشهور الذى فى الصحيحين , والذى سأله فيه سيدنا جبريل u عن الساعة , فأخبره r أنه لا علم له بوقتها , ولكنه ذكر له أماراتها فقط , ولو كان دجالاً لقال – مثلاً – إنها ستأتى بعد سبعة آلاف سنة , أو أكثر أو أقل , وحينَها لن يكذبه أحد من المشركين أو غيرهم , لأنه يعطيهم أمداً بعيداً لوقوعها المزعوم , وسيكون قد مات هو وأتباعه وأعداؤه , ونال فى حياته ما طلبه من حب الزعامة أو الدجل أو الشهرة… إلخ .

يقول ربنا تبارك وتعالى : {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ{44} لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ{45} ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ{46} فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة:44-47] أى أن الرسول r لو قال أقوالاً من عنده – ولو كانت قليلة – ثم نسبها إلى الله تعالى , لانتقم منه , ولَقطع منه {الْوَتِينَ} وهو عِرْق فى القفا , لو قُطِع لا يَرقأ دمه حتى يموت صاحبه , فهل هناك دجال يقول هذا عن نفسه ؟ إن الدجال يحافظ على وَجاهَته , ويدَّعى عظيم مكانته وعُلُو قدْره عند الله وعند الناس , فلا ينسب لنفسه انتقام الله منه – ولو على سبيل الافتراض – كما هو الحال فى الآيات الكريمات . ولا يعنى ذلك أن مكانة الرسول r عند الله ليست عظيمة , كلا.. فقد أكرمه الله جل وعلا , وأثنى عليه فى آيات كثيرة , منها قوله تعالى : {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4] وقوله : {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور:48] لدرجة القَسَم بحياته دون سائر الأنبياء والمرسلين – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – وذلك فى قوله تعالى : {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر:72]

عندما سأل المشركون الرسول r عن الروح , لم يُجِبْهم فى حينها , ولكنه أرجأهَم إلى أن يأتيه الوحى من عند الله جل وعلا , ثم أجابهم بما نزل عليه من قوله تعالى : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء:85] ولو كان دجالاً لأجابهم فى وقتها بأى قول – ولو غير مفهوم – لأن الروح لا يعلم بها أحد منهم , فكان من المستحيل أن يستدركوا عليه .

كان الرسول r يمر على عمّار وأبيه ياسر وأُمّه سُمَيَّة y وهم يعذَّبون , فيقول لهم : (( صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة )) [سُبُل الهدى والرشاد] ولم يَعِدهم بالمال , أو المكافآت والمناصب , أو أى شىء من متاع الدنيا , وعندما اشتد التعذيب على عمار , وأكرهوه أن ينطق بكلمة الكفر , وذهب يشتكى للرسول r مما حدث , لم يغضب الرسول r عليه كما يغضب أهل الدنيا من الحكام والدجالين , بل قال له : (( إن عادوا فَعُد )) [السنن الكبرى للبيهقى] فهل هناك دجال يسمح لأحد من أتباعه أن يسُبَّه أمام أعدائه ؟ أم أنه كان يقول له ( لابد أن تصبر على الأذى فى سبيلى , لتثبت إيمانك بى وتضحيتك من أجلى , وإياك أن تقول فى حقى أى شىء يعيبنى ) ؟

يقول ربنا تبارك وتعالى مخاطباً رسوله r : {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} [الحجر:97] أى أن الرسول r كان – بتعبيرنا – يتعب نفسياً مما يقول أعداؤه , فلو كان دجالاً ما قال هذا على نفسه , ولَقال مثلاً : ( إننى متماسك كالحديد , ولن أتأثر بمن خالفنى ) كما يفعل الدجالون , فى حين أنهم من الغيظ يموتون .

لو كان الرسول r دجالاً ما قال بعض الآيات , مثل : {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} [الحجر:88] ومثل : {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه:131] فإن العوام من البشر – فضلاً عن وُجَهاء القوم – يتظاهرون بأنهم لا ينظرون لما فى أيدى غيرهم من متاع الدنيا , فى حين أن بعضهم ينظر إليها متحرِّقاً على حرمانه منها .

وتوجيه مثل هذه الآيات للرسول r لا يعنى أنه كان ينظر لما فى أيدى الناس حاسداً , أو متمنِّياً أن يؤتيه الله مثلها , فهو الذى عُرِض عليه المال والجاه والنساء مقابل تركه لدعوته فأبَى , وهو الذى كان ينفق كل ماله فى سبيل الله , ويعيش عيشة الفقراء ( كما ذكرنا فى موضع آخر ) ولكن هذا تثبيت من الله له ولأتباعه , كَمَن – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} –  يقول لابنه المجتهد , الذى يسهر الليالى فى مذاكرة دروسه , فى حين أن بعض أصحابه قد ترك دراسته , وعمل أعمالاً مهنية ليتكسب منها : ( لا يغرَّنك ما فى أيديهم من الأموال , فإن مستقبلك سيكون إن شاء الله أفضل من مستقبلهم , وسيكون عندك سيارة , وكذا وكذا… إلخ ) كما أنه تثبيت للرسول r من ناحية أخرى , وهى أن معظم أتباعه كانوا من الفقراء والعبيد , وكان r حريصاً على هداية وُجَهاء قومه ( كما جاء فى سورة عبس ) لأنهم كانوا أسياداً فى قومهم , وفى هدايتهم هداية لأتباعهم وعبيدهم , الذين يطيعونهم فى كل شىء , فأمره الله عز وجل ألا يشغل نفسه بهم , فالأمر كله لله , ولو شاء لهداهم أجمعين , وأمره أن ينشغل بهؤلاء الفقراء المستضعفين {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} [الكهف:28]

عندما استغفر الرسول r لعمه أبى طالب بعد مماته , نهاه الله عن ذلك فى قوله تعالى : {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة:113] رغم أن عمه كان يدافع عنه وعن دعوته قُرابة عشر سنوات , ولم تتجرأ قريش على إيذاء الرسول r إلا بعد موته , ولكن العبرة ليست بالقرابة أو النسب أو فعل الخير بغير الإيمان بالله عز وجل , فقد قال سبحانه وتعالى : {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85]

عن أنس t أن رسول الله r كُسِرَت رَباعِيَته يوم أحد , وشُجَّ فى رأسه , فجعل يسلت الدم عنه , ويقول : (( كيف يفلح قوم شَجُّوا نبيهم , وكسروا رَباعِيَته , وهو يدعوهم إلى الله ؟ )) فأنزل الله قوله تعالى : {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [صحيح مسلم] فهل هذا قول دجال ؟ لقد جُرِحَ r وتخضَّب وجهه بالدم فى سبيل الله , وليس لنَيْل مال أو زعامة أو مُلْك… إلخ , ولكن الله سبحانه وتعالى لم يتركه يقول مَقالِته تلك وهو فى هذه الحالة , ولكنه بيَّن له أن الأمر ليس بيده فى أن يفلحوا أو لا يفلحوا , فربما تاب عليهم أو عذبهم , أو تاب على بعضهم وعذب بعضهم , فالأمر كله لله سبحانه وتعالى , ولذلك أعقب الله هذه الآية بقوله تعالى : {وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وقد تاب الله على بعضهم بالفعل , مثل خالد بن الوليد t الذى أصبح شوكة فى حلوق المشركين , وحقق انتصارات عظيمة فى مواقع كثيرة , وسمّاه الرسول r سيف الله المسلول على الكفار [معرفة الصحابة لأبى نعيم]

قال ربيعة بن كعب t الذى كان خادم الرسول r : كنتُ أبِيتُ مع رسول الله r فأتيته بوَضوئِه  وحاجته , فقال : (( سَلْ )) فقلت : أسألك مرافقتك فى الجنة , قال : (( أوْ غير ذلك ؟ ))  قلت : هو ذاك , قال : (( فأعنِّى على نفسك بكثرة السجود )) [صحيح مسلم] فلو كان الرسول r دجالاً , لَمَا أمره بكثرة السجود , ولأَمَره بتعظيمه وإجلاله , ولَقال له : ( زِد فى احترامك لى , وطاعتك إيّاى , تكن معى فى الجنة ) كما يفعل الدجالون الذين يمنحون صكوك الغفران لمن يشاءون , ويحكمون على الناس بأهوائهم أنهم من أهل الجنة أو من أهل النار .

عدم ذكر أقاربه r أو نسائه وأولاده فى القرآن الكريم

السيدة مريم – رضى الله عنها – جاء ذكرها فى القرآن الكريم بالتبجيل والتعظيم أكثر من ثلاثين مرة , وهناك سورة تسمى باسمها , وكذلك السيدة آسية بنت مزاحم – رضى الله عنها – زوجة فرعون , جاء ذكرها فى القرآن الكريم فى مَعْرِض المدح والثناء , حيث قال : {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [التحريم:11] فى حين أن أم الرسول r لم يأتِ ذكرها ولا مرة واحدة , فضلاً عن أن تسمى سورة باسمها , ولم يأتِ ذكر أى واحدة من نسائه أو بناته – رضى الله عنهن – مع أن السيدة خديجة – على سبيل المثال – كان لها دَور بارز فى الدعوة إلى الله عز وجل , حيث وقفت بجانبه r تؤيده وتؤازره , وهى أول من آمنت به من النساء , وهى التى أنفقت أموالها , وتحملت الصعاب والمشاق فى سبيل دعوته , وخصوصاً فى الحصار الذى فرضته عليهم قريش لمدة ثلاث سنوات , ولها من المكانة العظمى عند الله ما لها , حتى إنه سبحانه وتعالى أرسل إليها من فوق سبع سماوات سلاماً خاصاً عن طريق أمين الوحى جبريل u , قال r : (( أتانى جبريل فقال : يا رسول الله.. هذه خديجة قد أتتكَ معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب , فإذا هى قد أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومنى , وبشرها ببيت فى الجنة من قَصَب , لا صخب فيها ولا نصب )) [صحيح الجامع:69] (( من قصب )) أى من ذهب , فلو أنه r كان دجالاً – وحاشاه – لأثنى عليها فى القرآن , ولَذَكَر مآثرها , ومواقفها الشريفة معه , أو لَذَكَر غيرها من نسائه , وخصوصاً السيدة عائشة – رضى الله عنها – الصدِّيقة بنت الصدِّيق t أو إحدى بناته كالسيدة فاطمة , أو عمّاته كالسيدة صفية , أو أمّه من الرضاعة – وهى السيدة حليمة السعدية – أو التى تولت رعايته بعد أمه , وهى السيدة بركة الحبشية , أو زوجة عمه أبى طالب , التى أحبَّته وتربى فى حِجرها كأحد أولادها , وحين ذكر r الكاملات من النساء لم يذكر إحدى نسائه , ولا بناته , ولكنه قال : (( كَمُلَ من الرجال كثير , ولم يكمُل من النساء إلا آسية امرأة فرعون , ومريم بنت عمران )) [صحيح الجامع:4578] فهل هذه أفعال دجال ؟

كذلك فإنه لم يَرِد فى القرآن الكريم كله ذكر أحد من أبنائه أو أقاربه r مثل أعمامه أو أخواله , إلا ما كان من ذَمّ عمه أبى لهب , كما أنه r لم يتغنَّ بما كان عليه أهله من الشرف والكرم كما كان يفعل الشعراء بأنسابهم , وما هم عليه من الشجاعة والكرم والمروءة… إلخ , فى حين أن القرآن أثنى على سيدنا أبى بكر t بالتلميح فى قوله تعالى : {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} [التوبة:40] وفى قوله : {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى{17} الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى{18} وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى{19} إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى{20} وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل:17-21] وذكر سيدنا زيداً باسمه , فقال : {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب:37] مع أن سيدنا زيداً t كان من العبيد , ولم يكن من وُجَهاء القوم الذين يُشار إليهم بالبنان , فهل هذه أفعال دجال ؟

لو كان الرسول r هو الذى ألف القرآن , لأثنى فيه على من بذلوا جُهدهم وأموالهم فى سبيل دعوته , ولَذَكَرهم بأسمائهم , وخصوصاً أبا بكر وعمر وعثمان وعليّاً , وغيرهم من الصحابة y كما يفعل الدجالون بتقريب أوليائهم , وذكر محاسنهم ليقتدى الناس بهم , ولكن لم يأتِ اسم أحد منهم فى القرآن كله , إلا سيدنا زيد – كما ذكرنا – وقد جاء ذكره فى سياق تحريم التبنى ليكون تسلية له عما أصابه من فقدان أُبوَّة الرسول r له بالتبنى , وذلك فى قول الله جل وعلا : {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ} [الأحزاب:4] وقوله : {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} [الأحزاب:40]

الرسول r أمَّرَ سيدنا أسامة بن زيد – رضى الله عنهما – وهو ابن سبعة عشر عاماً على الجيش , وفيهم أبو بكر , وعمر , وعثمان , وعلىّ , وخالد بن الوليد , وغيرهم من الصحابة الأجلاء y رغم أن والده كان عبداً مملوكاً قبل أن يعتقه الرسول r, وكيف لا.. وهو الذى أمرنا بعدم التفاخر , فقال : (( كلكم بنو آدم , وآدم خُلِقَ من تراب , لَيَنتَهِيَنَّ قوم يفتخرون بآبائهم , أو ليكوننَّ أهون على الله من الجُعلان )) [صحيح الجامع:4568] و( الجُعلان ) هى الخُنفساء .

الرسول r أمَّر معاذ بن جبل t على اليمن , وأمَّر أبا هريرة t على الصدقة , ولو كان دجالاً لجعل من أهله ومعارفه أمراء دون غيرهم – كما يفعل الملوك والرؤساء – أليس كذلك ؟

كان أبو العاص بن الربيع زوج السيدة زينب – رضى الله عنها – بنت رسول الله r ما زال على شركه وهى مسلمة , فلما خرج لقتال المسلمين مع قومه فى موقعة بدر , أَسَره أحد الصحابة y فبعثت السيدة زينب تفتديه بمالها وقِلادة لها , كانت أمها السيدة خديجة – رضى الله عنها – أدخلتها عليه بها , فلما رآها الرسول r رَقَّ لها رقَّة شديدة , فاستأذن أصحابه y فى أن يُطلِقوه , وقال لهم : (( إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها , وتَردُّوا عليها مالها , فافعلوا )) فقالوا : نعم يا رسول الله . فأطلقوه وردوا عليها الذى لها [سيرة ابن هشام, سيرة ابن كثير] فهل سمع العالم أجمع بقائد أو حاكم أو دجال فعل مثل ما فعل خير الرجال r ؟

قال رسول الله r فى حَجة الوداع : (( إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام , كحُرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا , ألا إن كل شىء من أمر الجاهلية تحت قدمى موضوع , ودماء الجاهلية موضوعة , وأول دم أضعه من دمائنا دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب , وربا الجاهلية موضوع , وأول ربا أضعه من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب , فإنه موضوع كله )) [صحيح الجامع:2068] إن الرسول r فى هذا الحديث لم يُثنِ على أهله ولم يُحابِهم , ليس هذا فحسب , بل بدأ بهم فى التشريع الذى يخالف أهواء الناس عادة , وخصوصاً العرب , فإنهم كانوا يعتبرون أن عدم الأخذ بالثأر عيباً فى حقهم , كما أنهم كانوا حريصين على الربا , وما يجلبه لهم من الأموال الوفيرة بغير عمل ولا جهد , ألا يدل ذلك على أنه لا يخاف فى الله لومة لائم , وأنه جاء بهذه الشريعة المباركة من عند الله سبحانه وتعالى ؟

آيات وأحاديث الثناء على الأنبياء والمرسلين

صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين

لو كان الرسول r دجالاً ألَّف كتاباً لَمَا أثنى على غيره من الأنبياء والمرسلين – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – مثلما أثنى عليهم القرآن الكريم , فقد ذكرهم القرآن بالإجلال والتعظيم , وذكر قصصهم مع أقوامهم , وأنهم كانوا هم وأتباعهم على الحق , وأن مُخالفيهم كانوا على الباطل , وكرر ذكرهم بما فيه تسلية للرسول r وأتباعه , ليصبروا على ما يلاقونه من الأذى والاضطهاد والتكذيب مثلما صبروا , ومن أمثلة ذلك ثناء الله عز وجل على سيدنا إبراهيم فى الآيات التالية : {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} [البقرة:124] {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} [النساء:125] {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم:37] {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة:135] {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ{120} شَاكِراً لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{121} وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ{122} ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل:120-123] {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ} [الأنبياء:51] فلو كان الرسول r دجالا لَقال مثلاً : ( إن الله جعلنى للناس إماماً ) وَلَقال : ( إن محمداً كان أُمَّة ) وَلَقال : ( ومن أحسن ديناً ممن اتبع مِلَّة نبينا محمد )… إلخ , وكذلك قول الله تبارك وتعالى عن سيدنا داود : {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ{17} إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ{18} وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ{19} وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص:17-20] وقوله عن سيدنا موسى : {وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} [انساء:164] وقوله عن سيدنا داود ثم سيدنا سليمان : {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص:25] و[ص:40] وقوله عن سيدنا سليمان ثم سيدنا أيوب : {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:30] و[ص:44] وقوله عن سيدنا يحيى : {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً{12} وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً{13} وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً{14} وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً} [مريم:12-15] وقوله عن سيدنا عيسى : {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً{30} وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً{31} وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً{32} وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} [مريم:30-33] وقوله تعالى : {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ{45} إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ{46} وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ} [ص:45-48] وغير ذلك من الآيات التى أثنت على الأنبياء , مِثلما جاء فى سورة ( مريم ) و( الأنبياء ) و( الشعراء ) وغيرها من السُّوَر , أين هذا مما نُسِبَ للمسيح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – فى الكتاب المقدس من وَصْفِه للأنبياء قبله باللصوص ؟ وذلك فى قوله :

فقال لهم يسوع أيضاً الحق الحق أقول لكم إنى أنا باب الخِراف. جميع الذين أَتوا قبلى هم سُرّاق ولصوص. (يوحنا10: 7-8) وهو يقصد بالخِراف الأنبياء ! وأين هذا من نِسبَة الزنى – زوراً وبهتاناً – لسيدنا داود فى الكتاب المقدس فى (صموئيل الثانى: الإصحاح11) ولسيدنا لوط فى (تكوين19: 29-38) وغير ذلك من نِسبَة الكذب والسرقة وشرب الخمر لبعض الأنبياء – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – لدرجة نِسبَة الشرك بالله لسيدنا سليمان فى (الملوك الأول11: 1-11) فلو كان الرسول r هو الذى ألَّف القرآن , لترَكَهم على ظنهم فى هؤلاء الأنبياء , حتى يبدو فى أعينهم أفضل منهم , وقد أوردنا فى كتاب ( ردود علماء المسلمين على شُبُهات الملحدين والمستشرقين ) بعض الأدِلَّة على ما نُسِبَ للأنبياء من ذميم الصفات والأخلاق فى الكتاب المقدس . بل إن الكتاب المقدس نسب ذميم الصفات لله سبحانه وتعالى نفسه , وقد أوردنا بعض هذه الصفات فى الكتاب السالف ذِكره , فى الرد على الشبهة رقم 19 فى باب (شبهات باطلة حول العقيدة)

اليهود والنصارى كانوا على عهد الرسول r يقولون إن سيدنا سليمان – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – كان كافراً , وإنه كان يُسخِّر الجن بالسحر , وكتابهم المقدس الموجود حالياً يتهمه بالشرك , فيقول :

وأحب الملك سليمان نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون موآبيات وعمونيات وأدوميات وصيدونيات وحثيات من الأمم الذين قال عنهم الرب لبنى إسرائيل لا تدخلون إليهم وهم لا يدخلون إليكم لأنهم يميلون قلوبكم وراء آلهتهم. فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة… وكان فى زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أمَلْنَ قلبه وراء آلهة أخرى ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب إلهه كقلب داود أبيه. فذهب سليمان وراء عشتروث إلاهة الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين. وعمل سليمان الشر فى عينى الرب ولم يتبع الرب تماماً كداود أبيه… فغضب الرب على سليمان لأن قلبه مال عن الرب إله إسرائيل الذى تراءَى له مرتين وأوصاه فى هذا الأمر أن لا يتبع آلهة أخرى. فلم يحفظ ما أوصى به الرب. فقال الرب لسليمان من أجل أن ذلك عندك ولم تحفظ عهدى وفرائضى التى أوصيتك بها فإنى أمزق المملكة عنك تمزيقاً وأعطيها لعبدك. (الملوك الأول11: 1-11)

فلو كان الرسول r دجالاً لسكت عن هذا الأمر , حتى يبدو فى أعينهم أنه أفضل منه , ولو كان هو الذى ألَّف القرآن – كما تدَّعون – لتغافل عن ذلك أو زاد عليه , ولكنه – ولأنه رسول الله – برَّأه مما نُسِب إليه بتبليغه قول ربه جل وعلا : {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة:102]

أمر الله نبيه r باتباع من سبقه من الأنبياء , فقال : {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام:90] ولم يستنكف الرسول r من ذلك , ولم يدَّعِ أنه على هَدْى خير من هَدْيهم , فهل يُصرِّح الدجال بأنه يتبع نَهْج أحد غيره ؟

يقول الله عز وجل : {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} [يوسف:3] أى أن الله سبحانه وتعالى يقُص على سيدنا محمد r أحسن القصص , وهى قصة سيدنا يوسف – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – ولو أن الرسول r هو الذى ألَّف القرآن لَقال إن أحسن قصة هى قصته , فإن الإنسان غالباً ما يعتز بقصة حياته , ويرى فيها ما يميزها عن غيرها , ويرى أنه قد أبلَى بلاءً حسناً فى كل ما لاقاه من أحداث الحياة , والرسول r لاقَى من قومه من الأذى والاضِّطهاد ما هو معلوم من سيرته المطهرة , كما أن سيدنا يوسف ليس من أُولى العزم من الرسل , وليس له أتباع كسيدنا موسى وعيسى – مثلاً – على نبينا وعليهم جميعاً الصلاة والسلام , والدجال يريد أن تلتفت إليه الأنظار , ويُشار إليه بالبَنان , ويُذكَر فى المجالس… إلخ . ونحن نرى كثيراً من الحكام يملأون الدنيا صياحاً بذكر مآثِرهم وأعمالهم , وقصص كفاحهم ونضالهم – وإن كانت غير حقيقية – وتُسلَّط عليهم الأضواء فى وسائل الإعلام , وتمتلئ الصحف والمجلات بصُوَرهم , والحديث عنهم , والأشعار التى قيلت فى مدحهم والثناء عليهم , أما الرسول r فلم يدَّعِ أن أفضل قصة هى قصته , كما أنه لم يستنكف أن يقول عن نفسه إنه كان من الغافلين قبل أن يُوحِى الله إليه , فقد جاء فى نهاية الآية الكريمة قوله تعالى : {وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}

جاء ذكر سيدنا موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – فى القرآن الكريم أكثر من مائة وثلاثين مرة , فى حين أن الرسول r لم يأتِ ذكره باسمه ( محمد ) إلا أربع مرات فقط , وباسمه ( أحمد ) إلا مرة واحدة , وقد أثنى الرسول r عليه فى أحاديث كثيرة , فعلى سبيل المثال.. عندما قسَّم غنائم حُنَين قال رجل : ( والله إن هذه القسمة ما عُدِلَ فيها , وما أُريدَ بها وجه الله ) فقال رسول الله r : (( فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله ؟ رَحِمَ الله موسى , قد أُوذِىَ بأكثر من هذا فصَبَرَ )) [صحيح البخارى] ولم يقل أنا أكثر الأنبياء صبراً على أقوامهم , وقال r : (( موسى بن عمران صَفِىّ الله )) [صحيح الجامع:6633] وقال : (( لا تخيِّرونى على موسى , فإن الناس يُصعَقون يوم القيامة فأُصْعَق معهم , فأكون أول من يفيق , فإذا موسى باطِش بجانب العرش , فلا أدرى أكان فيمن صُعِقَ فأفاقَ قبلى , أو كان ممن استثنى الله )) [صحيح الجامع:7258] قوله r : (( أو كان ممن استثنى الله )) أى الذين استثناهم الله فى قوله تعالى : {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ} [الزمر:68]

إن القرآن الكريم بلغ مِن إنصافه أن أقَرَّ قول امرأة مشركة, وهى بلقيس ملكة سبأ, حين قالت: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} [النمل:34] فقال الله سبحانه وتعالى مؤيِّداً لقولها: {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} فلو كان الرسول r هو الذى ألَّف القرآن, هل كان يؤيد قول امرأة كافرة؟ إن أقل شىء كان يفعله r هو ألا يُعقِّب على قولها, حتى لا يعترض عليه أحد من أتباعه, ويقول له: (كيف تؤيد قول امرأة كافرة؟) وخصوصاً أن المرأة لم تكن لها قيمة فى المجتمع الجاهلى قبل بِعثَته r وهذا فى حد ذاته فيه بيان لمكانة المرأة فى الإسلام, والتى ينكرها الجاحدون, ويتهمونه بأنه أهدر حقوقها, فهذه المرأة كانت مشركة, ولكن شركها لم يمنع تصديق قولها, وبيان أنه حق.

عن ابن عباس – رضى الله عنهما – قال : لمّا قَدِمَ النبى r المدينة , وجد اليهود يصومون عاشوراء , فسُئِلوا عن ذلك , فقالوا : هذا اليوم الذى أظفَرَ اللهُ فيه موسى وبنى إسرائيل على فرعون , ونحن نصومه تعظيماً له , فقال رسول الله r (( نحن أَوْلى بموسى منكم )) ثم أمر بصومه [صحيح البخارى] فلو كان الرسول r دجالاً , هل كان يصوم ذلك اليوم ويأمر بصيامه ؟ إنه r لو كان دجالاً ( وحاشاه ) لتغاضى عن تعظيم هذا اليوم , أو لَقَال : ( وأنا نجانى الله وأتباعى من تعذيب قريش واضطهادهم ) ثم يصوم فى ذكرى يوم هجرته , ويأمر أتباعه بصيامه , أليس كذلك ؟

كثيراً ما كان يُثنى الرسول r فى أحاديثه على الأنبياء قبله , فيقول مثلاً : (( ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده , وإن نبى الله داود كان يأكل من عمل يده )) [صحيح الجامع:5546] ويقول : (( أحَبُّ الصلاةِ إلى اللهِ صلاةُ داودَ عليه السلام , وأحَبُّ الصيامِ إلى اللهِ صيامُ داودَ , وكان ينام نصفَ الليلِ ويقوم ثُلُثَهُ , وينام سُدُسَهُ , ويصومُ يوماً ويفطرُ يوماً )) [صحيح البخارى] ولو كان دجالاً لنسب أفضل الصلاة والصيام لنفسه . ومن أمثلة ذلك أيضاً قوله r : (( ما ينبغى لنبى أن يقول : إنى خيرٌ من يونُس بن مَتَّى )) [صحيح الجامع:5821] وهذا من كمال تواضعه r وإلا.. فهو خير الأنبياء والمرسلين – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – ولكنه أراد أن يدافع عن سيدنا يونس , ويظهر فضله , حتى لا يظن أحد أن غضبه على قومه , وعدم صبره عليهم , وخروجه من بينهم بغير إذن ربه عيب فى حقه , أو أنه قد أنقص قدره عند الله , فقد كانت غَضْبة لله , وقد غفرها الله له , ولم يقل r إنه لو كان مكانه لَصبَر على قومه ولَمَا فعل مثل ذلك , فهل هناك دجال يدافع عن مثيل له ؟ أم أنه يتمنى أن يفضله الناس على سائر منافسيه ؟

عن أبى هريرة t قال : قيل يا رسول الله من أكرم الناس ؟  قال : (( أتقاهم )) قالوا : ليس عن هذا نسألك , قال : (( فيوسف نبى الله ابن نبى الله ابن نبى الله ابن خليل الله )) قالوا : ليس عن هذا نسألك , قال : (( فَعَنْ مَعادِن العرب تسألونى ؟ خِيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فَقُهُوا )) [متفق عليه] فهل هناك دجال يقول عن غيره إنه أكرم الناس , ولا ينسب هذه الصفة العظيمة لنفسه ؟ وقال r : (( إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم , ولو كنتُ فى السجن ما لَبِثَ , ثم أتانى الرسول لأجبتُ )) [صحيح الجامع:1686] أى أنه r لو كان مكان سيدنا يوسف , ومكث فى السجن ما مكث , ثم أتاه رسول الملك يدعوه لمقابلته , لَمَا امتنع عن إجابته , ولَخرج من السجن مسرعاً , ولم ينتظر التحقيق فيما أُلصِق به من تُهَم , فهل هناك دجال يزكى أحداً على نفسه ؟ وقال r : (( عجبتُ لصبر أخى يوسف وكَرَمه , والله يغفر له حيث أُرسِل إليه ليُستفتَى فى الرؤيا , ولو كنتُ أنا لم أفعل حتى أخرج , وعجبتُ لصبره وكرمه , والله يغفر له , أُتِىَ ليخرج فلم يخرج حتى أخبرهم بعُذْره , ولو كنتُ أنا لبادرتُ الباب , ولولا الكلمة لَمَا لبث فى السجن حيث يبتغى الفرج من عند غير الله عز وجل )) [صحيح الجامع:3984] والكلمة التى قالها سيدنا يوسف , وكانت سبباً فى مُكثه فى السجن بضع سنين , هى قوله : {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} [يوسف:42] فالرسول r يقول عن نفسه إنه لو كان مكان سيدنا يوسف , لَمَا فسَّر لهم الرؤيا إلا بعد أن يخرجوه من السجن , فهل هذا قول دجال ؟ إن الدجالين يظهرون أقوالهم وأفعالهم على أنها أحسن الأقوال والأفعال , ولو اطَّلعوا على صفات حميدة لغيرهم , لأخفوها على قدر إمكانهم .

قال r : (( نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال : {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} )) [صحيح الجامع:6750] أى أن سيدنا إبراهيم لو كان شاكّاً فى قُدرة الله جل وعلا – وهذا مُحال عليه – لكان الرسول r وأتباعه أحق بالشك منه , ولم يَعِب الرسول r على سيدنا إبراهيم قوله هذا , ولم يَقُل أنا لا يمكن أن أقول مثل قوله , أو كيف يقول هذا ؟ ألم يعلم قدرة الله ؟ وذلك لأن الرسول r كان يعلم أن سؤال سيدنا إبراهيم لم يكن سؤال شك , ولكنه كان لزيادة اليقين , واطمئنان القلب , بدليل أنه طلب من ربه أن يُرِيَه الكيفية {كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى} وبدليل أن الله سبحانه وتعالى عقَّب على سؤاله بقوله : {أَوَلَمْ تُؤْمِن} فرد سيدنا إبراهيم قائلاً : {بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} كما أن الله سبحانه وتعالى ختم الآية بقوله : {وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة:260] ولم يختمها بقول ( واعلم أن الله على كل شىء قدير ) فهل هناك دجال ينفى احتمال الشك فى أحد مثله , أو يقول إنه أحقّ بالشك منه ؟

قال رسول الله r : (( إنكم محشورون حُفاة عُراة غُرلاً , ثم قرأ : {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} وأول من يُكسَى يوم القيامة إبراهيم ))  [صحيح البخارى] فلم يَقُل r أنا أول من يُكسَى يوم القيامة .

كان الرسول r إذا ذكر سيدنا شعيب – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – يقول عنه : (( ذاكَ خطيب الأنبياء )) [المستدرك على الصحيحين] ولو كان الرسول r دجالاً لقال إنه هو خطيب الأنبياء , حتى يحظى بهذا الشرف دون غيره .

لم يستجلب الرسول r وُدّ اليهود بعد هجرته إلى المدينة المنورة بسَبِّ المسيح أو أُمه مثلهم , كسياسة الأرض المحايدة التى يتَّبعها الكثيرون , أو إمساك العصا من الوسط – كما يقولون – أو تقسيم البلد إلى نصفين… إلخ , فاليهود كانوا أصحاب رءوس الأموال , وتُجّار الذهب , وعندهم السلاح , فمن مصلحته دنيوياً أن يتبعوه , ولكنه لم يمالئهم على ذلك , بل إنه أقرَّ بنبوَّة سيدنا عيسى ورسالته , وأثنى عليه وعلى أُمه , ووصفه بأنه من أُولى العزم من الرسل , وقال : (( الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجنة , إلا ابنَىْ الخالة عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا , وفاطمة سيدة نساء أهل الجنة , إلا ما كان من مريم بنت عمران )) [صحيح الجامع:3181] فهل هناك دجال يقول عن أية امرأة – مهما كانت – إنها خير من ابنته , وإن ولدها خير من حفيديه ؟ وقال r : (( كل بنى آدم يطعن الشيطان فى جنبيه بإصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم , ذهب يطعن فطعن فى الحجاب )) [صحيح الجامع:4516] قال العلماء إن (( الحجاب )) معناه المشيمة , فلو كان الرسول r دجالاً لَقال ( كل بنى آدم يطعن الشيطان فى جنبيه إلا أنا ) كما أنه r بشَّر بنزول سيدنا عيسى فى آخر الزمان , فقال : (( والذى نفسى بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حَكَما مُقْسطاً , وإماماً عدلاً , فيكسر الصليب , ويقتل الخنزير ويضع الجزية , ويفيض المال حتى لا يقبله أحد , وحتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها )) [صحيح الجامع:7077] فما الذى يستفيده الدجال من هذا الكلام الذى لا يضمن وقوعه ؟ وما الذى يستفيده فى دعوته أو ولاء أتْباعه له من إخباره بذلك ؟

قال r : (( لما خلق الله آدم مسح ظهره , فسقط من ظهره كل نَسَمة هو خالقها إلى يوم القيامة , ثم جعل بين عينَىْ كل إنسان منهم وبيصاً من نور , ثم عرضهم على آدم , فقال : أى ربِّ.. مَن هؤلاء ؟  قال : هؤلاء ذريتك , فرأى رجلاً منهم أعجبه نور ما بين عينيه , فقال : أى ربِّ.. من هذا ؟  قال : رجل من ذريتك فى آخر الأمم يُقال له داود , قال : أى ربِّ.. كم عمره ؟  قال ستون سنة , قال : فزده من عمرى أربعين سنة , قال : إذن يُكتَب ويُختَم ولا يُبدَّل , فلما انقضى عمر آدم جاء ملك الموت فقال : أوَ لم يبقَ من عمرى أربعون سنة ؟ قال : أوَ لم تعطها ابنك داود ؟  فجحد آدم فجحدت ذريته , ونَسِىَ آدم فنسيت ذريته , وخَطِئ آدم فخطئت ذريته )) [صحيح الجامع:5208] فلم يقل الرسول r إنه أعجب سيدنا آدم , أو إنه أعجبه هو وسيدنا داود , ولكنه قَصَر إعجاب آدم على داود وحده .

إن رسول الله r لم يُثْنِ على الأنبياء قبله فقط , بل أَثنَى على أتباعهم – أيضاً – مثلما أثنَى عليهم القرآن الكريم . فَعَن خَبّاب بن الأرَت t قال : شكَونا إلى رسول الله r وهو مُتوسِّد بُردَة له فى ظل الكعبة , قلنا له : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو الله لنا ؟ قال : (( كان الرجل فيمن قبلكم يُحفَر له فى الأرض , فيُجعَل فيه , فيُجاء بالمِنشار , فيوضع على رأسه , فيُشَق باثنتين , وما يصُده ذلك عن دينه , ويُمَشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب , وما يصُده ذلك عن دينه , واللهِ ليُتِمَّنَّ هذا الأمر , حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت , لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه , ولكنكم تستعجلون )) [صحيح البخارى]

 

إخبار القرآن والأحاديث عن بعض الغيبيّات

ما الذى كان يُقحِم الرسول r فى الحديث عن غيبيات لا يضمن وقوعها لو أنه هو الذى ألَّف القرآن ؟ ومن الذى كان يخبره بما يدور فى نفوس بعض الناس , وما يُسِرُّونه فيما بينهم ؟ لقد مزق القرآن له حجاب النفس , وحجاب الماضى والحاضر والمستقبل على السواء , ومن أمثلة ذلك قول الله تعالى عن مصير حرب الروم مع الفُرس : {الم{1} غُلِبَتِ الرُّومُ{2} فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ{3} فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ{4} بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم:1-5] وقد كانت الروم والفُرس أكبر قوتين على وجه الأرض , مثل أمريكا وروسيا , أو حِلْف الناتو وحِلْف وارسو , فما الذى كان يجعل الرسول r يخوض فى أمر غيبى , ويراهن على دينه ؟ فقد كان من الممكن أن تحدث كارثة مروِّعة للإسلام تهزه من جذوره , لو أن الفرس انتصروا على الروم مرة أخرى , أو لم تحدث بينهما حرب أصلاً , أو يحدث بينهما ما نسميه ( كسرة عسكرية ) بأن يتقاتلوا , وكِلا الفريقين يصيب من الآخر , ويوقع به الخسائر , ويحدث تداخل بين القُوّات , ولكن لا يحدث نصر ولا هزيمة لأىّ منهما , ثم يتفقون على فض الاشتباك بين القوات . إن هذه الآية ليست إعجازاً بتمزيق حجاب المستقبل فحسب , ولكن بها إعجازاً آخر أثبتته الأبحاث الحديثة فى قوله تعالى : {فِي أَدْنَى الْأَرْضِ} وهو أن أكثر المناطق انخفاضاً على وجه الأرض هى منطقة البحر الميت , التى حدثت عندها المعركة , فهى منخفضة عن مستوى سطح البحر بمقدار أربعمائة متر , وكانوا يفهمونها فى الماضى على أنها أقرب الأرض إلى مكة المكرمة , وكِلا المعنيين صحيح .

حاصرت قريش الرسول r وأهله فى شِعب أبى طالب لمدة ثلاث سنين , حتى بلغ منهم الجَهد , وأكلوا أوراق الشجر , وأصبحت فضلاتهم كالبَعْر , وماتت السيدة خديجة – رضى الله عنها – على إثْر هذا الحصار ( كما جاء فى كتب السيرة ) وعندما همَّ بعض المشركين بتقطيع الوثيقة المُعلَّقة فى الكعبة , والتى كانت تنُص على بنود الحصار , شفقة منهم على ما أصاب المسلمين , كانت الأرَضَة قد أكلتها , ما عدا كلمة ( باسمِكَ اللهمَّ ) وكان الرسول r قد أخبر عمه أبا طالب بذلك قبل أن يعلم ما نوى عليه هؤلاء النَّفر , فمن فتَّق للرسول r حجاب الغيب هذا , وهو فى الشِّعب , والصحيفة معلقة بالكعبة ؟

قول الله تعالى فى أول سورة المسد : {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ{1} مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ{2} سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} وهذا يعنى أن أبا لهب عم الرسول r لن يهتدى أبداً , وستكون النار مصيره , فما الذى أعلم الرسول r بذلك ؟ هل كان يضمن أن عمه لن يُسلِم إلى آخر عمره ؟ فقد كان هناك كفار غيره , ولكن لم يأتِ الوعيد لهم كما جاء لأبى لهب , ومن أمثال هؤلاء : عمر بن الخطاب , وخالد بن الوليد , وعِكرمة بن أبى جهل , وغيرهم كثير من الصحابة y . إن أبا لهب كان من الممكن أن يقتلع الدين من جذوره لو أنه أسلم – ولو بلسانه نفاقاً – ولكنه لم يفعل , لأن الله سبحانه وتعالى يعلم أنه لن يُسلِم , ولن ييسر له ذلك . كما أن هذه الآيات توبِّخ عم الرسول r فهل هناك دجال يوبخ عمّه , ولاسِيّما أن العرب كانت مجبولة على احترام الآباء والأجداد , لدرجة أن الله عز وجل أنزل فيهم قوله تعالى : {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} [البقرة:200] لأنهم كانوا يكثرون من ذكر آبائهم , ويتباهون بأعمالهم ومآثرهم , وينشدون فيهم الأشعار , والأعمام عندهم كانوا بمثابة الآباء .

إن الدجال لا يُقحِم نفسه فى التنبُّؤ بالغيب القريب , حتى لا يفتضح أمره , ولكن ربما تنبأ بالغيب البعيد كذباً وزوراً , كأن يقول مثلاً ( سيحدث بعد ألف سنة كذا وكذا ) لأنه يضمن أنه سيموت هو وأولاده وأحفاده… إلى عدة أجيال قبل مجىء ذلك الزمن , وسيكون قد نال الشهرة التى يريدها , ونال الثروة والجاه… إلخ .

عندما طارد سُراقة بن مالك رسول الله r وهو فى طريقه للهجرة من مكة إلى المدينة , ومعه أبو بكر t حتى وصل إليهما , وكاد أن يرجع إلى مكة ليخبر أهلها بخبرهما , إلا أن الله عز وجل لم يمكنه من ذلك , وغاصت ساقا فَرَسه فى الرمال مرتين , ووقع مِن عليها , فاستغاث بالرسول r أن يدعو الله أن يفك فَرَسه , ولن يبلِّغ عنه قريش , فدعا له الرسول r وأمره أن يرجع إلى مكة , وسيكون له مقابل ذلك سِوارَى كِسرَى ملك الفُرس , وقد تحقق وعد الرسول r له فى ولاية عمر بن الخطاب t ( كما هو معلوم من كتب السيرة ) فهل هذه بِشارة دجال ؟ إن الرسول r لم يبشِّره وهو فى حال قوة وتمكين , ولكنه بشَّره وهو مهدد بالقتل , فهل كان يضمن أن بلاد الفُرس ستُفتَح , ويُقتل أو يؤسَر ملكها , ثم يأخذ سوارَيْه سراقة ؟ وهل كان يضمن بقاء سُراقة حياً إلى وقت ذلك النصر المبارَك ؟

وعْد الله لرسوله r بالعودة إلى مكة المكرمة , وهو فى طريقه إلى المدينة المنورة مهاجراً , وقد كان حزيناً لفراق مكة , حتى إنه خاطَبها قائلاً : (( علمتُ أنك خير أرض الله , وأحبّ الأرض إلى الله , ولولا أنّ أهلَكِ أخرجونى منك ما خرجتُ )) [مسند أحمد] فبشره ربه تبارك وتعالى بالعودة إليها قائلاً : {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص:85] وقد تحقق وعد الله عز وجل لرسوله r بعد عشر سنين , ودخل الرسول r مكة , فاتحاً منتصراً , بإذن الله تبارك وتعالى , ولم تنزل هذه الآية الكريمة بعد انتصار المسلمين فى موقعة بدر – مثلاً – حتى يقول قائل : ربما تفاءلوا عندما انتصروا , وأصبح لديهم أمل فى العودة إلى ديارهم , ولكنها نزلت والرسول r فى طريقه إلى المدينة المنورة , ولم يؤسس الدولة الإسلامية بعد , فما الذى أدراه أنه سيعود لمكة مرة أخرى ؟ هل كان يضمن حياته حتى يدخلها ؟ وهل كان يضمن أنه سينتصر على أهل مكة الذين آذَوْه , وآذوا أصحابه y ؟ وكان من الممكن أن يدركه الطلب فلا يُتِم هجرته , ويُرجعوه إليها أسيراً أو يقتلوه , فهل هناك دجال يتكلم عن المستقبل القريب هكذا ؟ إن الدجال – كما ذكرنا من قبل – لو تكلم عن المستقبل , فإنه يتكلم عن المستقبل البعيد , الذى لا يدركه مُعاصِروه , حتى لا يفتضح أمره بينهم .

ومن أمثلة الإخبار بالغيب القريب , وتمزيق حجاب النفس قول الله جل وعلا : {سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا} [البقرة:142] فهذه الآية نزلت قبل أن يقول اليهود قولتهم هذه , وكان من الممكن ألا يقولوها ليكذّبوه , وخاصة أنهم حين يقولونها سيعلم الناس مَن المقصود بالسفهاء , فمثلاً : لو قلت لمجموعة من الناس : سيقول المجرم كذا , فهل سينطق أحد بما قلت ؟ بالطبع لا.. لأنه سَيُعرَف أنه المجرم , وهذا يدل على أن القرآن الكريم منزَّل من عند رب العالمين , الذى قهرهم فلم يستطيعوا كتمان ما فى نفوسهم .

عندما قال أحد المنافقين – وهو نَبتل بن الحارث – عن الرسول r : ( إنما هو أُذُن ) أى أنه يسمع ما يقال له ويصدقه , أنزل الله قوله تعالى : {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة:61] فهل سمع الرسول r هذا الرجل ؟ أم هل بلَّغه أحد ممن سمعوه ؟ إن ما ورد فى سيرة ابن هشام وغيرها من كتب السيرة تدل على أن سيدنا جبريل u هو الذى أتى النبى r ووصف له ذلك الرجل الذى قال قولته تلك .

يقول الله تبارك وتعالى عن الوليد بن المغيرة : {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} [القلم:16] أى أن أنفه التى هى مركز أَنَفَته وكِبْره ستُقطَع , وقد حدث هذا بالفعل فى غزوة بدر , فقد قُتِل وقُطعِت أنفه كما قال الله جل وعلا , ولكن لماذا قال القرآن : {الْخُرْطُومِ} ولم يقل ( الأنف ) ؟ لأن فى هذا إهانة له , لأن الحيوانات التى تحمل الخرطوم مُستَقذرة , مثل الخنزير النجس المحرَّم , كما أن الفيل صاحب الخرطوم الطويل يُعَد من أكثر الحيوانات نَهَماً , وأشدها بَلادة , وأقلها إنتاجاً , ولحمه من أردأ اللحوم , وهو محرَّم لأن له أنياباً , فما الذى كان يحمل الرسول r على الإخبار بهذا الأمر الغيبى وهو ما زال بمكة المكرمة , والمسلمون حينها كانوا مستضعفين , فأنَّى لهم بقطع أنف هذا الطاغية الجبار , الذى عذب الكثير منهم ؟ إن القرآن لم يقل إنه سيُقتل فحسب , بل إنه حدد العضو الذى سيصاب منه تحديداً دقيقاً , فمن الذى كان يضمن أنه سيعيش إلى زمن المعركة ؟ ألم يكن من المحتمَل أن يموت قبلها , أو ينجو من القتل , أو يُقتل فيها ولكن لا تُصاب أنفه ؟

وهناك آيات أخرى مزقت حجاب النفس , مثل قوله تعالى : {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} [المجادلة:8] وقوله : {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم} [التوبة:64] وقوله : {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون:1] وقوله : {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات:14] ولم يعترض أحد ممن نزلت فيهم هذه الآيات على ما جاء فيها من هتك أسرار نفوسهم , ولم يقولوا مثلاً ( إننا لم نَقُل فى أنفسنا ما ذكرتَ يا محمد , فمن أين جئتَ به ؟ )

إخباره r بأنباء مستقبَلَه , كما حدث مع أُبَى بن خلف الذى كان يَلقَى الرسول r بمكة قبل الهجرة , فيقول له : يا محمد.. إن عندى العَوْذ فَرَساً أعلفه كل يوم فَرَقاً من ذُرَة أقتلك عليه , فيقول رسول الله r : (( بل أنا أقتلك إن شاء الله )) فلما أُسنِدَ رسول الله r فى الشِّعْب ( أى فى غزوة أُحُد ) أدركه أُبَى بن خلف , وهو يقول : يا محمد.. لا نجوتُ إن نجوتَ , فقال القوم : يا رسول الله.. أيعطف عليه رجل مِنّا ؟ فقال رسول الله r : (( دعوه )) فلما دنا تناول رسول الله r الحَرْبة من الحارث بن الصُّمَّة t فلما أخذها انتفض بها انتفاضة… ثم استقبله فطعنه فى عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مراراً ( أى تدحرج )… فلما رجع إلى قريش وقد خدشه فى عنقه خدشاً غير كبير ( لأنه كان يلبس درعاً من حديد يصل إلى رقبته ) فاحتقن الدم , قال : قتلنى والله محمد , قالوا : ذهب والله فؤادك.. والله إنْ بك من بأس , قال : إنه قد كان قال لى بمكة : (( أنا أقتلك )) فوالله لو بصق علىَّ لقتلنى , فمات عدو الله بسَرِف وهم قافلون به إلى مكة [سيرة ابن هشام] ( العَوْذ ) هو اسم الفَرَس الذى كان يعلِفه أُبى بن خلف , و( فمات عدو الله بسَرِف ) أى مات بمكان اسمه سَرِف .

عن عَدِىّ بن حاتم t قال : لما بلغنى خروج رسول الله r فكرهتُ خروجه كراهة شديدة , خرجتُ حتى وقعتُ ناحية الروم ببغداد , حتى قَدِمتُ على قيصر , فكرهتُ مكانى ذلك أشد من كراهيتى لخروجه , فقلت : والله لولا أتيتُ هذا الرجل , فإن كان كاذباً لم يضرنى , وإن كان صادقاً علمتُ , فقدمتُ فأتيتُه , فلما قَدِمتُ قال الناس : عدى بن حاتم عدى بن حاتم ! فدخلت على رسول الله r فقال لى : (( يا عدَىّ بن حاتم.. أسلِم تسلَم )) ثلاثاً , قلت : إنى على دين , قال : (( أنا أعلمُ بدينك منك )) فقلت : أنت أعلم بدينى منى ؟ قال : (( نعم.. ألستَ من الركوسية ؟ وأنت تأكل مِرباع قومك ؟ )) قلت : بلى , قال : (( فإن هذا لا يحل لك فى دينك )) فلم يَعْدُ أن قالها فتواضعتُ لها , فقال : (( أمَا إنى أعلم ما الذى يمنعك من الإسلام , تقول إنما اتبعه ضَعَفة الناس ومن لا قوة له , وقد رَمَتهم العرب , أتعرف الحيرة ؟ )) قلت : لم أرَها وقد سمعت بها , قال : (( فوالذى نفسى بيده ليُتمَّن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت فى غير جِوار أحد , وليفتحن الله كنوز كسرى بن هُرمُز )) قلت : كسرى بن هرمز !؟ قال : (( نعم.. كسرى بن هرمز , وليُبذلنَّ المال حتى لا يقبله أحد )) قال عدىّ بن حاتم : فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت فى غير جوار , ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز , والذى نفسى بيده لتكونن الثالثة , لأن الرسول r قد قالها [مسند أحمد] فمن أدرَى سيدنا محمداً r بدين النصرانية وما كان عليه سيدنا عدىّ ؟ ومن أدراه بهذه الغيوب التى عاصر منها سيدنا عدى اثنتين ؟ هل كانت تنبُّؤات دجال ؟ إن كثيراً من الدجالين يتنبّأون فى أواخر الأعوام الميلادية بقولهم : إن العام القادم سيكون عام الرخاء , أو عام الحَسْم , أو كذا أو كذا… إلخ , ثم لا يحدث مما قالوه شىء , أليس كذلك ؟  

ما الذى أعلم الرسول r بما أراده يهود بنى النضير من قتله ؟ فقد ذهب إليهم يستعينهم فى دِيَة قتيلين من بنى عامر , بموجب الاتفاق الذى كان بينه وبينهم , فأظهروا إكرامه , وأجلسوه تحت جدار , ثم تواعدوا أن يُلقوا عليه رَحًى من فوق السطح ، فنزل جبريل u فأخبره بمكرهم الذى همُّوا به , فقام من فَوْرِه , وعزم على حربهم وقتالهم [سبل الهدى والرشاد]

بعدما هزم الله قريشاً وحلفاءها بالريح , عندما تحزَّبوا لحرب الرسول r وأصحابه y فى غزوة الأحزاب ( وهى غزوة الخندق ) وأرجعهم إلى ديارهم خاسرين مدحورين , قال الرسول r لأصحابه y : (( الآن نغزوهم ولا يغزونا )) [صحيح الجامع:2754] وبالفعل حدث ما قاله الرسول r فلم تجْرُؤ قريش على محاولة غزو المدينة المنورة مرة أخرى , ولكن الرسول r هو الذى غَزاهم يوم فتح مكة , ونصره الله عليهم نصراً مبيناً .

عُمَير بن وهب الجُمَحى كان يجلس مع صفوان بن أمية فى حِجر الكعبة , وكان عمير فقيراً , إلا أنه كان فارساً , وكان يُسمَّى ( شيطان قريش ) وابنه كان قد أُسِرَ فى بدر , وصفوان قُتِل أبوه وأخوه أيضاً فى بدر , فقال عمير لصفوان : لولا دَيْن علىَّ وعيال لذهبت إلى محمد وقتلته , وابنى أسير عندهم , فلن يستنكروا مجيئى , فقال له صفوان : دَيْنك علىَّ , وعيالك مع عيالى , فاذهب واقتل محمداً , فأخذ ناقته , وشحذ سيفه سُمّاً , وذهب إلى المدينة المنورة , فرآه عمر بن الخطاب t فقال : شيطان قريش ! والله ما جاء إلا لشَر , وقام إليه وقيَّده من تلابيبه بحمّالة سيفه , فقال له : دعنى , أريد مقابلة أبى القاسم , وابنى أسير عندكم , فأدخَلوه على النبى r فقال : (( أرسِله يا عمر )) وقال له : (( فما جاء بك يا عمير ؟ )) قال : جئت لهذا الأسير الذى فى أيديكم فأحسنوا إليه , فقال له الرسول r : (( فما بال السيف فى عنقك ؟ )) قال : قبَّحها الله من سيوف , وهل أغنت عنا شيئاً ؟ قال : (( اصدُقنى , ما الذى جئتَ له ؟ )) قال : ما جئتُ إلا لذلك , قال : (( بل قعدت أنت وصفوان بن أمية فى الحِجر , فذكرتما أصحاب القَلِيب من قريش , ثم قلتَ : لولا دَين علىَّ وعيال عندى لخرجت حتى أقتل محمداً , فتحمَّل لك صفوان بدَينك وعيالك , على أن تقتلنى له , والله حائل بينك وبين ذلك )) قال عمير : أشهد أنك رسول الله , قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء , وما ينزل عليك من الوحى , وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان , فوالله إنى لأعلم ما أتاك به إلا الله , فالحمد لله الذى هدانى للإسلام , وساقنى هذا المَساق ، ثم شهد شهادة الحق , فقال رسول الله r : (( فقِّهوا أخاكم فى دينه , وأقرئوه القرآن , وأطلقوا له أسيره )) [سيرة بن هشام] إن هذه الحادثة تثبت نُبوَّة الرسول r من عدة وجوه.. منها أنه r لم يَخَف من عُمَير , وأمر سيدنا عمر أن يرسله , رغم أن سيفه كان معه , وذلك لثقته بالله الذى وعده بحفظه فى قوله تعالى : {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67] فلو كان الرسول r هو الذى ألَّف هذه الآية , أكان يخاطر بحياته بهذه السهولة , وهو أعزل وخصمه مُسلَّح ؟ إن الدجال يستطيع أن يخدع غيره , ولكنه لا يخدع نفسه , وخصوصاً أن هذا الخداع سيكلفه حياته , ولو كان دجالاً ما الذى أعْلَمَه بما دار بين عمير وصفوان , والرسول r فى المدينة المنورة , وهما فى مكة المكرمة , لم يسمعهما إلا الله سبحانه وتعالى ؟ كما أن هذه الحادثة تبين كريم أخلاقه r حيث عفا عن عمير , ولم يعاقبه أو يأسره عنده , بل وزاد على ذلك أن أطلق له ابنه الأسير , وتدل على أن الرسول r كان يصدِّق الناس فيما يُظهرونه , ويَكِل سرائرهم لله جل وعلا , حيث صدَّق عُمَيراً , ولم يتهمه بأنه أسلم خوفاً من العقاب , بعدما افتُضِحَت نيته فى قتله r . 

كان زيد بن اللصيت من كبار المنافقين , فلما ضلَّت ناقة رسول الله r قال : يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته ! فقال رسول الله r وجاءه الخبر بما قال عدو الله فى رَحْلِه , ودَلَّ الله تبارك وتعالى رسوله r على ناقته : (( إن قائلاً قال : يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء ولا يدرى أين ناقته , وإنى والله لا أعلم إلا ما علمنى الله , وقد دلنى الله عليها , فهى فى هذا الشِّعْب , قد حبستها شجرة بزمامها )) فذهب رجال من المسلمين فوجدوها حيث قال رسول الله r وكَمَا وصف [سيرة ابن هشام] فمن الذى كان يدلَّ الرسول r على مكان ناقته لو لم يكن رسولاً ؟

عن سهل بن سعد الساعدى t أن رسول الله r التقى هو والمشركون فاقتتلوا , فلما مال رسول الله r إلى عسكره , ومال الآخرون إلى عسكرهم , وفى أصحاب رسول الله r رجل لا يَدَع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه , فقالوا : ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان ! فقال رسول الله r : (( أمَا إنه من أهل النار )) فقال رجل من القوم : أنا صاحبه , قال : فخرج معه , كلما وقف وقف معه , وإذا أسرع أسرع معه , قال : فجُرِح الرجل جرحا شديداً , فاستعجل الموت , فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه , ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه , فخرج الرجل إلى رسول الله r فقال : أشهد أنك رسول الله , قال : (( وما ذاك ؟ ))  قال : الرجل الذى ذكرت آنفاً أنه من أهل النار , فأعْظَم الناسُ ذلك , فقلتُ : أنا لكم به , فخرجتُ فى طلبه , ثم جرح جرحاً شديداً , فاستعجل الموت , فوضع نصل سيفه فى الأرض وذبابه بين ثدييه , ثم تحامل عليه فقتل نفسه , فقال رسول الله r عند ذلك : (( إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس , وهو من من أهل النار , وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس , وهو من أهل الجنة )) [صحيح البخارى] هذا الرجل الذى كان يسمى قُزمان – كما جاء فى كتب الأحاديث والسيرة – كان فى أعين الناس مجاهداً عظيماً , لأنه أبلى بلاءً حسناً فى قتال المشركين , فكان ظاهر أمره أنه من أهل الجنة , ولكنهم لما أثنوا عليه فى حضرة الرسول r قال : (( أمَا إنه من أهل النار )) فلما تتبعه ذلك الصحابى وجده قد انتحر , والمنتحر من أهل النار , كما جاء فى قول رسول الله : (( من تردى من جبل فقتل نفسه فهو فى نار جهنم خالداً مخلَّداً فيها أبداً , ومن تحسَّى سُمّا فقتل نفسه فسُمّه فى يده يتحساه فى نار جهنم خالداً مخلَّداً فيها أبداً , ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته فى يده يَجَأ بها فى بطنه فى نار جهنم خالداً مخلَّداً فيها أبداً )) [صحيح البخارى] فمن الذى أعلم الرسول r بعاقبة ذلك الرجل , إلا أن يكون وحياً من عند الله ؟

عندما دخل رسول الله r مكة عام الفتح أمر بلالاً أن يصعد فيؤذن على الكعبة , وأبو سفيان بن حرب وعَتّاب بن أَسيد والحارث بن هشام وأشراف قريش جلوس بفناء الكعبة , فقال عتاب : لقد أكرم الله أسيداً ألا يكون سمع هذا , فيسمع منه ما يغيظه , فقال الحارث : أمَا والله لو أعلم أنه حق لاتبعته , فقال أبو سفيان : والله لا أقول شيئاً , لو تكلمت لأخبَرَتْ عنى هذه الحصباء , فخرج عليهم النبى r فقال لهم : (( قد علمتُ الذى قلتم )) ثم ذكر ذلك لهم , فقال الحارث وعَتّاب : نشهد أنك رسول الله , والله ما اطَّلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبَرَك [زاد المعاد]

قال ابن إسحاق : حُدِّثت عن سلمان الفارسى أنه قال : ضربتُ فى ناحية من الخندق , فغلُظَت علىَّ صخرة , ورسول الله r قريب منى , فلما رآنى أضرب , ورأى شِدَّة المكان علىَّ , نزل فأخذ المِعْوَل من يدى , فضرب به ضربة لمعت تحت المعول بُرقَة , قال : ثم ضرب به ضربة أخرى , فلمعت تحته برقة أخرى , قال : ثم ضرب به الثالثة , فلمعت تحته برقة أخرى , قال : قلت : بأبى أنت وأمى يا رسول الله.. ما هذا الذى رأيتُ لمع تحت المعول وأنت تضرب ؟ قال : (( أَوَقد رأيت ذلك يا سلمان ؟ )) قال : قلت : نعم , قال : (( أما الأولى فإن الله فتح علىَّ بها اليمن , وأما الثانية فإن الله فتح علىَّ بها الشام والمغرب , وأما الثالثة فإن الله فتح علىَّ بها المشرق )) [سيرة ابن هشام] ما رأيكم.. ألم يحدث ما قاله الرسول r ؟

عندما جاء أعرابى إلى رسول الله r وقال له : متى الساعة ؟ قال له الرسول r : (( إذا ضُيِّعَت الأمانة فانتظر الساعة )) قال : وكيف إضاعتها يا رسول الله ؟ قال : (( إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة )) [صحيح البخارى] وإسناد الأمر إلى غير أهله فى هذا الزمان لا يتمارَى فيه اثنان .

لقد جاء داروين فى أواخر القرن التاسع عشر بنظريته الباطلة عن بداية نشأة الإنسان من القرد , وجاء غيره بنظريات عن بداية خلق السموات والأرض , واعتبروا نظرياتهم هى الحق وما عداها هو الباطل , ثم جاءت نظريات أخرى تفنِّد نظرياتهم , وتطرح نظريات أخرى لخلق الكون , ثم نظريات أخرى… وهكذا , ولقد أوحى الله إلى رسوله r منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام قوله تعالى : {مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} [الكهف:51] فيا تُرَى… لو كان الرسول r هو الذى ألَّف القرآن , هل كان يعلم بمجىء هؤلاء القوم الذين يخوضون فيما لا علم لهم به , والذين سمّاهم الله تعالى {الْمُضِلِّينَ} ؟

مومياء فرعون ( رمسيس الثانى ) دليل على صدق رسالة الرسول r فقد قال الله تعالى عن هذا الطاغية الجبار : {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} [يونس:92] وذلك أن الله لمّا شَقَّ البحر الأحمر لسيدنا موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – وجعل فيه طُرُقاً يابسة , وسار هو وأتباعه فى هذه الطُّرُق حتى وصلوا إلى سيناء , حاول فرعون ملاحقتهم , فسار هو وجنوده على اليابسة كما رآهم يفعلون , ولكن الله سبحانه وتعالى حال بينه وبين ذلك , فبعدما خرج سيدنا موسى هو ومن معه من المؤمنين , ودخل فرعون وجنوده فى هذه الشقوق , انطبق عليهم البحر , فغرقوا جميعاً , ورمى البحر جثة فرعون على الشاطئ , ليتيقَّن بنو إسرائيل من موته , وليكون عبرة لكل الطُّغاة على مر العصور , وظلت هذه المومياء إلى وقتنا هذا دليلاً على صدق ما جاء به الرسول r فمن خرق حجاب الغيب هذا لسيدنا محمد r ؟ وها هى المومياء فى المتحف المصرى بميدان التحرير شاهدة على ذلك , رغم أن عشرات الآلاف من الذين غرقوا معه لم يبقَ لهم أى أثر , ولم يخطر ببال أحد ممن استعمروا مصر لفترات طويلة أن يشوِّهوا هذه المومياء , أو على الأقل أن يخفوها ليكذّبوا القرآن , إن الذى أعماهم عن هذا هو الذى أعمى أبا لهب أن ينطق بالشهادتين ليكذِّب دعوته r بل إن الأغرب من هذا أن الأجانب الكفار هم الذين يعالجون مومياء فرعون إذا أصابتها ميكروبات أو فطريات تؤذيها , وهم لا يعلمون أنهم مسخَّرون لحمايتها من قِبَل علام الغيوب سبحانه وتعالى . 

فى صُلح الحديبية أمر الرسول r سيدنا على بن أبى طالب أن يكتب : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} فقال  سُهَيل بن عمرو , الذى كان مُفاوِضاً عن قريش : ما نعلم الرحمن الرحيم , ولكن اكتب : باسمك اللهم . فأمر الرسول r عليّاً أن يكتبها , ثم أمره الرسول r أن يكتب : هذا ما صالَح عليه محمد رسول الله r سهيل بن عمرو , فقال له سهيل : لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك , ولكن اكتب : هذا ما صالَح عليه محمد بن عبد الله , فأمر الرسول r عليّاً أن يمحو رسول الله , فأبى علىّ , فمحاها الرسول r بأصبعه المبللة بريقه الشريف , بعد أن سأل سيدنا عليّاً عن مكانها , وقال له : (( اكتب فإن لك مِثلَها تعطيها وأنت مُضطهَد )) [سُبُل الهدى والرشاد] ثم مرت السنون , حتى حدث خلاف بين علىّ بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان , وحضر أبو موسى الأشعرى مفاوضاً عن علىّ , وحضر عمرو بن العاص مفاوضاً عن معاوية ( رضى الله عنهم أجمعين ) فقال سيدنا علىّ لأبى موسى الأشعرى : اكتب هذا ما صالح عليه علىّ بن أبى طالب أمير المؤمنين معاوية بن أبى سفيان , فقال له عمرو : لو علمنا أنك أمير المؤمنين ما قاتلناك , ولكن اكتب اسمك واسم أبيك , فرضى سيدنا علىّ , وتذكر قول الرسول  rمنذ أكثر من عشرين عاماً , فمن الذى أخبر الرسول r بذلك لو كان كاذباً أو دجالاً ؟

عن عمار بن ياسر – رضى الله عنهما – قال : كنت أنا وعلى بن أبى طالب رفيقين فى غزوة العُشَيرة , فلما نزلها رسول الله r وأقام بها , رأينا أُناساً من بنى مُدْلِج يعملون فى عَين لهم وفى نخل , فقال لى على بن أبى طالب : يا أبا اليقظان.. هل لك أن تأتى هؤلاء القوم فننظر كيف يعملون ؟ قلت : إن شئت , فجئناهم فنظرنا إلى عملهم ساعة , ثم غشينا النوم , فانطلقتُ أنا وعلى حتى اضطجعنا فى سُور من النخل , وفى دقعاء من التراب , فنمنا , فوالله ما أهَبّنا إلا رسول الله r يحركنا برجله , وقد تترَّبنا من تلك الدقعاء التى نمنا فيها , فيومئذ قال رسول الله r لعلى بن أبى طالب : (( ما لكَ يا أبا تراب ؟ )) لما يرى عليه من التراب , ثم قال : (( ألا أحدثكما بأشقى الناس ؟ )) قلنا : بلى , قال : (( أُحَيمِر ثمود الذى عقر الناقة , والذى يضربك يا علِىّ علَى هذه – ووضع يده على قرنه – حتى يَبُلّ منها هذه )) وأخذ بلحيته [سيرة ابن هشام] وقد حدث هذا عندما ضرب ابن مُلْجِم ( لعنه الله ) سيدنا علياً t على رأسه , فسال منها الدم حتى أخضَل لحيته كما قال الرسول r فما الذى أدرَى رسول الله r بذلك ؟ أمَا كان من الممكن ألا يُقتَل علىّ , أو يُقتل ولكن بطريقة أخرى ؟  فما الذى جعله يُقتَل بنفس الطريقة التى أخبره بها الرسول r ؟

صعد الرسول r ذات يوم على جبل أُحُد , ومعه أبو بكر وعمر وعثمان y فرجف بهم الجبل , فقال له الرسول r : (( أثبُت أُحُد , فإنما عليك نبى وصدِّيق وشهيدان )) [صحيح البخارى] ومعلوم أن أبا بكر هو الصدِّيق , إذن فالشهيدان هما عمر وعثمان , وقد قُتِلا ولقيا ربهما شهيدين كما قال r فمن الذى أعلمه بمصيرهما لو كان دجالاً ؟

غزوة مؤته سُمِّيَت غزوة رغم أن الرسول r لم يحضرها , ولكنها سميت هكذا لأنه وصفها وهو فى المدينة المنورة بين أصحابه y وكأنه يراها رأى العين , وقد قُتِل فى هذه الغزوة من المسلمين ثلاثون , ومن الرومان مائتان , رغم أن عدد المسلمين كان ثلاثة آلاف مقاتل , والرومان مائتَى ألف مقاتل .

ورَد فى كتب السيرة وغيرها ( مثل سيرة ابن كثير ودلائل النبوة للبيهقى والخصائص الكبرى ) أنه لما التقى الناس بمؤتة جلس رسول الله r على المنبر , وكُشِف له ما بينه وبين الشام , فهو ينظر إلى مُعترَكهم , فقال رسول الله r : (( أخذ الراية زيد بن حارثة , فجاءه الشيطان , فحبب إليه الحياة , وكرَّه إليه الموت , وحبب إليه الدنيا , فقال : الآن حين استحكم الإيمان فى قلوب المؤمنين تحبب إلىَّ الدنيا ؟ فمضى قُدُماً حتى استشهد )) فصلى عليه رسول الله r وقال : (( استغفروا له , فقد دخل الجنة وهو يسعى , ثم أخذ الراية جعفر بن أبى طالب , فجاءه الشيطان , فمنّاه الحياة , وكرَّه إليه الموت , ومنّاه الدنيا , فقال : الآن حين استحكم الإيمان فى قلوب المؤمنين تمنينى الدنيا ؟ فمضى قُدُماً حتى استشهد )) فصلى عليه رسول الله r ودعا له , ثم قال : (( استغفروا لأخيكم فإنه شهيد دخل الجنة , فهو يطير فى الجنة بجناحين من ياقوت حيث يشاء فى الجنة , ثم أخذ الراية بعده عبد الله بن رَواحة , فاستشهد ودخل الجنة مُعترِضاً )) فشقَّ ذلك على الأنصار , فقال رسول الله r : (( أصابه الجراح )) قيل : يا رسول الله.. ما اعتراضه ؟ قال : (( لما أصابته الجراح نَكَلَ , فعاتب نفسه , فشَجُع فاستشهد , فدخل الجنة )) فسُرِّى عن قومه .

فمن أين لرسول الله r رؤية المعركة , وهو بعيد عنها بعِدِّة أميال , لولا أن الله هو الذى أطلعه عليها ؟  

عن عُروة بن الزبَير عن أبيه – رضى الله عنهما – قال : كان رسول الله r جالساً بقُباء , ومعه نَفَر , فقام مُصعَب بن عُمَير عليه بُردَة ما تكاد تُوارِيه , ونكَّس القوم ( أى نكَّسوا رؤوسهم حياءً من النظر إليه ) فجاء فسلَّم , فردوا عليه , فقال فيه النبى r خيراً , وأَثنَى عليه , ثم قال : (( لقد رأيتُ هذا عند أبويه بمكة يكرمانه وينعِّمانه , وما فتى من فُتيان قريش مثله , ثم خرج من ذلك ابتغاء مرضاة الله , ونُصرة رسوله , أمَا أنه لا يأتى عليكم إلا كذا وكذا حتى يُفتَح عليكم فارس والروم , فيغدو أحدكم فى حُلَّة , ويروح فى حُلَّة , ويُغدَى عليكم بقَصعة , ويُراح عليكم بقَصعة )) قالوا : يا رسول الله.. نحن اليوم خير أو ذلك اليوم ؟ قال : (( بل أنتم خير منكم ذلك اليوم , أمَا لو تعلمون من الدنيا ما أعلم لاسْتراحت أنفسكم منها )) [المستدرك على الصحيحين] هل كان يعلم رسول الله r – لو أنه لم يُوحَ إليه – أن فارساً والروم ستُفتَحان , وتتبدل أحوال أتباعه من الفقر إلى الغنى , حتى يُراح عليهم ويُجاء بأنواع الأطعمة , ويلبسون فى غُدُوِّهم غير ما يَلبسون فى رَواحِهم ؟

عُتبة وعُتيبة وَلَدَا أبى لهب كانا متزوجين من رقية وأم كلثوم ابنتَى الرسول r فأمرهما أبوهما أن يطلقاهما , وأن يُسمعاه ما يكره , فذهبا إليه وفَعَلا ما أمرهما به أبوهما , لدرجة أن عتبة أمسك برقبة النبى r ودفعه , فدعا عليه الرسول r قائلاً : (( اللهم سلِّط عليه كلباً من كلابك )) وبقية القصة نسوقها من كتب السيرة : وكان أبو لهب يحتمل البَزّ إلى الشام ، ويبعث بولده مع غلمانه ووكلائه ، ويقول : إنكم قد عرفتم سنّى وحقّى ، وإن محمداً قد دعا على ابنى دعوة ، والله ما آمنها عليه ، فتعاهدوه ، فكانوا إذا نزلوا المنزل ألزقوه إلى الحائط , وغطَّوا عليه الثياب والمَتاع , حتى نزلوا فى مكان من الشام يُقال له الزرقاء ليلاً ، فطاف بهم الأسد ، فجعل عُتبة يقول : يا ويل أمى هو والله آكلى كما دعا محمد علىَّ ، قتلنى محمد وهو بمكة وأنا بالشام ، لا والله ما أظلَّت السماء على ذى لهجة أصدق من محمد ، ثم وضعوا العَشاء , فلم يُدخِل يده فيه , ثم جاء النوم ، فحاطوا أنفسهم بمتاعهم , ووسَّطوه بينهم وناموا , فجاء الأسد يهمس يستنشق رؤوسهم رجلاً رجلاً ، حتى انتهى إليه ، وقال هبّار : فجاء الأسد فشمَّ وجوهنا , فلما لم يجد ما يريد تقابض ثم وثب ، فإذا هو فوق المتاع , فشمَّ وجهه , ثم هزَمه هزْمة ففضخ رأسه , فقال وهو بآخر رمق : ألم أقل لكم إن محمداً أصدق الناس ؟ ومات فبلغ ذلك أبا لهب ، فقال : ألم أقل لكم إنى أخاف عليه دعوة محمد ؟ قد والله عرفتُ ما كان لينفلت من دعوة محمد [سبل الهدى والرشاد] فهل هناك دجال دعوته مستجابة ؟ وهل سمعنا عن أسد يترك ما يجده من الفرائِس , ثم يقفز إلى ما فى منتصفها فيقتله ؟

قال الله تعالى عن اليهود : {وَإِذَا جَاؤُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} [المجادلة:8] وذلك أنهم كانوا يمرون على الرسول r فيقولون له : السّام عليك يا محمد , والسّام هو الموت , فما كان r يزيد على قوله : (( وعليكم )) وحين ردَّت عليهم السيدة عائشة – رضى الله عنها – قائلة : ( وعليكم السّام واللعنة ) قال لها : (( مهلاً يا عائشة , إن الله يحب الرفق فى الأمر كله )) فقالت : يا نبى الله.. أولم تسمع ما يقولون ؟ قال : (( أولم تسمعى أنى أرُد ذلك عليهم , فأقول : وعليكم ؟ )) [صحيح البخارى] وفى [صحيح مسلم] أنها لما ردت عليهم , قال لها : (( مَهْ يا عائشة ! فإن الله لا يحب الفحش والتفحُّش )) وفى رواية أخرى فى صحيح مسلم – أيضاً – أنه قال لها : (( يا عائشة لا تكونى فاحشة )) إن هذا فى حدّ ذاته دليل على نُبوَّته r من حيث خُلُقه العظيم الذى لا يضاهيه فيه أحد , وذلك كما وصفه ربه تبارك وتعالى بقوله : {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4] كما أنه دليل على نُبوَّته من وجه آخر , حيث أن الله سبحانه وتعالى ختم الآية التى ذكرت تحيتهم له بقوله تعالى : {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} فما الذى أدرَى الرسول r بما كان يدور فى نفوسهم إِثْر تحيتهم له بهذه التحية ؟ وهل الدجال يعلم ما تُكِنّه الصدور وما تخفيه الضمائر ؟

قول الله تعالى : {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ} [الفتح:27] وَعْدٌ من الله سبحانه وتعالى للرسول r ولأصحابه الكِرام y بدخول المسجد الحرام وهم آمنون غير خائفين , وقد تحقق ذلك بعد صُلح الحديبية بسَنَة , أى فى عام الفتح ( فتح مكة ) كما أخبر الله سبحانه وتعالى , فهل كان الرسول r يضمن دخوله ودخول أصحابه بيت الله الحرام وهم آمنون , وقد كانت بينه وبين أهل مكة عداوات وحروب لم تنطفئ جذوتها ؟ وهل هناك دجال يجزم بوقوع حَدَث مثل هذا بعد هذه الفترة الوجيزة ؟ إن الدجالين يملأون الأرض طنيناً بانتصاراتهم المُرتقَبة – وربما كانت وُعوداً جَوفاء – دون تحديد لكيفية هذه الانتصارات , أما القرآن الكريم – ولأنه وحى من عند الله – فقد بشَّرهم بأن دخولهم لبيته الحرام سيكون سِلميّاً بغير حرب , وقد كان الرسول r على يقين بوَعْد الله جل وعلا , رغم اعتراض قريش على دخولهم فى بادئ الأمر وهم مُحرِمون , ورغم رجوعهم إلى المدينة المنورة دون أن يُؤَدّوا عُمرتهم , وكان من الممكن أن يموت الرسول r قبل حلول العام القابل الذى نَصَّ عليه صلح الحديبية , وهو أن يرجع الرسول r وأصحابه y إلى المدينة , ثم يعودوا فى العام الذى بعده , وكان من الممكن أن تغدر بهم قريش وتحاربهم , وتصدهم عن المسجد الحرام مرة أخرى , ولو انتصروا عليها , ودخلوا المسجد الحرام عُنوة , لم يكن دخولهم فى هذه الحالة دخول الآمنين , ولو حدث العكس وانتصرت عليهم , لمنعتهم من دخوله , فمن الذى أَعلَمه r بأنه سيدخل هو وأصحابه y آمنين ؟

قال الله تعالى : {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:55] هذه الآية نزلت عندما قال أحد الصحابة y للرسول r : يا رسول الله.. أهكذا ننام ونقوم فى الحديد ( أى السلاح ) أبَدَ الدهر ؟ فنزلت هذه الآية تبشرهم بأنهم سيأمنون , ويُستخلَفون فى الأرض , وبالفعل حدث هذا فى عصر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t ومن بعده عثمان بن عفان t عندما انتصر المسلمون على أعظم امبراطوريتين آنَذاك , وهما الروم والفُرس , ثم امتدت بعد ذلك رقعة البلاد الإسلامية شرقاً وغرباً , إلى أن وصلت إلى أذربيجان , وسمرقند , والنيسابور , وتركستان , وما جاورها من البُلدان , حتى بلاد الصين شرقاً , وبلاد المغرب غرباً , وإلى جنوب أفريقيا , وحُكِمت هذه البلاد بشرع الله جل وعلا , ولم تكن تلك الفتوحات ابتغاء مصالح دنيوية , أو صراع على السلطة , ولكنها كانت لإقامة دين الله فى أرضه , حتى تكون كلمة الله هى العليا , فمن الذى أعلم سيدنا محمداً r بأن دين الله سيُمَكَّن له فى الأرض , وأن خوفهم سيُبَدَّل أمناً ؟

وعد الله رسوله r بالفتح ودخول الناس فى دين الله أفواجاً , وذلك فى قوله تعالى : {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النصر] وقد حدث هذا بعد فتح مكة المكرمة , حين دخلت قبائل العرب فى دين الله أفواجاً , لأن مكة المكرمة كانت معظَّمة فى قلوب العرب , وكانوا يوقنون بأن من أراد بها شراً فسيهلكه الله , كما أهلك أبرهة , وكانت بمثابة العاصمة المقدسة لجميع القبائل العربية , أمَا وقد فتحها رسول الله r وانتصر على أهلها بإذن الله , فقد أيقنوا أن محمداً r على الحق , وأن أهلها على الباطل , فأسلموا لله رب العالمين , فما الذى كان يجعل سيدنا محمداً r يتكلم عن هذا الأمر الغيبى , إلا إذا كان وحياً من عند الله سبحانه وتعالى ؟ 

الوعد بهزيمة اليهود عندما أساءوا الأدب مع الرسول r بعدما انتصر على المشركين فى موقعة بدر , حيث قالوا : لقد غرَّ محمداً أن انتصر على أوباش لا علم لهم بفنون القتال , أمّا لو حاربنا فسيعلم كيف يكون القتال . فأنزل الله الرد عليهم فى قوله تعالى : {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ{12} قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ} [آل عمران:12-13] والذين قالوا تلك المقولة هم يهود بنى قينقاع , الذين كانوا أقوى طوائف يهود المدينة , لأنهم كانوا صُنّاع الأسلحة , وتجار الذهب , أى أنهم كانوا يملكون القوة العسكرية والاقتصادية , وكان لديهم حصون يختبئون فيها من عدوهم , وقد زوَّدوها بوسائل معايشهم وطعامهم وشرابهم , ليستطيعوا العيش بها لمدة طويلة لو وقع عليهم حصار , ولكن وحى الله تعالى لرسوله r تحداهم بنصر المسلمين عليهم , ولو أنه لم يكن وحياً – كما تدَّعون – لكان من الممكن أن ينتصروا على المسلمين , أو لا تقع بينهم حروب أصلاً , أليس كذلك ؟

الوعد بهزيمة المشركين , والانتصار عليهم , وقت أن كان المسلمون قِلَّة مستضعفين , وذلك فى قول الله تعالى : {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر:45] لدرجة أن عمر بن الخطاب t تعجب , وقال : ( أىّ جمع يُهزَم , وأى جمع يُغلَب ؟ ) وذلك لِما رآه من بطش المشركين وكثرتهم , وضعف المؤمنين وقِلَّتهم , حتى جاءت موقعة بدر , التى نصر الله فيها المسلمين على المشركين , رغم عدم التكافؤ فى العدد والعتاد , وقد حدد فيها الرسول r مَصارع الكفار , وأشار إليها قائلاً : هذا مصرع أبى جهل , هذا مصرع الوليد بن المغيرة , هذا مصرع عتبة بن ربيعة , هذا مصرع فلان , هذا مصرع فلان… إلخ , وتلا رسول الله r قوله تعالى : {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} فعلم عمر أن المشركين سيُهزمون , وبالفعل قُتلوا فى الأماكن التى حددها الرسول r وفرَّ المشركون من المعركة بفضل الله جل وعلا , وتحقق وعد الله تعالى لرسوله r وقد كان عدد الصحابة y 313 معهم سيف الراكب , أى السيف الذى يحمله الراكب للدفاع عن نفسه إذا تعرض لبعض المخاطر , وليس معهم دروع , ولا رِماح , ولا أقواس , ولا نِبال , ولا يملكون إلا فَرَسَيْن , والمشركون عددهم 1000 مقاتل , خرجوا للحرب , مدججين بالسلاح , أما الرسول r وصحابته الكرام y فلم يخرجوا لحرب , بل خرجوا لقطع الطريق على قافلة أبى سفيان , ليستردوا بعض حقوقهم التى استولى عليها المشركون فى مكة , لدرجة أن كثيراً من الصحابة تخلفوا عن هذه الغزوة , لعلمهم أن إخوانهم لم يخرجوا لحرب . فمن الذى أعلَمَ رسول الله r بأنه سينتصر على المشركين , وأنهم سيولّون مدبرين , إلا أن يكون وحياً من عند الله سبحانه وتعالى ؟ وما الذى جعله ينتصر عليهم , رغم عدم التكافؤ فى العُدَّة والعدد , إلا أن يكون مُؤيَّداً من الله سبحانه وتعالى ؟

يقول الله تبارك وتعالى : {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} [الإسراء:104] ( اللفيف ) هو جماعة غير متجانسة من الناس , كما يقال : ( جاء لفيف من القوم ) أى أنهم من طوائف مختلفة , مثل السياسيين , والأطباء , والمهندسين , والمحامين , والعمال… إلخ , وهذا ما يحدث فى عصرنا الحاضر , من هجرة اليهود اليومية إلى الأرض المقدسة بفلسطين , مثل يهود الحبشة , ويهود أوربا الغربية والشرقية , ويهود العرب والهند والرُّوس… إلخ , يأتون إليها من سائر بقاع الأرض , فلو كان الرسول r دجالاً.. هل كان يعلم بهجرتهم هذه إلى الأرض المقدسة , بعد وفاته بأكثر من ثلاثة عشر قرناً ؟

وهجرتهم إليها تُمَهِّد لهزيمتهم , لأنهم سيقاتلوننا , وننتصر عليهم إن شاء الله , مصداقاً لقول الرسول r : (( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود , فيقتلهم المسلمون , حتى يختبئ اليهودى من وراء الحجر والشجر , فيقول الحجر أو الشجر : يا مسلم ! يا عبد الله ! هذا يهودى خلفى , فتعالَ فاقتله , إلا الغرقد , فإنه من شجر اليهود )) ‌[صحيح مسلم] واجتماعهم فى دولة واحدة من التيسير على المسلمين فى قتالهم , لأنهم متفرقون فى بلاد العالم , ويصعب قتالهم على هذه الحالة , واليهود الصهاينة يواصلون – هذه السنين – قطع وتجريف جميع الأشجار فى فلسطين , ما عدا شجر الغرقد , لعلهم – فى ظنهم – يؤخرون مصيرهم المحتوم , لأنهم فى قرارة أنفسهم يعترفون بصدق نبوءة سيدنا محمد r وأن المسلمين سينتصرون عليهم بإذن الله تعالى .

ولكن متى يتحقق نصر الله الذى وعدنا به رسوله r ؟ يتحقق عندما نكون مسلمين لله حقاً , وليس فى البطاقة الشخصية , وعندما نُعبِّد أنفسنا لله جل وعلا , كما جاء فى قوله r فى الحديث السابق ذِكره : (( يا مسلم.. يا عبد الله )) أما الآن فالكثير من المسلمين قد عبَّد نفسه لغير الله سبحانه وتعالى , فمنهم من عبد المال , ومنهم من عبد المنصب والجاه , ومنهم من عبد الزوجة والأولاد… إلخ , قال رسول الله r : (( تَعِسَ عبد الدِّينار , تَعِسَ عبد الدِّرْهَم , تَعِسَ عبد الخميصة , تَعِسَ عبد الخميلة , إن أُعْطِىَ رَضِىَ , وإن لم يُعْطَ سَخِطَ , تَعِسَ وانتكس , وإذا شِيكَ فلا انْتُقِش , طوبى لعبدٍ آخذٍ بعنان فَرَسَه فى سبيل الله , أشعثٌ رأسه , مُغْبَرَّةٌ قَدَماه , إن كان فى الحراسة كان فى الحراسة , وإن كان فى السّاقة كان فى السّاقة , إن استأذن لم يُؤذن له , وإن شَفَع لم يُشَفَّع )) [صحيح البخارى]

وَعْد إبليس بإضلال بنى آدم , وجعْلهم يغيرون خلق الله , والذى نقله القرآن عنه فى قوله تعالى : {وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ} [النساء:119] أصبح جليّاً الآن بصورة واضحة لا تخفى على أحد , فها هى عمليات التجميل التى تتدخل فى خلق الله – وخصوصاً فى النساء – فتجعل أنف هذه مستقيمة , وَفَم تلك صغيراً , وأخرى تجعلها نحيفة ( بشفط السمنة ) أو سمينة بحقنها بما يضخم أجزاءً من جسدها… إلخ .

عندما وَهَبت الرُّمَيصاء – رضى الله عنها – ولدها أنس بن مالك t للرسول r زكّت ابنها , ثم رجعت ليستغفر لها الرسول r , وطلبت منه أن يدعو له , فدعا له قائلاً : (( اللهم أكثِر ماله وولده , وأطِلْ عمره , وأدخله الجنة )) [السيرة النبوية لابن كثير] وبالفعل عاش سيدنا أنس t أكثر من مائة سنة , وكَثُرَ ماله وولده , حتى إنه t قال : ( فقد رأيت اثنتين وأنا أنتظر الثالثة ، والله إن مالى لكثير ، وإن ولدى وولد ولدى ليتعادُّون على نحوٍ من مائة ) فهل دعاء الرسول r له – والذى تحقق بالحرف الواحد  – كان دعاء دجال ؟

عندما أُسِرَ أبو وداعة السهمى يوم بدر , قال الرسول r : (( إن له بمكة ابناً كيِّساً تاجراً ذا مال ، وكأنكم به قد جاء فى طلب فداء أبيه )) فلما قالت قريش : لا تعجلوا بفداء أسراكم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه ، قال المطلب بن أبى وداعة ( وهو الذى كان رسول الله r عَنَى ) : صدقتم لا تعجلوا , وانْسَلَّ من الليل وقَدِم المدينة ، فأخذ أباه ( أى افتداه ) بأربعة آلاف درهم فانطلق به [السيرة النبوية لابن كثير] فمن الذى أعلمَ رسول الله r بذلك ؟

وعندما أُسِرَ سهيل بن عمرو فى الموقعة نفسها , قال عمر بن الخطاب t للرسول r : دعنى أنزع ثنيَّة سهيل بن عمرو يدلع لسانه ( لأن شفته السفلى كانت مشقوقة ) فلا يقوم عليك خطيباً فى موطن أبداً – لأنه كان يخطب فى الناس بمكة ضد الرسول r – فقال رسول الله r : (( لا أمثِّل به فيمثِّل الله بى وإن كنت نبياً )) [السيرة النبوية لابن كثير] وقال له أيضاً : (( دعها لعلها أن تسرُّك يوماً )) قال سفيان : فلما مات النبى r نفر منه أهل مكة ، فقام سهيل بن عمرو عند الكعبة فقال : من كان محمد إلهَه فإن محمداً قد مات ، واللهُ حىّ لا يموت [السيرة النبوية لابن كثير] فأنَّى لرسول الله r أن يعلم أن سهيلاً t سيسلم ويقول قولاً حسناً إن لم يكن نبياً ؟

قال رسول الله r : (( إنكم ستفتحون مصر , وهى أرض يُسَمَّى فيها القيراط , فإذا فتحتموها فاستوصوا بأهلها خيراً , فإن لهم ذمَّة ورَحِماً , فإذا رأيتَ رجلين يختصمان فى موضع لَبِنَة فاخرج منها )) [صحيح الجامع:2307] وقد فُتِحَت مصر – كما نعلم – بإذن الله تعالى , مصداقاً لقول رسول الله r على يد عمرو بن العاص t فى زمن الخليفة عمر بن الخطاب t .

ورد فى كتاب ( الرحيق المختوم ) وغيره من كتب السيرة العَطِرة أن النبى r كتب إلى كِسرَى مَلِك فارس : (( بسم الله الرحمن الرحيم , من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس ، سلام على من اتبع الهدى ، وآمن بالله ورسوله ، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأدعوك بدعاية الله ، فإنى أنا رسول الله إلى الناس كافة ، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين ، فأسلِم تسلَم ، فإن أبَيْتَ فإن إثم المجوس عليك )) واختار لحمل هذا الكتاب عبدَ الله بنَ حُذافة السهمى ، فدفعه السهمى إلى عظيم البحرين ، فأرسله إلى كسرى , فلما قُرِئ الكتاب على كسرى مزَّقه ، وقال فى غطرسة : عبد حقير من رعيتى يكتب اسمه قبلى ، ولما بلغ ذلك رسول الله r قال : (( مزَّق الله مُلْكَه )) وقد كان كما قال ، فقد كتب كسرى إلى باذان عامله على اليمن : ابعث إلى هذا الرجل الذى بالحجاز رجلين من عندك جَلَدَين فليأتيانى به , فاختار باذان رجلين ممن عنده ، أحدهما قهرمانَه بانويه ، وكان حاسباً كاتباً بكتاب فارس , وثانيهما خرخسرو من الفرس ، وبعثهما بكتاب إلى رسول الله r يأمر أن ينصرف معهما إلى كسرى ، فلما قَدِما المدينة ، وقابَلا النبى r قال أحدهما : إن شاهنشاه ( ملك الملوك ) كسرى قد كتب إلى الملك باذان يأمره بأن يبعث إليك من يأتيه بك ، وبعثنى إليك لتنطلق معى ، وقال قَولاً توعَّده فيه ، فأمرهما النبى r أن يُلاقياه غداً , وفى ذلك الوقت كانت قد قامت ثورة كبيرة ضد كسرى من داخل بيته , بعد أن لاقت جنوده هزيمة منكرة أمام جنود الرُّوم ، فقد قام شيرويه بن كسرى على أبيه فقتله ، وأخذ المُلكَ لنفسه ، وكان ذلك فى ليلة الثلاثاء لعشر مضَين من جُمادى الأولى سنة سبع من الهجرة ، وعَِلم رسول الله r الخبر من الوحى ، فلما غَدَوا عليه أخبرهما بذلك , فقالا : هل تدرى ما تقول ؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر ، أفنكتب هذا عنك ، ونخبره الملك ؟ قال : (( نعم.. أخبِراه ذلك عنى ، وقُولا له : إن دينى وسلطانى سيبلغ ما بلغ كسرى , وينتهى إلى مُنتهَى الخُف والحافر ، وقولا له : إن أسلمتَ أعطيتُك ما تحت يدك ، وملَّكتك على قومك من الأبناء )) فخرجا من عنده حتى قَدِما على باذان باليمن فأخبَراه الخبر ، وبعد قليل جاء كتاب بقتل شيرويه لأبيه ، وقال له شيرويه فى كتابه : ( انظر الرجل الذى كان كتب فيه أبى إليك ، فلا تُهِجْه حتى يأتيك أمرى ) وكان ذلك سبباً فى إسلام باذان ومن معه من أهل فارس باليمن .

فمن أخبر الرسول r بموت كِسرَى , وهو يبعُد عنه آلاف الكيلومترات , ولم يكن هناك هواتف ولا فاكس ولا تلِكس , ولا أى وسيلة من وسائل الاتصالت الحديثة ؟

كيف عرف الرسول r أن الشاة التى أهدتها له امرأة يهودية أنها مسمومة ؟ فقد ورد فى المعجم الكبير للطبرانى وسنن أبى داود وغيرهما , أن أمرأة يهودية أهدت للرسول r شاة مَصْلِية ( أى مشوية ) ووضعت له فيها السم , فأكل منها ثم كفَّ عنها , وقال : (( أخبرتنى أنها مسمومة )) ثم أرسل للمرأة وسألها , فقالت : أردت أن أعلم إن كنت نبياً لم يضرك , وإن كنت ملكاً أرَحْتُ الناسَ منك . وقد ظل أثر السم فى جسده r إلى أن تُوُفِّىَ منه , فقد قالت السيدة عائشة – رضى الله عنها – كان النبى r يقول فى مرضه الذى مات فيه : (( يا عائشة.. ما أزال أجد ألم الطعام الذى أكلْتُ بخيبر , فهذا أوان وجدتُ انقطاع أبهَرى من ذلك السم )) [صحيح البخارى] فالإعجاز فى هذا الأمر – بالإضافة لمعرفته أنها مسمومة – فى أنه لم يمت فى حينها , رغم أن السم كان زُعافاً , فقد مات منه بِشْر بن البَراء t فى حينها , ولكن الرسول r لم يمت فى وقتها , لأن الله كان قد أنزل عليه قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67] فقد تكفل الله سبحانه وتعالى فى هذه الآية الكريمة بأن يحفظ رسوله r حتى يبلغ رسالته , وبعد أن بلغها مات من أثر السم , لينال درجة الشهادة , بالإضافة لدرجة النبوة والرسالة .

بعدما تفاوض عروة بن مسعود الثقفى t مع الرسول r يوم الحديبية , رجع إلى قومه – وكان لا زال على شِرْكه – فقال لهم : أىْ قوم.. إنى قد رأيت الملوك وكلَّمْتُهم ، والله ما رأيت مثل محمد قط ، وما هو بملِك ، ولقد رأيت الهَدْى معكوفاً يأكل وَبَره ، وما أراكم إلا ستصيبكم قارعة ، فانصرف ومن معه من قومه إلى رسول الله r مسلماً ، فاستأذن رسولَ الله r أن يرجع إلى قومه , فقال : (( إنى أخاف أن يقتلوك )) قال : لو وجدونى نائماً ما أيقظونى ، فأذن له رسول الله r فرجع إلى قومه مسلماً ، فرجع عِشاءً ، فجاءت ثقيف يحَيُّونه ، فدعاهم إلى الإسلام ، فاتهموه وعصَوْه وأسمعوه ما لم يكن يحسب ، ثم خرجوا من عنده ، فلما أسحَر وطلع الفجر , قام عروة على غُرفَةِ داره فأذَّن بالصلاة وشَهِد ( أى نطق بالشهادتين ) فرماه رجل من ثقيف بسهمه فقتله ، فقال رسول الله r : (( الحمد لله الذى جعل فى أمتى مثلَ صاحبِ يس ، دعا قومه فقتلوه )) [سبل الهدى والرشاد] فمن أخبر الرسول r بأن قوم عروة t سيقتلونه ؟

عندما عقد الرسول r عزمه على دخول مكة عام الفتح , لم تكن قريش تعلم بهذا , وكان حاطب بن أبى بلتعة t قد هاجر إلى المدينة المنورة , وترك قَراباتٍ له بمكة , ولم يكن حاطب من أهل مكة , ولكنه كان حليفاً لهم , فخاف على أهله أن تصيبهم قريش بأى أذى , لعدم وجود أهل لهم يحمونهم , فأرسل إليهم رسالة مع امرأة ليخبرهم بعزم الرسول r على فتح مكة 

وسنترك بقية الحديث لعَلِىّ بن أبى طالب t كما ورد فى صحيح مسلم : بعثنا رسول الله r أنا والزبير والمِقداد فقال : (( ائتوا روضة خاخ , فإن بها ظعينة معها كتاب , فخذوه منها )) فانطلقنا تَعادَى بنا خَيلُنا , فإذا نحن بالمرأة , فقلنا : أخرجى الكتاب , فقالت : ما معى كتاب , فقلنا : لتُخرِجنَّ الكتاب أو لتُلقِينَّ الثياب , فأخرجته من عِقاصِها ( أى شعرها المضفور ) فأتينا به رسول الله r فإذا فيه من حاطب بن أبى بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة , يخبرهم ببعض أمر رسول الله r فقال رسول الله r : (( يا حاطب ما هذا ؟ )) قال : لا تعجَل علىَّ يا رسول الله , إنى كنت امْرأً مُلصَقا فى قريش , وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قَراباتٌ يحمون بها أهليهم , فأحببتُ إذ فاتنى ذلك من النسَب فيهم أن أتخذ فيهم يَداً يحمون بها قرابتى , ولم أفعله كفراً ولا ارتداداً عن دينى , ولا رِضاً بالكفر بعد الإسلام , فقال النبى r : (( صَدَق )) فقال عمر : دعنى يا رسول الله أضرب عُنُق هذا المنافق , فقال : (( إنه قد شَهِد بدراً , وما يدريك لعل الله اطَّلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم , فقد غفرت لكم )) فأنزل الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء} [الممتحنة:1]

إن هذه القصة تثبت نبوة الرسول r وحِلمه وعفْوَه , أما نبوته فمن وحى الله له بما كان من حاطب t وأما حلمه وعفوه فمن عدم مؤاخذة الرسول له , أو حتى تبكيته وتأنيبه .

عندما دخل رسول الله r مكة عام الفتح , قال ( بعد المناوشات التى حدثت بين المسلمين والمشركين ) : (( من دخل دار أبى سفيان فهو آمِن , ومن ألقى السلاح فهو آمِن , ومن أغلق بابه فهو آمِن )) [صحيح مسلم] وقد قال هذا ليحقن الدماء بين الطرفين , ولكن الأنصار y ظنوا أنه أمَرَ بالكفِّ عن القتال رحمة بأهله وعشيرته من قريش , وخافوا أن يمكث بمكة ولا يرجع معهم إلى المدينة المنورة , فقالوا : أمّا الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة فى قريته . فنزل الوحى على الرسول r يخبره بما قالوا , فقال : (( قلتم أمّا الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة فى قريته , ألا فما اسمى إذن ؟ – ثلاث مرات – أنا محمد عبدُ الله ورسوله , هاجرت إلى الله وإليكم , فالمَحيا مَحياكم والمَمَات مَمَاتكم )) قالوا : والله ما قلنا إلا ضنّاً بالله ورسوله . قال : (( فإن الله ورسولَه يُصدِّقانكم ويَعذِرانِكم )) [صحيح مسلم] فهذا – بالإضافة لِما فيه من الوفاء للأنصار y – ففيه إخبار بغيب لم يكن يعلمه r لولا أن الله علَّمه إيّاه , وهو أنه رجع معهم إلى المدينة ومات بها , وكان من الممكن أن يموت بمكة قبل أن يرجع معهم , أو يموت فى حجة الوداع , ولكنه r رجع معهم , ومات بين أظهُرِهم y .

عندما وصل رسول الله r إلى تبوك ( وهى آخر غزوة غزاها فى حياته r ) دعا خالد بن الوليد , فبعثه إلى أُكَيدِر دَومَة ( أى المكان الذى يسمَّى دَومَة الجَندَل ) وهو أُكَيدِر بن عبد الملك , رجل من كِندَة كان ملكاً عليها , وكان نصرانياً , فقال رسول الله r لخالد : (( إنك ستجده يصيد البقر )) فخرج خالد حتى إذا كان من حِصْنه بمنظر العين , وفى ليلة مُقمِرة صائفة , وهو على سطح له , ومعه امرأته , فباتت البقر تحُك بقرونها باب القصر , فقالت له امرأته : هل رأيت مثل هذا قط ؟ قال : لا والله , قالت : فمن يترك هذه ؟ قال : لا أحد , فنزل فأمر بفَرَسه فأُسرِج له , وركب ومعه نفر من أهل بيته , فيهم أخ له يقال له حَسّان , فركب وخرجوا معه بمُطارِدهم , فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله r فأخذته [سيرة ابن هشام] فمن أخبر الرسول r بأن سيدَنا خالداً عندما يصل إليه سيجده يصيد البقر ؟ ومن جعل البقر تحك قصره بقرونها لأول مرة فى حياته , إلا أن الله هو الذى سخرها , لييسر المهمة التى أمر بها الرسولُ r سيدَنا خالداً ؟

عن السيدة عائشة – رضى الله عنها – أن رسول الله r دعا فاطمة ابنته فسارَّها فبكت , ثم سارَّها فضحكت , فقلتُ لفاطمة : ما هذا الذى سارَّكِ به رسول الله r فبكيْتِ , ثم سارَّكِ فضحكتِ , قالت : سارَّنى فأخبرنى بموته فبكيْتُ , ثم سارَّنى فأخبَرنى أنى أول من يَتْبَعُه من أهلِه فضحِكْتُ [متفق عليه] وبالفعل كانت السيدة فاطمة – رضى الله عنها – أول من ماتت بعده من أهله , فمن الذى أعلم رسول الله r بذلك لو أنه كان دجالاً ؟

هناك أحاديث كثيرة نعيش أحداثها فى عصرنا هذا , ومنها قوله r : (( يوشك أن تَداعَى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكَلَة إلى قصعتها )) قيل: يا رسولَ الله ! فمن قِلَّة يومئذ ؟ قال : (( لا , ولكنكم غثاء كغثاء السيل , يجعل الوهْن فى قلوبكم , وينزع الرعب من قلوب عدوكم , لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت )) [صحيح الجامع:8183] وهذا ما نراه من اجتماع قوات التحالف على المسلمين من كل حدب وصوْب , سواء فى العراق أو أفغانستان , أو غيرهما من بلاد الإسلام , وما نراه من تكالب المسلمين على الدنيا , ونكوصهم عن الجهاد فى سبيل الله , إلا القليل منهم , وهم الذين قال عنهم الرسول r : (( لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق يقاتلون )) [صحيح البخارى] وفى [صحيح مسلم] : (( لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة )) وقوله r : (( ظاهرين )) بمعنى ظاهرين على عدوهم , أى منصورين عليه . 

قال رسول الله r فى الحديث المعروف الذى جاء فى [صحيح مسلم] عن أمارات الساعة , حينما سأله سيدنا جبريل u عنها : (( أن تلد الأَمَة ربَّتَها , وأن تجد الحُفاة العُراة العالة رِعاء الشاة يتطاولون فى البنيان )) وقد حدث ما قاله الرسول r بالحرف الواحد , وذلك حينما توصل الأطباء لالتقاط البويضة من المرأة , ثم تخصيبها بالحيوان المنوى خارج الرَّحِم , ثم إعادتها مخصَّبة للرحم مرة أخرى , وهو ما يُسمَّى بطفل الأنابيب , وقد راقت هذه الفكرة لبعض الخليجيات المترَفات – رغم أنها حرام – للحفاظ على أجسادهن من الحمل والرضاعة , وحتى لا يعطلهن الحمل عن السفر للنزهة واللعب , فَلَجَأنَ لما يُسمَّى بالأم البديلة , حيث تؤخذ منهن البويضات , وتُخصَّب خارج أرحامهن , ثم تُزرَع هذه البويضات المخصَّبة فى أرحام الإماء أو الخادمات , فتكون المرأة الخليجية هى الأم الحقيقية , والأَمَة هى الأم البديلة التى تلد ربَّتها ( أى سيدتها ) كما قال الرسول r وقد تحققت أيضاً النبوءة الثانية الواردة فى الحديث الشريف , وهى أن سكان الجزيرة العربية الذين كانوا إلى عام 1950 حُفاة عُراة عالة يتسولون من الحجيج , أصبحوا يمتلكون ناطحات سحاب تضاهى مثيلاتها فى أوربا وأمريكا , فهل هناك دجال يعلم الغيب , ويخبر عنه بهذه الدِّقة ؟

ومن أشراط الساعة ما جاء فى [صحيح البخارى] من قول الرسول r : (( وحتى يتطاول الناس فى البنيان , وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتنى مكانه , وحتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس , آمنوا أجمعون , فذلك حين {لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً} )) وقد ذكر هذا الحديث التطاول فى البنيان فى آخر الزمان , وهو الذى انتشر فى أمريكا والدول الأوربية وغيرها من الدول ( أى أنه ليس مقتصراً على رِعاء الشاة كما فى الحديث الذى قبله ) كما أن فى الحديث إعجازاً آخر , وهو فى قول الرسول r عن الشمس إنها ستطلع من مغربها , وقد تعجب البعض من هذا القول , واستبعدوا حدوثه , وقالوا : إن الشمس تطلع من الشرق منذ ملايين السنين , وذلك لدوران الأرض حول محورها أمام الشمس فى اتِّجاه عكس عقارب الساعة منذ وجودها , فما هى القوة التى تجعل الأرض تغير اتِّجاه دورانها حتى تطلع الشمس من مغربها ؟ ولكن الأستاذ الدكتور ( زغلول النجار ) قال : إن الأرض كانت منذ خلقها الله تدور حول محورها بسرعة فائقة للغاية , وإن سرعة دوران الأرض حول محورها ظلت تتباطأ إلى مستواها الآن , وإن هذا التباطؤ لا زال مستمراً , وإنها تفقد فى دورانها حول محورها أمام الشمس جزءاً من الثانية فى كل قرن من الزمان , وإن سرعتها الفائقة فى بداية خلقها جعلت عدد الأيام هائلاً للغاية , وإن أحداث الأرض مُسجَّلة يوماً بعد يوم فى بقايا أجساد الكائنات الحية ( النباتات والحيوانات ) وإن عدد أيام السنة كان 2200 يوم , رغم أن طولها كان كما هو الآن , ولكن الاختلاف كان فى عدد أيامها , وإن هذا التباطؤ سيجبر الأرض على التوقف عن الدوران , ثم ينعكس فى الاتجاه المضاد , ليصبح فى اتجاه دوران عقارب الساعة , وحينها ستطلع الشمس من مغربها , مِصداقاً لقول الذى لا ينطق عن الهوى r .

قال رسول الله r : (( ليكونن من أمتى أقوام يستحلُّون الحِرَ , والحرير , والخمر , والمعازف )) [صحيح البخارى] (( الحِرَ )) معناه الزنى , وقد استحلَّه البعض تحت أسماء مختلفة , مثل الفَن , والزواج العُرفى , الذى لا تتوافر فيه شروط النِّكاح الصحيح , من موافقة وَلِى أمر الزوجة , والإشهار… إلى غير ذلك , واستحلَّه بعضهم فى معاشرته لزوجته بعد طلاقها عدة مرات , وبعد أن بانت منه بينونة كبرى , بل وهناك من يطالبون بعدم توقيع عقوبة الزنى على الرجل أو المرأة , طالما أنه برضا الطرفين , رغم أنهم ينتسبون للإسلام , ويرددون قول الغرب بأن ذلك حرية شخصية , وأنه كذا وكذا , وقد استحل بعض الرجال من المسلمين لبس الحرير , واستحَلَّت الأمة كلها المعازف ( إلا ما رَحِمَ ربى ) وينفقون آلاف الجنيهات – بل ملايين الجنيهات – فى الحفلات والرقص والأغانى , وإنا لله وإنا إليه راجعون .

قال r : (( لا تذهب الأيام والليالى حتى تشرب طائفة من أمتى الخمر , يُسَمُّونها بغير اسمها )) [سنن ابن ماجه , صحيح الجامع:7273] أى أنهم يُسَمُّون الخمر بأسماء لم تكن فى زمنه r وقد سمَّوها فعلاً بأسماء أخرى , مثل : المشروبات الروحية , والبيرة , والكونياك , والشامبنيا , وغير ذلك .

قال رسول الله r : (( سألت ربى ثلاثاً , فأعطانى ثنتين , ومنعنى واحدة , سألت ربى أن لا يُهلك أمتى بالسَّنَة فأعطانيها , وسألته أن لا يُهلك أمتى بالغرق فأعطانيها , وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها )) [صحيح مسلم] هل هناك دجال يدَّعى النبوة يقول إنه دعا الله , فلم يستجب لبعض ما دعاه ؟ وهل كان الرسول r يضمن عدم هلاك أمته بالمجاعة ( السَّنَة ) أو الغرق ؟ وهل كان يعلم ما سيقع بين أمته من قتال وحروب – مثل ما حدث بين العراق وإيران , وبين العراق والكويت , وبين الجماعات المختلفة فى العراق وفلسطين واليمن والصومال والسودان وأفغانستان – حتى يتنبّأ بما سيكون بينهم من بأس ؟

قال رسول الله r : (( لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض , حتى يخرج الرجل بزكاة ماله , فلا يجد أحداً يقبلها منه , وحتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً )) [صحيح مسلم] إن معنى هذا أن أرض العرب – وهى الجزيرة العربية – كانت مروجاً وأنهاراً , وسترجع كما كانت , لأن كلمة (( تعود )) معناها أنها كانت هكذا , وستعود كما كانت , وقد أثبتت الأبحاث الجيولوجية أن الكرة الأرضية تعرضت لعدة عصور جليدية , كان آخرها منذ عشرة آلاف سنة , وهو زمن تحولت فيه كمية من البحار إلى ثلوج , تراكمت فى القطب المتجمد الشمالى , ثم أخذت هذه الثلوج بالزحف نحو الجنوب باتجاه أوروبا وأمريكا , حتى وصلت إلى شبه جزيرة العرب , والتى أصبحت عندئذ أكثر مناطق العالم من حيث الأمطار والأنهار , فكثرت فيها البساتين والمروج . ويشير الجيولوجيون إلى أن العواصف الثلجية التى تضرب أوروبا وأمريكا اليوم علامة على بداية عصر جليدى آخر , وأن هذا العصر الجليدى عندما يكتمل ستصبح البلاد العربية أغنى المناطق – من جديد – بالأنهار والبساتين .

كما أنه قد تم اكتشاف قرية الفاو فى الرَّبع الخالى بالصحراء السعودية , والتى كانت – ولا زالت – تحت جبال من الرمال , حيث قدَّر الجيولوجيون أن الرمال فى الصحراء العربية توجد تحتها أنهار وأشجار , اندرست بفعل تكاثُف الرمال فوقها , وذلك بعد استعمال العلماء المُحْدَثين ( وهم فى الطائرات ) للأشعة فوق البنفسجية وأشعة الليزر عن بُعد .

وقد تعجب الجيولوجى الألمانى ( كرونر ) عندما عُرِضت عليه ترجمة هذا الحديث الشريف , وقال : إن هذا لا يمكن أن يصدر إلا بوحى .

قال رسول الله r : (( كيف بكم إذا فسق شبابكم , وطغى نساؤكم ؟ )) قالوا: يا رسول الله.. إن ذلك لكائن ؟ قال : (( وشَرٌّ من ذلك سيكون , كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً ؟ )) [المعجم الكبير للطبرانى] إن هذا الحديث لا يخفَى على أحد أننا نعيش أحداثَه فى عصرنا الحاضر , أليس كذلك ؟ فهل هذه نبوءة دجال ؟

وهناك أحاديث أخرى كثيرة نعيش أحداثها , لم تكن على عهده r وذلك مثل ما يلى :

قال رسول الله r : (( يوشك أهل العراق أن لا يُجبَى إليهم قَفيز ولا درهم )) قلنا : من أين ذاك ؟ قال : (( من قِبَل العجم , يمنعون ذلك )) [صحيح مسلم] ( القَفيز أى مكيال العراق ) فهل كان الرسول r يعلم بما كان من حصار اقتصادى على العراق منذ عدة سنوات لولا أن الله علَّمه ؟ وهل هناك مكابر يستطيع إنكار ما حدث للعراق من الحصار والتجويع أيام صدّام من قِبَل الأعاجم ؟

لقد ظهر فى عصرنا الحاضر أُناس ينكرون سُنَّة رسول الله r وأحاديثَه , ويسمُّون أنفسهم بالقرآنيين , ويقولون : إننا نؤمن بالقرآن لأنه وحى الله , أما الأحاديث فلا نعلم صحة روايتها فلا نأخذ بها , وقد رد عليهم العلماء بأقوال كثيرة , منها : إن الذين نقلوا إلينا القرآن هم الذين نقلوا السُّنة , وهم الصحابة الأجلاء y , وإن السُّنة لابد منها لتفسير آيات القرآن وأحكامه , والإخبار عن كيفية العبادات , مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج… إلخ , وبردود أخرى ليس هنا مجال ذكرها , ولكن من أخبر رسول الله r بمجىء هؤلاء القوم حتى يقول عنهم : (( ألا هل عسى رجل يَبْلُغُه الحديث عنى وهو متكئ على أريكته , فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله , فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه , وما وجدنا فيه حراماً حرمناه , وإن ما حرَّم رسول الله كما حرم الله )) [صحيح الجامع:2657]‌ ؟ ويقول : (( ألا إنى أوتيت الكتابَ ومِثْلَه معه , ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن , فما وجدتم فيه من حلال فأحِلُّوه , وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه )) [صحيح الجامع:2643] ؟

قال رسول الله r : (( صِنفان من أهل النار لم أرَهُما , قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس , ونساء كاسيات عاريات , مميلات مائلات , رءوسهن كأسنة البُخت المائلة , لا يدخلن الجنة , ولا يجدن ريحها , وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا )) [صحيح مسلم] وقال : (( لتتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن كان قبلكم شبراً بشبر ، وذراعاً بذراع ، حتى لو سلكوا جُحْر ضَب لسلكتموه )) قيل : يا رسول الله.. اليهود والنصارى ؟ قال : (( فَمَن ؟ )) [متفق عليه] (( فَمَن )) أى فَمَن غيرهم ؟ وقال : (( سيأتى على الناس سنوات خدّاعات , يُصدَّق فيها الكاذب , ويُكذَّب فيها الصادق , ويُؤتمَن فيها الخائن , ويُخوَّن فيها الأمين , وينطق فيها الرُّوَيْبِضَة )) قيل : وما الرويبضة ؟  قال : (( الرجل التافه يتكلم فى أمر العامَّة )) [سنن ابن ماجه , صحيح الجامع:3650] وها نحن نعيش وقائع هذه الأحاديث , وها هى النساء الكاسيات العاريات فى كل مكان , وها هم الظالمون الذين يضربون الناس بالسِّياط ( الكرابيج ) فى السجون والمعتقَلات , وها هو التشبُّه باليهود والنصارى فى كل كبيرة وصغيرة , فى مأكلهم وملبسهم , فى عاداتهم وكلامهم , فى أعيادهم وانحرافاتهم… إلخ , وها نحن نرى ونسمع بعض التافهين الذين يُستشارون فى عظائم الأمور , فيُفْتون فيها بغير علم ولا تقوى ولا ورع , بل بآرائهم الشخصية البعيدة عن منهج الله جل وعلا , فهل رآهم الرسول r أو سمعهم ؟ وهل الدجال يخوض فى دقائق الغيبيات مثل ذلك ؟

قال رسول الله r : (( إن من أشراط الساعة أن يُرفَع العِلْم , ويَثبُت الجهل , ويُشرَب الخمر , ويظهر الزنى )) [صحيح البخارى] وقد بدأت هذه العلامات فى الظهور , وإنا لله وإنا إليه راجعون .

قال رسول الله r : (( إن من أشراط الساعة أن يُلتمَس العلم عند الأصاغر )) [صحيح الجامع:2207] وها نحن نعيش فى زمن هذا الحديث , فكم ممن يلتمس العلم عند الأصاغر فى العلم والفقه والتقوى , بل عند أهل البدع والأهواء , ويتركون العلماء الأجلاء , لمجرد أنهم يفتون – مثلاً – بحرمة البنوك الربوية أو القِمار أو السجائر أو الموسيقى أو غير ذلك مما هو مُحرَّم شرعاً , ويصفونهم بأنهم متشددون ومتنطعون ولا يفهمون .

قال رسول الله r : (( لا تقوم الساعة حتى يكثر الهَرْج )) قالوا : وما الهرج ؟ قال : (( القتل القتل )) [صحيح مسلم] وقد كثر القتل فى القرن العشرين وبعده بصورة لم يسبق لها مثيل منذ عهد الرسول r وقد بدا ذلك واضحاً بعد تطور صناعة الأسلحة لتصبح أكثر تقتيلاً وتدميراً , وخصوصاً القنبلة النووية التى ألقتها أمريكا على هيروشيما ونجازاكى باليابان , وخلَّفت من جَرّائها مجازر بشرية مُريعة , وظهور الأسلحة البيولوجية والكيماوية , وما فعله هولاكو وهيتلر وستالين وموسولينى وبوش وغيرهم , وكذلك الحروب التى رافقت تطبيق الشيوعية , والحروب الطائفية التى دارت بين الصِّرب والكُرْوات منذ عشرات السنين , والتى راح ضحيتها خمسمائة ألف نَفْس , والحروب التى دارت فى كثير من البلدان – ولا تزال فى بعضها – مثل الحروب الصليبية الصهيونية فى فلسطين , والحرب بين العراق وإيران , وبين العراق والكويت , وما تبعها من هجوم قوات التحالف على العراق , والحروب فى الصومال والشيشان وأفغانستان , والهند وكشمير والفلبين , وحروب التمييز العِرقى – مثل ما حدث فى البوسنة والهرسك – والتى أدت إلى قتل وجرح عشرات الآلاف من المسلمين , وكان من أُخريات هذه الحروب احتلال أمريكا للعراق وأفغانستان , وما تسبب فيه من قتل وتشريد الملايين… إلخ .

قال رسول الله r : (( والذى نفسى بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتىَ على الناس يوم لا يدرى القاتل فيمَ قَتَل , ولا المقتول فيم قُتِل )) [صحيح مسلم] أليس هذا موجوداً الآن فى فلسطين والسودان واليمن وباكستان وأفغانستان ؟ أليس كثير من الناس – فى القرى وغيرها – يقاتلون مع أقاربهم ومعارفهم ضد خصومهم , دون أن يعرفوا ما سبب القتال , فيَقتُلون ويُقتَلون ؟ أليس الكثير من الجنود يحاربون بأمر ملوكهم ورؤسائهم ضد أقوام آخرين , دون أن يعلموا لماذا يقاتلونهم ؟

قال رسول الله r : (( لا تقوم الساعة حتى يُقبَض العِلْم , وتكثر الزلازل , ويتقارب الزمان , وتظهر الفتن , ويكثر الهَرْج – وهو القتل القتل – حتى يكثر فيكم المال فيفيض )) [صحيح البخارى] إن قبض العلم المذكور فى الحديث الشريف هو العلم الشرعى , بدليل أن الرسول r قال : (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد , ولكن يقبض العِلم بِقبْض العلماء , حتى إذا لم يُبْقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جُهّالاً فسُئِلوا , فأفتَوْا بغير علم , فضَلُّوا وأضلُّوا )) [صحيح البخارى]

وقد كثرت الزلازل فى أنحاء شتى من العالم , حتى إن مركز الإعلام القومى الأمريكى للزلازل قال : إن 20832 زلزالاً حدثت فى عام 1999 وحده , ومن البديهى أن هذا الكَمّ الهائل من الزلازل ليس كله على درجة واحدة من الشدة حتى يشعر به الإنسان , فهناك توابع للزلازل تكون أقل منها بكثير بمقياس رِخْتَر , بحيث لا يشعر بها , أما تقارُب الزمان فقد فسروه بعدم البركة فى الوقت , وهذا قد حدث فعلاً , حتى إن الواحد منا لَيشعر أن الأوقات تتلاحق , وكأنها تجرى وراء بعضها , ويمر على الحدث فى حياته بضع سنين , وهو يظن أنها بضعة أشهر , ويأتى عليه يوم الجمعة – مثلاً – ثم لا يشعر إلا وقد قَدِم يوم الجمعة مرة أخرى… وهكذا , وهذا مِصداق قول رسول الله r : (( لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان , فتكون السنة كالشهر , ويكون الشهر كالجمعة , وتكون الجمعة كاليوم , ويكون اليوم كالساعة , وتكون الساعة كالضَّرْمة بالنار )) [صحيح الجامع:7422] وفسروا التقارُب أيضاً بسرعة الاتصالات بين الناس فى أرجاء المعمورة , حتى إن الرسائل التى كانت تصل عبر البريد فى عدة أيام , أصبحت تصل خلال ثوانٍ , عن طريق الهواتف النقّالة , وعبر شبكة الإنترنت والفاكس والتلكس… إلخ , أما ظهور الفتن فلا يخفى على أحد , وقد ظهر المال وفاض فى بعض البُلدان – مثل دول الخليج – وسيظهر أكثر وأكثر , حتى تتحقق نبوءة الرسول r فى قوله : (( لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض , حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحداً يَقْبَلها منه , وحتى تعود أرض العرب مُروجاً وأنهاراً )) [صحيح مسلم]

قال رسول الله r : (( من أشراط الساعة الفحش والتفحُّش , وقطيعة الرحم , وتخوين الأمين , وائتمان الخائن )) [صحيح الجامع:5894] وقد ظهرت هذه العلامات واضحة جليَّة , حتى أصبح أسلوب التعامل بين أغلب الناس بالألفاظ والحركات الفاحشة , لدرجة سب الدين , وذِكْر العورات , وسب آباء الناس وأمهاتهم بأقذر الشتائم , أما قطيعة الرحم وتخوين الأمين وائتمان الخائن فحدِّث عنها ولا حرج .

قال رسول الله r : (( من اقتراب الساعة إذا رأيتم الناس أضاعوا الصلاة ، وأضاعوا الأمانة ، واستحلُّوا الكبائر ، وأكلوا الربا ، وأخذوا الرِّشَى ، وشيَّدوا البناء ، واتبعوا الهوى ، وباعوا الدين بالدنيا ، واتخذوا القرآن مزامير ، واتخذوا جلود السِّباع صفافاً ، والمساجد طُرُقاً , والحرير لِباساً ، وكَثُرَ الجَوْر ، وفَشا الزنى ، وتهاونوا بالطلاق ، وائتُمِن الخائن ، وخُوِّن الأمين ، وصار المطر قَيْظاً ، والولد غَيْظاً ، وأُمراء فَجَرَة ، ووزراء كَذَبَة ، وأُمناء خَوَنَة ، وعُرفاء ظَلَمَة ، وقلَّت العلماء ، وكَثُرَت القُرّاء ، وقلَّت الفقهاء ، وحُلِّيَت المصاحف , وزُخرِفَت المساجد ، وطُوِّلَت المنابر ، وفسدت القلوب ، واتخذوا القِينات ، واستُحِلَّت المعازف ، وشُرِبَت الخمور ، وعُطِّلَت الحدود ، ونقصت الشهور ، ونُقِضَت المواثيق ، وشاركت المرأة زوجها فى التجارة ، وركب النساء البراذين ، وتشبهت النساء بالرجال , والرجال بالنساء ، ويُحلَف بغير الله ، ويَشهَد الرجل ولا يُستشهَد )) [جامع الأحاديث] صدق رسول الله , عليه من الله السلام والصلاة , فقد ظهر معظم – أوْ كل – ما ورد فى هذا الحديث , فها هى الصلاة قد ضيعها الكثير من المسلمين , إما بتركها بالكليَّة , أو بإضاعة أوقاتها والالتزام بها , وها هى الأمانة قد ضُيِّعَت ( إلا ما رَحِمَ ربى ) وكَثُرَ الزنى وأَكْل الربا والرِّشوة , وتهاوَن الناس بالطلاق , حتى جعلوه على أتفه الأسباب , وأصبح الرجل يحلف بالطلاق على كل كبيرة وصغيرة , ويطلق زوجته عشرات المرات ويُنكِر طلاقها… إلى آخر ما ورد فى الحديث الشريف .

قال رسول الله r : (( من أعلام الساعة أن يكون الولد غيظاً , والمطر قَيْظاً , وتفيض الأشرار فَيضاً , ويُصدَّق الكاذب , ويُكذَّب الصادق , ويُؤتمَن الخائن , ويُخوَّن الأمين , ويسود كلَّ قبيلة منافقوها , وكلَّ سوق فُجّارها , وتُزخرَف المحاريب , وتخرب القلوب , ويكتفى الرجال بالرجال , والنساء بالنساء , وتخرب عِمارة الدنيا , ويعمر خرابها , وتظهر الريبة , وأكل الربا , وتظهر المعازف والكُبُول وشرب الخمر , ويكثر الشّرَط والغمّازون والهمّازون )) ( البيهقى فى البعث ، وابن النجار عن ابن مسعود ، قال البيهقى : إسناده فيه ضعف إلا أن أكثر ألفاظه قد رُوِىَ بأسانيد أُخَر متفرقة ) [جامع الأحاديث] وهل هناك أوضح من غيظ الأولاد لآبائهم وأمهاتهم , وكثرة الأشرار من القَتَلَة واللصوص وغيرهم , وتكذيب الصادق , وتصديق الكاذب… إلخ ؟ وقوله r : (( ويكتفى الرجال بالرجال , والنساء بالنساء )) هو ظهور فعل قوم لوط والسِّحاق , لدرجة أنهم لا يستحيون من أفعالهم , بل وَلَهُم مواقع على الشبكة العنكبوتية ( الإنترنت ) يدعون فيها أمثالهم ليمارسوا معهم شذوذهم , ولدرجة أن بعض الكنائس فى أمريكا أباحت زواج المِثلين , أى زواج الرجل بالرجل , وزواج المرأة بالمرأة , وحدثت مظاهرات فى إسرائيل ليسمحوا لهم بزواج المِثلين هكذا دون أدنى حياء , كأسيادهم الأمريكان , وقوله r : (( وتخرب عِمارة الدنيا )) يظهر فى البلاد التى تصاب بالكوارث الطبيعية , مثل البراكين والزلازل والانزلاقات الأرضية , والفيضانات والأعاصير.. إلى غير ذلك , أو البلدان التى تقع بها الحروب المدمرة المهلكة , أما قوله r : (( ويعمر خرابها )) فيتضح فى تعمير واستصلاح الأراضى الصحراوية مثلاً , أو فى اكتشاف البُلدان والجُزُر وعمارتها بعد أن كانت خراباً , أو فى إعادة عمارة ما خرب منها . أما ظهور المعازف والخمور والمُسكِرات والمخدرات فما أكثره , حتى أصبح فى الشوارع والحارات والأزِقَّة , وذلك فيما يُسمَّى بالدى جى , الذى أصبح فى كل مكان , ولأى سبب من زواج أو نجاح أو عيد ميلاد أو غيره , وقد كَثُرَت الكبول – وهى ما يُكبَّل به – وذلك لكثرة القبض على القَتَلة واللصوص والمجرمين وغيرهم , أما قوله r : (( ويكثر الشُّرَط )) أى رجال الشرطة , فهو أيضاً لزيادة معدلات الجريمة , ولحماية السجون والمُعتَقَلات والمَحاكم , والسفارت والمنشآت العسكرية ومَقارّ الشرطة , وحراسة الرؤساء والملوك والوزراء… إلخ .

قال رسول الله r : (( ستفترق أمتى على بضع وسبعين فرقة , أعظمها فرقة قوم يقيسون الأمور برأيهم , فيحرمون الحلال ويحللون الحرام )) [المستدرك على الصحيحين] وهذا واضح وضوح الشمس فى عصرنا هذا , فالكثير من المسلمين والمسلمات يُفتون بغير علم , ويقولون على أشياء مقطوع بحرمتها إنها حلال , لمجرد تحكيم أهوائهم , والعكس صحيح , أى أنهم يحرمون الحلال أيضاً بأهوائهم , وتجد الواحد منهم يتسرع فى الإجابة بقوله على أشياء إنها حلال أو حرام , دون الرجوع للكتاب والسُّنة وعلماء الأمة .

قال رسول الله r : (( من اقتراب الساعة أن يُرَى الهلال قُبَلاً , فيُقال لليلتين , وأن تُتَّخَذ المساجد طُرُقاً , وأن يظهر موت الفجأة )) [صحيح الجامع:5899] (( أن يُرَى الهلال قُبَلاً )) أى يظهر بوضوح , وهذا قد حدث بعد اختراع التلسكوبات التى يرونه بها قبل أن يراه الناس بأعينهم , (( فيقال لليلتين )) أى أن عمره يُقدَّر بالأيام , وهذا أيضاً أصبح يسيراً بعد اختراع التلسكوبات وتقدُّم علم الفلك , (( وأن تُتُّخذ المساجد طُرُقاً )) أى أن الرجل يدخل المسجد فيمر فيه ويخرج من الباب الآخر , دون أن يصلى فيه أو يعتكف , وهذا أصبح جلياً بعد بناء المساجد على مساحات كبيرة , بحيث يكون للمسجد الواحد عدة أبواب , فيتخذها الناس طُرُقاً , فيدخلون من باب ويخرجون من الآخر , لييسر عليهم الوصول إلى المكان الذى يريدونه , أما (( موت الفجأة )) فقد كَثُرَ بطريقة ملفتة للنظر , حتى إن الناس يتحدثون عن أقاربهم ومعارفهم بأن هذا مات وهو يتكلم , وذاك مات وهو يأكل , وآخر مات وهو يصلى , ورابع مات وهو نائم… إلخ .

قال رسول الله r : (( أعمار أمتى ما بين الستين إلى السبعين , وأقلهم من يجوز ذلك )) [صحيح ابن حبان , صحيح الجامع:1073] هذا الحديث الشريف ليس من الغيبيات التى تأتى كعلامات للساعة , ولكنه ينطبق على أمته r عموماً , سواء الذين كانوا فى زمنه أو بعده , ولكن الدليل على صدق نبوته r فيه هو عدم تجاوز أعمار أمته لهذا العمر , رغم تقدم علم الطب , وتقدم صناعة الأدوية والإسعافات الأولية , وظهور المستشفيات المجهزة على أعلى مستوى من التقنيات الحديثة , والمعدات الطبية , ومعامل التحليل والأشعة , وغرف الإنعاش… إلخ , فى حين أن أعمار الأمريكان والأوربيين – مثلاً – أكبر من أعمار أمته r , وذلك ربما كان لتفوقهم العلمى المذهل , واهتمامهم البالغ بصحة شعوبهم , والتشخيص المبكر لأمراضهم وسُبُل علاجها , أو لأسباب أخرى يعلمها الله سبحانه وتعالى .

وهناك غيبيات كثيرة وعلامات أخرى لاقتراب الساعة ذكرها الرسول r منها ما ورد فى كتاب ( النهاية فى الفتن والملاحم , طباعة دار الحديث بالقاهرة ) للحافظ ابن كثير , مثل قول الرسول r فى ص81 منه : (( وخراب العراق من القتل )) أى أن خرابها يكون سببه كثرة القتل , وها نحن قد رأينا ما حدث فى العراق مما يُدمِى قلوب المسلمين على إخوانهم فى الدين .

ومثل قوله r فى ص83 منه عن بنى الأصفر ( أى الأوربيين والأمريكيين ) : (( ثم يكونون أولى بالعدل منكم )) وهذا واضح جَلِىّ يعترف به عدوهم قبل صديقهم , وكان المفروض أن العدل يكون بيننا أكثر منهم , ولكن واأسفاه على تضييع أغلب المسلمين لأوامر ربهم وتعاليم نبيهم r .

إخبار بعض الآيات والأحاديث عن بعض العلوم

قال الله تعالى : {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت:53]  وقَد تكلم القرآن فى علوم كثيرة , ما كان للرسول r – لو كان دجالاً – أن يقحم نفسه فيها , وذلك مثل علم الأجنة , كقول الله تعالى : {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى{37} ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى{38} فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى} [القيامة:37-39] وقد أثبت العلم أن الحيوان المنوى للرجل هو المسئول – بعد الله عز وجل – عن نوع الجنين , سواء كان ذكرأ أو أنثى , وكذلك أثبت العلم الحديث ما ذكره القرآن الكريم فى سورة ( المؤمنون ) عن خلق الإنسان من {نُطْفَةً} وهى ماء الرجل , ثم {عَلَقَةً} وهى البويضة المخصَّبة , التى انقسمت إلى خلايا كثيرة , حتى صارت على شكل كرة , ثم تعلقت تعلقاً شديداً بجدار الرحم , ثم {مُضْغَةً} وهى قطعة لحمية صغيرة تبدو وكأنها ممضوغة بالأسنان , كقطعة اللِّبَان , ثم تكون {عِظَاماً} ثم تُكسَى العظام باللحم ( العضلات ) وقد اعترف بذلك أشهر أساتذة علم الأجنَّة , وهو البروفِسور ( كيث إل مور ) الأستاذ بجامعة تورينتو بكندا , فى كتابه الذى اشترك فيه مع مجموعة من علماء الأجِنّة العالميين , ودعا فيه إلى إعادة تقسيم وتسمية مراحل تكوين الجنين لتكون مطابقة لما ورد فى القرآن الكريم , والسنة النبوية المطهرة , لأنهما أدق فى الوصف , وأسهل على طالب العلم من الوصف الحالى , والكتاب اسمه :

(Human development as described in Quran and Sunnah)

وقد تكلم القرآن أيضاً عن علوم أخرى , مثل علم البحار , فقال تعالى : {حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ} [يونس:22] وانقلاب الرياح والموج فجأة معلوم عند البحّارة وغيرهم ممن له علم بعالم البحار , ومعلوم أن الرسول r لم يركب البحر قط , فأنَّى له بمعرفة ذلك ؟ حتى إن قومه كانت معظم تجارتهم مع الشام على الجِمال وليست عبر البحار .

قال الله تعالى : {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ{19} بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ} [الرحمن:19-20] وقال : {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً} [الفرقان:53] وقد أثبتت البحوث العلمية وجود نوعين من الحواجز المائية , أولها هو ما يكون بين بحرين مختلفين فى الملوحة والكثافة والحرارة وقابلية ذوبان الأكسجين والأحياء المائية , ويحافظ هذا الحاجز على الخصائص المميِّزة لكل بحر , وهذا الحاجز بين البحرَين المالحَين هو ما أشارت إليه الآية الأولى , وهو يسمح باختلاط بطىء بين ماء البحرين , بحيث يجعل الماء الذى ينتقل من بحر لآخر يأخذ صفات البحر الذى انتقل إليه , بدون أن يؤثر على خصائصه . ولو تأملنا الآية الكريمة , لوجدنا أن الله سبحانه وتعالى يقول : {لَّا يَبْغِيَانِ} ولم يقل ( يختلطان ) فالاختلاط موجود عند التقائهما , ولكن بقدر بسيط لا يغير من خصائصهما – كما ذكرنا – ومن أمثلة هذه الحواجز هو الذى بين مِياه البحر الأبيض المتوسط المالحة الساخنة , ومِياه المحيط الأطلسى الباردة والأقل ملوحة .  

أما الآية الثانية فهى تشير إلى الحاجز الثانى الذى يكون بين نهر عذب وبحر مالح , أى عند مَصبّات الأنهار , وقد وجد العلماء أن المياه فى هذه المنطقة مقسمة إلى ثلاثة أنواع : الأول هو مياه الأنهار , وهى شديدة العذوبة , والنوع الثانى هو مياه البحار , وهى شديدة الملوحة , أما النوع الثالث فهو المياه التى فى منطقة المَصَبّ , وهى مزيج من الملوحة والعذوبة , وهى منطقة فاصلة بين النهر والبحر , بحيث لايوجد التقاء مباشر بين الماءَين فى هذه المنطقة , على الرغم من وجود حركة المَدّ والجَزْر , وحالات الفيضان والانحسار , التى تُعتَبر من أقوى عوامل المَزْج , وهناك حَجْر على الكائنات الحية التى تعيش فى منطقة المَصَبّ , وذلك لاختلاف الكُتَل المائية الثلاث فى العذوبة والملوحة , لدرجة أنها تموت إذا خرجت منها , كما أن منطقة المَصَبّ هذه محجورة عن معظم الكائنات الحية الأخرى من أن تدخل إليها , ومثل هذا الحاجز موجود عند مصب نهر الأمازون , ونهر النيل , وغيرهما من الأنهار , فمن أين للرسول r بمعرفة هذه الأمور التى توصَّل إليها الباحثون فى القرن العشرين ؟

ومن خصائص البحار – أيضاً – ما أثبته العلم الحديث , ووافَق ما جاء فى القرآن الكريم , من وجود أمواج تعلوها أمواج أخرى , وذلك فى قوله تعالى : {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} [النور:40] وذلك فى وَصْفِه تعالى لأحوال الكافرين , ولم يقل سبحانه وتعالى عن الأنهار مثل ما قال عن البحار , لأن هذه الأمواج التى تعلوها أمواج أخرى , لا تكون إلا فى المياه العميقة , وهذه الخاصية لا توجد فى الأنهار مثلما توجد فى البحار .

أثبت العلم أن الأرض كروية , وقد قال الله عز وجل : {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} [الزمر:5] وقال : {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} [ق:7] قال العلماء : إن كلمة {مَدَدْنَاهَا} تثبت أن الأرض كروية.. كيف ؟ لأن أى شكل هندسى مُجَسَّم , سواء كان مكعَّباً , أو متوازى مستطيلات , أو غير ذلك , لابد أن تكون له حافّات , فلو أن الأرض على أى شكل غير الكروى , لكانت لها حافّات تتهاوى بعدها الأجساد , فلو كان الرسول r هو الذى ألّف القرآن – على حد زعمكم – هل كان يخوض فى مثل هذه الأمور بمثل هذه الدِّقَّة ؟ ولو كان اقتبسه من كتب اليهود والنصارى.. هل كان يغير ما جاء فى كتابهم المقدس الذى وصف الأرض بأن لها أربع زوايا ؟ فقال :

وكان إلىَّ كلام الرب قائلاً وأنت يا ابن آدم فهكذا قال السيد الرب لأرض إسرائيل. نهاية. قد جاءت النهاية على زوايا الأرض الأربع. (حزقيال7: 2) 

قال الله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ} [النساء:56] وقد أثبت العلم الحديث أن أطراف الأعصاب فى الجلد , وبعد اختراق الجلد لا يشعر الإنسان بالألم – وخصوصاً الحرارة والبرودة – والدليل على ذلك أن الذى يتم حقنه فى العضل أو الوريد لا يشعر إلا بألم دخول الإبرة فى جلده , وكثيراً من العمليات لا يشعر الإنسان بعدها إلا بألم الخياطة التى تكون فى الجلد , ولا أقول إن الإحساس منعدم نهائياً فى الأعضاء الداخلية , ولكنه أقل بكثير .

القرآن تحدى بخَلْق الحياة والموت , أما الحياة فهناك آيات كثيرة , منها مثلاً : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:73] هل وُجِدَ على وجه الأرض إلى الآن من استطاع أن يخلق ذبابة , أو ما دونها ؟ أو هل يستطيع أن يسترجع ما سلبته منه الذبابة , ولو أخضعها لأحدث التحاليل المجهرية ؟ أتدرون لماذا ؟ لأن الذبابة قبل أن تمتص أى مادة , تفرز عليها لعابها , الذى يحولها إلى مادة سكرية , ثم تمتصها , فلا يوجد للمادة الأصلية أى أثَر بعد.. سبحان الله ! أما التحدى بالموت فهناك أيضاً آيات كثيرة , مثل : {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} [النساء:78] وهذا تحَدٍّ للعالم أجمع إلى يوم القيامة – مهما بلغت علومه وحضارته – أن يمنع الموت عن أى كائن حى .

أثبت العلم الحديث أن الكون فى اتساع مستمر , وهذا يؤيده قول ربنا تبارك وتعالى : {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات:47] أين هذا مما جاء فى الكتاب المقدس من قوله : وأعطى عجائب فى السماء من فوق وآيات على الأرض من أسفل دماً وناراً وبخار دخان. تتحول الشمس إلى ظُلمة والقمر إلى دم قبل أن يجىء يوم الرب العظيم الشهير. (أعمال الرسل2: 19-20) فهل سيتحول القمر إلى دم قبل يوم القيامة ؟

أثبت العلم أن جميع قيعان البحار والمحيطات مُسجَّرة بالنيران , فلا الماء يطفئ النار , ولا النار تبخر الماء , وهذا يؤيده قول الله جل وعلا : {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} [الطور:6] فأنَّى للرسول r بمعرفة ذلك , وهو لم يركب البحر قط ؟ وحتى لو رَكِبَه , هل كان هذا الأمر معروفاً حينها ؟

يقول الله سبحانه وتعالى : {وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ{11} وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} [الطارق:11-12] وقد أثبت العلم أن الكرة الأرضية مغلَّفة بغلاف جوى , يفصل بينها وبين العالم الخارجى بطبقة ( الأوزون ) وهذه الطبقة تُرجع معظم الأشعة الضارة المنبعثة من الشمس حتى لا تصيب الإنسان , وكذلك فإنها تُرجِع للأرض الأبخرة المتصاعدة من المحيطات والبحار على هيئة مطر , وتُرجِع الموجات الصوتية , وغير ذلك من المواد المنبعثة من الأرض , ولولا أن الله جعلها هكذا , لتبخرت مياه البحار والمحيطات , ولَمَا انتفع بها الإنسان , ولَمَا استطعنا أن نسمع أصواتنا , أو نستقبل الموجات الإذاعية والمرئية . كما أثبت العلم أن قيعان البحار والمحيطات بها صدوع وتشققات , تتلاحم مع بعضها البعض , لتكوِّن شبكة من الصدوع حول الكرة الأرضية , وكأنها صَدْع واحد , تفرعت منه الصدوع الأخرى .

قال الله تعالى : {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ{68} ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:68-69] وقد أثبتت الأبحاث العلمية أن عسل النحل به شفاء لأمراض كثيرة جداً , لا يتسع المجال لذكرها , وأثبتت أنه يقوِّى الجهاز المناعى للإنسان , مما يجعله أقل عُرضة للإصابة بالأمراض , وأكثر مقاومة لها عند وقوعها , فهل كان الرسول r طبيباً حتى يعلم ذلك ؟ كما أن الآية بها إعجاز آخر فى قوله تعالى : {اتَّخِذِي} وقد ثبت علمياً أن الذكور تتنافس على تلقيح الملكة , فتطير خارج الخلية , ويطيرون وراءها , وفى هذا الطيران يموتون من التعب , إلا واحداً منهم ( وهو أقواهم ) فيلقحها , ثم يموت بعد تلقيحها مباشرة , وبذلك تخلو الخلية من الذكور , ولا يقوم على خدمة الملكة وتنظيف الخلية وإفراز العسل إلا الإناث , فهل كان الرسول r يعلم ذلك ؟

قال الله تعالى : {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:41] وقد قال علماء السلف (رحمهم الله) : لعل الله أراد السُّلالة , أى أن سُلالة العنكبوت اتخذت بيتاً , ويأتى العلم الحديث ويؤكد أن بيت العنكبوت تبنيه الأنثى , وليس الذكر , وهناك إعجاز آخر.. وهو أن الوهن الذى ذُكِر فى الآية الكريمة ليس وَهناً ظاهرياً فقط – كما هو مشاهد من وَهن بيت العنكبوت – ولكن هناك وَهناً آخر , وهو وَهن معنوى , وذلك أن أنثى العنكبوت ( الأرملة السوداء ) تقتل زوجها بعد تلقيحها , ولذلك نرى الزوج يفر هارباً بعد التلقيح مباشرة , وعندما يفقس البيض , يفر صغار الذكور خارج العش , لكيلا تقتلهم أمهم , وهذا الوَهن والتفكك الأُسَرِى لا يوجد إلا فى بيت العنكبوت , فهل كان الرسول r يعلم ذلك ؟

لقد حرم القرآن الميتة والدم ولحم الخنزير فى أكثر من آية , مثل ما جاء فى قول الله تعالى : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ} [المائدة:3] وقد أثبت العلم الحديث أن الميتة مليئة بالميكروبات والجراثيم التى تسبب الأمراض الفتاكة , فقد أجْرَوْا تجارب علمية كثيرة على الحيوانات والطيور المذبوحة , وغير المذبوحة , فوجدوا أن الدم المحبوس فى الميتة تنمو فيه الجراثيم بشكل رهيب , على خلاف ما يحدث فى المذبوحة , وأثبت العلم – أيضاً – خطورة أكل لحم الخنزير والدم على صحة الإنسان , وها هو العالم يعانى من انتشار انفلونزا الخنازير بصورة مرعبة , فهل كان الرسول r يعلم ضرر هذه الأشياء حتى يحرمها ؟

قال الله تعالى : {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} [الأنعام:125] وقد ثبت علمياً أن الأكسجين يقل كلما ارتفع الإنسان فى طبقات الجو العليا , فيصاب باختناق , ولذلك يأخذ رواد الفضاء معهم اسطوانات الأكسجين , لتعينهم على التنفس , فمن علَّم الرسول r هذا الأمر إلا أن يكون وحياً من عند الله ؟

قال الله تعالى : {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ{14} لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ}  [الحجر:14-15] وقد قال الدكتور زغلول النجار : إن قرص الشمس الذى نراه مضيئاً أثناء النهار لا يُرَى إذا صعدنا في الغلاف الجوى لأكثر من 200 كيلو متر , ويبدو كأنه قرص أزرق وسط ظلام دامس , ومعنى كلامه أن الإنسان إذا صعد بأى مركبة فضائية إلى المسافة التى ذكرها لا يَرى , وكأن بصره قد طُمِسَ , وهذا يعنى – فى رأيه – تأويلاً لقول الله تعالى على لسان الكافرين : {سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا}

عندما يتحدث القرآن عن الصعود فى السموات يعبِّر عنه بالعروج , فيقول مثلاً : {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج:4] ويقول : {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ{14} لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} [الحجر:14-15] وقد لاحظنا أن حركة رُوّاد الفضاء على سطح القمر – أو خارج نطاق الغلاف الجوى – كحركة الذى يعرج , وذلك لأن الجاذبية الأرضية تكون منعدمة فى هذه الارتفاعات الشاهقة .

قال الله تعالى : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الرعد:41] وقد قال عنها الدكتور زغلول النجار : إن العلم الحديث أثبت أن الكرة الأرضية كانت فى بداية خلقها منذ ملايين السنين أكبر من حجمها الحالى بألفَىْ ضعف , وأنها فى حالة انكماش مستمر , وأن السبب فى ذلك هو خروج المادة والطاقة من باطنها أثناء البراكين .

قد يقول قائل : كيف يقول القرآن : {أَطْرَافِهَا} والأرض على هيئة كرة ؟

ونقول لهذا السائل : إن الكرة الأرضية ليست مَلْساء , ولكن بها مُرتفَعات كثيرة , مثل الجبال والهِضاب , وهذه تُعَد من أطرافها , ومعلوم أن قمم الجبال تتناقص باستمرار بفعل عوامل التعرية .

قال الله تعالى : {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:30] إن هذه الآية الكريمة تتوافق مع أقوى النظريات العلمية فى خلق السموات والأرض , وهذه النظرية تقول إن الأرض وجميع الكواكب والنجوم والمجرات كانت فى البداية جِرْماً واحداً هائلاً , ثم انفجر هذا الجِرم الكبير , فتحول إلى هذه النجوم والكواكب – ومنها الأرض – وسيعود كما كان فى البداية {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} [الأنبياء:104] 

قال الله تعالى : {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر:1] وقد ذكر العالِم الإسلامى الأستاذ الدكتور ( زغلول النجار ) أنه كان يلقى محاضرة فى جامعة ببريطانيا عن الإعجاز العلمى فى القرآن الكريم , فقام أحد الحاضرين , وسأله عن انشقاق القمر الذى ذكره القرآن , فرد عليه بأنها آية حدثت فى عهد رسول اللهr  ونحن مطالبون بالإيمان بها , فقام أحد المسلمين البريطانيين , واسمه ( داود موسى بيتكوك ) الذى يرأس الحزب الإسلامى البريطانى , وقال : ( إن هذه الآية كانت سبباً فى إسلامه , فقد كان يشاهد برنامجاً على قناة ( بى بى سى ) يُسائِل فيها مقدم البرنامج ثلاثة من علماء الفضاء الأمريكيين على إنفاق أكثر من مائة ألف مليون دولار لإنزال رجل على سطح القمر , والعالم يَعُج بالفقر والتخلف والمرض , فقالوا إنهم قد اكتشفوا اكتشافاً خطيراً يستحق هذا الإنفاق وأضعافه , وهو أنهم وجدوا منطقة من الصخور المتحولة على هيئة حزام ممتد على سطح القمر , وقد وضعوا أجهزة رصد الزلازل , فأعطتهم هذه الصورة : أن هذه الصخور ممتدة من ظاهره لباطنه لظاهره من الناحية الأخرى ( أى نافذة فى جسم القمر كله ) مما يدل على أنه انشق فى يوم من الأيام ثم التحم ) ألا يدل ذلك على أن القرآن كتاب الله تعالى , وأن رسول الله r ليس بدجّال ؟

قال الله تعالى : {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا} [يس:38] وقال : {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس:40] وقد كان العلماء فى الماضى يظنون أن الشمس والقمر وجميع الكواكب والنجوم ثابتة فى أماكنها لا تتحرك , ثم توصلوا بأبحاثهم العلمية إلى أنها فى حركة مستمرة , فهل كان رسول الله r يعلم هذا الأمر الذى لم يُكتشَف إلا حديثاً ؟

قال الله تعالى عن الجبال : {وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً} [النبأ:7] ومعلوم أن الوتد يُثبَّت فى الأرض , بحيث يكون الجزء السُّفلى المدفون فيها أطول من الجزء الظاهر , وكذلك الحال فى الجبال , فقد ثبت علمياً أن لها جذوراً فى باطن الأرض أطول مما يظهر منها , فمن علمَّ رسول الله r هذا الأمر حتى يشبهها بالأوتاد , لو كان هو الذى ألَّف القرآن ؟

قال الله تعالى عن أهل الكهف , الذين مكثوا فيه أحياء أكثر من ثلاثمائة سنة : {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} [الكهف:18] ومن المعلوم لدى الأطباء أن الإنسان إذا مكث لفترة طويلة مستلقياً على فراشه , فلابُدّ له من التقليب – إما بنفسه أو بغيره – حتى لا يُصاب بقُرَح الفراش , فمن علمَّ الرسول r هذا ؟

قال الله تعالى : {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد:25] ويقول العالم الكبير عبد المجيد الزندانى : إن البروفِسور ( أرمسترونج ) رائد الفضاء بوكالة ( ناسا ) الأمريكية , قال : ( يستحيل أن يكون الحديد قد خُلِق مع الأرض , أو مع المجموعة الشمسية , لأن الطاقة اللازمة لتكوين ذرة الحديد تساوى الطاقة الموجودة فى المجموعة الشمسية 4 مرات , وإن الحديد عنصر وافِد من الكَون إلى الأرض ) وعندما سمع هذه الآية الكريمة تعجَّب , لأن هذه المعلومة تمَّت معرفتها فى الربع الأخير من القرن العشرين .

ويقول الأستاذ الدكتور ( زغلول النجار ) : إن العلماء كانوا فى الماضى يفسرون إنزال الحديد بأنه إنزال مجازى , ولكن العلماء فى عصرنا توصلوا بأبحاثهم العلمية إلى أن الأرض حينما انفصلت عن الشمس , لم تكن سوى كومة من الرماد , ليس فيها شىء أثقل من الألومنيوم والسيليكوم , وإن فى كواكب المجموعة الشمسية الموجودة الآن كواكب فى حالة غازية , لا تَصلُح للحياة والعُمران , وإن الحكمة الإلهية اقتضت إنزال الحديد إلى الأرض , لتصبح صالحة للعُمران , وإن إنزال الحديد لم يُدرَك إلا بعد رحلات الفضاء , وإن الكرة الأرضية تحتوى على 35,9 % من كتلتها حديداً , وإن الشمس لا يتكون بها الحديد , وإنه لا يتكون إلا فى نجوم عملاقة , أكبر من شمسنا بمراحل كبيرة , وفى مرحلة خاصة من عمر هذه النجوم , تُسمَّى ( السوبرنوفا ) أو ( المُستَعِرات العُظمَى ) يتكون الحديد , وهى لحظة انفجار هذه النجوم , وإن المادة تتكدس فى قلب هذه المُستعِرات تكدساً شديداً , فتستمر عملية ( الاندماج النووى ) حتى تصل إلى الحديد , وإن عملية الاندماج النووى قبل تكوين الحديد مُطْلِقَة للطاقة , وإن سِرّ حرارة النجوم هو عملية الاندماج النووى , وإن نُوَى ذرات الهيدروجين تتحد لتُكوِّن الهيليوم , وتنطلق الطاقة , ثم تتحد ذرات الهيليوم لتكوِّن الليثيوم , وتنطلق الطاقة… وهكذا , إلى أن تصل إلى تكوين الحديد , ولكن حين تصل إلى هذه المرحلة تستهلك الطاقة , ولذلك ينفجر النَّجم , وتتناثر أشلاء الحديد فى صفحة السماء , وإن كل العناصر التى تعلو الحديد فى وزنها الذَّرى يخلقها الله فى صفحة السماء باصْطِياد ذرات الحديد – أو نُوَى ذرات الحديد – لتكوين اللبِنات الأوَّلِية للمادة , وإن العلماء لم يتأكدوا من هذا الأمر إلا منذ أقل من ربع قرن من الزمن , وإن النيازِك الحديدية تصل إلينا إلى الآن , وإن الأرض يصلها من واحد إلى اثنين طن حديد كل عام , وإن الحديد بحكم كثافته العالية اخترق هذه الكومة من الرماد – التى كانت تتكون منها الأرض – فصَهَرها , واستقر فى قلبها , وتناقصت نسبته من الداخل إلى الخارج , من 90% فى قلب الأرض , إلى 5,6% فى غلافها الصخرى , وثبت للعلماء بأدلة لا تقبل الرفض , أن كل الحديد فى أرضنا , بل كل الحديد فى مجموعتنا الشمسية , قد أُنزِل إليها إنزالاً , والعَجَب أن السورة الوحيدة التى سُمِّيَت باسم عنصر من العناصر , هى سورة ( الحديد ) ثم إن الأعجب من ذلك أن يقول القرآن الكريم فى وصفه للحديد : إنه ذو بأس شديد  , ويأتى العلم ليؤكد لنا أن نواة ذرة الحديد هى أكثر نواة تماسُكاً , وأن نُوَى الذرات – التى هى أعلى فى وزنها الذرى من الحديد – أقل تماسكاً , وإن هذا التماسُك الشديد هو الذى أعطى للحديد صفاته الطبيعية والكيميائية المميزة له , وأما منافع الحديد فهى أكثر من أن تُحصَى فى عُجالة , وإنه لولا أن الله جعل الحديد فى الأرض , ما كان لها مجال مغناطيسى , وإنها لو فقدت مجالها المغناطيسى , ما استطاعت أن تمسك بغلافها الغازى , ولا بغلافها المائى , ولا بالحياة على سطحها , وما كانت صالحة للعمران , لأن الحديد هو الذى يُكوِّن اللبِنة الأساسية للمادة الحمراء فى دماء الإنسان والحيوان , ويُكوِّن اللبِنة الأساسية فى بناء المادة الخضراء فى النباتات , ثم إن الحديد هو العمود الفقرى للصناعات كلها , سواء المدنية أو العسكرية , وهناك أمر آخر , وهو أن سورة ( الحديد ) نجد أن رقمها فى ( القرآن الكريم ) يساوى الوزن الذَّرى للحديد (57) وأن رقم الآية فى السورة يساوى العدد الذَّرى للحديد (25) فمن أين أتى رسول الله r بكل هذه الحقائق , إلا أن تكون وحياً من عند الله سبحانه وتعالى ؟ 

قال الله تعالى : {كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ{15} نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} [العلق:15-16] لقد وصف الله أبا جهل بأن ناصيته كاذبة خاطئة , والناصية هى مقدمة الرأس , أى مقدمة الجمجمة , وقد ثبت علمياً أن المخ مقسَّم لعدة فصوص , منها الفص الأمامى الذى يحتل مقدمة الجمجمة , وهذا الفص هو المسئول عن تفكير الإنسان وسلوكه وتصرفاته , سواء كانت طبيعية أو شاذَّة , سويَّة أو غير سويَّة , هادئة أو شرسة… إلخ , فمن علَّم خير الأنام , عليه الصلاة والسلام ؟

وقد كان من أواخر الأبحاث العلمية ما تقدمت به طبيبة منتقبة , فى المؤتمر الثامن للإعجاز العلمى فى القرآن والسُّنَّة , والذى أقيم فى دولة الكويت فى الفترة من ( 23-26 ) نوفمبر لعام 2006 ميلادية , وهذه الطبيبة قد لَفَتَ انتباهها قول الله تعالى : {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:81] ولاحظت أن الله سبحانه وتعالى قال : {تَقِيكُمُ الْحَرَّ} ولم يقل ( تقيكم البرد ) فبحثت على شبكة الإنترنت , وغيرها من المصادر العلمية , فوجدت أن الأبحاث الأمريكية قد أثبتت أن التعرض للشمس لمدة طويلة له تأثير ضار جداً على جلد الإنسان , فضلاً عمّا يسببه من ضربات الشمس المعروفة , والتى تتسبب فى موت الآلاف من البشر كل عام , وقد نصحوا الناس المعرَّضين للشمس لمدة طويلة بتغطية أجسادهم كلها ما عدا الوجه والكفين , وبشرط أن تكون هذه الملابس فضفاضة , حتى تقيهم تأثير الشمس على جلودهم , وحتى الوجه والكفين اقترحوا تغطيتها لمن يعملون فى الصحراء , لأنهم أثبتوا أن التعرض للأشعة فوق البنفسجية لمدة طويلة يصيب الجلد بالسرطان ( ميلانوما ) وأن واحداً من كل خمسة أمريكيين معرض للإصابة بهذا المرض , فهل كان الرسول r يعلم هذا ؟

وقد تكلم القرآن – أيضاً – عن أشياء كثيرة , مثل السحاب والمطر والرعد والبرق… إلخ , وتكلم فى السلوكيات والاجتماع وعلم النفس… إلخ , ولكننا لا نستطيع أن نحصى كل ذلك فى عُجَالة .

أما أحاديث الرسول r وسُنَّته ففيها أيضاً الكثير مما أثبته العلم الحديث , ولكننا لا نستطيع أن نوردها كلها , فليرجع إليها من شاء فى مصادرها من كتب الأحاديث والسيرة , وكتب الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة , مثل كتاب ( آيات الله فى الآفاق ) وكتاب ( الموسوعة الذهبية فى إعجاز القرآن الكريم والسنة النبوية ) وكتاب ( الإعجاز العلمى فى الإسلام والسنة النبوية ) وغيرها من الكتب القيمة , ومواقع الشبكة العنكبوتية ( الإنترنت ) مثل موسوعة الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة , وعنوانها http://www.55a.net وهى تحتوى على الكثير من الأدلة على الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة بتسع لغات , ومثل موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمى فى القرآن والسنة , وعنوانه http://www.eajaz.org/Arabic ومثل موقع أ.د/ زغلول النجار , وعنوانه http://www.elnaggarzr.com وسنشير هاهنا إلى بعض الأحاديث , وبالله التوفيق :

قال رسول الله r : (( ما ملأ آدمى وعاءً شراً من بطنه , بِحَسْب ابن آدم أكلات يُقِمْنَ صُلبَه , فإن كان لا محالة فثلث لطعامه , وثلث لشرابه , وثلث لنَفَسِه )) [صحيح الجامع:5674] إن هذا الحديث – بالإضافة لِما فيه من الأمر بالاكتفاء بالقليل من الطعام الذى تسبب كثرته كثيراً من الأمراض – فإن به إعجازاً علمياً , فمن يعرف – ولو قدراً يسيراً – من علم التشريح , يعلم أن بين المعدة والرئتين غشاءً يُسَمَّى ( الحجاب الحاجز ) وهذا الحجاب الحاجز يتحرك لأسفل ولأعلى مع الشهيق والزفير , فهو يهبط مع الشهيق , ليسمح للرئة أن تمتلئ بالهواء الذى يحتوى على الأكسجين , ثم يعلو مع الزفير , ليسمح لها أن تخرج ثانى أكسيد الكربون وبخار الماء , وقد قدَّر المتخصصون حجم المعِدَة بألف وخمسمائة سنتيمتر مُكَعَّب تقريباً , وقدَّروا ما يحتاجه الإنسان فى تنفسه بحوالى خمسمائة سنتيمتر مكعب تقريباً , فحين يملأ الإنسان ثلث معدته بالطعام ( أى خمسمائة سنتيمتر مكعب ) يحتاج ( تقريباً ) لمثلها ماء , فيتبقى الثلث الأخير من المعدة فارغاً , ليسمح للحجاب الحاجز أن ينزل مع الشهيق , ويتيح الفرصة للرئة أن تمتلئ بما يحتاجه الإنسان من الأكسجين , فمن علَّم الرسول r هذا ؟

قال رسول الله r : (( الطاعون رجس أُرسِل على طائفة من بنى إسرائيل أو على من كان قبلكم , فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه , وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه )) [صحيح البخارى] وقد ثبت علمياً أن كثيراً من الأمراض التى يُصاب بها الإنسان – ومنها الطاعون – ربما لا تظهر عليه , ولكنه يصبح حاملاً لها , فإذا خالط الأصِحّاء ربما نقل إليهم المرض بإذن الله تعالى . والطاعون مرض خطير , وإذا ظهر ببلد فسرعان ما ينتشر فيها على هيئة وباء قاتل , ولذلك فإن من الحكمة ألا يخرج الإنسان من الأرض التى ظهر فيها , حتى لا ينقله لغيرها , أما إذا أصيب به ومات بسببه فهو شهيد , لقول الرسول r حين سُئِلَ عنه : (( عذاب يبعثه الله على من يشاء , وأن الله جعله رحمة للمؤمنين , ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث فى بلده صابراً محتسباً , يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له , إلا كان له مثل أجر شهيد )) [صحيح البخارى] وقال : (( القتيل فى سبيل الله شهيد , والمبطون شهيد , والمطعون شهيد , والغريق شهيد , والنُّفَساء شهيدة )) [صحيح الجامع:4441]

قال رسول الله r : (( لا عدوَى ولا طِيَرَة ولا هامَة ولا صَفَر , وَفِرّ من المجذوم كما تَفِرّ من الأسد )) [صحيح البخارى] و( الطِّيَرَة ) هى التشاؤم , و( الهامَة ) كان يُظَن فى الجاهلية أنها طائر يخرج من رأس القتيل , فيصيح ولا يهدأ إلا بعد الأخذ بثأره , أما ( صفر ) فهو شهر صَفَر , وكانوا يتشاءمون بمجيئه , ويظنون أن المصائب تحدث فيه , فنهاهم الرسول r عن كل هذه الخرافات , حتى يتوكلوا على الله وحده , ويعلموا أن النفع والضُّر بيده , وفى الوقت نفسه أمرهم بالابتعاد عن المجذوم ( وهو المصاب بمرض الجُذام ) حتى لا يتهاونوا بمخالطة المرضى بمثل هذا المرض الخطير , اعتماداً على قوله : (( لا عدوَى )) فلا تعارُض بين نفى العدوى والفرار من المجذوم – كما يظن البعض – فالعدوى ليست فاعلة بذاتها , وليست حتمية , بل إنها قد تحدث بأمر الله تعالى , ولو شاء ما حدثت , وهذا ما أيَّده الطب الحديث , وهو أن العدوى ليست حتمية من شخص لآخر , فربما لا ينتقل المرض إليه , أو ينتقل إليه ولكنه لا يمرض به , بل يكون حاملاً له ( كما ذكرنا فى الفقرة السابقة ) فمن علَّم الرسول r بخطورة مصاحبة المرضى بهذه الأمراض الخطيرة , ومن علمه بعدم حتمية العدوى كما كانوا يظنون فى الجاهلية ؟

لقد أوصى الرسول r بالتداوى بالحبَّة السوداء ( حبة البركة ) التى أثبت العلم أنها تقوِّى جهاز المناعة , مما يساعد على مقاومة الأمراض , والشفاء منها بإذن الله تعالى , كما أنه أوصى بزيت الزيتون , الذى أُجرِيَت عليه أبحاثٌ كثيرة أثبتت فوائده الجَمَّة , مثل إذابة الدهون , والوقاية من تصلب الشرايين وتخثُّر الدم… إلى غير ذلك .  

ولقد ثبت من سُنَّته r الأمر بتسمية الله والتكبير على الذبيحة بقَوْل : ( بسم الله والله أكبر ) وقد أجرى فريق من الأطباء السوريين تجارب على الذبائح التى ذُكِرَ اسم الله عليها , والتى لم يُذكَر اسم الله عليها , وقسموها قسمين : لحم مُكبَّر عليه , ولحم غير مُكبَّر عليه , ووضعوهما فى نفس الظروف , وعلى نفس المزارع , فوجدوا أن اللحم المكبَّر عليه خالٍ من الجراثيم , فى حين أن الآخر ملىء بها , فهل كان الرسول r يمتلك هذه التقنيّات الحديثة حتى يأمرنا بما فيه نجاتنا من هذه الميكروبات الضارة ؟

كان من هديه r أنه كان إذا عطس قال : (( الحمد لله )) و(( كان إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فِيهِ , وخفَّض بها صوته )) [صحيح الجامع:4755] فلماذا لم يقل ( سبحان الله , أو الله أكبر , أو لا إله إلا الله… إلخ ؟ ) ولماذا غطى فمه r ؟

لقد ثبت علمياً أن العُطاس يُخرِج عشرات الآلاف من الميكروبات من الرئتين , والشُّعَب الهوائية , فيجنِّب الإنسان ضررها , أو يخفِّفه , فلذلك يحمد الله الذى أذهب عنه أذاها , ويغطى فمه لئلا تنتقل هذه الميكروبات لغيره , فمن الذى علَّم الرسول r ذلك ؟ هل كان لديه ميكروسكوب ليرى به تلك الأجسام الدقيقة , التى لا تُرى بالعين المجردة , ولم يكتشفها العالم إلا بعد عدة قرون من مبعثه r ؟ وهل كان يعلم انتقال العدوى عن طريق العُطاس ؟

لقد وردت عن الرسول r سنن كثيرة للعناية بالصحة وتجنب الأمراض , التى لو كان دجالاً ما خاض فيها ولا اهتم بها , ومنها الحديث السابق , ومنها قوله r : (( لا يُورِدَنَّ مُمْرِض على مُصِحّ )) [صحيح البخارى] وقوله : (( ما ملأ آدمى وعاء شراً من بطنٍ, بِحَسْبِ ابن آدم أكلات يُقِمْنَ صُلْبَه , فإن كان لا محالة , فثلث لطعامه , وثلث لشرابه , وثلث لنَفَسِه )) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:5674] وقوله : (( لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب , فإن الله يطعمهم ويسقيهم )) [سنن ابن ماجه , سنن الترمذى , صحيح الجامع:7439]‌ ولا يخفى على أهل العلم ما تسببه كثرة الطعام من أمراض , مثل التخمة , وتصلب الشرايين , والجلطات – وغير ذلك – وخصوصاً المرضى , لأن حالتهم الصحية لا تحتمل كثرة الطعام , ويصابون بعُسر الهضم , الذى يزيد حالتهم سوءاً . وسبحان الله ! فإن الإنسان يشعر بفقدان الشهية وهو مريض , ولا يشعر بالجوع , وكأنه شبعان , وقد ثبت علمياً أن الإنسان فى حال مرضه يفقد شهيته , ويكسب الطاقة التى يحتاجها من عناصر مخزونة فى جسده , مثل استقلاب الجليكوجين المدخَر فى كبده وعضلاته , واستحداث السكر ( أى توليد الجلوكوز ) من مصادر شحمية وبروتينية , حيث تتحلل إلى أحماض شحمية دهنية وأحماض أمينية , مما يؤدى إلى هزاله ونحافته , ثم يعود إلى طبيعته , بعد شفائه بإذن الله تعالى .

كان r أنظف إنسان فى الوجود , و(( كان إذا أراد الحاجة أبْعَد )) [صحيح الجامع:4651]‌ أى أنه إذا أراد أن يقضى حاجته بَعُدَ عن الناس بُعداً كبيراً . وكان لا يُرَى له أثر بول أو غائط , وكان يلبس الثياب البيض , ويدهن شعره , ويمتشط , ويتعطر , ويستاك عند كل وضوء ( أى يستعمل السِّواك ) وأحياناً بغير وضوء , وقد نهى عن التنفس فى الإناء , فقال : (( إذا شَرِبَ أحدكم فلا يتنفس فى الإناء , فإذا أراد أن يعود , فليُنَحِّ الإناء , ثم ليَعُد إن كان يريده )) [صحيح الجامع:624] و(( نهى أن يُنفَخ فى الطعام والشراب )) [صحيح الجامع:6028] و(( نهى عن الشرب من فِى السِّقاء )) [صحيح الجامع:6889] (( السِّقاء )) هى قِربَة الماء , و(( فىِ السِّقاء )) أى فمها , و(( نهى أن يُتنفس فى الإناء أو يُنفَخ فيه )) [صحيح الجامع:6820] وكان من سنَّته غسل اليدين قبل الطعام وبعده , وهو الذى قال : (( إذا نام أحدكم وفى يده ريح غَمْر , فلم يغسل يده , فأصابه شىء , فلا يلومنَّ إلا نفسه )) [صحيح الجامع:803] (( ريح غَمْر )) معناها رائحة اللحم أو دسمه , لأنه يجلب إليه الحشرات والهَوام , ويسبب له الأمراض . و(( نهى عن أكل الجَلالَة وألبانها )) [صحيح الجامع:6855] لأن الجَلالَة هى الدَّواب التى تأكل النجاسات والقاذورات المليئة بالسموم والميكروبات والفطريات , مما يصيب آكل لحومها أو شارب ألبانها بالعِلَل والأمراض . ونهى r عن التبُّول فى الماء الراكد , فقال : (( لا يَبُولَنَّ أحدكم فى الماء الراكد )) [صحيح الجامع:7596] وقد خصَّ r الماء الراكد بالذكر لأنه مرتع للبكتيريا والطفيليات والديدان أكثر من الماء الجارى , والتحرُّز من التبوُّل فيه يمنع أمراضاً كثيرة , مثل البلهارسيا وغيرها . ونهى r عن التبُّول أو التبرُّز فى ظِل الناس , فقال : (( اتقوا الملاعِن الثلاث : أن يقعد أحدكم فى ظِلّ يُستَظل فيه , أو فى طريق , أو فى نقع ماء )) ‌[صحيح الجامع:113] (( يقعد )) أى يقعد للتبرُّز , (( فى ظِلّ )) يشمل الحائط أو الشجرة , أو أى شىء يستظل به الناس من حر الشمس , (( نقع الماء )) معناه الماء الراكد , مثل البرك والمستنقعات . وهو الذى علم البشرية استخدام السِّواك المفيد لِلَّثَة والأسنان , وعلمهم استعمال نبات الخِلَّة , لإخراج الطعام من بين الأسنان والأضراس , حتى لا يتحلل ويتعفن , ويصيب اللثة والأسنان بالأمراض . ونهى عن ترك الشعر بدون تنظيف , وأمر بتهذيبه , وقال : (( من كان له شعر فليكرمه )) [صحيح الجامع:6493] كلمة (( شعر )) تعنى شعر الرأس واللحية , وإكرامه يكون بتنظيفه ودهانه وترجيله . وكان يأمر بغسل الأيْدى بعد الاستيقاظ من النوم , فقال : (( إذا قام أحدكم من النوم , فأراد أن يتوضأ , فلا يُدخِل يده فى الإناء حتى يغسلها , فإنه لا يدرى أين باتت يده , ولا على ما وضعها )) [صحيح الجامع:718] ومعلوم أن بعض الديدان – مثل الدودة الدبُّوسية – لها دورة كاملة داخل جسم الإنسان , فهى تضع بيضها حول فتحة الشرج , ولذلك يصاب الإنسان بحَكَّة , وخصوصاً أثناء نومه , فإذا وضع يده على فتحة الشرج , ثم لم يغسل يديه قبل الطعام , فإن هذا البيض يدخل عن طريق فمه , ويكمل دورته داخل جسمه , ويصيبه مرة أخرى . وأمر r بالاستحداد , ونتف الإبِط , وتقليم الأظافر , فى زمن لا يزيد على أربعين يوماً , والاغتسال يوماً على الأقل فى الأسبوع ( وهو يوم الجمعة ) وقال : (( عَشْر من الفِطرة : قص الشارب , وإعفاء اللحية , والسواك , واستنشاق الماء , وقص الأظفار , وغسل البَراجِم , ونتف الإبِط , وحلق العانة , وانتقاص الماء )) [صحيح مسلم] قال مُصعَبُ ( أحد رُواة الحديث ) : ونسيتُ العاشرةَ , إلا أن تكون المضمضة . (( البَراجِم )) هى الجلد الذى به ثَنَيات , مثل الذى على عُقَلِ الأصابع , لأن الأوساخ تتجمع فيها , و(( انتقاص الماء )) أى الاستنجاء , وقال r : (( إذا تنخَّم أحدكم وهو فى المسجد فليغيِّب نخامته , لا تصيب جِلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه )) [صحيح الجامع:439] وهناك سُنن أخرى , وأحاديث كثيرة فى هذا المجال , فهل كان الرسول r على علم بما ورد فى هذه الأحاديث وغيرها , إلا أن يكون الله هو الذى علَّمه ؟

قَبَسات من عبادته r

كان رسول الله r يقوم الليل حتى تتفطَّر قَدَماه , رغم كبر سنّه , لدرجة أن السيدة عائشة – رضى الله عنها – كانت تشفق عليه , وتقول له : يا رسول الله.. أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فيرد عليها بقوله : (( أفلا أكون عبداً شكوراً )) [صحيح مسلم] وكان يُسمَع لصدره أزيز من البكاء كأزيز المِرْجَل وهو يصلى [كما ورد فى صحيح ابن حبان, وصحيح ابن خزيمة, ومسند أحمد, وغيرها من الكتب]  فما الذى كان يحمله على ذلك لو كان دجالاً ؟ إن الدجال – أو من يدعى النبوة – يكثر من العبادة التى يراها الناس , أما فى بيته فيخلُد إلى الراحة والسكون , أما الرسول r فكان ينصَبُ فى عبادته فى بيته , حيث لا يراه إلا ربه ومولاه سبحانه وتعالى . وكان r كثير الصيام , حتى يكاد يُتِم بعض الأشهُر صياماً , مثل شهر شعبان , وكثيراً ما كان يطوف على أبياته التسع , فلا يجد عندهم أى نوع من الطعام , فينوى الصيام , وكان يصوم صوم الوِصال , وينهى أصحابه عنه ( كما ذكرنا فى باب زهده r )

كان الرسول r قدوة صالحة فى عبادته لربه جل وعلا , فلم يكن يأمر صحابته y بشىء ثم يخالفهم , بل إنه كان يزيد عليهم فى العبادة , ومن أمثلة ذلك ما ذكرناه من الوصال فى الصيام , ومن أمثلته أيضاً أن قيام الليل كان فى حقه فرضاً , وفى حقهم نافلة , قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ{1} قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً{2} نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً} [المزمل:1-3] وقال : {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ} [الشرح:7] وقال : {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} [الإسراء:79] وقد ذكرنا أنه كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه الشريفتان , وكان يكثر من ذكر الله والاستغفار , لدرجة أنهم كانوا يُعِدُّون له فى المجلس الواحد مائة مرة (( ربِّ اغفر لى وتُب علىَّ إنك أنت التواب الرحيم )) [سنن أبى داود وابن ماجه وصحيح ابن حبان] وكان r لا يقوم ولا يجلس , ولا يأكل ولا يشرب , ولا ينام ولا يستيقظ… إلى غير ذلك من سائر أحواله إلا على ذكر الله , وكان يتقى الله جل وعلا فى كل فِعاله ومَقاله , ولا يخالف قوله فعله , فهل هذه صفات دجال ؟ إن الدجال مهما أظهر لأتباعه ذكره وورَعه لابد أن يقع – رغماً عنه – فيما يُظهِر حقيقته , كما قال الله تعالى عن المنافقين : {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد:30]

كان من شدة حُب الرسول r للصلاة وخشوعه فيها , أنه كان لا يحب أن ينشغل عنها بأى شىء , لدرجة أن السيدة عائشة – رضى الله عنها – وضعت ستارة منقوشة على أحد جدران بيتها , فأمرها الرسول r بإزالتها , لأن رسوماتها شغلته فى صلاته .

عن أنس بن مالك t قال : كان قِرام لعائشة سترت به جانب بيتها , فقال النبى r : (( أميطى عنّا قِرامَكِ هذا , فإنه لا تزال تصاويره تَعرِض فى صلاتى )) [صحيح البخارى] ( القِرام ) هو سِتْر رقيق من صوف ذو ألوان ونقوش , ( تَعرِض ) أى تلوح .

عن السيدة عائشة – رضى الله عنها – قالت : فقدتُ رسولَ الله r ليلة من الفِراش , فالتمسته فوقعت يدى على بطن قدمَيه وهو فى المسجد وهما منصوبتان وهو يقول : (( اللهم أعوذ برضاك من سخطك , وبمعافاتك من عقوبتك , وأعوذ بك منك , لا أُحصِى ثناءً عليكَ , أنت كما أثنيتَ على نفسك )) [صحيح مسلم] فما الذى يجعل الدجال يترك فِراش زوجته الصغيرة المحببة إليه ليناجى ربه ؟ إن هذا ليس دليلاً فقط على صدق نبوته r ولكنه دليل على كذب من يدَّعون أنه r كان شهوانياً , فها هو يتركها ليصلى , وفى واقعة أخرى فى صحيح مسلم أيضاً أنه تركها ليذهب إلى أهل البقيع فيسلم عليهم , ويدعو لهم , كما أمره بذلك سيدنا جبريل u .

عن السيدة عائشة – رضى الله عنها – أنهم ذبحوا شاة , فتصدقوا بها إلا كتفها , فقال النبى r : (( ما بَقِىَ منها ؟ )) قالت : ما بَقِىَ منها إلا كَتِفها , قال : (( بَقِىَ كُلّها غير كَتِفها )) [سنن الترمذى, وصححه الألبانى] وجاء فى ( شرح السُّنة للبغوى ) ما نَصّه : ذُبِحَ فى بيت أم سَلَمَة شاة , فلما سُلِخَت , جاء مسكين يَستطعِم , فقام رسول الله r هو نفسه , فقطع له منها عُضواً , فأطعمه , فذهب المسكين , فدَلَّ آخر , فقام رسول الله r فقطع له منها عضواً , فأطعمه , فَتَدالَّوا عليه , فلم يزَل رسول الله r يطعمهم , حتى أطعمهم الشَّاة جميعاً , فقالت أم سَلَمَة : يا رسول الله.. ألا تركتَ لنا بعض شاتنا نأكله ؟ فقال : (( كُلَّها واللهِ لنا )) فهل هذه تصرفات دجال ؟

الرسول r أنفق كل ماله فى سبيل الله , لدرجة أنه مات ودِرْعه مرهونة عند يهودى , مقابل ثلاثين صاعاً من شعير , وكان يطعم الوفود التى تأتيه من القبائل المجاورة لتبايعه على الإسلام , وخصوصاً بعد فتح مكة , حين دخل الناس فى دين الله أفواجاً {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ{1} وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً} [النصر:1-2] وكان r يقترض من اليهود ولا يقترض من المسلمين حتى لا يتأبَّوا عليه فى أخذ المال منه عند إرجاعه إليهم , فهل هذا فعل دجال ؟ إن الدجال يتحايل على الناس ليستنزف أموالهم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً , أليس كذلك ؟

سيدنا أسامة بن زيد  – رضى الله عنهما – كان يسمَّى ( الحِبّ ابنَ الحِب ) وذلك لشدة حب الرسول r له ولأبيه , وكان أبوه مولى الرسول r ورغم ذلك ولاه الرسول r على إمارة الجيش , وعمره سبعة عشر عاماً , وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلىّ وكبار الصحابة y كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبو عبيدة بن الجراح… إلخ , فحطم بذلك الطبقية التى كانت عند العرب , ولو كان دجالاً يريد الأُبَّهة والعظمة لاختار لقيادة الجيش واحداً من وُجَهاء القوم , كأبى بكر أو عمر , وخصوصاً أنهما كانا وزيريه , ولهما من الفضل ما لهما , وهو زوج ابنتيهما . أو لاختار عثمان الذى تزوج بابنتيه رقية وأم كلثوم – رضى الله عنهما – أو لاختار ابن عمه على بن أبى طالب , ولقد كان اختياره حكيماً , فقد انتصر جيش أسامة فى عهد الخليفة الأول أبى بكر الصديق t .

عن عائشة – رضى الله عنها – أن قريشاً أهَمَّهم شأن المرأة المخزومية التى سرقت , فقالوا : من يكلم فيها رسول الله r ؟ فقالوا : ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله r ؟ فكلَّمه أسامة , فقال رسول الله r : (( أتشفع فى حَدٍّ من حدود الله ؟ )) ثم قام فاختطب , ثم قال : (( إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه , وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد , وَايْمُ الله.. لو أن فاطمة ابنة محمد سرقت لقطعت يدها )) [صحيح البخارى] إن هذا الحديث يوضح ما كان عليه الرسول r من جِديَّة وحسم فى تطبيق حدود الله , حيث إنه لم يقبل شفاعة سيدنا أسامة t ولو كان دجالاً لقَبِل شفاعته , لأنه حبيبه وابن حبيبه , وكان يُلقَّب بالحِب ابن الحِب , ولكنه r كان أخشى الناس وأتقاهم لله جل وعلا , فما كان ليترك حداً من حدود الله لنسب أو مال أو جاه أو عاطفة , كما أن الدجال لا ينسب لنفسه ولا لأهله أيَّة صفة مذمومة – ولو على سبيل الافتراض – أما الرسول r فلم يستنكف أن يقول : (( لو أن فاطمة ابنة محمد سرقت )) .

 

أمثلة من زهده r

كان رسول الله r يحيا حياة الزهد , رغم أنه كان بإمكانه أن يعيش عيشة الملوك , فقد كان له وحده خُمْس الغنائم , ولكنه كان ينفقها جميعها فى سبيل الله , حتى ما يجد فى كثير من الأحيان ما يتقوَّت به , وتمر ثلاثة أهِلَّة على بيوته كلها دون أن يوقد فيها نار , فى حين أن أحدنا يحتار إذا نفد غاز المَوْقِد عنده لمدة يوم أو بعض يوم , وكان طعامهم فيها التمر والماء , وبعض اللبن الذى يأتيهم كهدايا من جيرانهم الأنصار y كما ورد ذلك فى الصحيحين عن السيدة عائشة , رضى الله عنها . وجاءه رجل فى غزوة الخندق يشتكى , وقد ربط على بطنه حجراً من شدة الجوع , فكشف له r عن بطنه , فإذا هو قد ربط على بطنه حجرين من الجوع مثله . وكان r يصوم صيام الوِصال لمدة يومين أو ثلاثة , ويَنهَى أصحابه y عن ذلك , فيقول : (( إياكم والوِصال )) قالوا : فإنك تواصل يا رسول الله , قال : (( إنكم لستم فى ذلك مثلى , إنى أبيتُ يطعمنى ربى ويسقينى , فاكْلَفُوا من العمل ما تطيقون )) [صحيح مسلم] فما الذى كان يحمله على تعذيب نفسه بهذا الجوع لو كان دجالاً ؟ إن الدجاجلة ليس لهم هَمّ إلا إشباع بطونهم وشهواتهم بما تطوله أيديهم , بِغَضّ النظر عما فيه أتباعهم من الفقر , وقد ورد فى ( صحيح البخارى ) عن أبى هريرة t قوله : ( خرج رسول الله r من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير ) فى حين أن أكثرنا لا يستطيع أن يأكل خبز الشعير لخشونته . وجاء فى ( صحيح البخارى ) أيضاً , عن أنس بن مالك t قوله : ( ما أكل النبى r خبزاً مرققاً , ولا شاة مسموطة , حتى لقى الله ) وهذا رغم وفرة الغنم فى جزيرة العرب .

وكان الرسول r يسكن فى حُجُرات من بوص مُلَيَّث بالطين , وسقفها من الجِريد , ولم يكن يسكن فى قصور فارهة , كما يفعل الملوك والرؤساء , ويكون لهم استراحات وحدائق ومُتَنزّهات… إلخ , قال الله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [الحجرات:4] ولم يقل سبحانه وتعالى ( من وراء القصور ) ولا ( من وراء البيوت ) ولكنها مجرد حجرات أصغر من مطابخ بعض المسلمين .

وقد عُرِضت على الرسول r إغراءات كثيرة , من إغداق الأموال عليه , وتزويجه بأجمل بنات العرب , وجعْله ملكاً على قومه , مقابل تخلِّيه عن دعوته للتوحيد , وذهب إليه عتبة بن ربيعة يعرض عليه بعض هذه الأمور , ويعرض عليه أن يعالجه إن كان به مس من الشيطان , وقال له : يا ابن أخى إنك منا حيث قد علمت من السلطة فى العشيرة , والمكان فى النسب , وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم , فرَّقْت به جماعتهم , وسفَّهت به أحلامهم , وعِبْت به آلهتهم ودينهم , وكفَّرت به مَن مضى من آبائهم , فاسمع مِنى أعرض عليك أموراً تنظر فيها , لعلك تقبل منا بعضها , فقال له الرسول r : (( قُل يا أبا الوليد أسمَع )) قال : يا ابن أخى.. إن كنتَ إنما تريد بما جئتَ به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا , حتى تكون أكثرنا مالاً , وإن كنت تريد به شرفاً سوَّدناك علينا , حتى لا نقطع أمراً دونك , وإن كنت تريد مُلكاً ملَّكناك علينا , وإن كان هذا الذى يأتيك رِئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك , طلبنا لك الطب , وبذلنا فيه أموالنا , حتى نبرئك منه , فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه , حتى إذا فرغ منه عتبة , ورسول الله r يسمع منه , قال : (( أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ )) قال : نعم , قال : (( فاسمع منى )) قال : أفعل , قال : بسم الله الرحمن الرحيم {حم{1} تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ{2} كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ{3} بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [فصلت:1-4] ثم مضى رسول الله r فيها يقرؤها عليه , فلما سمعها عتبة منه أنصت لها , وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليها يسمع منه , ثم انتهى رسول الله r إلى السجدة منها فسجد , ثم قال : (( قد سمعتَ يا أبا الوليد ما سمعتَ , فأنت وذاك )) [عيون الأثر, والسيرة النبوية لابن كثير] ولم يرضَ r بأى عَرْض من هذه العروض , فهل هناك دجال يرفض المال والشهرة والسلطان ؟ ونحن نعلم ما رد به على عمه أبى طالب حين عرض عليه اقتراحات قومه المشابهة لِما ذكرناه من قول عتبة , حيث قال r : (( يا عم.. والله لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه , ما تركته )) [السيرة لابن هشام, والسيرة النبوية لابن كثير] ليس هذا فحسب , بل إنه r صبر على حصار قريش له هو وأهله فى شعب أبى طالب لمدة ثلاث سنوات , لا يكلمونهم , ولا يبيعون لهم , ولا يشترون منهم , حتى بلغ منهم الجهد مبلغه , واشتد الجوع عليهم وعلى نسائهم وأطفالهم , إلى أن أكلوا ورق الشجر , وأصبحت فضلاتهم كالبَعْر , ولم تحتمل السيدة خديجة – رضى الله عنها – هذه الظروف الصعبة , لأنها كانت كبيرة فى السن , وكانت الغنية المنعَّمَة , التى لم يمر عليها هذا الجوع والجهد من قبل , فمرضت فى الحصار , وماتت بعد فكِّه بقليل , فهل هذا فعل دجال ؟

عن خالد بن عمير العدوى قال : خطبنا عتبة بن غزوان , فحمد الله وأثنى عليه… إلى أن قال : ولقد رأيتنى سابع سبعة مع رسول الله r ما لنا طعام إلا ورق الشجر , حتى تقرَّحت أشداقنا [صحيح مسلم]

وعن أنس t أن أصحاب النبى r كانوا يقولون وهم يحفرون الخندق :

نحن الذين بايعوا محمداً … على الإسلام ما بقينا أبداً

والنبى r يقول : (( اللهم إن الخير خير الآخرة , فاغفر للأنصار والمُهاجرة )) وأُتِىَ رسول الله r بخبز شعير عليه إهالة سَنِخَة فأكلوا منها , وقال النبى r : (( إنما الخير خير الآخرة )) [مسند أحمد] ( الإهالة ) هى الدُّهْن , و( سَنِخَة ) أى متغيرة الريح , وقد كان بوسعه r أن يستريح فى بيته ينعم بالمَأكَل والمَشرَب , ويعطيهم الأوامر بالحفر , دون أن يكلف نفسه أى عناء .

الرسول r زوَّج ابنته فاطمة – رضى الله عنها – من سيدنا على بن أبى طالب t وهو من أفقر شباب قريش , فهل هذا فعل دجال ؟ وحين طلبت منه خادماً من العبيد الذين يؤخذون أسرى فى الحروب , لأنها تعبت من خدمة الأولاد , وتنظيف البيت , والعمل بالرَّحَى حتى أثَّرت فى يديها , رفض r ودلَّها هى وزوجها على شىء يفعَلانه أنفع لهما من الخادم , فقال : (( ألا أعلمكما خيراً مما سألتمانى ؟ إذا أخذتما مضاجعكما تكبِّرا أربعاً وثلاثين , وتسبِّحا ثلاثاً وثلاثين , وتحمَدا ثلاثاً وثلاثين , فهو خير لكما من خادم )) [صحيح البخارى] ولقد رفض r طلب ابنته لخادم , رغم أنها كانت الوحيدة , فقد ماتت أمها وكل أخواتها , وأولادها كانوا صغاراً , فلا أحد يساعدها فى شئون بيتها , ورغم أن زوجها t كان ينضح الماء بنفسه , فيذهب إلى البئر ليملأ القربة , ثم يعود إلى بيته مراراً وتكراراً , والرسول r هو قائد الأمة وحاكمها , فلو كان دجالاً لأرسل إليهما بضعة خدام , أحدهم للطهى ( طباخ ) والثانى لأعمال البيت , والثالث لشراء الحاجيات من السوق… إلخ , كما هو الحال فى أفعال العائلة المالكة وغيرها , والتسبيحات التى أوصاها بها الرسول r سماها العلماء ( التسبيحات الفاطمية ) نسبة لها , رضى الله عنها .

ومن أمثلة زهده r أنه ذهب بعد فتح مكة إلى أم هانئ ابنة عمه ليأكل عندها , فما وجد عندها إلا كُسَيرات من الخبز , استحيت أن تقدمها له , فقال لها : (( هَلُمّيها )) فكسرها فى ماء , ثم جاءته بملح , فقال لها : (( ما من أُدُم ؟ )) فقالت : ما عندى يا رسول الله إلا شىء من خل , فقال : (( هَلُمّيه )) فلما جاءت صبَّه على طعامه وأكل , ثم حمد الله تعالى , ثم قال : (( نِعمَ الأُدُم الخل )) [سُبُل الهدى والرشاد] وهو القائد الفاتح المنتصر بإذن الله , الذى لو طلب أشهى الطعام لأوتىَ به , فهل هذا فعل دجال ؟ وورد فى ( صحيح مسلم ) ما يُشبِه ذلك عن جابر بن عبد الله – رضى الله عنهما – أنه r سأل أهله الأُدُم , فقالوا : ما عندنا إلا خل , فدعا به فجعل يأكل به ويقول : (( نعم الأُدُم الخل , نعم الأدم الخل )) و(( الأُدُم )) هو ما يؤتدم به مع الخبز , فهل يستطيع أحد من عوام المسلمين – ولا أقول الخواص – أن يأكل الخبز بالخل ؟

وبعدما فتح r خيبر , وزَّع جميع غنائمها – وكانت كثيرة وثمينة – على الصحابة y ولم يترك شيئاً منها لنفسه , أو لزوجاته – رضى الله عنهن – فطَلَبْنَ أن يساويهن بنساء المسلمين , وأن يعطيهن مثلما أعطاهن , فاعتزلهن شهراً كاملاً , ولم يُجِبْهُن إلى ما طَلَبْن , وأنزل الله سبحانه وتعالى قوله مؤيداً لرسوله r : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً{28} وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب:28-29] فخيَّرهن سبحانه وتعالى بين البقاء مع الرسول r على هذه الحالة من الزهد وخشونة العيش , رجاء الأجر العظيم فى الآخرة , وبين أن يطلقهن ويعطيهن متاعهن , أى نفقة المتعة وحق المطلقة , فاخترْن الله ورسوله كلهن , فرضى الله عنهن وأرضاهن . ودخل سيدنا عمر t عليه r فى مكانه الذى اعتزلهن فيه , وهو عبارة عن مَشْرُبَة فى المسجد , فوجده قد نام على حصير أثَّر فى جنبه الشريف , وما عنده من المتاع إلا القليل , قال t : فدخلت على رسول الله r وهو مضطجع على حصير , فجلست , فأدنى عليه إزاره , وليس عليه غيره , وإذا الحصير قد أثر فى جنبه , فنظرت ببصرى فى خزانة رسول الله r فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصّاع , ومثلها قَرَظاً فى ناحية الغرفة , وإذا أفيقٌ معلَّق , قال : فابتدَرَت عيناى , فقال r : (( ما يبكيك يا ابن الخطاب ؟ )) قلت : يا نبى الله.. وما لى لا أبكى , وهذا الحصير قد أثر فى جنبك ؟ وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى ؟ وذاك قيصر وكسرى فى الثمار والأنهار , وأنت  رسول الله r وصفوته من خلقه , وهذه خزانتك , فقال r : (( يا ابن الخطاب.. ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة , ولهم الدنيا ؟ )) قلتُ : بلى [صحيح مسلم] ( القَرَظ ) هو نوع من ورق الأشجار يُدبَغ به جلد الذبيحة , و( الأَفِيق ) هو سِقاء من الجلد الذى لم يُدبَغ ، أو جِراب من الجلد غير المدبوغ .

 ومات r ولم يترك ديناراً ولا درهماً , بل مات ودِرْعه مرهونة عند يهودى , وهو الذى كان يَرْأَس الدولة – بالتعبير المعاصر – وتحت يديه بيت أموال المسلمين , فى حين أن الرؤساء والملوك يمتلكون ملايين – بل مليارات – الدولارات , قال عبد الله بن عباس , رضى الله عنهما : إن النبى r التفت إلى أُحُد ( أى جبل أُحُد ) فقال : (( والذى نفسى بيده ما يَسُرُّنى أن أُحُداً يُحَوَّل لآل محمد ذهباً أُنفقُه فى سبيل الله أموت يوم أموت أَدَعُ من دينارين أُعِدُّهما لدَيْن إن كان )) فمات r وما ترك ديناراً ولا درهما , ولا عبداً ولا وليدة , وترك دِرْعَه مرهونة عند يهودى على ثلاثين صاعاً من شعير [مُسند أحمد] وقد كان r يقترض من اليهود , ولا يقترض من المسلمين , حتى يقبل دينه حين يرده إليه , لأن المسلمين ربما تنازلوا عن حقهم , وهو لا يرضى بذلك , وقد كان r يقترض ليطعم الفقراء من أهل الصُّفَّة , وليطعم الوفود التى تأتيه من خارج المدينة المنورة ليبايعوه على الإسلام , وخصوصاً بعد فتح مكة , حين دخل الناس فى دين الله أفواجاً , فلم يكن r يكتفى بإنفاق ماله فى سبيل الله , بل كان يقترض لينفق المزيد , فهل هذا فعل دجال ؟

مقتطفات من تواضعه r

كان رسول الله r أبعد الناس عن الكِبْر والخُيَلاء , رغم ما أنعم الله به عليه من شرف نَسَبه , وسَمْته الصالح , وأخلاقه الحسنة , وسيرته العَطِرة بين قومه , حتى قبل بعثته , حيث كان يُلقَّب بينهم بالصادق الأمين , ورغم مكانته العظيمة بين أتباعه من الصحابة الأجلاء y ورغم ما منَّ الله به عليه من الفتوحات والانتصارت العظيمة , وخصوصاً انتصاره على أهل مكة الذين آذوه , وساموا أتباعه سوء العذاب , ورغم انتصاره على اليهود , وإجلائهم من المدينة المنورة , فقد كان r يجلس على الأرض , ويركب البغلة , ويلبس الشملة , ويسير مع أصحابه كواحد منهم , بل ويسير خلفهم فى كثير من الأحيان ليتفقد أحوالهم , ولا يمشى فى أُبَّهَة وحراسة مدججة بالسلاح , كما يفعل الملوك والرؤساء , بل وتستوقفه الأَمَة الصغيرة , فيسير معها ليشفع لها عند أهلها , ويسلم على الصِّبيان فى الطريق , ويمزح مع أصحابه y .

كان أول عمل قام به الرسول r بعدما وصل المدينة المنورة هو بناء مسجد قباء , الذى أثنى الله عليه بقوله : {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة:108] فلم يكن أول همّه أن يعد لنفسه مسكناً فسيحاً مريحاً , أو يأمر أصحابه y أن يجهزوا مكاناً مناسباً لاستضافة زوجاته وبناته – رضى الله عنهن – عند وصولهن للمدينة بعد هجرتهن , بل إنه رفض استضافة بنى سالم , رغم أنهم كانوا ذوى عدد وعُدَّة ومَنعَة , وقال لهم حين أمسكوا بخطام ناقته لتقف عند ديارهم : (( دعوها فإنها مأمورة )) [السيرة النبوية لابن كثير] فناخت أمام بيت أبى أيوب الأنصارى t .

وفى قباء جاءه سلمان الفارسى t بمائدة عليها رطب ( وكان لم يُسْلِم بعد ) فقال : (( ما هذه ؟ )) قال : هذه صدقة عليك وعلى أصحابك , فقال: (( يا سلمان.. إنا لا نأكل الصدقة )) فذهب بها سلمان , فلما كان من الغد جاءه بمائدة عليها رطب , فقال : (( ما هذه ؟ )) قال : هذه هدية , فقال لأصحابه : (( اُدنوا فكُلوا )) فأكل [المعجم الكبير للطبرانى] وكان سلمان نصرانياً , وكان يعلم أنه قد أطل زمان نبى يظهر فى هذه المنطقة من الجزيرة العربية , فرحل إليها ليقابله , فلما سمع بقدوم الرسول r إلى قباء أراد أن يختبره بهذا الاختبار , لأنه كان يعلم من كتبه أن هذا النبى لا يأكل الصدقة , فلما ردها الرسول r ولم يقبلها , علم أنه نبى , وأسلم لله رب العالمين .

وأول خطوة خطاها رسول الله r بعد ذلك هو بناء المسجد النبوى , واختار له المكان الذى بركت فيه ناقته r فاشتراه من غلامين يتيمين كانا يملكانه , وأسهم فى بنائه بنفسه , فكان ينقل اللَّبن والحجارة , ويقول : (( اللهم لا عَيْش إلا عَيْش الآخرة… فاغفر للأنصار والمُهاجرة )) وكان ذلك مما يزيد نشاط الصحابة y حتى إن أحدهم ليقول : ( لئن قعدنا والنبى يعملُ… لَذاك مِنّا العمل المُضَلَّلُ ) [الرحيق المختوم] فلم يقعد الرسول r مستريحاً يراقب العمل فى البناء , ويكتفى بإعطاء الأوامر , فهل هذا فعل دجال ؟ 

عن أبى هريرة t أن امرأة سوداء كانت تَقُمُّ المسجد فَفَقَدها رسول الله r فسأل عنها بعد أيام , فقيل له إنها ماتت , قال : (( فَهَلا آذنتموتى ؟ )) فأتى قبرها فصلى عليها [سنن ابن ماجه] فمن من الملوك أو الرؤساء يفعل هذا مع امرأة سوداء فقيرة تقوم على خدمة المسجد ؟ وأين هذا مما نُسِبَ إلى المسيح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – فى الكتاب المقدس من وصفه للمرأة التى استنجدت به بالكلاب ؟

ثم خرج يسوع من هناك وانصرف إلى نواحى صور وصيداء . وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت إليه قائلة ارحمنى يا سيد يا ابن داود . ابنتى مجنونة جداً . فلم يُجِبها بكلمة . فتقدم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين اصرفها لأنها تصيح وراءنا . فأجاب وقال لم أُرسَل إلا إلى خِراف بيت إسرائيل الضالَّة . فأتت وسجدت له قائلة يا سيد أعنِّى . فأجاب وقال ليس حسناً أن يُؤخَذ خبز البنين ويُطرَح للكلاب . فقالت نعم يا سيد . والكلاب أيضاً تأكل من الفُتات الذى يسقط من مائدة أربابها . حينئذ أجاب يسوع وقال لها يا امرأة عظيم إيمانك . ليكن لكِ كما تريدين . فشُفِيَت ابنتها من تلك الساعة (متى15: 21-28)      

عن أبى هريرة t أن رسول الله r قال : (( ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم )) فقال أصحابه : وأنت ؟ قال : (( نعم.. كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة )) [صحيح البخارى] فهل هناك دجال يدَّعى النبوَّة يقول عن نفسه إنه كان يرعى الغنم ؟ إنهم يتشدقون ويتفاخرون بأنسابهم – ولو بالكذب – ويقولون إنهم من عائلة كذا وكذا , وإن آباءهم وأجدادهم كانوا كذا وكذا… أليس كذلك ؟

عن أنس بن مالك t قال : مَرَّ النبى r بامرأة تبكى عند قبر , فقال : (( اتقى الله واصبرى )) قالت : إليك عنى , فإنك لم تُصَب بمصيبتى , ولم تعرفه , فقيل لها : إنه النبى r فأتت باب النبى r فلم تجد عنده بوّابين , فقالت : لم أعرفك , فقال : (( إنما الصبر عند الصدمة الأولى )) [صحيح البخارى] ولم ينهرها الرسول r عندما قالت له : إليك عنى , ولم يقل لها : ( ألا تعرفيننى ؟ إنى رسول الله , فكيف تكلميننى بهذه الطريقة ؟ ) بل انصرف عنها دون أن يعنِّفها أو يُعرِّفها بنفسه , فهل هذا فعل دجال ؟

كان رسول الله r يأكل وهو جالس القُرفصاء – رغم أنه كان حاكم الدولة – فدخلت عليه ذات يوم أَمَة وهو يأكل , فقالت : ( إنه يجلس كما يجلس العبد ) لأن العبد يجلس هذه الجلسة ليكون مستعداً لتلبية أوامر سيده بسرعة , فلم ينهرها الرسول r ولكنه قال بكل تواضع لله عز وجل : (( إنما أنا عبد , آكل كما يأكل العبد , وأجلس كما يجلس العبد , فإنما أنا عبد )) [مصنف عبد الرزاق, صححه الألبانى فى السلسلة الصحيحة برقم441] فهل يجلس الدجالون – أو الحكام – مثل هذه الجلسة المتواضعة ؟ وهل يتحملون أن ينتقدهم أحد فى أى شىء من أقوالهم أو أفعالهم , وخصوصاً لو كان من الفقراء المتواضعين مثل هذه الأَمَة ؟

عن أنس t قال : مرَّ رسول الله r على تمرة فى الطريق مطروحة , فقال : (( لولا أنى أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها )) [سنن البيهقى, صحيح الجامع:5309] إن هذا يدل على شدة خوفه من الله تعالى , كما يدل على تواضعه r إذ لم يستنكف من أكل تمرة مُلقاة فى الطريق , وذلك على عكس ما يفعله المُتعالون الذين يبتغون الرِّفعة والجاه عند أتباعهم وذويهم .

دخل رجل على الرسول r فهابَه , وارتعدت فرائصه , فقال له : (( هَوِّن عليك , فإنى لستُ بملِك , إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد )) [صحيح الجامع:7052] فلو كان الرسول r دجالاً لأعجبه خوف الرجل منه , وتعظيمه إيّاه , ولَمَا ذكر له ما كانت تأكله أمه من هذا القديد ,  وهو اللحم المُقطَّع المُمَلَّح المجفف فى الشمس , وهو ليس بطعام الأثرياء أو الملوك , ولكنه طعام الفقراء , فما الذى يجبر الأغنياء عليه , وعندهم ما يشتهون من اللحم الطازج ؟

قال له رجل وهو يحدثه : ما شاء الله وشئتَ, فقال له الرسول r: (( جعلتنى لله عَدْلاً! بل ما شاء الله وحده )) [مسند أحمد] فلو كان دجالاً لتغافل عمّا قاله الرجل, ولم يصحح له قولته , بل وربما كافأه على تعظيمه إياه , كما يفعل الملوك والرؤساء.

نهى الرسول r عن الحَلِف بغير الله جل وعلا, فقال: (( من حلف بغير الله فقد أشرك )) [سنن أبى داود, صحيح الجامع:6204] فما كان يُضيره r – لو كان دجالاً – أن يترك الناس على ما كانوا عليه من الحلف بغير الله, حتى يعطى رخصة لأتباعه أن يحلفوا به؟

قال رسول الله r : (( ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجن )) قالوا : وإيّاك يا رسول الله ؟ قال : (( وإيّاىَ.. إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم , فلا يأمرنى إلا بخير )) [صحيح مسلم] فلم يقل r مثلاً : أنا ليس بى شيطان , وكيف يكون بى شيطان وأنا نبى الرحمن ؟ ولم يقل مثلاً : إن بى شيطاناً ولكنى اجتهدت عليه ودعوته للإسلام فأسلم , ولكنه r نسب الفضل لصاحب الفضل سبحانه وتعالى .

نهى الرسول r عن المبالغة فى مدحه , فقال : (( لا تُطْرونى كما أَطْرَت النصارى ابن مريم , فإنما أنا عبدُه , فقولوا عبدُ الله ورسولُه )) [صحيح البخارى] ولو كان دجالاً لأَحَبَّ المدح والثناء , كما يفعل الملوك والرؤساء .

جاءه رجل ذات مرة وسجد له لِمَا رآه من فعل الأعاجم بملوكها , فنهاه الرسول r وقال قولته الشهيرة : (( لو كنتُ آمراً أحداً أن يسجد لأحدٍ , لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها )) [سنن الترمذى, مسند أحمد, صحيح الجامع:5294] فلو كان دجالاً لَمَا نهاه عن السجود له , بل كان يقربه إليه , ويمنحه العطايا والهدايا , كما يفعل الدجالون , وخاصة أنه لم يأمره بالسجود له , فإن الدجالين يحبون التعظيم والإكبار , فما الذى يُضير الدجالين من المدح والثناء ؟ إن الشعراء يقيمون لهم الأُمسيات الشِّعرية فى مدحهم , ويذكرون مناقبهم , ويُعدِّدون محاسنهم – ولو بالكذب – مما يرفع قدرهم عندهم , ويُغْدِقون عليهم الأموال والمناصب جزاءً لصنيعهم .

كما أن السجود لغير الله كان مباحاً فى الشرائع التى سبقت الإسلام , وذلك مثل ما ورد فى سورة ( يوسف ) من سجود إخوته وأبَوَيه له , فلو كان الرسول r دجالاً – وحاشاه – لتَرَك الأمر على ما هو عليه ولم يُحرِّمه , حتى يسجد له أتباعه , ألستم تتفقون معنا فى ذلك ؟

عندما انكسفت الشمس عند موت إبراهيم ابن الرسول r ظن الناس أنها انكسفت لموته , فصحح لهم الرسول r هذا المُعتَقَد بقوله : (( إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته , ولكنهما آيتان من آيات الله يخوِّف الله بهما عباده , فإذا رأيتم ذلك فصلُّوا وادْعُوا حتى ينكشف ما بكم )) [صحيح الجامع:1644] فلو كان الرسول r دجالاً لاغتنم هذه الفرصة الذهبية , ولم يعلِّق على ما قالوه , بل وَلَقال ( انظروا.. لقد بكت السماء والملائكة على ولدى , وتغير الكون من أجله , وانكسفت الشمس , وحدث كذا وكذا… إلخ ) أو – على الأقل – لسكت على ما قاله الناس , أليس كذلك ؟

قال r : (( لا تجعلوا بيوتكم قبوراً , ولا تجعلوا قبرى عيداً , وصَلُّوا علىَّ , فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم )) [صحيح الجامع:7226] وقال : (( صَلُّوا فى بيوتكم , ولا تتخذوها قبوراً , ولا تتخذوا بيتى عيداً , وصَلُّوا علىَّ وسَلِّموا , فإن صلاتكم تبلغنى حيثما كنتم )) [صحيح الجامع:3785] فهل هناك دجال ينهَى الناس عن تعظيم بيته أو قبره من بعده ؟ إن الدجالين لا يكتفون بتعظيمهم وهم أحياء , بل ويحبون أن تُصنَع لهم التماثيل , عسى أن تخلِّد ذكراهم من بعدهم .

بعث مُسَيلمة الكذاب إلى الرسول r رجُلين معهما رسالة , يقول له فيها : ( من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله , سلام عليك.. أما بعد : فإنى قد أُشرِكْتُ فى الأمر معك ، فإن لنا نصفَ الأمر , ولقريش نصف الأمر ، ولكن قريشاً قوم يعتدون ) فلم ينهره الرسول r ولم يسبّه , ولم يشتمه , ولم يقتل رسوليه , بل بعث إليه يقول : (( بسم الله الرحمن الرحيم , من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب , سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد : فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين )) قال عبد الله بن مسعود t : فمضت السُّنَّة بأن الرُّسُل لا تُقتَل [السيرة لابن كثير] فهل هذه أخلاق دجال ؟ إنه لو كان دجالاً لثارت ثائرته , وَلَقام فى الناس خطيباً , يبين للناس مثالبه ومعايبه , ليحشد الآراء ضده , ولأهان رسوليه وأغلظ لهما القول وسبَّهما… إلى غير ذلك من أساليب الغضب والانتقام للنفس . 

قصته r مع ذى البِجادَين t ونزوله فى قبره ليدفنه , تدل على تواضعه الشديد , وذو البِجادَين هذا رجل فقير , ترك أهله وماله ابتغاء مرضاة الله , وهاجر إلى رسوله r , قال ابن مسعود t : قمتُ من جوف الليل وأنا مع رسول الله r فى غزوة تبوك ، فرأيت شعلة من نار فى ناحية العسكر , فاتَّبَعتها أنظرُ إليها , فإذا رسول الله وأبو بكر وعمر ، وإذا عبد الله ذو البجادين قد مات ، وإذا هم قد حفروا له ، ورسول الله فى حفرته ، وأبو بكر وعمر يُدلِيانه ، وإذا هو يقول : (( أدنيا إلىَّ أخاكما )) فدليّاه إليه ، فلما هيّأه لشقِّه قال : (( اللهم إنى قد أمسيت راضياً عنه فارضَ عنه ))  فقال ابن مسعود : ( يا ليتنى كنت صاحب الحفرة ) قال ابن هشام : إنما سُمِّى ذا البِجادين لأنه كان يريد الإسلام فمنعه قومه , وضيقوا عليه ، حتى خرج من بينهم وليس عليه إلا بِجاد – وهو الكساء الغليظ – فشقَّه باثنين , فائتزر بواحدة , وارتدى بالأخرى ، ثم أتى رسول الله r فسُمِّى ذا البجادين [السيرة النبوية لابن كثير] فهل عرف العالم أجمع على مرّ العصور والأيام تواضعاً أكثر من هذا ؟ وهل هذا فعل دجال ؟ إن أحدهم ليتبرأ – فى بعض الأحيان – من أقاربه الفقراء , وربما تبرأ من والديه وقاطعهما , لأنهما فى نظره أقل منه وَجاهَة وشرفاً .

كان r مع بعض أصحابه y فهمُّوا بذبح شاة , فقال أحدهم : علىَّ ذبحها , وقال آخر : وعلىَّ سلخها , وقال ثالث : وعلىَّ طبخها , فقال الرسول r : (( وعلىَّ جمع الحطب )) أى أنه لم يتركهم يعملون وحدهم , ويستريح هو حتى يأتيه الطعام , كما يفعل وُجَهاء القوم , ولكنه اختار أصعب شىء , ألا وهو جمع الحطب , وقد قالوا له : نكفيك العمل , فقال : (( قد علمتُ أنكم تكفونى ، ولكن أكره أن أتميَّز عليكم ، وإن الله تعالى يكره مِن عبده أن يراه متميزاً بين أصحابه )) [سُبُل الهدى والرشاد] فهل هذا فعل دجال ؟

قال r : (( إنما بُعِثتُ لأتمم صالح الأخلاق )) [مسند أحمد, صحيح الجامع:2249] أى أنه لم يدَّعِ أنه هو الذى أسس أو ابتدع صالح الأخلاق , ولكنه أقرَّ بوجودها , وأنه سيتمِّمها فقط , أين هذا مما نُسِبَ إلى المسيح فى الكتاب المقدس – زُوراً وبهتاناً – مِن وَصْفِه للأنبياء قَبله باللصوص ؟

فقال لهم يسوع أيضاً الحق الحق أقول لكم إنى أنا باب الخِراف. جميع الذين أتَوْا قبلى هم سُرّاق ولصوص. (يوحنا10: 7-8) ونحن نُبرِّئ المسيح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – من أن يكون بهذه الأخلاق , فكيف يشبِّه نفسه ومن قبله من الأنبياء – صلوات الله وسلامه عليهم – بالخِراف ؟ وكيف يصِفهم بأنهم سُرّاق ولصوص ؟

عن الحُباب بنِ المنذر أنه قال للرسول r يوم بدر قبل بدء القتال : يا رسول الله.. أرأيتَ هذا المنزل ، أمَنزلاً أنزَلَكَه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأى والحرب والمكيدة ؟ قال : (( بل هو الرأى والحرب والمكيدة )) قال : يا رسول الله.. فإن هذا ليس بمنزل ، فامضِ بالناس حتى نأتى أدنى ماء من القوم فننزله ، ثم نغوِّر ما وراءه من القُلَب ، ثم نبنى عليه حوضاً فنملؤه ماء ، ثم نقاتل القوم , فنشرب ولا يشربون , فقال رسول الله r : (( لقد أشرتَ بالرأى )) [السيرة النبوية لابن كثير] فلو كان الرسول r دجالاً لقال له : اخرس.. فأنا القائد الأعلى , وهناك تسلسل قيادى , وقنوات شرعية تكلمنى من خلالها , مثل أكابر الصحابة t ولكنه رضى باقتراحه الحكيم ونفَّذَه , ولم يغضب ولم يستنكف من النزول عن خطته واستبدالها بخطة أحد أتباعه , وقد سمعنا كثيراً عن انتهاكات شنيعة لدماء بريئة , بسبب تعصب بعض القادة العسكريين لرأيهم وخططهم , رغم نُصْح المقربين لهم من أهل الخبرة .

كذلك فإنه r أخذ برأى الشباب فى غزوة أُحُد , فقد كان من رأيه هو وكبار الصحابة y أن ينتظروا الكفار حتى يأتوا المدينة , ليكونوا أقدر على قتالهم فى سِكَكْ المدينة , وترميهم النساء من فوق الحيطان , ولكن الشباب اختاروا الخروج لملاقاتهم خارج المدينة

عن جابر بن عبد الله قال : استشار رسول الله r الناس يوم أُحُد , فقال : (( إنى رأيتُ فيما يرى النائم كأنى فى دِرع حصينة , وكأن بقراً تُنحر وتُباع , ففسرتُ الدرع المدينة , والبقر بَقْراً , والله خير , فلو قاتلتموهم فى السِّكك , فرماهم النساء من فوق الحيطان )) قالوا : فيدخلون علينا المدينة ! ما دُخِلَت علينا قط , ولكن نخرج إليهم , قال : (( فشأنكم إذَن )) قال : ثم قَدِموا قالوا : رددنا على رسول الله r رأيه , فأتَوا النبى r فقالوا : يا رسول الله.. رأيك ( أى نعمل برأيك ) فقال : (( ما كان لنبى أن يلبس لأمَتَه ثم يخلعها حتى يقاتل )) [سنن النسائى الكبرى]

 

كان أغلب أتباع النبى r والمقربين إليه من العبيد , وضعفاء الناس وفقرائهم , وهم أتباع الرُّسُل – صلوات الله وسلامه عليهم – كما شهد بذلك هرقل عظيم الروم عندما سأل أبا سفيان t ( قبل أن يُسْلِم ) عن أتباعه r , فأخبره أنهم من الفقراء والعبيد . أما المقربون من الدجالين فمعظمهم من الفتوّات والبلطجية , ليحتموا بهم من أعدائهم , مقابل ما يغدقونه عليهم من أموالهم .

لم يُسَمِّ الرسول r أتباعه باسمه , أى لم يُسَمِّهم ( المحمديين ) أو ( الأحمديين ) كما سمى النصارى أنفسهم بالمسيحيين , ولكنه سماهم بما سماهم الله به على لسان نبيه إبراهيم – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – حيث قال : {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ} [الحج:78]

لم يجعل الرسول r زيارة قبره أو مسجده , أو قبر أبيه أو أُمَّه ركناً من أركان الحج أو العمرة , ولو كان دجالاً لجعلها شرطاً فى صحتهما , فهو الذى قال : (( خذوا عنى مناسككم )) [السنن الكبرى للبيهقى, صحيح الجامع:7882] فكان من الممكن أن يجعل زيارة قبره ضمن هذه المناسك لو أنه – كما يقول المبطلون – كان دجالاً .

قال r : (( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول , ثم صَلُّوا علىَّ , فإنه من صلى علىَّ صلاة , صلى الله عليه بها عشراً , ثم سَلُوا الله لىَ الوسيلة , فإنها منزلة فى الجنة , لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله , وأرجو أن أكون أنا هو , فمن سأل لىَ الوسيلة , حلّت عليه الشفاعة )) [صحيح الجامع:613] ولو كان دجالاً لَمَا سأل أتباعه أن يدعوا له بالوسيلة , التى هى أعلى مقام فى الجنة , وَلَقال إن له الوسيلة وكذا وكذا… إلخ .

لم يستنكف الرسول r عن الأخذ بمشورة سلمان الفارسى t فى حفر الخندق حول المدينة المنورة , لحمايتها من مهاجمة الأحزاب , كما كان يفعل قومه قبل أن يتركهم ويهاجر إلى الرسول r , ليس هذا فحسب , بل كان r يحفر معهم ويقول : (( اللهم لا عَيْش إلا عَيْش الآخرة… فاغفر للأنصار والمُهاجرة )) [صحيح البخارى] ولو كان الرسول r دجالاً لأخذته العنترية والكِبر عن تقليد المجوس , الذين كان سلمان منهم قبل إسلامه , فكَم من بلاد دُمِّرَت , وشعوب أُهلِكَت , بسبب غطرسة قائديها , وتعصبهم لرأيهم , أو كان r على الأقل لا يشاركهم فى الحفر ويكتفى بإعطاء الأوامر . 

عن الأسود بن سَريع أن النبى r أُتِىَ بأسير , فقال : اللهم إنى أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد , فقال الرسول r : (( عَرَف الحق لأهله )) [مسند أحمد, المعجم الكبير للطبرانى] ولو كان دجالاً لقال له ( لن يقبل الله توبتك حتى أرضى عنك , أو حتى أدعو لك ) بل إنه r لم يعاتبه حتى فى قوله : ( محمد ) ولم يقل له مثلاً ( قُل رسول الله ولا تَقُل محمد )

قال الله تعالى : {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} [الإسراء:1] ولو كان الرسول r هو الذى ألَّف القرآن لَمَا قال : {بِعَبْدِهِ} ولَقال مثلاً ( سبحان الذى أسرى برسوله الأعظم ) وكذلك الحال فى قوله تعالى : {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان:1] وقوله : {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ} [الجن19] : ولو أنه ألف القرآن لَقال وأنه لما قام سيد الخلق يدعوه , أو سيد الأنبياء… وهكذا , لأن العرب كانت تستنكف من كلمة ( عبد ) ولكن وصْفه بعبد الله شرف له r ولنا أجمعين , لأن الإنسان إن لم يعبد الله , فسيكون عبداً لآلهة مزعومة من دون الله , أو يكون عبداً لهواه , أو ماله , أو جاهه… إلخ .

عندما سُئِلَت السيدة عائشة – رضى الله عنها –  ما كان النبى r يصنع فى أهله ؟ قالت : (( كان فى مِهنَة أهله , فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة )) [صحيح البخارى] وقالت : (( كان يَخِيط ثوبه , ويخصف نعله , ويعمل ما يعمل الرجال فى بيوتهم )) [صحيح ابن حبان, صحيح الجامع:4937]‌ أى أنه r لم يكن يستنكف من الأعمال البسيطة , ولا من مساعدة أهل بيته فى عملهم المنزلى , على عكس عامَّة الرجال , ولا أقول خواصِّهم ووُجَهائِهم .

عندما رجع رسول الله r من غزوة هوازن , وزَّع الغنائم على قريش وبعض قبائل العرب , ولم يُعطِ الأنصار منها شيئاً , فوَجَدوا فى أنفسهم ( أى غضبوا ) وكثرت فيهم القالَة , حتى قال قائلهم : لقى رسول الله r قومه ( أى أنه لما رجع لقومه فى قريش حنَّ إليهم فأعطاهم الغنائم ) فدخل عليه سعد بن عبادة t فقال : يا رسول الله.. إن هذا الحى قد وَجَدوا عليك فى أنفسهم لِما صنعت فى هذا الفىء الذى أصبتَ , قسَمْتَ فى قومك , وأعطيت عطايا فى قبائل العرب , ولم يكن فى هذا الحى من الأنصار شىء , قال : (( فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ )) قال يا رسول الله ما أنا إلا امرؤ من قومى وما أنا ؟ قال : (( فاجمع لى قومك فى هذه الحظيرة )) قال : فخرج سعد , فجمع الناس فى تلك الحظيرة , قال فجاء رجال من المهاجرين , فتركهم فدخلوا , وجاء آخرون , فلما اجتمعوا أتاه سعد فقال : قد اجتمع لك هذا الحى من الأنصار , قال : فأتاهم رسول الله r فحمد الله وأثنى عليه بالذى هو له , ثم قال : (( يا معشر الأنصار مَقالةٌ بلغتنى عنكم , وَجْدَةٌ وجدتموها فى أنفسكم , ألم آتِكُم ضُلالاً فهداكم الله ؟ وعالة فأغناكم الله ؟ وأعداء فألَّف الله بين قلوبكم ؟ )) قالوا : الله ورسوله أَمَنُّ وأفضلُ , قال : (( ألا تجيبونى؟ )) قالوا : وبما نجيبك يا رسول الله , ولله ولرسوله المنُّ والفضل ؟ قال : (( أمَا والله لو شئتم لقلتم فلصَدَقْتُم وصُدِّقْتُم : أتيتَنا مكذوباً فصدَّقناك , ومخذولاً فنصرناك , وطريداً فآويناك , وعائلاً فأغنيناك , أوجدتم فى أنفسكم يا معشر الأنصار فى لُعاعَة من الدنيا , تألَّفتُ بها قوماً ليُسْلِموا , ووكلتكم إلى إسلامكم ؟ أفَلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير , وترجعون برسول الله r فى رحالكم ؟ فوالذى نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنتُ امْرَأً من الأنصار , ولو سلك الناس شِعباً , وسَلَكَت الأنصار شِعباً , لسلكتُ شِعب الأنصار , اللهم ارحم الأنصار , وأبناء الأنصار , وأبناء أبناء الأنصار )) قال : فبكى القوم حتى أخضَلوا لِحاهم , وقالوا : رضينا بالله قِسْماً وحظاً , ثم انصرف رسول الله r وتفرقنا [مسند أحمد] فهل هناك دجال يقول عن نفسه إنه كان مخذولاً وطريداً وعائلاً ( أى فقيراً ) ؟ إنه r لو كان دجالاً – أو عنده أدنى قدر من الكِبْر – ما قال مَقالته تلك , وخاصة أنهم لم يقولوا شيئاً من هذا , ولم يمنُّوا عليه بأى شىء .  

عندما فتح الله مكة لرسوله r ونصره على من عادَوْه , وعادَوْا أصحابه y وعذبوهم , وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم , لم يتعاظم فى نفسه r ولم يتغنَّ بالنصر كما يفعل القادَة العسكريون ورؤساؤهم , ولم يدخلها رافعاً رأسه فى أُبَّهة , وعليه الأوسمة والنياشين , وحوله الجنود المحاربون , ولكنه دخلها متواضعاً لله سبحانه وتعالى , مطأطئاً رأسه تعظيماً لخالقه جل وعلا , حتى كادت لحيته أن تَمَس رَحْله [السيرة النبوية لابن كثير] فهل هذا فعل دجال ؟

كما أنه فى حجة الوداع , التى كانت فى أواخر عهده r والتى التقى فيها بالآلاف من المسلمين من قبائل شتَّى , لم يعدد على مسامعهم إنجازاته كما يفعل الدجالون والرؤساء والملوك , فلم يقل لهم – مثلاً – أنا الذى هديتكم بعد الضلال , وجمعتكم بعد الفُرقة , وألَّفت بينكم بعد عداوتكم , فانظروا كم تعبت معكم , وأفنيت عمرى من أجلكم , ولم آخذ شيئاً من أموالكم… إلخ , ليس هذا فحسب , بل إنه r لم يجزم بأنه بلغ ما أرسله به ربه , ولكنه سألهم قائلاً : (( ألا هل بلَّغتُ )) قالوا : نعم , قال : (( اللهم اشهد )) [صحيح البخارى]

بعض مظاهر عفوه r عمَّن أساء إليه وإلى أصحابه y

كان رسول الله r أكمل الناس إيماناً , وأحسنهم خُلُقاً , وأكثرهم عفواً عمَّن أساء إليه , كيف لا.. وهو الذى وصفه ربنا تبارك وتعالى بقوله : {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4] ووصفته زوجته السيدة عائشة – رضى الله عنها – بقولها : ( كان خُلُقه القرآن ) [مسند أحمد , صحيح الجامع:4811] ووصفه خادمه سيدنا أنس بن مالك t بقوله : ( خدمتُ النبى r عشر سنين , فما قال لى أُفّ قط , وما قال لشىء صنعتُه لِمَ صنعتَه , ولا لشىء تركتُه لِمَ تركتَه , وكان رسول الله r أحسن الناس خُلُقاً , ولا مسستُ خزّاً قط , ولا حريراً , ولا شيئاً كان ألْيَن من كَف رسول الله r ولا شممتُ مسكاً قط , ولا عطراً كان أطيب من عَرَق رسول الله r ) [رواه الترمذى فى سننه , وقال حسن صحيح] وكان r لا يغضب لنفسه قط , إلا أن تُنتهَك حُرُمات الله , فكان يغضب لله , ولا يقوم لغضبه أحد . ومن أمثلة عفوه عمن أساء إليه وإلى أصحابه y ما يلى :

بعدما لاقَى الرسول r من قريش ما لاقى من الأذى والاضطهاد لعدَّة سنين , ذهب إلى الطائف ليدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له , وأن يتركوا ما هم عليه من عبادة الأصنام التى لا تنفع ولا تضر , ولكنهم قابلوه بأسوأ ما يكون , واستهزأوا به , وزادوا فى إساءَتِهم فأغرَوا به سفهاءهم وعبيدهم يضربونه بالحجارة , فأدْمَوا قدميه الشريفتين , ورجع هائماً على وجهه مغموماً , يشتكى لله جلَّ فى عُلاه , فأرسل إليه سيدنا جبريل u ومعه ملَك الجبال u ليأتمر بأمره إن أراد أن ينتقم منهم , فما كان منه r إلا أن عفا عنهم , كما جاء فى الصحيحين أن السيدة عائشة – رضى الله عنها – قالت له : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحُد ؟ قال : (( لقد لقيتُ من قومك ما لقيت , وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة , إذ عرضت نفسى على ابن ياليل بن كُلال , فلم يجبنى إلى ما أردت , فانطلقت وأنا مهموم على وجهى , فلم أستفق إلا بقرن الثعالب , فرفعت رأسى , فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى , فنظرت فإذا فيها جبريل , فنادانى فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك , وقد بعث ملَك الجبال لتأمره بما شئتَ , فسلَّم علىَّ ثم قال : يا محمد.. إن شئتَ أن أُطبِق عليهم الأخشبَيْن , فقال النبى r : بل أرجو أن يُخرِج اللهُ من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً )) ( (( الأخشبَيْن )) أى الجَبلَيْن ) فهل هذه أخلاق دجال ؟             

رُوِىَ أنه r لما كُسِرت رَباعِيَتُه , وشُجَّ وجهُه يوم أُحُد , ودخلت حلقتان من المِغْفَر فى وَجْنَتِه , شقَّ ذلك على أصحابه y وقالوا له : لو دعوت عليهم ؟ فقال : (( إنى لم أُبعث لعّاناَ , ولكنى بُعِثت داعياً ورحمة , اللهم اهدِ قومى فإنهم لا يعلمون )) [سُبُل الهدى والرشاد] فهل هذا فعل دجال ؟ إن الدجاجلة يملأون الأرض صياحاً أنهم سينتقمون من أعدائهم , وأنهم سيفعلون بهم كذا وكذا , ويصبون عليهم اللعنات والسَّب والشتم.. أليس كذلك ؟

قال رسول الله r عندما قُتِل عمه حمزة t فى غزوة أُحُد : (( والله لأُمَثِّلنَّ بسبعين منهم مكانك )) [المعجم الكبير للطبرانى] فأنزل الله قوله تعالى : {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ{126} وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ{127} إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل:126-128] وقد أسلم وَحشىُّ الذى قتل الحمزة t وبَقَر بطنه , وقطع أُذُنيه , ومثَّل بجثته , وأسلمت هند بنت عُتبة , التى مضغت كبد الحمزة , ثم لفظته , لأنه قتل أباها وأخاها وعمها فى غزوة بدر , فلو كان الرسول r دجالاً لَمَا قَبِل إسلامهما , ولَقال لهما : إنكما قتلتما عمى , ومثَّلتما بجثته , فلَن يقبل الله منكما إسلاماً , ولن تدخلا الجنة أبداً . ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث , بل إنه عفا عنهما , وغاية ما فى الأمر أنه أمر وحشيّاً أن يجلس بعيداً عن بصره ( كما جاء فى كتاب سُبُل الهدى والرشاد ) وهذا من رحمته r حتى لا يراه فيذكِّره بعمِّه , فيغضب عليه , فيغضب الله عليه . وقد حَسُنَ إسلام وحشىُّ , وقتل مسيلمة الكذاب بنفس الحربة التى قتل بها الحمزة t ثم نزع الحربة التى قتل بها مسيلمة , وقال : لقد قتلت خيرَ خلق الله بعد رسول الله , وهاأنذا أقتل شرَّ خلق الله , فاللهم اغفر لى هذه بتلك .

لقد أمر الله سبحانه وتعالى بالإحسان إلى الأسرى , وذلك فى سياق الثناء على المؤمنين بقوله : {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} [الإنسان:8] وذلك قبل ظهور اتفاقية جنيف لأسرى الحرب , فهل هذه تعاليم دجال ؟ إن الدجاجلة – أو الحكام الظلمة – لا يرحمون أحداً من الأسرى , ولا يحترمون اتفاقية جنيف هذه التى يتحدثون عنها , ويعاملون الأسرى أسوأ معاملة , ويذلونهم , ويسومونهم سوء العذاب , مثل ما حدث فى سجن ( أبو غْريب ) بالعراق , ومعتَقَل ( جوانتانامو ) بكُوبا .

عندما خرج رسول الله r هو وأصحابه y لقتال المشركين فى غزوة أحد , قال لأصحابه : (( من يخرج بنا على القوم من كَثَب , من طريق لا يمر بنا عليهم ؟ )) فقال أبو خيثمة أخو بنى حارثة بن الحارث : أنا يا رسول الله , فنفَذ بهم فى حَرَّة بنى حارثة وبين أموالهم , حتى سلك فى مال لمِرْبَع بن قيظى – وكان رجلاً منافقاً ضرير البصر – فلما سمع حِسّ رسول الله r ومن معه من المسلمين , قام يحثو فى وجوههم التراب , ويقول : إن كنت رسول الله فإنى لا أحل لك أن تدخل حائطى , وأخذ حفنة من تراب فى يده , ثم قال : والله لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك , فابتدره القوم ليقتلوه , فقال لهم رسول الله r : (( لا تقتلوه , فهذا أعمى القلب أعمى البصيرة )) [سيرة ابن هشام] فهل سمع التاريخ عن عفو حاكم أو قائد عن من شتمه , وهو تحت قبضته , وبين جنوده ؟

عن جابر بن عبد الله – رضى الله عنهما – أنه غزا مع رسول الله r قِبَل نجْد , فلما قفل رسول الله r قفل معه ( أى رجع ) فأدركتهم القائلة ( أى وقت القيلولة ) فى وادٍ كثير العِضاة ( أى الشوك ) فنزل رسول الله r وتفرق الناس يستظلون بالشجر , فنزل رسول الله r تحت سَمُرَة ( أى شجرة ) وعلق بها سيفه , ونمنا نومة , فإذا رسول الله r يدعونا , وإذا عنده أعرابى , فقال : (( إن هذا اخترط علىَّ سيفى وأنا نائم , فاستيقظت وهو فى يده صَلْتاً , فقال : من يمنعك منى ؟ فقلت : اللهُ ثلاثاً )) ولم يعاقبه وجلس [صحيح البخارى] وفى مُسند الإمام أحمد – رحمه الله – يقول سيدنا جابر : قاتل رسول الله r محارب خَصَفَة بنخل , فرأوا من المسلمين غِرَّة , فجاء رجل منهم يقال له غَوْرَث بن الحارث حتى قام على رأس رسول الله r بالسيف , فقال : من يمنعك منى ؟ قال : (( اللهُ عز وجل )) فسقط السيف من يده , فأخذه رسول الله r فقال : (( من يمنعك منى ؟ )) قال : ( كُن خير آخِذ ) قال : (( تشهد أن لا إله إلا الله ؟ )) قال : ( لا , ولكنى أعاهدك أن لا أقاتلك , ولا أكون مع قوم يقاتلونك ) فخلَّى سبيله , فذهب إلى أصحابه قال : ( قد جئتكم من عند خير الناس ) ما رأيكم فى هذا ؟ أرأيتم دجالاً عنده هذا اليقين بالله جل وعلا ؟ لقد كان السيف فى يد الرجل , والرسول r كان نائماً , ولكن مع هذا لم يجزع , ولم يخَف منه , بل قال بكل ثقة فى الله جل فى عُلاه : (( الله الله الله )) أى أن الله سبحانه وتعالى هو الذى سيحول بين هذا الرجل وبين قتله , لأن الله هو الذى وعده بذلك فى قوله تعالى : {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67] فلو كان الرسول r دجالاً , أو لو كان هو من ألَّف هذه الآية , لَفَزِع من الرجل فزعاً شديداً , وَلَترجّاه أن يتركه , أو لَصَرَخ بأعلى صوته على أصحابه لينقذوه منه , أو على الأقل لَتَرَك أصحابه يعاقبونه , ولكن شيئاً من هذا لم يحدث , وتركه يرجع إلى أهله آمناّ , رغم أنه لم يُسلِم , فهل هناك حاكم أو دجال يعفو عمَّن أراد قتله , وخصوصاً أن معه أصحابه وتابعيه ؟ إنهم لا يعاقبون المُعادِى وحده , ولكنهم يقبضون على أبيه وإخوته , وأقاربه , ومعارفه وأصدقائه , وكل من له صلة به .

قال زيد بن سِعنة t : إنه لم يبقَ من علامات النبوة شىء إلا وقد عرفتها فى وجه محمد r حين نظرت إليه ، إلا اثنتان لم أَخبَرهما منه : يسبق حلمُه جهلَه ، ولا يزيده شدةُ الجهل عليه إلا حلماً ، فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله . قال : فخرج r من الحجرات ، ومعه على بن أبى طالب ، فأتاه رجل على راحلته كالبدوى ، فقال : يا رسول الله ، قرية بنى فلان قد أسلموا , ودخلوا فى الإسلام ، وكنت أخبرتهم أنهم إن أسلموا أتاهم الرزق رغداً ، وقد أصابهم شدة وقحط من الغيث ، وأنا أخشى يا رسول الله أن يخرجوا من الإسلام طمعاً كما دخلوا فيه طمعاً ، فإن رأيتَ أن ترسل إليهم من يغيثهم به فعلت , قال : فنظر رسول الله r إلى رجل جانبه ، أراه عمر ، فقال : ما بقى منه شىء يا رسول الله , قال زيد بن سعنة : فدنوت إليه فقلت له : يا محمد ، هل لك أن تبيعنى تمراً معلوماً من حائط بنى فلان إلى أجل كذا وكذا ؟ فقال : (( لا يا يهودى ، ولكن أبيعك تمراً معلوماً إلى أجل كذا وكذا ، ولا أسمِّى حائط بنى فلان )) قلت : نعم ، فبايعنى r فأطلقت هميانى ، فأعطيته ثمانين مثقالاً من ذهب فى تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا ، قال : فأعطاها الرجل وقال : (( اعجل عليهم وأغثهم بها )) قال زيد بن سعنة : فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة ، خرج رسول الله r فى جنازة رجل من الأنصار , ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ونفر من أصحابه ، فلما صلى على الجنازة , دنا من جدار فجلس إليه ، فأخذت بمجامع قميصه ، ونظرت إليه بوجه غليظ ، ثم قلت : ألا تقضينى يا محمد حقى ؟ فوالله ما علمتكم بنى عبد المطلب بمَطْل ، ولقد كان لى بمخالطتكم علم ، قال : ونظرت إلى عمر بن الخطاب وعيناه تدوران فى وجهه كالفلك المستدير ، ثم رمانى ببصره وقال : أىْ عدوَّ الله ، أتقول لرسول الله r ما أسمع ، وتفعل به ما أرى ؟ فوالذى بعثه بالحق ، لولا ما أحاذر فَوْتَه لضربت بسيفى هذا عنقك ، ورسول الله r ينظر إلى عمر فى سكون وتُؤَدة ، ثم قال : (( إنا كنا أحوَجَ إلى غير هذا منك يا عمر ، أن تأمرنى بحسن الأداء ، وتأمره بحسن التِّباعَة ، اذهب به يا عمر فاقضه حقه ، وزده عشرين صاعاً من غيره مكان ما رُعْتَه )) قال زيد : فذهب بى عمر فقضانى حقى ، وزادنى عشرين صاعاً من تمر ، فقلت : ما هذه الزيادة ؟ قال : أمرنى رسول الله r أن أزيدك مكان ما رُعْتُك ، فقلت : أتعرفنى يا عمر ؟ قال : لا ، فمن أنت ؟ قلت : أنا زيد بن سعنة ، قال : الحَبْر ؟ قلت : نعم.. الحبر ، قال : فما دعاك أن تقول لرسول الله r ما قلت ، وتفعلَ به ما فعلتَ ؟ فقلت : يا عمر.. كل علامات النبوة قد عرفتها فى وجه رسول الله r حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أختبرهما منه : يسبق حلمه جهله ، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً ، فقد اختبرتهما ، فأشهدك يا عمر أنى قد رضيت بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد r نبيا ، وأشهدك أن شطر مالى – فإنى أكثرها مالاً – صدقة على أمة محمد r فقال عمر : أو على بعضهم ، فإنك لا تَسَعُهم كلَّهم ، قلت : أو على بعضهم . فرجع عمر وزيد إلى رسول الله r فقال زيد : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله r [صحيح ابن حِبّان]

لم يؤاخذ الرسول r لبيد بن الأعصم اليهودى الذى سحره , ولم يعاقبه , رغم تأكده من أنه هو الذى سَحَره , كما جاء فى الصحيحين وغيرهما , ولم يعاقب المرأة التى وضعت له السُّم فى الشّاة ( على أصح الأقوال ) كما جاء فى [سُبُل الهدى والرشاد] كما أنه لم يعاقب عبد الله بن أُبَىّ بن سلول رأس المنافقين عندما قال قولته الخبيثة التى نقلها القرآن عنه , وهى قوله : {لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون:8] ويقصد – عليه من الله ما يستحقه – أنه هو العزيز وأن الرسول r وأتباعه هم الموصوفون بالصفة الأخرى , فدافع الله عن رسوله والمؤمنين بقوله فى الآية نفسها : {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} وعبد الله بن أُبَى قال قولته هذه فى غزوة بنى المصطلق , التى تسمى – أيضاً – بغزوة المُرَيسيع , وهو اسم عين ماء تشاجر عندها رجل من المهاجرين مع رجل من الأنصار , فقال الأنصارى : يا لَلأنصار , وقال المهاجرى : يا لَلمهاجرين , فغضب عبد الله بن أُبَى , وقال : ( أوَقد فعلوها ؟ قد نافرونا وكاثرونا فى بلادنا , والله ما أعِدّنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال الأُوَلُ : سمِّن كلبك يأكلك ! أمَا والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرِجَنَّ الأعز منها الأذل ) ثم أقبل على من حضره من قومه وقال : ( هذا ما فعلتم بأنفسكم ، أحللتموهم بلادكم , وقاسمتموهم أموالكم ، أمَا والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم ) [السيرة النبوية لابن كثير] وعندما أراد سيدنا عمر بن الخطاب t أن يقتله , وقال للرسول r : ( دعنى أضرب عنق هذا المنافق ) لم يأذن له الرسول r وقال له : (( لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه )) [متفق عليه] فهل هذا فعل دجال ؟ إن الدجال ربما صبر على الأذى فى بادئ الأمر , حيث لا قوة له ولا مَنعَة , أما الرسول r فقد كان هو حاكم الدولة ( بالمصطلح الحديث ) وكان أتباعه مستعدين لبذل أرواحهم ودمائهم دونه , ولكنه آثر العفو عن أُبَى , وعن جميع المنافقين – وهو يَعلَمهم واحداً واحداً – رغم ما فعلوه من إيذائه هو وأتباعه , ورغم محاولة تخذيلهم لجيش المسلمين فى غزوة أُحُد , وتسببهم فى رجوع ثلث الجيش فى هذه الغزوة , ورغم ما أشاعوه من اتهام السيدة عائشة بالفاحشة , فيما يسمى بحادثة الإفك , وهى الطاهرة المطهَّرة , الصدِّيقة بنت الصدِّيق – رضى الله عنهما – ومع كل هذا لم يكتفِ الرسول r بالعفو عنهم , وعن زعيمهم عبد الله بن أُبَى , بل إنه صلى عليه ودعا له عندما مات , لدرجة أن سيدنا عمر t حاول منعه من ذلك , فقال له : (( أخِّر عنى يا عمر , إنى خُيِّرت فاخترت , قد قيل لى : {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ} لو أعلم أنى لو زِدت على السبعين غفر له لزدت )) [صحيح الجامع:227] وذلك قبل أن يُنهَى عن الصلاة على المنافقين فى قول الله تعالى : {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة:84] فهل هذا كله فعل دجال ؟

عكرمة بن أبى جهل قتل من الصحابة الكثير , وهجا النبى r وزوجاته – رضى الله عنهن – وحارب النبى r قرابة عشرين سنة قبل إسلامه t وقاتل فى جميع الغزوات ضد المسلمين , وكانت زوجته أم حكيم قد أسلمت يوم الفتح , أما هو فكان لا يزال على كفره , وقرر أن يركب البحر , ويهاجر إلى اليمن , فراراً من الرسول r خشية أن يعاقبه على سالف أفعاله , ولكن زوجته أم حكيم – رضى الله عنها – طلبت من الرسول r أن يؤَمِّنه , لأنه كان قد أهدر دمه , فاستجاب لطلبها , فلحقت به لتخبره أن الرسول r قد عفا عنه , وقبل أن تصل إليه , وقبل أن تصل سفينته إلى اليمن , أصاب السفينة التى كان يركبها ريح عاصف , واضطربت , وكاد الركاب أن يغرقوا , فقال أصحابها للركاب : أخلِصوا ( أى أخلصوا لله فى الدعاء ) فإن آلهتكم لا تغنى عنكم شيئاً هاهنا , فقال عكرمة : والله لئن لم ينجنى من البحر إلا الإخلاص , لا ينجينى فى البَرِّ غيره , اللهم إن لك علىَّ عهداً إن أنت عافيتنى مما أنا فيه أن آتى محمداً r حتى أضع يدى فى يده , فلأجدنه عفُّوّا كريماً , فجاء فأسلم [سنن النسائى] وفى ( زاد المَعاد ) أن الرسول r حين رآه وثب إليه فرِحاً , وما عليه رداء , حتى بايعه . فهل هذا فعل دجال , أو حاكم من الحكام ؟ وهل سمع التاريخ بمثل هذا العفو ممن كان فى حال عزة وقوة ومَنعَة , وخَصْمه فى حال ذل وضعف وهَوان ؟

ثُمامة بن أُثال الحنيفى كان سيد بنى حنيفة , وكان فارساً مِغواراً , وشاعراً من بنى حنيفة , هجا النبى r ونساءه – رضى الله عنهن – وقتل كثيراً من الصحابة y فأهدر الرسول r دمه , وقال : (( من وجده فليقتله )) وقد قابلته سَرِيَّة لرسول الله r ولكنهم لم يقتلوه , لأنه كان معتمراً , فأمسكوه وهم مُحْرِم , وذهبوا به إلى الرسول r وربطوه فى سارية من سوارى المسجد , حتى يخرج الرسول r للصلاة , فقال له الرسول r : (( ما عندك يا ثمامة ؟ )) فقال : يا محمد.. إن تقتل تقتل ذَا دَمٍ , وإن تمنن تمنن على شاكر , وإن كنت تريد المال فَسَلْ تُعْطَ منه ما شئتَ , فتركه الرسول r وقال : (( أحسنوا إسارَه )) ورجع إلى أهله فقال : (( اجمعوا ما كان عندكم من طعام فابعثوا به إليه )) وأمر بلقحَته أن يُغدَى عليه بها ويُراح , ثم مَرَّ به مرة أخرى , فقال له : (( أسلِم يا ثمامة )) فرد عليه كما رد عليه أولاً , ثم مَرَّ عليه مرة ثالثة , فقال : (( أطلقوا ثمامة )) فأطلقوه , فذهب إلى نخل قريب من المسجد , فاغتسل , ثم جاءه فأسلم , وقال : والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلىَّ من وجهك , فقد أصبح وجهك أحَبَّ الوجوه إلىَّ , والله ما كان على وجه الأرض دين أبغض إلىَّ من دينك , فقد أصبح دينك أحب الأديان إلىَّ , وإن خيلك أخذتنى وأنا أريد العمرة , فبشره رسول الله r وأمره أن يعتمر , فلما قَدِمَ على قريش قالوا : صَبَوْتَ يا ثمامة ؟ قال : لا.. ولكنى أسلمت مع محمد r ولا والله لا يصلكم من اليمامة حبة حِنطة حتى يأذن فيها رسول الله r ( وكانت اليمامة ريف مكة ) فانصرف إلى بلاده , ومنع الحَمْل إلى مكة ( أى حمل الحنطة إلى مكة لبيعها ) حتى جهدت قريش , فكتبوا إلى رسول الله r يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يخلِّى إليهم حمل الطعام , ففعل رسول الله r وقد نفع الله بثمامة الإسلام كثيراً , حيث كان من أسباب نصر المسلمين فى حربهم مع مسيلمة الكذاب . [ملخص ما جاء فى كتاب زاد المعاد وسيرة ابن هشام] بعد سرد هذه القصة القصيرة.. أيظن أحد أن الرسول r كان دجالاً ؟ وهل هذا فعل دجال.. أن يكون عدوه فى قبضة يده , وهو قادر على قتله , ثم يتركه دون أن يُسْلِم , ولا يأخذ حتى منه فدية ؟

عن أبى هريرة t قال : جاء الطفيل بن عمرو إلى رسول الله r فقال : إن دَوْساً قد هلكت , عصَت وأبَت , فادعُ الله عليهم , فقال : (( اللهم اهدِ دَوْساً وائْتِ بهم )) [صحيح البخارى] دَوْس هم قبيلة الطفيل بن عمرو t وقد أَبَوا أن يستجيبوا لعمرو عندما دعاهم للإسلام , فغضب عليهم , ورجع إلى الرسول r يطلب منه أن يدعو عليهم , فما كان من الحبيب المصطفى r إلا أن دعا لهم , وقد استجاب الله سبحانه وتعالى لدعائه , وجاءوه بعد ذلك مسلمين . 

عندما فتح الرسول r مكة , قال أحد أصحابه y : اليوم يوم الملحمة , اليوم أذلَّ الله قريشاً , فقال r : (( اليوم يوم المرحمة ، اليوم يُعِزُّ الله قريشاً )) [رواه الأموى فى المغازى] وقال للذين اضطهدوه وحاربوه , واضطهدوا أصحابه وعذبوهم : (( اذهبوا فأنتم الطلقاء )) [أخرجه البخارى فى المغازى] وذلك عندما سألهم قائلاً : (( ما ترَوْن أنى فاعل بكم ؟ )) فرَدُّوا عليه قائلين : ( خيراً.. أخ كريم وابن أخ كريم ) [السيرة النبوية لابن كثير] فلو كان الرسول r دجالاً , أو كان مُحِباً للدماء والقتل , لانتقم منهم , ولكنه عفا عنهم , وزاد فى عفوه لدرجة أنه حتى لم يوبخهم , ولم يقُل لأى واحد منهم : أتذكر يوم فعلت كذا وكذا ؟ بل إنه دعا لهم كما دعا سيدنا يوسف لإخوته قائلاً : {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف:92] فهل هذا فعل دجال ؟

عن أنس بن مالك y قال : كنت أمشى مع رسول الله r وعليه بُرْد نجرانى غليظ الحاشية , فأدركه أعرابى فجبذه بردائه جبذة شديدة , حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله r قد أثَّرت بها حاشية البُرْد من شدة جبذته , ثم قال : يا محمد.. مُرْ لى من مال الله الذى عندك , فالتفت إليه رسول الله r ثم ضحك , ثم أمر له بعطاء [متفق عليه] فهل يقول مُنْصِف أو محايد : إن هذا فعل دجال ؟

ورد فى صحيح البخارى وغيره أن رجلاً أعرابياً بالَ فى المسجد على عهد الرسول r فتناوله الناس ليعاقبوه , فقال لهم الرسول r : (( دعوه وأهريقوا على بوله سَجْلاً من ماء , أو ذَنُوباً من ماء , فإنما بُعثتم ميسِّرين , ولم تُبعثوا معسِّرين )) فهل هذه أخلاق دجال ؟ إن أبسط ما كان يفعله الدجال أن يوبِّخ هذا الرجل أو يطرده من المسجد , أليس كذلك ؟ وهل يقارَن هذا بما جاء فى ( الكتاب المقدس ) من عقوبة مَن فعلوا فى الهيكل دون ما فعله هذا الأعرابى ؟ فَهَا هو الكتاب المقدس يقول :

وكان فِصْح اليهود قريباً فصعد يسوع إلى أورشليم. ووجد فى الهيكل الذين كانوا يبيعون بقراً وغنماً وحماماً والصيارف جلوساً. فصنع سَوْطاً من حِبال وطرد الجميع من الهيكل. الغنم والبقر وَكَبَّ دراهم الصيارف وقلب موائدهم. (يوحنا2: 13-15)

عن أبى سعيد الخُدْرى t قال : بينا نحن عند رسول الله r وهو يقسم قَسْماً , أتاه ذو الخويصرة , وهو رجل من بنى تميم , فقال : يا رسول الله اِعدل , قال رسول الله r : (( ويلك ! من يعدل إن لم أعدل ؟ قد خبتُ وخسرتُ إن لم أعدل )) فقال عمر بن الخطاب t : يا رسول الله.. ائذن لى فيه أضرب عنقه , قال رسول الله r : (( دعه.. فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم , وصيامه مع صيامهم , يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم , يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية )) [صحيح مسلم] فلو كان الرسول r دجالاً.. أكان يعفو عنه هكذا ؟

قوله r فى حجة الوداع : (( إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحُرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا , ألا كل شىء من أمر الجاهلية تحت قدمى موضوع , ودماء الجاهلية موضوعة , وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث , كان مُسترضَعاً فى بنى سعد , فقتلته هُذَيل , وربا الجاهلية موضوع , وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب , فإنه موضوع كله )) [صحيح مسلم] فلو كان الرسول r دجالاً لَمَا ترك ثأر ابن عمه , وخصوصاً أن الأخذ بالثأر كان من سِمات العرب , التى لا يتنازلون عنها , بل إنه كان من العار عندهم أن يتركوا القتيل دون أخذ الثأر منه , وأول ربا وضعه الرسول r هو ربا عمه العباس t فهل هناك دجال يستغنى عن المال ؟ إنهم يتفننون فى جلب المال لهم , ولأقاربهم وذويهم , أليس كذلك ؟

عندما فتح الرسول r مكة بإذن الله تعالى أمَّن الناسَ إلا أربعةَ نفر وامرأتين , وكان من هؤلاء النفر عبد الله بن سعد بن أبى السرح , فاختبأ عند عثمان بن عفان ( لأنه كان أخاه من الرضاعة ) فلما دعا رسول الله r الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبى r قال : يا رسول الله بايع عبد الله , فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً , كل ذلك يَأبَى ( أى يأبى أن يبايعه ) فبايعه بعد ثلاث , ثم أقبل على أصحابه فقال : (( أمَا كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآنى كففت يدى عن بيعته فيقتله ؟ )) فقالوا : وما يدرينا يا رسول الله ما فى نفسك ؟ هَلا أَوْمَأتَ إلينا بعينك ؟ قال : (( إنه لا ينبغى لنبى أن يكون له خائنة أعيُن )) [سنن النسائى وسنن أبى داود] أرأيتم مثل هذا الخُلُق العظيم ؟ وهل هناك دجال لا تسمح له أخلاقه أن يغمز بعينه لأتباعه ليفعلوا ما يريده منهم ؟

بعدما نصر الله رسوله r على هوازن فى غزوة ( حُنَين ) ووزع غنائمها أسلموا , وجاء وفدهم يطلب من الرسول r أن يرد عليهم سَبْيهم وأموالهم , فردها عليهم بعدما استأذن أصحابه y , فهل هناك دجال يرد الأموال والسبايا والغنائم لأصحابها بعدما انتصر عليهم ؟ لقد كان فى إمكانه r أن يقول لهم ( لقد حاربتمونى وعصيتم أمرى , والآن تأتون إلىَّ مسلمين وتريدون غنائمكم ؟ لقد وزعتها وانتهى الأمر , وسيخلف الله عليكم غيرها ) ولكنه r بدأ بنفسه , فأعطاهم ما كان تحت يديه هو وقبيلته من غنائمهم , وحثَّ بقية أصحابه y على أن يحذوا حذوه , فاستجابوا لطلبه , وردوا عليهم غنائمهم .

ورد فى تفسير قول الله تعالى عن المنافقين : {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} [التوبة:74] أن بضعة عشر رجلاً من المنافقين همُّوا بقتل الرسول r وهو فى طريق عودته من غزوة تبوك , وكان قد أمر الناس أن يسيروا فى الوادى , وصعد هو العقبة , واصطحب معه حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر y فكان حذيفة يأخذ بخطام الناقة , وعمّار يسوقها , فجاء هؤلاء المنافقون وهم مُلَثَّمون , واعترضوا طريقه r فانتهرهم وصرخ بهم , فولَّوا مدبرين , فقال r لصاحِبَيْه : (( هل عرفتم القوم ؟ )) فقالا : لا يا رسول الله , قد كانوا مُلَثَّمين , ولكنا قد عرفنا الرِّكاب , فقال : (( هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة , وهل تدرون ما أرادوا ؟ )) قالا : لا , قال : (( أرادوا أن يزاحموا رسول الله r فى العقبة فيلقوه منها )) فقالا : أفلا نبعث إلى عشائرهم , حتى يبعث إليك كل قوم برأسهم , فقال : (( لا.. أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمداً قاتل , حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم )) فلم يأمر r بقتلهم , رغم أن صاحِبيه – رضى الله عنهما – عَرَفا عشائرهم بمعرفتهما لرِكابهم , فهل هذه أخلاق دجال ؟ ثم من أخبره بنيّاتهم التى لا يعلمها إلا الله ؟

هبّار بن الأسود كان قد نَخَس بعير السيدة زينب – رضى الله عنها – بنت رسول الله r وهى فى بداية طريق هجرتها , وروَّعها وهى فى هودجها , وكانت حاملاً , فلما خافت ووقعت أسقطت جنينها , فلما فتح الله مكة لرسوله r أمر بحرق هبّار ورجل آخر كان معه فى الحادثة نفسها , وبعدما أمر بحرقهما قال : (( إنى كنت أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً بالنار , وإن النار لا يعذب بها إلا الله , فإن أخذتموهما فاقتلوهما )) [صحيح البخارى] ولكن هبار فرَّ من مكة هارباً , ثم أسلم وحسن إسلامه , فعفا عنه الرسول r رغم أن السيدة زينب ماتت متأثرة بهذه الحادثة , كما جاء عن ابن عبد البَرّ قوله : تُوُفِّيَتْ زينب بنت الرسول r فى حياة أبيها , متأثرة بالوَقْعَة التى سقطتها من على الجمل وهى حامل , حينما عَمَدَ هبّار بن الأسود إلى نَخْس جَمَلها بالرمح , فظلت تنزف حتى أسقطت جنينها .

نَسَمات من رأفته ورحمته r

لو تكلمنا فى هذا الباب بكل ما أوتينا من البيان ما وَسِعنا الكلام , كما لم يسعنا فى وصف سائر أخلاقه عليه الصلاة والسلام . كيف لا.. وهو الذى وصفه الله تبارك وتعالى بقوله : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159] ؟ وبقوله : {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة:128] ؟ وبقوله : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] ؟

إن الرسول r كان أرحم الناس , وأكثرهم رأفةً وحلماً وعفواً وصبراً , وسوف نذكر بحول الله وقوته بعض مظاهر رأفته ورحمته التى لا يَرقَى إليها إنسان , ولا من يدَّعى النبوَّة بغير برهان :

عن السيدة عائشة – رضى الله عنها – قالت : (( ما ضرب رسول الله r شيئاً قط بيده , ولا امرأة ولا خادماً , إلا أن يجاهد فى سبيل الله , وما نِيل منه شىء قط فينتقم من صاحبه , إلا أن يُنتهَك شىء من محارم الله , فينتقم لله عز وجل )) [صحيح مسلم]

عن أنس بن مالك t قال : (( خدمت رسول الله r عشر سنين , والله ما قال لى أُفّ قط , ولا قال لى لشىء لِمَ فعلتَ كذا , وَهَلا فعلتَ كذا )) [صحيح مسلم]

قال r : (( ما من رجل يلى أمر عشرة فما فوق ذلك , إلا أتى الله مغلولاً يده إلى عنقه , فكَّهُ بِرُّه أو أَوْثَقَه إثْمُه )) [صحيح الجامع:5718]

قال r : (( إنى لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطوِّل فيها , فأسمع بكاء الصبى , فأتجوَّز فى صلاتى كراهية أن أشُقَّ على أُمِّه )) [صحيح البخارى]

عن أبى مسعود البدرى t قال : كنت أضرب غلاماً لى بالسَّوط , فسمعت صوتاً من خلفى : (( اِعلم أبا مسعود )) فلم أفهم الصوت من الغضب , قال : فلما دنا منى إذا هو رسول الله r فإذا هو يقول : (( اِعلم أبا مسعود اِعلم أبا مسعود )) قال : فألقيتُ السَّوط من يدى , فقال : (( اِعلم أبا مسعود أن الله أقدَرُ عليك منك على هذا الغلام )) قال : فقلت : لا أضرب مملوكاً بعده أبداً [صحيح مسلم] وفى صحيح مسلم – أيضاً – أن أبا مسعود قال : يا رسول الله هو حُرٌّ لوجه الله , فقال : (( أمَا لو لم تفعل للفحَتك النار أو لمسَّتك النار ))

عن أبي هريرة t قال : قيل يا رسول الله ادْعُ على المشركين , قال : (( إنى لم أُبعث لعّاناً , وإنما بُعِثتُ رحمة )) [صحيح مسلم]

قال r : (( دخلت امرأة النار فى هِرَّة ربطتها , فلم تُطعمْها ولم تدعْها تأكلُ من خشاش الأرض )) [صحيح البخارى] هل هناك دجال يعنيه أمر قِطَّة من بعيد أو قريب ؟

قال r : (( أمَا بَلَغَكُم أنى لَعَنتُ من وَسَمَ البهيمةَ فى وجهِها , أو ضربها فى وجهِها )) [صحيح الجامع:1326] أرأيتم خُلُقاً أفضل من هذا ؟ أرأيتم رِفقاً بالحيوان أكثر من هذا ؟ يَنهَى r عن ضرب البهيمة فى وجهها , فما بال الذين يمثِّلون بالبشر , ويعذبونهم , ويشوِّهون أجسادهم وهم أحياء , ويفعلون بهم ما لا يخفى على أحد ؟

قال r : (( إن الله كتب الإحسان على كل شىء , فإذا قتلتم فأحسِنوا القِتْلة , وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذِّبحة , وليُحِدَّ أحدُكم شَفْرَته , ولْيُرِح ذبيحته )) [صحيح الجامع:1795] إن الرحمة والإحسان فى هذا الحديث لا يحتاجان إلى بيان , ولكن هل هناك دجال يعنيه هذا الشأن ؟

عن أم سَلَمَة – رضى الله عنها – قالت : دعا النبى r وصيفة له , فأبطأتْ عليه , فقال : (( لولا مَخافة القَوَد يوم القيامة لأوجعْتُكِ بهذا السِّواك )) [المعجم الكبير للطبرانى] هل هناك أحد بين الخلائق كلها تصل رحمته وخوفه من الله إلى هذا الحَد ؟ يخاف أن يضرب خادمته بالسواك ! وماذا عساه أن يفعل هذا السِّواك ؟

قال r : (( استوصُوا بالنساء , فإن المرأة خلقت من ضِلَع , وإن أعوج شىء فى الضلع أعلاه , فإن ذهبْتَ تقيمه كَسَرْتَه, وإن تركته لم يزل أعوج , فاستوصُوا بالنساء )) [متفق عليه] وقال r : (( إنى أُحَرِّج عليكم حق الضعيفين : اليتيم والمرأة )) [صحيح الجامع:2247] وهناك أحاديث كثيرة يأمر فيها الرسول r بالإحسان إلى المرأة , وعدم ظلمها أو إهدار حقها .

قال r : (( ليس مِنّا من لم يرحم صغيرنا , ويوقِّر كبيرنا )) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:5445] لو أخَذَت الأُمَّة الإسلامية بهذا الحديث الشريف , ما وجدنا طفلاً يُقهَر , ولا كبيراً يُهان , ولكن ماذا نقول فيمن أعطى أعداءنا أفكاراً خاطئة عن ديننا , بسبب معصيتهم لرسولنا ؟

قال r : (( إن إخوانَكُم خَوَلُكُم جعلهم الله تحت أيديكم , فمن كان أخوه تحتَ يَدِهِ , فليطعمه مما يأكل , وليلبسه مما يلبس , ولا تكلِّفوهم ما يغلبهم , فإن كلَّفتموهم فأعينوهم )) [صحيح البخارى] هل هناك خُلُق أفضل من هذا ؟ لقد جعل الرسول r العبيد إخواناً لمن هم تحت أيديهم , و(( خَوَلُكُم )) معناها الذين يتخوَّلون مصالحكم , وتخيلوا معى كم تساوى كلمة (( إخوانكم )) ؟ وكيف كان رفعها لمعنويات هؤلاء الخَدَم , بعد أن كانوا يُعامَلون على أنهم أشياء ذليلة محتقَرة ؟ وكيف وصَّى بإطعامهم وكسوتهم , بعد أن كانوا لا يأكلون إلا الردىء من الطعام , ولا يلبسون إلا المهلهل من الثياب , يفترشون التراب , ويلتحفون بالسحاب ؟

كما أنه r نهَى عن تسميتهم بالعبيد والإماء , فقال : (( لا يقولنَّ أحدكم عبدى وأَمَتِى , كلكم عبيد الله , وكل نسائكم إماء الله , ولكن ليَقُل غلامى وجاريتى , وفتاىَ وفتاتى )) [صحيح مسلم] 

ربما يتساءل البعض , ويقولون : لماذا لم يحرِّم الإسلام الرِّق ؟ وهذا السؤال قد أجبنا عليه – بفضل الله – فى الرد على الشبهة رقم 68 من كتاب ( ردود علماء المسلمين على شبهات الملحدين والمستشرقين ) وهو على شبكة المعلومات ( الإنترنت ) فى مجموعة موقع جوجل , وعنوانها :

http://groups.google.com.eg/group/islamdefence

ويكفى أن آخر وصية للرسول r قبل موته كانت بالعبيد , إذ قال : (( الصلاة وما ملكت أيمانكم , الصلاة وما ملكت أيمانكم )) [سنن ابن ماجه ومُسنَد أحمد, صحيح الجامع:3873]

قال r : (( بينما رجل يمشى بطريق , إذ اشتد عليه العطش , فوجد بئراً , فنزل فشرب وخرج , فإذا كلب يلهث يأكل الثَّرَى من العطش , فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذى بلغ منى , فنزل البئر , فملأ خُفَّه ثم أمسكه بفِيه حتى رَقِىَ , فسقى الكلب , فشَكَر اللهُ له فغفر له )) فقالوا : يا رسول الله.. وإنّ لنا فى البهائم لأجراً ؟ قال : (( فى كل ذى كبد رطبة أجر )) [مُوَّطأ مالك, صحيح الجامع:2873]

قال r : (( لا تمثِّلوا بالبهائم )) [صحيح الجامع:7451] وقال r : (( لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غَرَضاً )) [صحيح مسلم] الغَرَض هو ما يُنصَب ليُرمَى بالنبال أو السهام أو ما شابَه ذلك . وقد مرَّ عبد الله بن عمر – رضى الله عنهما – بنَفِر نصبوا دجاجة يرمونها , فلما رأوه تفرقوا عنها , فقال : (( إن رسول الله r لعن من فعل هذا )) [متفق عليه] وهنا ننبه إخواننا المسلمين على ألا يتركوا أطفالهم يعبثون بالعصافير وغيرها , كما هو مُشاهَد – وللأسف – بين الصغار , وربما الكبار . 

وقال عبد الله بن عباس , رضى الله عنهما : (( نهى رسول الله r عن التحريش بين البهائم )) [سنن أبى داود وسنن الترمذى] والتحريش بين البهائم يكون بتحريض وتسليط بعضها على بعض , وهو مُحرَّم بالإجماع ما لم يكن للصيد , أما ما نراه من تحريض الديوك على بعضها – أو ما شابه ذلك – فهو داخل فى النَّهْى الذى ورد فى الحديث الشريف .

عندما جاءت المرأة الغامدية لرسول الله r تعترف له بأنها حامل من الزنى , لم يُقِم عليها الحد بمجرد اعترافها , ولكنه أمرها أن تأتيه بعد ولادتها , ثم أمرها أن تأتيه بعد أن تتم رَضاعة ولدها وتفطمه , وأمر وَلِيَّها بالإحسان إليها , وعندما رجعت إليه بعد فطام ولدها أمر بسترها عند رجمها , ثم صلَّى عليها ودُفِنَت , ودفع بابنها لأحد المسلمين ليقوم على رعايته , فقال له عمر بن الخطاب t : تصلى عليها وقد زنت ؟! فقال : (( لقد تابت توبة لو قُسِّمَت بين سبعين من أهل المدينة لَوَسِعَتهُم , وهل وَجَدْتَ توبةً أفضل من أن جادت بنفسها لله ؟ )) وقصتها هذه وردت فى ‌[صحيح مسلم]‌ وغيره .

عندما فُتِحَت خيبر بإذن الله تعالى , كانت السيدة صفية بنت حُيَى بن أخطب – رضى الله عنها – من بين السبايا , فأمر رسول الله r سيدنا بلالاً أن يذهب بها إلى رَحْله مع امرأة أخرى من السَّبى , فمر بهما سيدنا بلال على القتلى , فقال له الرسول r : (( أنُزِعَت منك الرحمة يا بلال ؟ )) [سيرة ابن هشام] أين هذا مما يفعله الطُّغاة فى زماننا وفى كل العصور , من قتل الأب أمام زوجته وأولاده , والأبناء أمام آبائهم وأمهاتهم… إلى غير ذلك من سُبُل العنف والوحشية من مُدَّعى حُب السلام والديمُقراطية ؟

لقد نهى الرسول r عن قتل الأبرياء فى الحروب , وذلك قبل ظهور منظمة حقوق الإنسان أو غيرها , فقال مثلاً : (( ما بال أقوام جاوز بهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية ؟ ألا إن خياركم أبناء المشركين , ألا لا تقتلوا ذرية , ألا لا تقتلوا ذرية )) [صحيح الجامع:5571]‌ وقال حين رأى امرأة مقتولة : (( ما كانت هذه لتقاتل )) [أخرجه أبو داود والنسائى وابن حِبّان] وقال : (( انطلقوا بسم الله , وفى سبيل الله , تقاتلون أعداء الله فى سبيل الله ، لا تقتلوا شيخاً فانياً , ولا طفلاً صغيراً , ولا امرأة , ولا تغلُّوا )) وقد (( نهى عن النُّهبَى , والمُثلَة )) [صحيح الجامع: 6917] وحين بعث علياً بن أبى طالب t لفتح خيبر , قال له : (( انفُذ على رِسْلِك حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادْعُهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه ، فوالله لأن يهدىَ اللهُ بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْرُ النَّعَم )) [صحيح البخارى] ولم يقل له ( لئن تقتل رجلاً واحداً خير لك… إلخ ) أين هذا مما فعله الملحدون الرُّوس بالمسلمين , حين فرضوا النظام الشيوعى عليهم بالقوة ؟ وأين هذا مما فعله النصارى فى محاكم التفتيش فى أسبانيا , وما فعلوه فى حملتهم الصليبية على بيت المقدس , وما فعلوه بمسلمى البوسنة والهرسك ؟ وأين هذا مما فعله اليهود بالفلسطينيين على مدار أكثر من 60 عاماً , وكان آخرها عدوانهم على نساء وأطفال وشيوخ غزة الأبرياء العُزَّل  فى أواخر عام 2008 ومطلع عام 2009 ؟ بل وأين هذا مما جاء فى ( الكتاب المقدس ) الذى يأمر بإهلاك القرى بأكملها , وحرقها بمن فيها وما فيها , حتى البقر والحمير وكل البهائم… إلى غير ذلك من سُبُل العنف والإبادة الوحشية , لدرجة بَقْر بطون الحوامل , وضرب رؤوس الأطفال بالصخور ؟

فقد جاء فيه على سبيل المثال :

أما أعدائى أولئك الذين لم يريدوا أن أَمْلِكَ عليهم فَأْتُوا بهم إلى هنا واذبحوهم قُدّامى (لوقا19: 27)

طوبى لمن يمسك أطفالك ويضرب بهم الصخرة (مزمور137: 9)

لا تظنوا أنى جئتُ لألقى سلاماً على الأرض. ما جئتُ لألقى سلاماً بل سيفاً. فإنى جئتُ لأفرِّق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها والكنَّة ضد حماتها. وأعداء الإنسان أهل بيته. (متى10: 34-36)

جئتُ لألقى ناراً على الأرض. فماذا أريد لو اضطرمت. ولى صبغة أصطبغها وكيف أنحصر حتى تكمل. أتظنون أنى جئتُ لأعطى سلاماً على الأرض. كلا أقول لكم بل انقساماً. (لوقا12: 49-51)

تُجازَى السامرة لأنها قد تمرَّدت على إلهها. بالسيف يسقطون. تُحَطَّم أطفالهم والحوامل تُشَق (هوشع13: 16) نلاحظ شق بطون الحوامل , كما فعل الصِّرب بمسلمى البوسنة .

وأخرج الشعب الذى فيها ووضعهم تحت مناشير ونوارج حديد وفؤوس حديد وأمَرَّهم فى أَتُون الآجر وهكذا صنع بجميع مدن بنى عمون. ثم رجع داود وجميع الشعب الى أورشليم (صموئيل الثانى12: 31) كلمة ( أتُون ) معناها فُرْن .

كل من وُجِدَ يُطعَن وكل من انحاش يسقط بالسيف. وتُحَطَّم أطفالهم أمام عيونهم وتُنهَب بيوتهم وتُفضَح نساؤهم (إشعياء13: 15-16)

وأوصوا بنى بنيامين قائلين امضوا واكْمنوا فى الكروم. وانظروا فإذا خرجت بنات شيلوه ليَدُرنَ فى الرقص فاخرجوا أنتم من الكروم واخطفوا لأنفسكم كل واحد امرأته من بنات شيلوه واذهبوا إلى أرض بنيامين. (قضاة21: 20-21)

فضرب يشوع كل أرض الجبل والجنوب والسهل والسفوح وكل ملوكها. لم يُبْقِ شارداً بل حَرَّم كل نَسَمَة كما أمر الرب إله إسرائيل. (يشوع10: 40)

ويكون عند أخذكم المدينة أنكم تضرمون المدينة بالنار. كقول الرب تفعلون. انظروا. قد أوصيتكم. (يشوع8: 8) 

فتُحطِّم القِسِىّ الفتيان ولا يرحمون ثمرة البطن. لا تشفق عيونهم على الأولاد. (إشعياء13: 18)

فالآن اذهب واضرب عماليق وحرِّموا كل ماله ولا تعفُ عنهم بل اقتل رجلاً وامرأة. طفلاً ورضيعاً. بقراً وغنماً. جملاً وحماراً. (صموئيل الأول15: 3)

وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكل أملاكهم. وأحرَقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار. (عدد31: 9-10)

اعبروا فى المدينة وراءه واضربوا. لا تشفق أعينكم ولا تعفوا. الشيخ والشاب والعذراء والطفل والنساء اقتلوا للهلاك. ولا تقربوا من إنسان عليه السمة وابتدئوا من مقدسى. فابتدأوا بالرجال الشيوخ الذين أمام البيت. وقال لهم نجسوا البيت واملأوا الدور قتلى. (حزقيال9: 5-7)

ملعون من يعمل عمل الرب برخاء وملعون من يمنع سيفه عن الدم (إرميا48: 10)

وأحْرَقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار. (عدد31: 10)

لأجل ذلك تأكل الآباء الأبناء فى وسطك والأبناء يأكلون آباءهم (حزقيال5: 10)

حين تقرب من مدينة لكى تحاربها استدعها إلى الصلح. فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويُستعبَد لك. وإن لم تسالمك بل عملت معك حرباً فحاصرها. وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما فى المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التى أعطاك الرب إلهك. هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جداً التى ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا. وأما مدن هؤلاء الشعوب التى يعطيك الرب إلهك نصيباً فلا تستبقِ منها نسمة ما. بل تحرمها تحريماً الحِثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين كما أمرك الرب إلهك (تثنية20: 10-17)

هَأنذا أجلبُ عليكَ شرّاً وأبيدُ نسلكَ… لأجل الإغاظة التى أغظتنى ولجعلك إسرائيل يخطئ. وتكلم الرب عن إيزابل أيضاً قائلاً إن الكلاب تأكل إيزابل عند مترسة يزرعيل. من مات لآخاب فى المدينة تأكله الكلاب ومن مات فى الحقل تأكله طيور السماء. (الملوك الأول21: 21-24)

بل إن فى ( الكتاب المقدس ) ما هو أعجب من ذلك , ألا وهو تقطيع غُلَف الرجال لتقديمها كَمَهْر لابنة الملك شاول !

فقال شاول هكذا تقولون لداود ليس مَسَرَّة الملك بالمهر بل بمئة غُلفة من الفلسطينيين للانتقام من أعداء الملك. وكان شاول يتفكر أن يوقع داود بيد الفلسطينيين. فأخبر عبيده داود بهذا الكلام فحسن الكلام فى عينى داود أن يصاهر الملك. ولم تكمل الأيام حتى قام داود وذهب وقتل من الفلسطينيين مئتى رجل وأتى بغُلفهم فأكملوها للملك لمصاهرة الملك. فأعطاه شاول ميكال ابنته امرأة. فرأى شاول وعلم أن الرب مع داود. (صموئيل الأول18: 25-28) ( الغُلفَة ) هى الجلدة التى تُقطَع من الذكرِ عندَ خِتانهِ .

عن أنس بن مالك t قال : كان غلام يهودى يخدم النبى r فمَرِضَ , فأتاه النبى r يعُوده , فقعد عند رأسه , فقال له : (( أَسلِم )) فنظر إلى أبيه وهو عنده , فقال له : أَطِع أبا القاسم r فأسلَم , فخرج النبى r وهو يقول : (( الحمد لله الذى أنقذه من النار )) [صحيح البخارى] هل هناك دجال يُعنَى بخادمه إلى هذه الدرجة ؟ إن غاية ما يفعله أى قائد أو زعيم أن يرسل للغلام من ينوب عنه , ولكن الرسول r ذهب إليه بنفسه رغم كثرة انشغالاته , لأنه كان حريصاً على إسلامه لآخر لحظة فى حياته , وعندما استجاب له وأسلَم.. لم يَُقل النبى r ( انظروا.. لقد أسلم على يدَىّ وأنقذته من النار ) ولكنه أرجع الفضل لصاحب الفضل سبحانه وتعالى , الذى شرح صدر الغلام للإسلام .

لمحات من وفائه r

كان رسول r أوْفَى الناس , وكان يشكر مَن أسدى إليه معروفاً , ويكافئه بأحسن منه , كيف لا.. وهو الذى أمرنا بالإحسان إلى من أساء إلينا , فكيف بمن أحسن ؟ قال r : (( صِلْ من قطعكَ , وأحسن إلى من أساء إليكَ , وقُل الحق ولو على نفسك )) [صحيح الجامع:3769] وقال : (( من لم يشكر الناس لم يشكر الله )) [سنن الترمذى , مسند أحمد , صحيح الجامع:5641] وقال : (( من استعاذكم بالله فأعيذوه , ومن سألكم بالله فأعطوه , ومن دعاكم فأجيبوه , ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه , فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له , حتى تَرَوْا أنكم قد كافأتموه )) [صحيح الجامع:6021] وفيما يلى بعض أمثلة من وفائه r وليس كلها :

وفاؤه r للسيدة خديجة – رضى الله عنها – فى حياتها وبعد مماتها , ومن أمثلة ذلك ما جاء فى [صحيح البخارى] عن السيدة عائشة – رضى الله عنها – أنها قالت : ما غِرتُ على امرأة للنبى r ما غِرتُ على خديجة , هَلكت قبل أن يتزوجنى ( أى ماتت ) لِما كنت أسمعه يذكرها , وأمره الله أن يبشرها ببيت من قصب , وإن كان لَيذبح الشاة فيُهدى فى خلائلها منها ما يَسَعهن ( أى يكفيهن )

وعن أنس t قال : كان النبى r إذا أُتِىَ بهدية قال : (( اذهبوا بها إلى بيت فلانة , فإنها كانت صديقة لخديجة , إنها كانت تحب خديجة )) ودخلت عليه امرأة , فهشَّ لها , وأحسن السؤال عنها , فلما خرجت قال : (( إنها كانت تأتينا أيام خديجة , وإن حُسن العهد من الإيمان )) [عيون الأثر]

عن أبى قتادة t قال : وَفَدَ وفْد للنجاشى , فقام النبى r يخدمهم ، فقال له أصحابه : نكفيك , فقال : (( إنهم كانوا لأصحابنا مُكرِمين , وإنى أحب أن أكافئهم )) [دلائل النبوة للبيهقى] لقد حفظ لهم معروفهم حين أكرموا أصحابه y عندما هاجروا إليهم , فلم يكتفِ بالأمر بإكرامهم , ولكنه خدمهم بنفسه r .

أمْر الرسول r للصحابة y فى غزوة بدر ألا يقتلوا أبا البخترى بن هشام بن الحارث , وفاءً لموقفه معهم فى مكة , حيث كان لا يؤذى النبى r ولا أتباعه , وكان ممن اتفقوا على تقطيع الصحيفة الجائرة , التى نصَّت على حصار الرسول r ومن معه فى شِعب قريش , فلو كان الرسول r مُحِبّاً لحمامات الدم – كما يدَّعى المبطلون – لتغافل عما فعله أبو البخترى من المعروف , ولَتركه يُقتَل جزاءً لخروجه مع المشركين لقتال المسلمين , ولكنه r بأخلاقه العظيمة لم يكن لينسى المعروف , ولو كان من المشركين .  

ومن أمثلة وفائه r بالعهود حتى مع المشركين , ما جاء فى ( سيرة ابن هشام ) وغيرها أن أبا بصير t جاء إلى المدينة المنورة مهاجراً إلى الله ورسوله r بعد صُلح الحديبية , وقد كان من بنود هذا الصُّلح أن من أتى إلى الرسول مهاجراً ردَّه إلى أهله , فلما علمت قريش بهجرة أبى بصير أرسلت فى إِثْره رجلين ليأتيا به , فقال رسول الله r : (( يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمتَ , ولا يصلح فى ديننا الغدر , وإن الله جاعل لك ولمن تبعك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً , فانطلِق إلى قومك )) قال : يا رسول الله ! أتردنى إلى المشركين يفتنوننى فى دينى ؟ قال : (( يا أبا بصير انطلق , فإن الله تعالى سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً ))

قصة الرسول r مع عثمان بن طلحة – الذى كان ما زال مشركاً – تدل على الوفاء الذى ليس بعده وفاء , فقد كانت مفاتيح الكعبة بيده , وكان فى يوم من الأيام يسمح للناس أن يدخلوا الكعبة ليصَلُّوا فيها , فأراد النبى r أن يدخلها , فمنعه وأغلظ له القول , فَحَلُم عليه الرسول r وأخبره بأنه سيأتى اليوم الذى يكون مفتاح الكعبة بيده يعطيه لمن يشاء , فاستبعد عثمان مجىء هذا اليوم…

والآن نترككم مع القصة كما جاءت فى كتاب [زاد المعاد فى هَدْى خير العباد] بعنوان : إبقاء مفتاح الكعبة فى آل عثمان بن طلحة :

ثم جلس فى المسجد , فقام إليه علىّ t ومفتاح الكعبة فى يده , فقال : يا رسول الله.. اجمع لنا الحِجابة مع السِّقاية صلى الله عليك , فقال رسول الله r : (( أين عثمان بن طلحة ؟ )) فدُعِىَ له , فقال له : (( هاكَ مفتاحك يا عثمان , اليوم يوم بِرّ ووفاء )) وذكر ابن سعد فى الطبقات  عن عثمان بن طلحة , قال : كنا نفتح الكعبة يوم الإثنين والخميس , فأقبل رسول الله r يوماً يريد أن يدخل الكعبة مع الناس , فأغلظتُ له , ونِلْتُ منه , فحلُمَ عنى , ثم قال : (( يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوماً بيدى أضعه حيث شئتُ )) فقلت : لقد هَلَكَتْ قريش يومئذ وذلَّت , فقال : (( بل عَمَرَتْ وعزَّت يومئذ )) ودخل الكعبة , فوقعت كلمته منى موقعاً , وظننت يومئذ أن الأمر سيصير إلى ما قال , فلما كان يوم الفتح قال : (( يا عثمان ائتنى بالمفتاح ))  فأتيته به , فأخذه منى , ثم دفعه إلىَّ , وقال : (( خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم , يا عثمان.. إن الله استأمنكم على بيته , فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف )) قال : فلما وليَّت نادانى , فرجعت إليه , فقال : (( ألم يكن الذى قلتُ لك ؟ )) قال : فذكرت قوله لى بمكة قبل الهجرة : (( لعلك سترى هذا المفتاح يوماً بيدى أضعه حيث شئتُ )) فقلتُ : بلى.. أشهد أنك رسول الله , وذكر سعيد بن المسيِّب أن العباس تطاول يومئذ لأخذ المفتاح فى رجال من بنى هاشم , فرده رسول الله r إلى عثمان بن طلحة . ( انتهى الكلام من كتاب زاد المعاد ) وللآن لا يستطيع أحد أن يدخل الكعبة – حاكماً كان أو محكوماً – إلا بإذن من نسل بنى شَيْبة , الذين كان عثمان بن طلحة منهم .

لقد أبَى الرسول r أن يعطى المفتاح لعمه العباس t ولا لابن عمه علىّ بن أبى طالب t وأعطاه لعثمان رغم أنه لم يكن أسلم بعد , ورغم ما أوردناه من أن عثمان منعه عنه فى يوم من الأيام , فهل هذه بربكم أخلاق دجال ؟ إن الذين يستولون على حكم البلاد – سواء من داخلها أو من خارجها – يستولون على القصور الملكية والقصور الرئاسية , ويسلبون ممتلكاتها من أصحابها , ليكون لهم شرف ملكيتها , فما بالكم بحَمْل مفتاح الكعبة المشرفة ؟ ألم يَكُن الأَوْلَى به – فى ظاهر الأمر – رسول الله r وآلِه ؟

وفاؤه r لصفوان بن أُميَّة , وقد كان معروفاً بعداوته للرسول r ولأصحابه y وحاربهم مع من حاربهم من المشركين , وكان غنياً , وعنده جميع أنواع الأسلحة , من سيوف ورِماح ودروع وغيرها , وبعدما فتح الرسول r مكة بتوفيق الله جل وعلا , وأراد أن يقاتل قبيلة هوازن , فى غزوة ( حُنَيْن ) وكان معه عشرة آلاف مقاتل , وهم الذين دخل بهم مكة , بالإضافة إلى ألفين من الطُّلَقاء , طلب من صفوان – وكان ما زال مشركاً – أن يُعِيره سلاحه , فظن صفوان أن الرسول r سيأخذ منه سلاحه عُنوة , وسأله قائلاً : أغصباً يا محمد ؟ فقال له الرسول r : (( بل عارية , وهى مضمونة حتى نؤديها إليك )) قال : ليس بهذا بأس . فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح [عيون الأثر] وانتصر الرسول r وأخذ خُمس الغنائم التى أحلها الله له , وعندما رأى صفوان الغنم قد ملأت وادياً بين جبلين أُعجِب بها إعجاباً شديداً , فوهبها له الرسول r فاندهش صفوان من كرم الرسول r وقال له : لا تجود بها إلا نفس نبى , أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله . وقال صفوان فى ذلك : ما زال رسول الله r يعطينى من غنائم حنين , وهو أبغض الخلق إلىَّ  , حتى ما خلق الله شيئاً أحب إلىَّ منه [السيرة النبوية لابن كثير]

وفاؤه r للأنصار y برجوعه معهم إلى المدينة المنورة , بعد فتح مكة المكرمة , وثناؤه عليهم والدعاء لهم فى أحاديث كثيرة , ومنها قوله : (( فوالذى نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنتُ امرأً من الأنصار , ولو سلك الناس شِعباً , وسَلَكَت الأنصار شِعباً , لسلكتُ شِعب الأنصار , اللهم ارحم الأنصار , وأبناء الأنصار , وأبناء أبناء الأنصار )) [مسند أحمد] وذلك وفاءً لحُسن صنيعهم معه ومع أصحابه من المهاجرين – رضى الله عنهم أجمعين – ومناصرتهم له ولدعوته , وبذل الغالى والرخيص فى سبيل إعلاء كلمة الله جل وعلا , فلو كان دجالاً – أو غير وَفِىّ – لبقىَ فى مكة , واكتفى بشكرهم والثناء عليهم , فإن الإنسان يحِن دائماً لبلده التى هى مسقط رأسه , فكيف بمكة المكرمة التى هى أحب البلاد إلى الله وإليه ؟

قال رسول الله r : (( مَن أمَّنَ رجلاً على دمه فقتله , فأنا برىء من القاتل , وإن كان المقتول كافراً )) [صحيح الجامع:6103] أخبرونا بربكم.. هل هذه أخلاق دجال ؟

من أمثلة وفائه r لسائر المسلمين ما جاء فى [صحيح البخارى] عن أبى هريرة t أن رسول الله r كان يُؤتَى بالرجل المتوَفَّى عليه الدَّيْن , فيسأل : (( هل ترك لِدَينه فضلاً ؟ )) فإن حُدِّثَ أنه ترك لدينه وفاءً صلى , وإلا.. قال للمسلمين (( صلوا على صاحبكم )) فلما فتح الله عليه الفتوح , قال : (( أنا أَوْلى بالمؤمنين من أنفسهم , فمن تُوُفِّىَ من المؤمنين فترك ديناً فعلىَّ قضاؤه , ومن ترك مالاً فلوَرَثَته )) إن هذا يستحيل أن يصدر من دجال , فمن يضحى بماله لقضاء دَين أتباعه ؟ إن المال هو عصب الحياة , ومِنْ فَرْط حب الناس له وتعلقهم به قالوا عنه إنه شقيق الروح , ومن تولى مُلكاً أو رئاسة أو زعامة فإنه يجتهد فى تحصيل المال ما استطاع إلى ذلك سبيلاً , ولو على حساب ظلم رعيته وأتباعه , واغتصاب حقوقهم بشتى الحِيَل ( إلا من رحم ربى ) أما الرسول r فقد كان ينفق كل ماله فى سبيل الله , ومن هذا الإنفاق ما جعله لقضاء ديون المسلمين , إن لم يتركوا له قضاءً . وفى حديث آخر ورد فى الصحيحين عنه r أنه قال : (( لا نُورَث , ما تركنا صدقة )) أى إنه هو وجميع الأنبياء من قبله – صلوات الله وسلامه عليهم – ما تركوه من مال فلا يحق لورثتهم أن يأخذوه , ولكنه يوَزَّع على الفقراء والمساكين , فهل هناك دجال أو قائد أو زعيم يحرم ورثته من ماله بعد موته ؟

 نماذج من شجاعته r

لقد كان رسول الله r أشجع الناس , وكان من بعض مظاهر شجاعته أن جهر بدعوته , عندما أمره الله بذلك فى قوله تعالى : {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر:94] رغم العداء الذى كان متوَّقَعاً من قومه , فقد ألِفوا عبادة الأصنام لعشرات السنين , وأُشرِبَت بها قلوبهم , فأصبحت كالدماء التى تجرى فى عروقهم , وها هو الرسول r يدعوهم إلى توحيد الله بالعبودية , ونبْذ كل ما يُعبَد من دونه , وذبْح أولادهم أهون عليهم من ذلك , فالعقيدة هى أغلى ما يمتلكه الإنسان , ويضحى بنفسه وماله وولده من أجلها , ولكن الرسول r لم يكن ليعصى ما أمره الله به , ولو زهقت روحه فى سبيل تبليغ رسالة ربه .

ومن مظاهر شجاعته r أنه خرج للهجرة التى أمره الله بها بعد خروج كل أصحابه y فلم يكن ليهرب ويتركهم خلفه بمكة , ليلاقوا ما كانوا يلاقونه من ألوان العذاب , ولو كان دجالاً لهاجر إلى المدينة المنورة فَور مبايعته لِوفْدِها فى موسم الحج بالعَقَبة , ثم يأمر أصحابه أن يلحقوا به بعد فراره بنفسه , كما أن طريقة خروجه للهجرة كانت فى منتهى الشجاعة والتوكل على الله جل وعلا , فقد خرج من بيته , والمشركون واقفون ببابه , ومعهم السيوف ليقتلوه , ولكنه ترك سيدنا على بن أبى طالب t نائماً فى فراشه , وخرج r من بين أظهرهم , وحثا فوق رؤوسهم التراب , وهو يردد قول الله جل علا : {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} [يس:9]

كان من عادة الرسول r فى الحروب أن يكون رأس حربة , وليس كما يفعل الزعماء الذين يكتفون بإعطاء الأوامر , ويختبئون فى مأمن بعيداً عن المواجهة , ويتجلى ذلك فى كل غزواته r وخصوصاً غزوة حنين , حين فرَّ معظم الصحابة y وكان عددهم اثنى عشر ألفاً , فاندفع نحو المشركين يقاتلهم , غير وَجِل ولا خائف , وهو يقول : (( أنا النبى لا كَذِب , أنا ابن عبد المطلب )) [صحيح البخارى] وأمر عمه العباس t – لأنه كان جهير الصوت – أن ينادى الصحابة y قائلاً : يا أصحاب السُّمْرَة ( أى شجرة الرضوان التى بايعوا الرسول r تحتها ) فرجعوا إلى القتال وهم يقولون : يا لبيك يا لبيك , ورمى الرسول r وجوه الكفار بحَصَيات , وقال : (( انهزَموا ورب الكعبة انهزَموا وربِّ الكعبة )) [مسند أحمد وصحيح ابن حبان] فنصر الله المسلمين , وهزم الكافرين , وأنزل الله قوله تعالى : {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ{25} ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ} [التوبة:25-26] فكان الرسول r دائماً فى مقدمة أصحابه y يقتحم الأهوال فى القتال , بينما كان فى حالة السِّلْم يمشى متواضعاً خلفهم ليرعاهم , ويتفقد أحوالهم .

وكان r يجاهد فى سبيل الله وهو كبير السن ( مثل ما حدث فى غزوة تبوك وهو ابن 62 سنة ) ولم يكن يكتفى بإنابة أصحابه y بل إنه كان – كما ذكرنا – يتقدمهم فى الصف الأول , وكان يُصاب فى سبيل الله إصابات شديدة , مثل ما حدث فى غزوة أُحُد , حيث شُجَّ وجهه الشريف , ودخلت حلقتان من حلقات المِغْفَر فى وجنته , وجُحِشت ركبته , وكُسِرت رَباعِيَته ( أى إحدى أسنانه ) وكُسِرت البَيْضة على رأسه , وظل ينزف , والسيدة فاطمة – رضى الله عنها – تغسل جرحه , وسيدنا على بن أبى طالب t يسكب عليه الماء , فلما رأت أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة , أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها بالجرح , فاستمسك الدم [السيرة النبوية لابن كثير] فهل هناك دجال يُنزل نفسه منازل الخطر ؟ إن الدجاجلة وأمثالهم يكتفون بإعطاء الأوامر وهم فى المخابئ , بمنطق ( قلوبنا معكم والله يرعاكم ) أما رسول الله r فقد ثبت فى مكانه يقاتل رغم ما أصابه , ورغم رجوع عبد الله بن أُبَىّ بن سَلول بثلث الجيش إلى المدينة المنورة , ولم يفِر r كما فرَّ كثير من أصحابه y وجعل يدعو الناس قائلاً : (( إلىَّ عباد الله… إلىَّ عباد الله )) [السيرة النبوية لابن كثير]

والأشد من ذلك أن أبا سفيان عندما قَفَل راجعاً إلى مكة , هو ومن معه من المشركين , تلاوموا فيما بينهم , وقال بعضهم لبعض : لم تصنعوا شيئاً , أصبتم شوكتهم وحدهم , ثم تركتموهم , وقد بقى منهم رءوس يجمعون لكم , فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم [زاد المعاد] فلما بلغ ذلك رسول الله r لم يَخَف منهم , رغم ما به من الجراح والآلام , بل نادى فى المسلمين بالخروج معه لقتالهم , واشترط ألا يخرج معه إلا الذين شهدوا قتالهم فى الغزوة نفسها , فخرجوا y مع ما بهم من الجَهد والجراح قائلين : {حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} حتى وصلوا إلى حمراء الأسد , وهو مكان يبعد عن المدينة المنورة بمسافة ثمانية أميال , ومكثوا بها مع الرسول r ثلاثة أيام ينتظرون أبا سفيان وجيشه , ولكن الله الرحيم الرؤوف بعباده صرف عنهم كيد أعدائهم  , وأنزل فيهم قوله سبحانه وتعالى : {الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ{172} الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ{173} فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ{174} إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران:172-175]

والجدير بالذكر هاهنا أن نشير إلى أمر يغفل عنه كثير من المسلمين – فضلاً عن غيرهم – فيظنون أن الرسول r انهزم فى غزوة أحد , والحقيقة أنه لم ينهزم , ولكن ما حدث كان نتيجة لمعصية أمره للرُّماة ألا يبرحوا أماكنهم مهما حدث حتى يرسل إليهم , فقد أمرهم بالصعود إلى الجبل ليحموا ظهور إخوانهم المقاتلين , حتى لا يأتيهم عدوهم من خلفهم , وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير t وقال لهم : (( إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم , وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم )) [صحيح البخارى] ولكنهم عندما رأوا المشركين قد انهزموا وهربوا , قالوا : الغنيمةَ أىْ قومِ الغنيمةَ , ظهر أصحابكم فما تنتظرون ؟ فقال لهم عبد الله بن جبير : أنسيتم ما قال لكم رسول الله r ؟ قالوا : والله لنأتيَّن الناس فلنصيبن من الغنيمة . فلما نزلوا من فوق الجبل رآهم خالد بن الوليد t – وكان ما زال مشركاً – فالتفَّ من وراء الجبل بجنوده , وهجموا على المسلمين , ثم حدث ما حدث من القصة المعلومة .

وفى غزوة الخندق كان r يحمل الحَجَر الثقيل حتى يميله ويكاد يوقعه , ويحمل المِكْتَل الملىء بالتراب , فينزل بعض التراب على جبينه الشريف , فيختلط بعرقه ليكوِّن طيناً , ولم يكن يشجعهم على العمل , ويجلس هو ليحتسى فنجاناً من القهوة – أو غير ذلك – وقد كانت الجزيرة العربية ينتشر فيها العبيد بكثرة , ولم يكن السادة يعملون مثل تلك الأعمال الشاقة , بل كانوا يستريحون والعبيد يخدمون , أما سيد الخلق r لم يكن ليدع أصحابه يعملون دون أن يساعدهم , فلم يكن يأتى بعد انتهاء العمل ليقص الشريط كما يفعل زعماء اليوم .

عن على بن أبى طالب t قال : ( كنا إذا حَمِىَ البأس ، ولقِىَ القومُ القومَ ، اتقينا برسول الله r فلا يكون أحد منا أدنى إلى القوم منه ) [المستدرك على الصحيحين]

أىُّ قائد فى الدنيا لا يفتح على نفسه عدة جبهات أو عداوات فى وقت واحد , ولكنه يصفى حساباته مع جهة ويُهادن الأخرى , ثم يصفى حساباته مع جهة ثانية… وهكذا , ولكن الرسول r لم يُهادن المشركين ولا اليهود ولا النصارى ولا المنافقين ليكسب وُدَّهم , بل تحداهم جميعاً , وأظهر ما هم عليه من الباطل , وفتح على نفسه كل الجبهات فى آنٍ واحد , وعادى كل الملل فى عصره , ليس هذا فحسب , بل إنه ناوش الرومان فى غزوة تبوك , وسافر للقائهم , رغم ما كانوا عليه من القوة , والتفوُّق فى العدد والعُدَّة , ولكنهم جَبُنُوا فلم يخرجوا للقائه , وقد كانت الإمبراطورية الرومانية قادرة – بالمقاييس الحربية – أن تلتهم الجزيرة العربية , فقد كانوا يمتلكون أراضى حوض البحر الأبيض المتوسط , وجميع الأصقاع الأوربية . وأرسل r زيد بن حارثة t ومعه ثلاثة آلاف مقاتل من المسلمين , مقابل مائتى ألف مقاتل من الرومان فى غزوة مؤتة , ولكن المسلمين تراجعوا حفاظاً على جيشهم , بعد أن قتلوا من الرومان مائتين , مقابل مقتل ثلاثة عشر من المسلمين .

عن أنس t قال : كان النبى r أحسن الناس , وأجود الناس , وأشجع الناس , ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة , فانطلق الناس قِبَل الصوت , فاستقبلهم النبى r قد سبق الناس إلى الصوت , وهو يقول : (( لن تُراعوا , لن تُراعوا )) [صحيح البخارى] فلم يأمر الرسول r أحداً غيره ليعرف مصدر الصوت الذى أفزع الناس , بل سبقهم ليعرفه بنفسه , ثم رجع يطمئنهم , والذى شهد له بجميل الصفات التى وردت فى هذا الخبر وغيره هو خادمه سيدنا أنس t وقد عاش لسنوات عديدة بعد موت النبى r ولكنه لم يغير كلامه فى أى قول أثنى به على الرسول r كما يفعل من يقومون بخدمة الملوك والرؤساء والحكام ووُجهاء القوم , فإنهم بعد موتهم يفشون أسرارهم , ويظهرون عيوبهم , إذا أمِنوا عدم الضرر على أنفسهم وذويهم .

عندما نزل قول الله تبارك وتعالى : {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة:67] صرف الرسول r الحراس عن بابه , فلو كان دجالاً يعلم من نفسه أنه كاذب ما صرفهم عن حراسته , لأن الإنسان بإمكانه أن يخادع الناس ويضحك عليهم , ولكنه لا يضحك على نفسه , لأن الثمن غالٍ جداً قد يكلفه حياته .

عن السيدة عائشة – رضى الله عنها – قالت : كان النبى r يُحرَس حتى نزلت هذه الآية : {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} فأخرج رسول الله r رأسه من القبة , فقال لهم : (( يا أيها الناس انصرِفوا , فقد عصمنى الله )) [سنن الترمذى] فلو كان دجالاً ما كان ليخاطر بحياته , ولو كان حاكماً عاديّاً لَمَا استغنى عن حراسته بأى حال من الأحوال , فالحكام ينفقون ملايين الجنيهات على حراستهم , ويلبسون القمصان الواقية… إلى غير ذلك من سُبُل الوقاية .

 

*   *   *

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 27 other followers

%d bloggers like this: