تصحيح أخطاء المسلمين قبل أن يأتى يوم الدين


بسم الله الرحمن الرحيم

إلى من سَرَّه أن يلقى الله مسلماً

(تصحيح أخطاء المسلمين قبل أن يأتىَ يوم الدين)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

أما بعد :

فهذه أخطاء يقع فيها كثير من المسلمين, ربما توقعهم فى الشرك بالله عز وجل, أو وصفه سبحانه وتعالى بما لا يليق به, أو غير ذلك من الذنوب والمخالفات التى تبعدهم عن هدى نبيهم r, نسأل الله عز وجل أن يتوب علينا وعليهم. وأناشد العلماء أن يُبَصِّروا بها الناس فى خطبهم وكتبهم, وأُناشِدُ كل من عَلِمَها أن يبلغها لمن يعرفهم من أقاربه وجيرانه وزملائه, برفق ولين, على قدر استطاعته, ومن الممكن نسخها على ورق, وتوزيعها ابتغاء مرضاة الله عز وجل, أو كتابتها على الكمبيوتر, ونسخها على ديسكات أو سيديهات والتهادى بها, ومن علَّمَهم الله سبحانه وتعالى التعامل مع النِّتْ, أن يراسلوا بها المواقع الإسلامية, ويحثوهم على نشرها على مواقعهم، وأن يرسلوها إيميلات لأصدقائهم، فالدين أمانة فى عنقنا جميعاً, والأمَّة – ولله المشتكى – غارقة فى الذنوب والبدع والخرافات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم, ولا مانع من تغيير أسلوبها, أو ترتيب عناصرها, أو إضافة ما نسيته.

وقد تعمَّدتُّ أن أنقل أقوال الناس كما هى, رغم اعتراض البعض لِرَكاكَتِها, ومخالَفَتِها لقواعد اللغة العربية, ولكنى فضَّلتُ ذلك ليكون أقرب للقارئ البسيط, حيث إنه يكلمه باللهجة التى يعرفها ويتحدث بها, وحيث إن هذا الكلام هو الشائع على ألْسنَِة العامَّة, والله الموفق لما يحبه ويرضاه, لا إله غيره ولا رب سواه.

وقبل أن أبدأ بذكر الأخطاء, أقول مستعينا بالله: إن أحوال الأمة اليوم لا تخفى على أحد، ونريد عودة صادقة إلى ربنا, وتوبة نصوحاً, فنصحح عقائدنا وأقوالنا وأفعالنا, حتى يصلح الله أحوالنا, وينصرنا على أعدائنا, ونكون جديرين بتسميتنا خير أمة, كما قال الله عز وجل: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران:110] ولا نتمسك بما ورثناه عن آبائنا, مهما كان فيه من أخطاء، فإن بيننا وبين مَبعَث رسولنا r أكثر من ألف وأربعمائة سنة, تغيرت فيها أحوال البلاد والعباد، وإننا لن نستطيع أن نحصى كل ما وقعت فيه الأمة من أخطاء, فكل بلدة لها معتقداتها وأفعالها الخاصة بها, ولكنى أشرت إلى بعضها، فما كان من خير فمن الله, وما كان من شر فمن نفسى ومن الشيطان، وأستغفر الله الذى لا إله إلا هو الحى القيوم وأتوب إليه.

وأنصح إخوانى أن يتعلموا دينهم, حتى يعبدوا ربهم على بصيرة، فَكَمْ من مُصَلٍّ لا تَصِحُّ صلاته, وَكَمْ من صائم لا يَصِحُّ صيامه, وَكَمْ من قارئ للقرآن لا تَصِحُّ قراءته, وحاجّ ومُعتمر… إلخ. وأنا لا أقول هذا تيئيساً للمسلمين, ولا تثبيطاً لهممهم فيتركوا عبادتهم، ولكن لأحُثّهم على التفقه فى دينهم, والتقرب من ربهم جل وعلا, حتى يفوزوا بسعادة الدنيا والآخرة, قال رسول الله r: ((طلبُ العلمِ فريضة على كل مسلم, وإن طالب العلم يستغفر له كل شىء حتى الحيتان فى البحر)) [صحيح الجامع:3914] وسيجد القارئ تداخُلاً فى بعض الموضوعات, وذلك لتزاحم الأفكار فى رأسى, وكثرة ما أريد تبليغه للناس، ولأنى عندما أستشهد بآية أو حديث أجد بهما مواضيع متعددة فأشير إليها. وقد تغاضيتُ عن ذكر أشياء كثيرة (مثل البدع الخاصة بشهر رمضان, وبدع المساجد, وغيرها) لأن العلماء – بارك الله فيهم – قد أفاضوا فيها، فجزاهم الله خير الجزاء. وقد يجد القارئ أشياء ذكرتها ليست حراماً, فيظن أننى متشدد, ولكنى فى هذه الحالة أريد فقط توجيهه للأفضل, وهو بالطبع اتباع سنة الرسول r لأنه ما ترك خيراً إلا وقد أمرنا به, وما ترك شراً إلا وقد نهانا عنه، فجزاه الله عنا خير ما جازى به نبياً عن أمته ورسولاً عن قومه. وأوَدُّ أن أذكر فى هذا المقام ما يشجع على تعلُّم سنته, واقتفاء أثره (إن شاء الله) وهو حديث خطير, تهتز له قلوب الموحدين, ألا وهو قوله r: ((إنى فَرَطُكُم على الحوض, من مَرَّ بى شرب, ومن شرب لم يظمأ أبداً, وليَرِدَنَّ علىَّ أقوام أعرفهم ويعرفوننى ثم يُحال بينى وبينهم, فأقول: إنهم منى, فيقال: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك, فأقول: سُحْقاً سُحْقاً لمن غَيَّرَ بعدى)) [صحيح البخارى] ففى اليوم الذى يبلغ العطش بالخلق مَدَاه, والكرب مُنتهاه, يسارع المسلمون ليشربوا من حوض نبيهم r فتردّ الملائكة بعضهم عنه.. لماذا؟ لأنهم خالفوا سنته, وأحدثوا فيها من بعده ما ليس منها.

ولقد قدَّر الله سبحانه وتعالى أن يتأخر طبع هذا الكتاب حتى حدثت فى العالم كارثة, حزنت لها قلوب المسلمين, ودمعت لها عيونهم, ألا وهى الاستهزاء برسول الله r فى بعض الصحف الأوربية, بعد الاستهزاء بكتاب الله عز وجل, وثار المسلمون فى كل مكان, لانتهاك حُرْمَة كتاب ربهم, وحرمة نبيهم. وأقول لكل مسلم ومسلمة: أتحب الله ورسوله, وتَغار على دينك حقاً؟ إن كنت كذلك, فأطِع الله, وتمسك بسنة رسوله r, فإن هذا من خير ما تذود به عن دينك, أمَّا أن تغضب وتشتم وتسب وتلعن, فإن كل هذا لا يعنى الأعداء شيئاً. فإذا كنت بالفعل تريد حرق قلوبهم, فتمسك بتعاليم دينك, واتبع هدى نبيك r, فإن هذا أشد عليهم من حرق أعلامهم, أمّا أن تغضب وتثور ثم تعصيه, وتفضل طاعة غيره على طاعته, بل وتقلِّد من سخروا منه ولا تقلِّده, فإنك بذلك قد تخلَّيت عن مناصرته. واستمع – بارك الله فيك – لوصف من قال ربنا تبارك وتعالى عنهم إنهم نصروا الله ورسوله: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر:8] وتفكَّر فى قوله جل وعلا: {أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} بماذا كانوا صادقين؟ بتحمُّل الأذى والصعاب, وبَذل الجهد, وترك الديار والأموال, والهجرة فى سبيل الله. ربما يقول البعض: إن الهجرة قد انتهت, فكيف نكون مثلهم؟ فأقول لهم: استمعوا لقول حبيبنا r: ((أفضل المسلمين إسلاماً من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده, وأفضل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً, وأفضل المهاجرين من هجر ما نهى الله تعالى عنه, وأفضل الجهاد من جاهد نفسه فى ذات الله عز وجل)) [صحيح الجامع:1129] اللهم أحينا على سنَّته, وتوفنا على ملَّته, واحشرنا تحت لوائِه, وأوردنا حوضه, واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً, واجمع بيننا وبينه كما آمنا به ولم نره, ولا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مُدْخَله.

الحلف بغير الله عز وجل

مثل: والنبى – والنعمة – ورحمة أمى – والكعبة – وحياة ولادى – وشرفى – وحياة العيش والملح – والعشرة الكرام – بالذِمَّة – بالأمانة.. إلخ، وكل هذا لا يجوز لأنه شرك بالله سبحانه وتعالى, كما قال رسول الله r: ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) [سنن أبى داود, صحيح الجامع:6204] وقال: ((من حلف بالأمانة فليس منا)) [سنن أبى داود, صحيح الجامع:6203] ومن العجيب أن يقول لك أحدهم: لقد تعوَّدنا على ذلك, مثل الحلف الشائع بالنبى r ويقولون ليس هذا حلفاًً, إنما هى كلمة تعوَّدنا عليها, ونقول لهم اتقوا الله, ولا يغرنَّكم الشيطان بهذه الحجَّة الباطلة، وبدلاً من قول: والنبى, قولوا مثلاً: الله يكرمك اعمل كذا, الله يبارك لك هات, الله يبارك لك خُذ, أمّا إذا نسيتم وحلفتم بغير الله.. فقولوا بعدها (لا إله إلا الله) فهى كفَّارة لها, قال رسول الله r: ((من حلف فقال فى حلفه باللات والعُزَّى فليقل لا إله إلا الله, ومن قال لصاحبه تعالَ أُقامِرْكَ فليتصدَّق)) [صحيح البخارى] وكلمة ((أقامِرْك)) يعنى أراهنك, كما نسمع من يقول تراهنّى أو أراهنك على كذا, والمراهنة (المقامرة) هى تضييع المال بغير حق, فتكون كفارتها إنفاقه فى الحق. وأذكِّر إخوانى أنه يجوز الحلف بالمصحف, طالما المقصود به كلام الله عز وجل, وليس الغلاف والورق، ولا أظن أن أحداً يقصد هذا بالطبع.

وأقول لإخوانى وأخواتى: إذا حلف لكم أحد بالله فصدِّقوه, حتى لو كنتم تظنون كذبه, فقد أمَرَنا رسول الله r بذلك فى قوله: ((لا تحلفوا بآبائكم, من حَلفَ بالله فَلْيَصْدُق, ومن حُلِفَ له بالله فَلْيَرْضَ, ومن لم يَرْضَ بالله فليس من الله)) [سنن ابن ماجه, صحيح الجامع:7247]‌ فإننا نرى كثيراً من الناس لا يقبلون الاعتذار ممن أساء إليهم, حتى لو أقسم لهم بالله أنه لم يفعل ذلك الشىء الذى أغضبهم, أو أنه لم يقصده, وتراهم يتعنَّتون ويقولون: ده لو حلف على المَيَّه تجمد وعلى النار تبرد مانصدَّقوش, أو: طَبْ ما يحلف بالله زَىّ ماهو عايز.. قال قالوا للحرامى احلف قال جالَكْ الفرج. وهذه الشحناء والمغالاة فى الخصومة لا ترضى الله ورسوله r, والمسلم هيّن ليّن, وليس بالْفَظّ الغليظ, كما قال الله تعالى لرسوله r: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران:159] وهناك آيات وأحاديث كثيرة تحث على الإصلاح بين الناس, ونَبْذ الفُرقَة والعداوة بينهم, وسيأتى كثير منهاً إن شاء الله تعالى.     

ملحوظة: يعترض البعض على جَواز الحَلِف بالمصحف, ولهذا أردتُّ أن أنقُل لكم بعض ما صَدَرَ بشأنِهِ من فَتاوَى:

سُئِل فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتى الديار المصرية الأسبق بتاريخ 14 جمادى الأولى عام 1365 هجرية عن شخص حلف بكتاب الله ثم حنث فى يمينه, فماذا عليه أن يفعل؟ فأجاب بقوله: وبعد: فإن الحلف بالقرآن العظيم قد تعارفه الناس فى أيمانهم, مثل الحلف بقول: (والله العظيم) فيكون يميناً, لأن القرآن كلام الله تعالى, وممن ذهب إلى ذلك محمد بن مقاتل, وقال: وبه أخذ الجمهور, وقال فى الفتاوى الهندية: وبه نأخذ. واختاره الكمال بن الهمام الحنفى فى فتح القدير (كما فى الدر وحاشية ابن عابدين, وقال الإمام ابن قدامة الحنبلى فى المغنى: إن الحلف بالقرآن يمين منعقدة تجب الكفَّارة بالحنث فيها, وبهذا قال ابن مسعود والحسن وقتادة ومالك والشافعى وأبو عبيدة وعامَّة أهل العلم, مستدلين بأن القرآن كلام الله, وصِفَة من صفات ذاته, فتنعقد اليمين به, كما لو قال: وجلال الله وعظمته). وكذلك تعارف الناس – وخاصة فى هذه الأزمان – الحلف بالمصحف, أو وَضْع اليد عليه, وقولهم: وحق هذا, وقد قال العلامة العينى من الحنفية إنه يمين, وأقرَّه صاحب النهر. وقال ابن قدامة: وإن حلف بالمصحف انعقدت يمينه. وكان قتادة يحلف بالمصحف, ولم يكره ذلك إمامنا (يعنى أحمد بن حنبل) وإسحاق, لأن الحالف بالمصحف إنما قصد بالحلف المكتوب فيه وهو القرآن, فإنه بين دفتى المصحف بإجماع المسلمين.. انتهى.

الذبح لغير الله

كأن يُذبَح للحسين أو السيدة أو الشيخ فلان, وكذلك دعاؤهم, والنذر لهم, ووضع النقود فى الصناديق التى عند قبورهم, وإيقاد الشموع تقرُّباً إليهم، وكل هذا شرك أكبر يخلِّد صاحبه فى النار والعياذ بالله, وهذا أمر خطير لا يُستهان به, فقد أخبرنا رسول الله r أنه دخل الجنة رَجُل فى ذباب, ودخل النار رَجُل فى ذباب، قالوا: وكيف كان ذلك يارسول الله؟ قال: ((مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرّب له شيئاً, قالوا لأحدهما قرِّب, قال ليس عندى ما أقرِّب, قالوا قرِّب ولو ذباباً, فقرَّب ذباباً, فخلُّوا سبيله فدخل النار, وقالوا للآخر قرِّب, فقال ما كنتُ لأقرِّب لأحد دون الله عز وجل, فضربوا عنقه فدخل الجنة)) [رواه الإمام أحمد] ومن أُهْدِىَ إليه طعام كان نذراً لغير الله فلا يأكل منه, ولا يقبله, ولكن يردّه إلى من أهداه إليه, ولا يستحى منه, ويعلمه أن هذا شرك أكبر, ولكن بدون غلظة أو تعنيف, لأن هذا لا يزيد الْمُسىء إلا إساءة.

قَوْل: مدد يا فلان

مثل قول: مدد يا نبى أو يا شيخ فلان. وقول: شيللاه يانبى أو يا شيخ فلان, وكلمة (شيللاه) معناها (شيئاً لله) ومعناها الطلب من الميت أن يعطيهم شيئاً من البركة ونحوها. وقول: نظرة يا سِت أم هاشم, وقولهم إذا ظلمهم أحد: سأكنس عليك الحسين, أو السيدة, أو الشيخ فلان، ومعناها أنهم سيكنسون مساجدهم تقرُّباً إليهم, ليأخذوا لهم حقهم من هذا الظالم, بل إن منهم من يطلب من هؤلاء الأموات أن ينجّحوا أولادهم, أو يعطوهم الذرية والرزق وغير ذلك, وإذا أنكر عليهم أحد قالوا: دُول أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون, وهم أحياء عند ربهم يرزقون. فانظروا يا إخوانى هل هذا يليق بأمة مسلمة تعتقد أن النفع والضر بيد الله, وليس بيد أحد سواه؟ ولا تقولوا إن هذا كان فى الماضى، بل هو منتشر بكثرة, خاصة بين من قَلَّ علمهم فى القرى, وبعض المتصوّفين, وأهل البدع, وهذا كله لا يجوز, لأنه دعاء, والدعاء لا يكون إلا لله عز وجل, وما كان لغيره فهو شرك أكبر مخرج من الملِّة, قال الله عز وجل: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً} [الجن:18] ربما يقول قائل: إنهم لم يشركوا، إنهم يؤمنون بربنا, ويقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله, ونرد عليهم بأن المشركين الذين كانوا يعبدون الأوثان كانوا مؤمنين بوجود الله عز وجل, كما حَكَى عنهم القرآن الكريم فى أكثر من آية, مثل: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف:106] و{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه} [الزمر:38] وفى السورة نفسها آية 3{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} لأنهم كانوا يعبدون الأصنام, ويقولون إنها تقربنا إلى الله, فكذلك الذين يدعون المشايخ يقولون إنهم ناس أطهار, وإن دعاءهم مستجاب, ونحن نتوسل بهم إلى الله, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

قول: أتوكل على الله وعليك

والتوكل لا يكون إلا على الله, كما قال الله عز وجل: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} [الأحزاب:3] ولكن من الممكن أن يقال: أتوكل على الله ثم عليك. وللأسف إذا قلت لأحد ذلك, يقول لك: أنتم متشددون فى الدين، وما الفرق بين أن أقول وعليك, أو ثم عليك؟ ونقول لهم: إن (أتوكل على الله وعليك) جعلت الإنسان مساوياً لله عز وجل, ولكن (ثم عليك) جعلت الله أولاً, ثم العبد ثانياً, لأن مشيئة العبد وكل أفعاله بقدر الله عز وجل، فما شاء الله كان, وما لم يشأ لم يكن، قال الله عز وجل: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير:29] كما نهى رسول الله r عن قول: ما شاء الله وشِئْتَ، فقال: ((إذا حلف أحدكم فلا يقل ما شاء الله وشئتَ, ولكن ليقل ما شاء الله ثم شئتَ)) [سنن ابن ماجه, صحيح الجامع:495] والأكمل من ذلك: ما شاء الله وحده, فقد قال له رجل: ما شاء الله وشئتَ, فقال له الرسول r: ((جعلتنى لله عَدْلاً! بل ما شاء الله وحده)) [مسند أحمد]

تعليق التمائم والتِوَلَة

التمائم هى ما يعلّقه الناس على أجسادهم, مثل الجلدة السوداء التى يلبسونها على أيديهم بغرض الحفظ من العين, أوجلب الحظ, ويسمونها الحظاظة، وكالذى يعلقونه على الأبواب والدَّواب, مثل الكَفّ, والخرزة الزرقاء, والحذاء, ورأس البقرة, وحِدْوَة الحصان, وغير ذلك  لنفس الغرض, حتى إنه قد وصل الأمر إلى لبس الصليب, أو وضعه على جبهة الطفل, أو رسمه بمادة سوداء لدفع الحسد (وقد رأيتُ ذلك بعينى) وكذلك التعويذات التى يأخذونها من السحرة, وبها كلمات وعلامات غير مفهومة, لحفظ أنفسهم أو أولادهم, والتى يسمونها حجاباً, فهى شرك. والبعض يلبس شيئاً شبه الصليب, ويقولون إنه مفتاح الحياة عند الفراعنة, ويتبرَّكون به. سبحان الله! هل جعل الله للحياة مفتاحاً, وجعله بأيدينا نفتح به لمن نشاء, ونغلق به عمَّن نشاء؟, والتِوَلة هى ما يصنعونه, ويزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها (دى تَوْلاه) أو يحبب الرجل إلى زوجته، وهى من السحر, قال رسول الله r: ((إن الرُّقَى والتمائِم والتِّوَلة شرك)) [سنن أبى داود, صحيح الجامع:1632] و((الرُّقَى)) المقصود بها الرُّقَى الغير شرعية, كالتى ذكرنا أنها تُؤخذ من السحرة, والتى بها طلاسم غير مفهومة, وكل هذا إنما جعل من الشرك لأنه لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى, أما الرُّقَى الشرعية التى وردت عن الرسول r فلا بأس بها, بل هى من السنَّة.

الاستعاذة والاستغاثة والاستعانة وطلب الشفاء من غير الله

كل هذا من الشرك, وهذا فيمن طلب من ميت أو جن, كأن يقول إذا أصابه ضُر: يا شيخ فلان, أو يا ست (ويقصد السيدة زينب, أو السيدة نفيسة, رضى الله عنهما وأرضاهما) أو يا سيد يا بدوى, أو يستغيث بالجن, كما نسمع بعض الناس إذا سكبوا مياهاً ساخنة فى دورات المياه أو الأحواض قالوا: دستور يا اسيادى, وإذا خافوا من دخول مكان قالوا: حابس كابس، وأنا لا أعلم معنى هذه الكلمات, ولكن ظاهرها الاستعاذة بالجن, حتى لا يصيبهم  مكروه. ونقول لهؤلاء: من جعل الجن أسيادنا وأغلبهم كفرة؟ (دِى عليها أسياد) وكيف تستعيذون بهم وهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله؟ اسمعوا لقولهم الذى أورده الله فى كتابه: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الأرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً} [الجن:12] ولماذا تخافون منهم, وإذا سمعتم ذكرهم قلتم: ربنا يجعل كلامنا خفيف عليهم؟ أتعلمون أن خوفكم منهم يجرّئهم عليكم أكثر؟ اقرأوا تفسير الآية الكريمة: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} [الجن:6] وأَوْلَى بهؤلاء أن يقولوا: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم} أو ((بسم الله الذى لايضر مع اسمه شىء فى الأرض ولا فى السماء وهو السميع العليم)) وإذا ذهبوا إلى مكان مخيف قالوا كما جاء فى قول رسول الله r: ((من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامّات من شر ما خلق, لم يضره شىء حتى يرحل من منزله ذلك)) [صحيح مسلم]

أما إذا استغاث الإنسان بِحَىّ مَكَّنه الله عز وجل من إغاثة الناس فى أمر مُعَيَّن (عافانا الله والمسلمين) كرجال المطافئ أو الأطباء, فلا بأس, بشرط أن يعلم أن النفع والضر ليس بيد أحد إلا الله، وأن كل هؤلاء إنما هم أسباب فقط, فالذى يتوكل على الطبيب, أو الدواء, أو أى إنسان, فى دفع ضر, أو جلب منفعة, ويظن أن هذا الإنسان, أو هذا الدواء, فاعل بذاته, فقد أشرك بالله سبحانه وتعالى.

قول: لولا فلان

مثل قول: لولا فلان لَهَلَكْتُ أو أصابنى كذا, كأن ينجو أحدهم من حادثة فيقول: لولا فلان لَكُنْتُ أُصِبْتُ أو مُتُّ, أو يقول لمن أسْدَى إليه معروفاً: البركة فيك.. ده لولا انت كان حصل كذا وكذا. والصحيح أن يقول: لولا أن الله جعل فلاناً سبباً, أو لولا الله ثم فلان، أو لولا الله ثم انت, لأن كل شىء بتقدير الله سبحانه وتعالى. وكذلك من الخطأ أن يقال مثلاً: لولا الأوز أو نباح الكلب لسُرقِنا، والصحيح: لولا أن الله جعلها سبباً. والغريب أن هذا الأمر شائع, وهو من الشرك بالله, وإذا قلت لأحدهم: إن هذا شرك بالله, يقول لك: أنا لا أقصد, وانا عارف ان كل شىء بأمر الله, ونقول له: لا تكفى معرفتك, فإنما نؤاخذ بما نقول، قال رسول الله r: ((وهل يَكُبُّ الناسَ فى النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم)) [صحيح الجامع:1536]

كما ينبغى أن نقول: إن الله نفعنى بفلان أو بكذا (مثلاً: ربنا نفعنى بالسيارة, أو بالغسالة, أو بالثلاجة… إلخ) بدلاً من إسناد النفع للمخلوق, لأن كثيراً من الناس ينشغلون بالنعمة ويعظمونها, ويعظمون من أسدى إليهم المعروف, أو سعى فى حوائجهم, وينسون أن الذى سخر لهم قلوب العباد, وكل شىء, هو الله عز وجل. وليس معنى هذا أننا لا نشكر الناس, لقد قال رسول الله r: ((من لم يشكر الناس لم يشكر الله)) [سنن الترمذى, مسند أحمد, صحيح الجامع:5641] وقال: ((من استعاذكم بالله فأعيذوه, ومن سألكم بالله فأعطوه, ومن دعاكم فأجيبوه, ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه, فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له, حتى تَرَوْا أنكم قد كافأتموه)) [صحيح الجامع:6021]

الاستهزاء بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر

الاستهزاء بالله: (والعياذ بالله) مثل بعض النكت التى بها لفظ الجلالة (الله), وبعض كلمات الأغانى.. مثل: قَدَر أحمق الخُطَى (وغيرها كثير), وهناك بعض الكلمات أعلم أنكم ستنكرون علىَّ ذكرها، ويعلم الله أنى أكتبها وأنا متأسف, وأستغفر الله الذى لا إله إلا هو الحى القيوم وأتوب إليه، ولكنى سأذكرها للتنبيه على خطورتها، وربنا يتوب علينا وعلى العصاة والمذنبين.

قولهم عند الخصام: لو نزل لى ربنا من السما مش هاسيبه (أستغفر الله), ده لو كان ابن ربنا لازم اضربه (حاشا لله سبحانه وتعالى), وكما نسمع أحد المستهترين إذا رأى شخصاً نحيلاً (رُفيّع) قال عنه: خشب الله عبد الناشف (أستغفر الله), وإذا نصحته قال لك: “إنما الأعمال بالنيات” واحنا بنضحك يا عم الشيخ, أو من يقول متهكّماً على غيره: ده عامل فيها عبد الْمُهِم, أو عبد الْمُرْعِب, أَوَلا يعلم هؤلاء أن قوماً قالوا مثل قولهم, وقد حكم الله عليهم بالكفر والإجرام؟ {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ {65}  لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} [التوبة:65-66]

الاستهزاء ببعض سُوَر القرآن: كما يقولون عند مخاطبة من لا يفهمهم: هو احنا بنقرأ فى سورة عبس, وعندما يحدث أمر أو قول وينتهى بسرعة – حتى لو كان معصية – يقولون: قال كذا آمين صدق الله العظيم (أستغفر الله), وعندما يسمعون القرآن لمدة طويلة قالوا: هو احنا قاعدين فى مَيّت وللا إيه, وعندما يصفون أحداً بِقِلّة الضمير.. قالوا: إنا أسفأناكم, على وزن قول الله جل وعلا: {ُإِنَّا خَلَقْنَاكُم} [الحجرات:13] أو ما شابهها من الآيات. البعض يستخفف, ويقول على الفاتحة التى يقرأونها قبل العقد: دُول عملوا القَفْلَة, أو يقول: دول عملوا الضمَّة والكسرة (أستغفر الله) (وقراءتها قبل العقد ليست من السنَّة, كما سيأتى إن شاء الله) وإذا قلت لأحد: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين} [البقرة:153] قال لك: إذا صبروا. فمن أين جاءوا بهذه الزيادة؟ أهو عدم علم بآيات الله؟ أم استهزاء بها؟ وكيف يُسَمَّوْن صابرين إن لم يصبروا؟

الاستهزاء بالرسل, صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, مثل ما يقال: ده من أيام سيدنا كتكوت, أو اصْحَىَ يا آدم شُوف وُلادَك عملوا إيه, (أستغفر الله العظيم), ويقولون عند الخصام: لو جالى النبى مش هاصَلْحُه. وعند الخروج من شىء بغير فائدة يقولون: كِسِبْنا إيه احْنا بَقَىَ, كِسِبْنا الصلاة على النبى. وكذلك الاستهزاء بسنة الرسول r كمن يستهزئ باللحية, أو العمامة, أو القميص (الجلابية) أو غير ذلك.

الاستهزاء بالملائكة: مثل الذين يرسمونهم على هيئة أطفال عَرَايا بأجنحة, أو مثل ما يقال: دَه لو جالى ملك من السماء, لو جالى عزرائيل هاقُلُّه مالَكْش دَعْوَة بِيَّا سِيبْنِى وخُدْ فلان, الملايكة لونها بمبى (أستغفر الله), دَه بياكل رُز مع الملايكة.. وهل الملائكة تأكل أو تشرب؟

الاستهزاء بالغيبيات المتعلقة بأمور الآخرة: مثل النكت والأغانى التى بها ذكر عذاب القبر, أو الجنة والنار, ومثل ما يقول البعض: ده لما ينزل القبر هايضّرب بالجزمة, ده هايِتْقَرْمَع على رِجْلِيه قَرْمَعَة, ده هايْخُش النار ويِتْلَسْوَع لَسْوَعَة… إلخ.

ونقول لكل هؤلاء: اتقوا الله ولا تجعلوا الدين عُرْضَة لاستِخْفافكم, فقد قال العلماء: إن الاستهزاء بالدّين كُفْر. ولا تقولوا إنه ليس استهزاء وإنما هو ضحك، وأسألكم بالله: هل تستطيعون السخرية من كبار الشخصيات, ولو بضحك كما تقولون؟ فإذا كنتم تخافونهم.. أفلا تخافون من رب العالمين؟ قال الله عز وجل: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ} [التوبة:13] صحيح أن الآية خاصة بقتال المشركين، ولكنى أردت أن أستشهد بها لمناسبة المعنى, فحاسبوا على أقوالكم, واذكروا قول ربكم: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد} [ق:18] وقول رسولكم r: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً, يهوى بها سبعين خريفاً فى النار)) [سنن الترمذى, مسند أحمد, صحيح الجامع:1618] وقوله: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى, ما يَظُنُّ أن تَبْلُغ ما بَلَغَت, فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة, وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سَخَطِ الله تعالى, ما يَظُنُّ أن تَبْلُغ ما بَلَغَت, فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة)) [صحيح الجامع:1619]

الاستهزاء بالمتدينين: مثل قولهم: ابْقَىَ خُدْنا على ريشة من جناحك يا مولانا, ابقى اشفع لنا يا عَمّ الشيخ, ابقى قُول لهم ده اخويا.. ويقصدون أن المتديّن يقول لملائكة العذاب ده اخويا حتى يتركوه (أستغفر الله).

وبالمناسبة أُناشد المسلمين أن يتقوا الله فى إخوانهم المتديّنين (وخاصة العلماء, لأن غيبتهم أشد) لأننا نسمع كثيراً: السُّنية دُول كذا وكذا, والمحجبات كذا وكذا.. من السب والشتم، وهذا لا يرضى الله سبحانه وتعالى, فهل إذا أساء طبيب أو محامٍ – مثلاً – أو كما يقولون: (نَصَبَ على أحد) يكون كل الأطباء أو المحامين نصّابين؟ ثم إننا جميعاً مُطالَبون بطاعة ربنا, واتباع هدى نبينا r وليسوا هم فقط، ونحن جميعاً أبناء دين واحد, فليس لهم دين ولنا دين, ويكفى أن الاستهزاء بالمؤمنين من صفات المجرمين، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} [المطففين:29]

ولكنى أُناشد المتديّنين أيضاً أن يعاملوا الناس بالحسنى, لكى يحببوهم فى الدين, وفى المتدينين, لأن الناس ينظرون للمتديّن على أنه هو الإسلام, مع أن هذا خطأ, فالإسلام لا يؤخذ من أفعال أهله, ولكن يؤخذ من الكتاب والسنَّة, ولكن ماذا نفعل؟ لقد أصبح الأخ أو الأخت مِرآة للدين, فيا أخى.. ويا أختى.. كونوا مِرآة صافية, تعكس جمال الدين, وكماله, وعظمته, ولو على حساب التنازل عن بعض حقوقكم, ابتغاء رضوان الله والدار الآخرة, ولن يضيع الله أجركم {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً {30} أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقا} [الكهف:30-31]  

تفضيل حب العبد وخوفه ورجائه على حب الله وخوفه ورجائه

فمثلاً: ترى المرأة نامصة, أو لا تحتجب, وتقول لك: زوجى عايز كده, وكذلك من يطيع وُلاة الأمور, أو الآباء والأمهات, أو الأصدقاء, فى معصية الله عز وجل, ونقول لهؤلاء: إن رسول الله r قال: ((لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:7520]

وهنا أمر خطير جداً, قد يدخل الإنسان فى الكفر, إذا فضَّل أمر العبد على أمر خالقه سبحانه وتعالى.. كما قال الله عز وجل: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّه} [التوبة:31] وكما جاء فى تفسيرها أن عبادتهم إياهم كانت فى طاعتهم فى تحليل الحرام, وتحريم الحلال, ولا يُفهَم منها أنها كانت بالركوع والسجود لهم. فإن ميزان العبودية والحب هو الطاعة, قال الله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران:31] أى إن كنتم تحبون الله فاتبعوا رسوله r فإن كثيراً من الناس يَدَّعِى حب الله, ويقول: طبعاً أنا بحب ربنا، فاسأله: وما دليل حبك له؟ فإن كان مطيعاً لله ورسوله فهو كما قال, ولا نزكِّى على الله أحداً, وإن كان غير ذلك فاعلم أن ادّعاءه باطل، فإن المحب لمن يحب مطيع (وهذا ليس بآية أو حديث)

إن العبودية قد تكون للمَنْصِب, أو المال, أو الزوجة, أو الأولاد, أو غير ذلك، قال رسول الله r: ((تَعِسَ عبد الدِّينار, تَعِسَ عبد الدِّرْهَم, تَعِسَ عبد الخميصة, تَعِسَ عبد الخميلة, إن أُعْطِىَ رَضِىَ, وإن لم يُعْطَ سَخِطَ, تَعِسَ وانتكس, وإذا شِيكَ فلا انْتُقِش, طوبى لعبد آخذ بعنان فَرَسَه فى سبيل الله, أشعث رأسه, مُغْبَرَّة قَدَماه, إن كان فى الحراسة كان فى الحراسة, وإن كان فى السّاقة كان فى السّاقة, إن استأذن لم يُؤذن له, وإن شفع لم يُشَفَّع)) [صحيح البخارى] و((تَعِسَ)) معناها هَلَكَ أو شَقِىَ, ((الخميصة)) و((الخميلة)) أنواع من الملابس, ((انتكس)) أى انقلب على وجهه, أو عاوَدَهُ المرض, ((وإذا شيك فلا انْتُقِش)) أى إذا أصابته شوكة فلا خرجت منه.

ولكن.. لِمَ أصبحَ هذا الإنسان عبداً لهذه الأشياء؟ ولِمَ دعا عليه رسول الله r بكل هذا؟ لأنه شغل قلبه بها عن خالقه جل وعلا، فإن جاءته رضى, وإن لم تأته سَخِطَ، كما نسمع البعض إن وَسَّعَ الله عليهم فى المعيشة.. قالوا الحمد لله, دَه كِدَه رضا, ده احنا كوَيّسين قَوِى, وربنا باسطنا آخر انبساط, وإن ضاقت عليهم قالوا: دى عيشه غُلْب, دى عيشة فقر, دى عيشة تقصّر العمر.

إن العبودية معناها الرِّق, والانقياد, والاستسلام لله بالقلب أولاً, وبالجوارح ثانياً, مع كمال التعظيم والحب لله سبحانه وتعالى, وليس انقياداً عن بغض – والعياذ بالله – أو عدم رضا, قال الله عز وجل: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} [النساء:65] وقال رسول الله r: ((ثلاث من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله, وأن يكره أن يعود فى الكفر كما يكره أن يُلْقَى فى النار)) [صحيح البخارى] ولكن البعض عَبَّدوا قلوبهم لغير ربهم, وأصبحت الدنيا أكبر همهم، حتى إن منهم من يعمل أعمالاً لا ترضى الله جل وعلا، مثل أماكن الفسق والمجون, والرقص والخلاعة, ومحلات الخمور, والأماكن التى تتعامل بالربا, وبيع التماثيل, وآلات الطَّرَب وغيرها، وإذا نصحت أحدهم.. قال لك: دَه أكْل عِيش, مش حرام انُّه يجرى على وُلاده. وترى المرأة تتعامل مع الرجال وتلاطفهم، والرجل يتعامل مع النساء ويلاطفهن، وإذا وعظْتَه قال لك (أو قالت): إن صاحب العمل عايز كده, والرزق يحب الخفيَّة, ولو ماعَمَلْتِش كِدَه هايطردنى, وإذا قلنا لهم اتقوا الله.. أليس الله بقادر على أن يرزقكم رزقاً حلالاً؟ قالوا لك: منين يا عَم الشيخ, دِى البلد حالها واقف, ومافيش غير كده, وربنا يعذرنا بَقَىَ! ونرد عليهم بقول الله سبحانه وتعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب} [الطلاق:2-3] وفى السورة نفسها آية 4{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} ونحذرهم: إياكم واتباع الهوى, فإن الإنسان من الممكن أن يصبح عبداً لهواه، قال الله تعالى: {أَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} [الفرقان:43]

الإيمان بالأبراج

الأبراج هى التى يسمونها: حظك اليوم, أو مُطالعة الحظ والبَخْت, مثل برج الدلو, والعقرب, والسرطان, وغيرها, وهذا كفر, لا ينبغى لأمة سيدنا محمد r أن تعتقده, قال الله عز وجل: {قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ} [النمل:65] فحذارِ حذارِ من قراءة هذه الأبراج, أو التعلُّق بها, أو تصديقها, فهى رجم بالغيب الذى لا يعلمه إلا الله.

الإيمان بالأنواء

كما يُقال فى النشرة الجوية: سيكون هناك مطر على منطقة كذا بنَوّة كذا، وقد قال رسول الله r إثر سماء (أى فى صبيحة ليلة ممطرة): ((هل تدرون ماذا قال ربكم الليلة؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((قال: أصبح من عبادى مؤمن بى وكافر, فأما من قال: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته, فذلك مؤمن بى كافر بالكواكب, وأما من قال: مُطِرْنا بِنُوء كذا وكذا, فذلك كافر بى ومؤمن بالكواكب)) [متفق عليه] وهذا فيمَنْ ظنَّ أنها فاعلة بذاتها بغير إذن الله, أمّا العلم فلا حرج فيه, بشرط أن يَرُدّ الأمر لله.

فانظروا يا إخوانى.. كيف أصبح من قال: ((مُطِرنا بنوء كذا)) كافراً؟ فكيف بمن أرْجَعَ كل شىء فى حياته للأسباب, ونسى الله عز وجل, وأنه المدبّر لكل شىء؟ فإن شفاه الله قال: لولا الدكتور فلان, إذا نجَّح الله ابنه قال: لولا الأستاذ فلان, إذا عَمِلَ عند أحد قال: دَه هُوَّ اللى فاتح بيتى, دَه لو طردنى الُوص انا وُوْلادِى, لدرجة أن امرأة قالت: انا لا يُمْكِن أوْلِد إلا عند الدكتور فلان, ده انا لو ماولِدتِشْ عنده امُوت. وسبحان الله يا إخوانى.. يريد السميع العليم أنها تَلِدُ عنده, وتموت فى عيادته بالنزيف! أين التوكل على الله يا عباد الله؟, وكذلك من يُرْجِع الفضل لنفسه إذا حدث له ما يَسُرّه, فيقول: لولا انّى طيّب, وقلبى ابيض, ماكَنْش ربنا ادّانى كذا, أو لولا ان فلان عمله حِلْو, ماكَنْش ربنا نجّاه, يا أحبتى فى الله {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّه} [النحل:53] وإذا كنتم طيّبين, أو نيّتكم سليمة, أو مابتعملوش فى حَد حاجه وِحْشَة (على حَدّ قولكم) فإن الفضل فى ذلك كله لله رب العالمين, فلا تقولوا كما قال قارون: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [القصص:78] هدانا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه.

الاعتقاد بأن غير الله ينفع أو يضر

مثل قولهم: يا شمس يا شمُّوسَة, خُدِى سِنّة الجاموسة, وهاتى سِنّة العروسة, ورَمْى السِّنّ أو الضِّرْس المخلوع تجاه الشمس! وكذلك البُخور, والشبَّة, والفاسُوخَة, وما يصنعونه على شكل عروسة من الورق, ثم يثقبونها, ويحرقونها, لدفع الحسد والسحر, وجلب الرزق, ومَسْك الخشب لدفع الحسد, وقولهم: خَمْسَة وخِميسَة, والنهاردَه الخميس, والتخميس باليد فى وجه البعض, خوفاً من حسدهم, واستعمال عِدَّة الحلاق, أو الحجارة, أو المشيمة (الخلاص) أو المرور على قبر, أو جبل, أو نهر, والتخطية على أشياء معينة سبع مرات لفك المشاهرة (كما يقولون), والشحاذة (الشحاتة) من سبعة مُحَمَّدات, حتى يعيش ولدها، سبحان الله!

ما كل هذه الجهالات يا أمة التوحيد؟ أليس الأَوْلَى بكم أن تتوكلوا على الله جل وعلا, وأن تتحصَّنوا بذكره سبحانه وتعالى, ودعائه, وقراءة المعوِّذتين؟ {قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران:154] وإذا رأيتم شيئاً أعجبكم, سواء عندكم أو عند غيركم, فقولوا: {مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ} [الكهف:39]

التنجيم والذهاب للسحرة والمشعوذين

قراءة الفنجان, وضَرْب الوَدَع, وفتح المنْدَل, وقراءة الكَفّ, وقَلْب الكوتشينة (ولو على سبيل التسلِيَة كما يقولون), والذهاب للسحَرَة والعرّافين, كالذين يمشون فى الشوارع ويقولون: أبَيَّن زِين, أو الذين يقولون: يا عَم افتَح الكتاب!, وسؤالهم عن الغيب, وعَمَّن سرق منهم, وسؤالهم أن يعطوهم حجاباً ييسّر لهم الرزق, أو الزواج, أو غيره, وعمل ما يسمونه الزّار, ليرضوا به الجن، فهؤلاء وغيرهم قال فيهم رسول الله r: ((من أتى عَرّافاً أو كاهناً فصدَّقه بما يقول, فقد كفر بما أُنزِلَ على محمد r)) [مسند أحمد, صحيح الجامع:5939] وقال: ((من أتى عَرّافاً فسأله عن شىء, لم تُقْبَل له صلاة أربعين ليلة)) [صحيح مسلم]

ولا يغرَّنَّكُم ما يفعله بعض السحَرَة من استخدامهم للمصحف, ليوهموا الناس أن عملهم حلال, وأنهم لا يعملون إلا بالقرآن. وكذلك من يشترطون عدم دخول الحائض عليهم, فكل هذا تدليس على المسلمين, لينخدعوا بفعلهم, مع أنهم لا يستطيعون تسخير الجن إلا بما يغضب الله سبحانه وتعالى.

وهناك أمر خطير أردت التنبيه عليه, وهو تصديق السحرة فيما يقولونه, فمثلاً: إذا ظنَّ إنسان أنه مسحور, وذهب إلى الساحر (وهذا حرام كما ذكرنا) وسأله من سَحَرَ له, فيقول له الساحر: إن الذى سحر لك صفاته الخِلْقِيَّة كذا وكذا, فيظن فى فلان وفلان, ممن تنطبق عليهم نفس المواصفات, وربما حَصَرَ الظن فى واحد فقط, لأن الصفات لا تنطبق على أحد غيره, وهذا ظلم, لأن الساحر كذاب, والجن الذى يستخدمه كذاب, وكثيراً ما وقع هذا الأمر, وحدثت عداوات بين الناس, لدرجة أن بعضهم أخذوا المرأة التى حددها الساحر بأنها سرقت, وضربوها ضرباً مُبَرّحاً لتعترف بالسرقة, وبعد ذلك ظهرت براءتها!

أهذا يرضى الله يا عباد الله؟ نظلم الناس, لمجرد إخبار من شخص لا يخاف الله, ويستخدم جِنّاً لا يخاف الله؟ حتى لو أن الجِنّىّ نطق على لسان أحد, وذكر أحداً باسمه, وقال إنه الذى سَحَرَ, أو سرق, أو كذا أوكذا, فلا تصدّقوه, فربما يكون كاذباً.

قد يقول البعض إنه حدثت أشياء بالفعل كما قال السحرة, وللرد على هذا الكلام نورد حديث رسول الله r: ((إذا قضى الله تعالى الأمر فى السماء, ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعاناً لقولِهِ, كأنه سلسلة على صَفْوان, فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذى قال: الحق وهو العلى الكبير, فيسمعها مُسْتَرِقُو السمع, ومُسْتَرِقُو السمع هكذا واحد فوق آخر, فربما أدرك الشهابُ المستمعَ قبل أن يرمى بها إلى صاحبه, فيحرقه, وربما لم يدركه حتى يرمى بها إلى الذى يليه, إلى الذى هو أسفل منه, حتى يلقوها إلى الأرض, فتُلْقَى على فَمِ الساحر, فيكذب معها مائة كذبة, فيُصَدَّق, فيقولون: ألم تخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا, فوجدناه حقاً للكلمة التى سُمِعَت من السماء)) [صحيح الجامع:734] من أراد معرفة معنى الجزء الأول من الحديث فليرجع إلى تفسير الآية 23 من سورة (سبأ) أما ((مُسْتَرِقُو السمع)) فهم الشياطين, كان يركب بعضهم بعضاً, ليستمعوا إلى حديث الملائكة, ثم يلقونه فى أذُن الساحر, فتصدّقه الناس, رغم أنه يكذب معه مائة كذبة. وقد كان ذلك قبل بعثة الرسول r أما بعد بعثته.. فإن من فعل ذلك منهم أرسل الله عليه شِهاباً يحرقه {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} [الجن:9] ولكن أحياناً لا يصل الشهاب إلى الشيطان قبل أن يلقيه إلى الذى يليه, ثم الذى يليه, إلى أن يصل إلى الساحر، ولكن هذا لا يحدث إلا بقَدَر الله سبحانه وتعالى.

وهناك شىء آخر لا يقل خطورة, وهو أمر يحزن له القلب, أن نرى المسلمة تذهب للقساوسة فى الكنائس (أو أى ساحر) لماذا؟ لتؤذى أختها المسلمة.. وإنا لله وإنا إليه راجعون, أو تذهب ليعطوها شيئاً يزعمون أنه يحببها إلى زوجها (تِوَلَة), أو لتجعله يطلّق ضرتها! اللهم تب علينا قبل الموت توبة نصوحاً ترضيك, وتوفنا مسلمين يا رب العالمين.

وإذا كنتِ يا أختى ممن يذهب إليهم لفك السحر فقط, أو لعلاج المسّ, ولا تؤذين أحداً.. فإن هذا أيضاً لا يصح, واعلمى أن السحر لا يضر إلا بإذن الله {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ} [البقرة:102] ولن يكشفه عنكِ إلا الله {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُو} [الأنعام:17] فمن أصيب بشىء من هذا فَلْيصبر وَلْيحتسب, فإنه بلاء مثل المرض وغيره, قال رسول الله r: ((إن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء, وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم, فمن رَضِىَ فله الرضا, ومن سَخِطَ فله السخط)) [صحيح الجامع:2110]‌ وقال: ((ما من مسلم يصيبه أذى شوكة, فما فوقها, إلا حَطَّ الله له به سيئاته, كما تحطّ الشجرة ورقها)) [صحيح الجامع:5763]

ومن أهم أسباب كشف هذا الضُّر (أو أى ضُر) هو الاستعانة بالله, والاستقامة على أمره سبحانه وتعالى, والتحصُّن الدائم بذكره جل وعلا, ودعاؤه, خاصَّة فى السجود, وفى قيام الليل بالسَّحَر (السَّحَر هو الثلث الأخير من الليل) ولا ييأس من رحمة الله سبحانه وتعالى, ولْيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه, وما أخطأه لم يكن ليصيبه, وأن {مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} [الشرح:5]

وأنصح من أصيب بشىء من هذا أن يكثر من قراءة آية الكرسى, والمعوِّذتين، ولا يقرأها مرة ويقول: قد قرأت ولم يحدث شىء. وأن يلتزم بالأذكار التى وردت عن الرسول r فى نومه ويقظته, وطعامه وشرابِهِ, وكل أفعاله، وأن ينام على وضوء، وإذا عرض لأحد منام مزعج (وهو ما نسميه كابوس) وكان بين اليقظة والمنام, فَلْيُكْثِر من قراءة آية الكرسىّ, ولو بقلْبِه, إذا كان لا يستطيع تحريك شفتيه. وأدلُّكم يا إخوتى على أمْر طيّب ومُجَرَّب: وهو أن تحفظوا سورة (الجن) وترددوها إذا جاءكم هذا الكابوس وأنتم بين اليقظة والمنام (ولو بقلبكم كما قلنا) فإنه سرعان ما ينكشف ما بكم إن شاء الله تعالى, اللهم اكشف الضُّر عنّا وعن المسلمين.

الذبح على أبواب المحلات

الذبح على أبواب المحلات, والمساكن الجديدة, لإرضاء الجن, حتى لا يؤذوهم, وكثير من الناس يذهب للمشعوذين, والدجّالين, ويطلبون منهم ذبح شىء مُعيَّن, إرضاءً للجن أيضاً, وقد سبق أن ذكرنا أن الذبح لغير الله شرك.

تحضير الأرواح

تحضير الأرواح حرام، وفى الوقت نفسه فإنها ليست أرواحاً, ولكنه نوع من السحر, يحضرون به قرين الميت, ويسألونه عن أحواله, والسحر كفر.

سَبُّ الدَّهْر

سَبُّ الدَّهْر هو سب لله تعالى, والدَّهْر معناه الزمن, قال رسول الله r فى الحديث القدسى عن رب العزة سبحانه وتعالى: ((يؤذينى ابن آدم, يَسُبُّ الدَّهْر وأنا الدَّهْر, بيدى الأمر, أُقَلّبُ الليل والنهار)) [صحيح البخارى] “أنا الدَّهْر” معناها أن الله سبحانه وتعالى هو خالق الدَّهْر, ومدبّر الأمْر، وليس بمعنى أنه سبحانه وتعالى اسمه الدَّهْر.

وسَبّ الدَّهْر هو كما نسمع من يقول: دَه زمن اسود, دَه زمن اغْبَر, دَه زمن غدّار, الله يلعن الزمن اللى شُفْتَك فيه, الله يخرب بيت دِى أيام, يخرب بيت سنينك, ده نهار اسود ومنَيّل, وغير ذلك من العبارات. ويَلْحَق بِسَبّ الدهر – أيضاً – سَبّ بعض الشهور, مثل شهر أمشير, أو طوبة, وسَبّ الصيف, أو الشتاء.. وهكذا.

وكلمة (الزمان مالُوش أمان) التى يعنون بها تقلُّب أحوال الإنسان بين الغنى والفقر, أو الصحة والمرض, وغير ذلك من تقلُّب الأحوال التى تعترى الإنسان, فالأفضل أن يقولوا ما قاله الرحمن: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران:140]

الركوع لغير الله عز وجل

مثل تحية الكفرة الذين ينحنون لبعضهم, وتحية لاعبى الكاراتيه, وتحية الممثلين للجمهور على المسرح.

الموالد

من البدع الْمُنكَرَة التى لا ترضى الله ورسوله.. عمل ما يسمونه المولد, مثل مولد الحسين, أو السيدة زينب – رضى الله عنهما – أو السيد البدوى. والذبح لهم فى هذا اليوم, وتفريق النذور, وغير ذلك من البدع والشركيات, واختلاط الرجال بالنساء, والغناء المحرَّم, الذى يحتوى على كلمات شركية, مثل: مَدَد, وغيرها, والتراقص يميناً وشمالاً, وقولهم: (هُو هُو) ويسمونه ذِكراً! ويمشون بالأعلام فى الشوارع, ويطبّلون, ويعتبرون ذلك من الدين!

أىّ دين هذا؟ ومن أين جاء؟ أخبرونى يا مسلمون.. أهكذا كان هدى رسول الله r {أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُون} [يونس:59]؟ وإذا قلت لأحدهم: إن هذا حرام, والنبى r لم يفعله, ولا الصحابة y ولا أحد من الصالحين، قالوا لك: إن هذا حب فى أهل الله, وأهل بيت رسول الله, بل ويتهمون من يقول لهم هذا بعدم حبهم.

ونقول لهم: إننا نحبهم أكثر منكم, ونُجِلّهم ونُوَقّرهم, رضى الله عنهم وأرضاهم, ولكن حبهم لا يكون بهذه البدع والمحرَّمات, التى لا ترضى الله ورسوله، ولكن باتّباع سِيَرِهم, والتخلُّق بأخلاقهم, ولو أنهم علموا ما تفعلونه من أجلهم لتبرَّأوا منكم, ومن أفعالكم.

وبخصوص الدعاء والذِّكْر فقد قال الله عز وجل: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف:55] وقال: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف:205] أى أن الدعاء والذِّكْر لا ينبغى أن يكونا بمثل هذه الصورة, أو غيرها من الصور البِدْعِيَّة, ولكن ينبغى أن يكونا بخشوع, وإخلاص, وتضرُّع لله سبحانه وتعالى. وقد سمع رسول الله r بعض أصحابه y يرفعون أصواتهم بالذكر, فقال لهم: ((يا أيها الناس! أرْبِعُوا على أنفسِكُم, فإنكم لا تدعون أصَمّ, ولا غائباً, إنكم تدعون سميعاً قريباً, وهو معكم)) [صحيح الجامع:7864] كما أنه لم يَرِد الذِّكْر بلفظ الجلالة (الله) مُجَرَّداً, ولكن لابد من اقترانه بصفة تليق به, كأن نقول: سبحان الله.. الحمد لله.. الله أكبر.. وهكذا.

وأخيراً نقول لأصحاب الطرق الصوفية, والحضرة القدسية, والجلسة المحمدية: إنه ليس لنا إلا طريق واحد, وهو طريق رسول الله r الذى قال: ((تركتُ فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتى, ولن يتفرَّقا حتى يَرِدَا علىَّ الحوْض)) [صحيح الجامع:2937] وقال: ((أوصيكم بتقوى الله, والسمع والطاعة, وإن أُمِّر عليكم عبد حبشى, فإنه من يَعِش منكم بعدى فسَيَرَى اختلافاً كثيراً, فعليكم بسُنَّتى, وسُنَّة الخلفاء المهديّين الراشدين, تمسَّكوا بها, وعضُّوا عليها بالنَّواجِذ, وإياكم ومُحْدَثات الأمور, فإن كلَّ مُحْدَثة بدعة, وكلَّ بدعة ضلالة)) [سنن الترمذى وابن ماجه, صحيح الجامع:2549] وقال: ((تفترق أمتى على ثلاث وسبعين مِلَّة, كلهم فى النار, إلا مِلَّة واحدة)) قالوا: ومن هى يا رسول الله؟ قال: “ما أنا عليه وأصحابى” [سنن أبى داود, صحيح الجامع:5343]

زيارة الأضرحة

زيارة الأضرحة, والتمسُّح بها, والطواف حولها, والدعاء عندها, ولا يجوز الطواف إلا بالكعبة المشرفة, ولا يجوز هذا التمسُّح والتبرُّك, وهو من الشركِيّات. والغريب أن الشيطان يُسَوِّل لهؤلاء حُجَجَاً واهيَة, يقولون لك: إن هذا مكان طاهر, وأنا أدعو الله فيه, عسى أن يستجيب لى. ونقول لهم ولأمثالهم: إن رسول الله r دلَّنا على الأوقات والأماكن التى يُرجَىَ استجابة الدعاء فيها, ولم يذكر منها الدعاء عند قبور الصالحين. ومن أراد أن تُستجاب دعوته فَلْيتقِ الله ربَّه, ولْيُطِب مَطعَمَه, أى لا يتكسَّب إلا من الحلال، ولْيَتَحَيَّن أوقات الاستجابة, مثل الوقت بين الأذان والإقامة, وفى السجود, وبخاصَّة فى التهجُّد بالسَّحَر، وعند إفطاره بعد صومه, ويوم عرفة, وعند نزول المطر… إلخ.

السفر للمشايخ

السفر لزيارة المشايخ مثل السيد البدوى, والمرسى أبى العباس, وغيرهم كثير, وقد قال رسول الله  r: ((لا تُشَدُّ الرِّحال إلا لثلاثة مساجد, المسجد الحرام, ومسجدى هذا, والمسجد الأقصى)) [صحيح الجامع:7332]

التشاؤم

التشاؤم من بعض الأشخاص.. وقولهم: احنا اصْطَبَحْنا بِوِشّ مين النهاردَه, دَه وِشُّه وِحِش, دَه وِشُّه نَحْس, دَه وِشُّه فيه بَرّيمَة, دَه وِشُّه يقطع الخميرة من البيت, ده شَرارة… إلخ. والتشاؤم من بعض الطيور, مثل البُومَة, والحِدْأة, والغُراب, ومن فِعْلِ بعض الأشياء ليلاً, مثل كَنْس البيت, أو إخراج المنْخُل, أو فتح المقَصّ, أواستعمال الإبرَة, أو قِشْر الثوم. والتشاؤم من اللون الأسود, وقَلْب الحِذاء, وعواء الكلب, ويقولون إن الكلب إذا أصدر هذا الصوت, فلابد أن أحداً سيموت. والتشاؤم من شخص إذا دخل البيت فقُطِعَت الكهرباء, ويقولون دَه وِشُّه وِحِش. وإذا قُطِعَت الكهرباء فى عُرْس, فمعناه أن العَرُوس وجهها وِحِش. والتشاؤم من تسمية أحد بأسماء أولادهم, ويقولون: اسم مزروع واسم مخلوع. ويعتقدون أن الذى يُصَلّى وأمامه إنسان.. أنه يفَوِّل عليه بالموت، وأن الحائض إذا خَطَّت فوق أحد جالس – وخصوصاً الأطفال – أنهم سيصابون بأذى, ويقولون: حرام تِعَدّى عليه. والتشاؤم من بعض الأرقام, مثل رقم 13. وكل هذا ما أنزل الله به من سلطان, وقد قال رسول الله r: ((لا عَدْوَى ولا طِيَرَة, ويعجبنى الفَأل الصالح, والفَأل الصالح الكلمة الحسنة)) [سنن أبى داود, صحيح الجامع:7532] والطِّيَرَة معناها التشاؤم, و((لا عدوى)) أى أنها لا تتم تلقائياً بذاتها, ولكن بأمر الله جل وعلا، لأنه حين سُئِل عن الجَرَب الذى يصيب الجِمَال, ويكون مُعْدِياً, قال: ((فمن أجْرَبَ الأوَّل؟)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:7529] أى فمن أصاب الجَمَل الأوَّل بالجرَب؟, وسبحان الله! كم من مُخالِط للمرضى, وقد عافاه الله، وكم من صحيح قد ابتلاه الله، فالأمر كله لله. و((الفأل)) كما جاء فى الحديث, معناه الكلمة الحسنة, وليس بالأشخاص, أو الأماكن, كما يظن البعض.

المشاهَرَة

وهى ما يدَّعونه من مُشاهَرَة العَرُوس, والمختون, والنُّفَساء, فإذا دُخِل على أحد من هؤلاء بلحم نيّئ, أو رجل حالق لحيته, أو حائض, أو جُنُب, أو بباذنجان, أو غيره، فإن هذا (بزعمهم) يمنع لبن الرضاعة, ويمنع الحمل, ويقولون: إنها اتكبست, ويعتقدون أن الطفل المصاب بالحصبة لو دخل عليه جُنُب أنها تتكبس فيه, وكل هذا ليس له أساس من الصحة، وكم من حالات حدث فيها هذا الأمر, وهم متوكلون على الله جل وعلا, ولم يحدث لهم أى مكروه, والحمد لله رب العالمين.

السُّبوع

السنَّة هى العقيقة, وقد عَلِمَها الكثير, ويفعلونها, ولكنهم – للأسف – يعملون معها السبوع, بما فيه من مخالفات شرعية بَيّنة, مثل إيقاد الشموع قبلها بلَيْلَة, ووضعها فى صينية كبيرة, وحولها الفول, والحبوب, والنقود, وغيرذلك مما يتبرَّكون به, ثم يُدَقّ للمولود دقّات عالية, ويوضع فى مَنْخُل, ويُقال له: اسمع كلام امَّك وماتِسْمَعْش كلام ابوك! ويعلقون فى ذراعه قطعة قماش, بها سبع حبات من الفول, وبعض النقود والملح, أو الجلدة المقطوعة من الختان، وغير ذلك، وكل هذا لحفظه من العين, أو أى مكروه! ويُرَش الملح على الحاضرين لنفس الغرض.

ما كل هذا يا أمَّة الإسلام؟ وإلى متى نظل غارقين فى هذه الجهالات؟ ومن يُغيّر إن لم نُغيّر نحن؟ ويا للأسف.. فلقد رأيتُ بعض المتعلمين تعليماً جامعياً يفعلونه, ويقولون: إن آباءنا كانوا يفعلونه! ألم يعلموا أن رسول الله r قد نهى عن التميمة, وأعَدَّها شِرْكاً بالله سبحانه وتعالى؟ وهل هذه التعاليق على الأطفال إلا تمائِم؟ فما أشبه قولهم بقول من تمسَّكوا بدين آبائهم, ولم يتَّبعوا رسلهم – صلوات الله وسلامه عليهم – وقالوا: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف:23] اللهم تب علينا أجمعين.

إرضاء الناس بسَخَط الله

إرضاء الناس بسَخَطِ الله يحدث كثيراً جداً, ومن أمثلته ما ذكرناه فى شهادة الزور, ومن أمثلته الذهاب للأفراح الساقطة, التى يختلط فيها الرجال بالنساء، ويُعْصَى الله عز وجل فيها, بالأغانى الماجنة, والرقص, وشرب المخدرات, والمسْكِرات, كالبيرة وغيرها، وعُرْى النساء, وإسرافِهِنَّ فى تزيُّنهنَّ, وتعطُّرِهِنَّ, وغير ذلك من الموبقات, ألم يعلموا أن رسول الله r قال: ((كل عين زانية, والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهى زانية))؟ [صحيح الجامع:4540]، وقال: ((ليكونن من أمتى أقوام يستحلُّون الحِرَ, والحرير, والخمر, والمعازف))؟ [صحيح البخارى] وقال: ((سيكون فى آخر الزمان خسف, وقذف, ومسخ, إذا ظهرت المعازف, والقَيْنات, واستُحِلَّت الخمر))؟ [صحيح الجامع:3665] ((الحِرَ)) معناه الزنى, و((المعازف)) هى آلات اللَّهو والطَّرَب, و((القينات)) معناها المغنيّات. ومن العلماء من فسَّر المسخ على حقيقته، ومنهم من قال: إنه طَمْس لقلوبهم على هيئة قلوب الحيوانات (والعياذ بالله) والآية الكريمة: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [لقمان:6] فسَّرَها العلماء بأنها الطَّرَب والغناء, كما ورد فى تفسير (ابن كثير) وغيره.

ولو رأيتَ هؤلاء أو سمعتهم (عافانا الله وإياكم) لتعجَّبتَ, وقلتَ: أهؤلاء قوم يؤمنون بالله واليوم الآخر, ويؤمنون بالجنة والنار؟, أهكذا يكون الشكر علىالنعمة يا عباد الله؟ أبَعْدَما مَنَّ الله عليكم بزواج أبنائكم وبناتكم, تقابلون نِعَمَه بمعصيته؟ (سبحانك ربنا ما أحلمك) وأنتِ يا عروسة (أو المعزومة فى الفرح) هل يبيح لك الإسلام أن تخلعى سِتْر ربّكِ, بحجة أنه يوم زفافك (ليلة العمر) أو أنه فرح؟ هل عندك برهان من ربك أنه سيغفر لك ما تصنعينه فى هذا اليوم؟ أين حياؤك؟ تضحكين مع الشباب, وترقصين معهم – أو أمامهم – على أنغام الموسيقى، وكل هذا بحجة أنه فرح, تعملين فيه ما تشائين, وتقولين: {إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ودِى ليلة!, نعم إن الله سبحانه وتعالى {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ولكنه {َذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} {اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة:98] {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {49}  وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيم} [الحجر:49-50] {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} [فصلت:43] ولقد مَرَّ بنا كيف أن الكلمة من سَخَطِ الله يهوِى بها العبد فى النار سبعين خريفاً، فكيف بليلة كاملة فى سَخَطِ الله؟

لقد كانت الأفراح فيما مضى لا يرقص فيها أحد إلا الراقصة (وهو حرام قطعاً) وكانوا إذا أرادوا وصف امرأة خليعة قالوا: دى عاملة زَىّ الرقّاصة، أما الآن فالكل يرقص, حتى المحجبات, والرجال, أين أنتم يا أولياء الأمور؟ أذَهَبَت غيرتكم على أعراضكم؟ إنا لله وإنا إليه راجعون.

وأنتم يا شباب الإسلام, ويا رِجالَه.. أيُرْضِى ربكم أن تشربوا الخمر (البيرة) لمجرَّد مجاملة العريس؟ أتدرون ما العقوبة؟ اسمعوا قول رسولكم r: ((كُلُّ مُسْكِر حرام, وإنَّ على الله لَعَهْداً لمن شَرِبَ المسْكِرَ أن يسقيه من طينة الخبال عرق أهل النار)) [صحيح الجامع:4551] وقوله: ((كُلُّ مُسْكِر خمر, وكُلّ مُسْكِر حرام, ومن شَرِبَ الخمر فى الدنيا, فمات وهو يدمنها, ولم يَتُبْ, لم يشربها فى الآخرة)) [صحيح مسلم] وقوله: ((لا تذهب الأيام والليالى حتى تشرب طائفة من أمتى الخمر, يُسَمُّونها بغير اسمها)) [سنن ابن ماجه, صحيح الجامع:7273] أى أنهم يسمون الخمر بأسماء أخرى, مثل البيرة, والكونياك, والشامبنيا, وغير ذلك.

وقد ابْتُلِينا فى هذه الأيام بما يُسَمَّى (الدِّى جى) الذى انتشر فى كل مكان، وترى المسلم لا يستطيع الصلاة, ولا ذِكْر الله, من هذه الأصوات الخليعة الصاخبة إلى قرب الفجر, وإذا قلت: يا جماعة دَه حرام, فى ناس عايزة تصلّى, وناس مريضة, وناس عايزة تِذاكِر, قالوا لك: ربنا يفرَّح الناس, انت عايزهم يعملوا إيه, يعنى يصَوَّتوا! فى حين أنك لو رفعت صوت القرآن – ولا أقول إن هذا صحيح – أو صلَّى الإمام وفتح ميكرفون المسجد, قالوا: هو دَه يرضى ربنا, وهو ربنا قال كِدَه. يا قوم إلى متى هذه الغفلة؟ تاب الله علينا وعليكم {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} [الكهف:49]

ولا تقولوا احْنا مابنِعْمِلْش حاجة، احْنا بَس رايحين نِقَضّى واجب عشان مايِزْعَلُوش, معقولة مارُحْش فرح ابن اخويا, معقولة ماحضَرْش فرح اختى. يا قوم اتقوا الله.. هل إخوانكم  وأولادهم – أو حتى أولادكم – أحبّ إليكم من الله ورسوله؟ لقد مَرَّ بنا أن مِقياس حب الله تعالى هو طاعته, وطاعة رسوله r. ثم إنها فتنة عظيمة، والإنسان لا يملك نفسه، وعندما يذهب إلى هذه الأفراح تعجبه, ويندمج معها, لأن النفس أمّارَة بالسوء, ويعجبها اتِّباع الهوَى, وهو من المهلكات, وأخطر من ذلك أنه يُصاب بقسوة القلب, واسْألوا كثيراً ممن تابوا إلى الله, وبدأوا فى التقرُّب إليه سبحانه وتعالى, ولكنهم لم يتركوا سماع الأغانى, ورؤية الأفلام, والمسرحيات, والمسلسلات, هل استمروا فى تديّنهم؟ لا والله الذى لا إله غيره.. ما ينشغل قلب بهذه الأشياء, إلا وقد بَعُدَ عن ربه بُعْداً كبيراً. ثم تراهم بعد ذلك يشتكون, ويقولون: ده احْنا كُنّا كُوَيّسين, ومتديّنين, وبنصلّى قيام الليل, وبْنِقْرَأ القرآن, مُشْ عارفين إيه اللّى جَرَى لنا {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُم} [آل عمران:165] {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الأنفال:53]

وإذا كنتم تريدون  قضاء الواجب, فاذهبوا قبل الفرح أو بعده, وإلا- فمتى يكون التغيير, إذا كان كل واحد مِنّا لا يريد أن يبدأ بنفسه, ويعمل ألف حساب للناس, ولا يخاف الله؟ واذكروا قول رسول الله r: ((مَن الْتَمَسَ رِضا الله بِسَخِطِ الناس, كَفَاهُ الله مُؤْنَة الناس, ومن الْتَمَسَ رِضا الناس بِسَخِطِ الله, وَكَلَهُ الله إلى الناس)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:6097]

وقبل أن نترك هذه الفقرة, نريد أن نذكّر إخواننا أن قراءة الفاتحة قبل العقد (وهى لم ترد عن الرسول r) لا تحلل الحرام، فلا تبيح للخاطب أن يخلو بخطيبته, أو يخرج معها بدون محرم, والناس تعلم هذا جيداً, ولكنها المغالطة, واتِّباع الهوَى {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص:26] وللأسف يقال إن الفاتحة نصف الكتاب, وإنها تساوى 44 يمين! من أين جئتم بهذا الكلام؟ ألَكُم إله غير الله يُشَرِّع لكم؟ أم لَكُم رسول غير سيدنا محمد r؟ (لا إله إلا الله محمد رسول الله).

وعَلامَ كل هذه الأفراح؟ فرح للفاتحة (بالدِّى جى طبعاً) وفرح للشبكة, وآخر للعقد, وآخر للزفاف. وأريد أن أسألكم.. ما للدِّى جى بالفاتحة؟ أم أنها لابد أن تُقرَأ على أنغام الموسيقى؟ (أستغفر الله) ثم أمْر آخر: ألَيسَت كل هذه الأفراح ترهقكم مادياً, بالإضافة لتعنُّتِكُم فى اشتراط المهور, ومُغالاتكم فى الشبكة, ونوع المسكن والأثاث؟ وبعد هذا تشتكون من قِلّة الزواج, وشبابكم يفسد, وبناتكم تعنّس. يَسّرُوا ولا تُعَسّرُوا, ولا يحملنَّكم حُبّ التباهى والتفاخر على أن تعطلوا أولادكم عن الزواج, ويشيع الفساد, وتتحملوا عواقبه الوخيمة.

لقد شاع الزواج العرفى بين طلبة المدارس والجامعات، وهو ليس بزواج, بل هو زنى (والعياذ بالله) قال رسول الله r: ((لا نِكاح إلا بِوَلِىّ)) [صحيح البخارى] وقال: ((لا نِكاح إلا بِوَلِىّ, وشاهِدَىّ عَدْل)) [مصنف ابن أبى شيبة, السنن الكبرى للبيهقى, صحيح الجامع:7557] وقال: ((أيُّما امرأة نُكِحَت بغير إذن ولّيها فَنِكاحُها باطِل, فَنِكاحُها باطِل, فَنِكاحُها باطِل)) [سنن أبى داود والترمذى, صحيح الجامع:2709] فلابد من موافقة وَلِىّ الزوجة (وهو أبوها, أو من يَحِلّ مَحِلّه) والإشهار، قال رسول الله r: ((فَصْلُ ما بين الحلال والحرام, ضَرْب الدُّف, والصَّوْت فى النكاح)) [صحيح الجامع:4206] ولا يُفهَم من الحديث الشريف أن “الصَّوْت” يُقصَد به الزغاريد, أو الأغانى الماجنة, أو الموسيقى, ولكنه الضَّرْب بالدّف فقط, والأغانى العفيفة, بدون تَمَيُّع, أو اختلاط بين الرجال والنساء, قال رسول الله r: ((صوتان ملعونان فى الدنيا والآخرة: مِزْمار عند نِعْمِة, ورَنَّة عند مصيبة)) [صحيح الجامع:3801] ونلاحظ قول ((عند نعمة)) حتى يَعْلَم الذين يُشَغّلُون الدِّى جى والأغانى فى أىّ مناسبة, من نجاح, أو عيد ميلاد, أو افتتاح محل, أو سُبُوع, أو غيره, حتى التنجيد والحِنَّة, يُشَغّلُون فيهما الدِّى جى, وكأن إزعاج الناس ليس له أى اعتبار.

وأُناشِدُكُم من قلبى, ومعى الكثير والكثير: (ارحمونا من الدّى جى) هدانا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه.

مُوالاة المشركين والكافرين والتشبُّه بهم

قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:51] وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِينا} [النساء:144]

التشبُّه بهم فى أعيادهم: مثل أعياد الميلاد, وعيد الكريسماس, بما فيه من المعاصى التى لا ترضى الله عز وجل، وما يسمونه بابانويل (مالَنا ببابانويل يا مسلمين؟ هل لنا باباوات يا ناس يا طيّبين؟) وشجرة الكريسماس التى تزيّن بيوت المسلمين فى هذا اليوم. وشمّ النسيم.. حتى لو قيل إنه عيد قديم قبل نزول الديانات، فما لَنا به؟ إن النَّسيم فى كل حِين.. فما الذى جعل له عيداً؟

التشبُّه بهم فى لبسهم: مثل ما يُسَمَّى ببنطلون (بارامودا) وهو بنطلون ضيّق قصير, يلبسه الرجال والنساء على السَّواء, ومثل الملابس التى يسمونها (ديرتى) وهى ملابس تبدو كأنها مُتَّسِخَة, لأن كلمة ديرتى معناها قَذِر, أو مُتَّسِخ. وغير ذلك من أنواع الملابس كثير, فإن طوَّلوا ثيابهم طوَّلناها, وإن قصَّروها قصَّرناها، إن ضيَّقوها ضيَّقناها, وإن وسَّعوها وسَّعناها، وبخاصة النساء (الموضة كِدَه) يا أَمَة الله.. أين حِجابُكِ؟ أين طاعة ربّكِ؟ وطاعة رسولِكِ r؟ أليس الأجدر بك أن تقتدى بأمَّهات المؤمنين – رضى الله عنهن – بدلاً من هؤلاء الكفرة؟ أتظنين أن ما تلبسينه من ملابس ضيّقة, مثل البنطلونات الجينز, والاسترتش, والبَدِى, وإيشارب صغير يظهر بعض الشعر, مع وضع المكياج, أن هذا حجاب؟ لا- إن الحجاب الذى يرضى الله عز وجل ليس هكذا, بل له مُواصفات لابد من تَوَفّرِها, وهى أن يكون ساتراً للعَوْرَة (من العلماء من قال إن جسد المرأة كله عورة، مع اختلافات بسيطة يُرجَع إليها فى كتب الفقه) وألا يَصِف (لا يكون ضيّقاً) وألا يَشِفّ (لا يكون شفّافاً) وألا يشبه زِىّ الكفرة، فلا يكون مثلاً مثل زِىّ الراهبات, وألا يكون ذا ألوان مُلفتة للنظر, كالأحمر, أو الفوشيا, أو ذا ألوان صاخبة, أو تَلْمَع (مثل فساتين السهرة) وألا يكون لباس شُهْرَة (يعنى ألا تكون ثياباً باهظة الثمن مثلاً, أو لها صفة غريبة ملفتة للنظر, بحيث تشتهر بها) اتقى الله يا أختى المسلمة, وتوبى إليه, قبل أن يأتىَ يوم لا ينفع فيه الندم {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} [مريم:39] {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} [غافر:18] {وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَاب} [إبراهيم:44]  هل يوجد حجاب للسهرة, وآخر لغير السهرة؟ أم أنك ترتدين الحجاب الذى على مزاجك؟ قال رسول الله r: ((صِنفان من أهل النار لم أرهما بعد: قوم معهم سياط كأذناب البقر, يضربون بها الناس, ونساء كاسيات عاريات, مميلات مائلات, رءوسهن كأسْنِمَة البُخْتِ المائلة, لا يدخلن الجنة, ولا يَجِدْنَ ريحها, وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)) [صحيح الجامع:3799] وفى رواية أخرى: ((من مسيرة خمسمائة عام)) قال العلماء إن ((كاسيات عاريات)) معناها أنها تستر جزءاً من جسدها, وتعرّى جزءاً آخر, أو ضيّقة بحيث تَصِف الجسد, أو شفافة, فكأنها عارية (مثل الشيفون) ((أسْنِمَة البُخْتِ)) أى عالية كأسنام الإِبِل, مثل تسريحات الشعر العالية, “مائلات مميلات” أى أنها تميل عن الحق, وتميل غيرها، أو تتمايل فى مشيتها, وتميل غيرها. أرأيتِ يا أختى خطورة الملابس الشفافة, والضيقة, والتى لا تستر العورة, كيف جعلت صاحبتها من أهل النار؟ وكيف جعلتها لا تشم رائحة الجنة؟ أبَعْد هذا تتمسَّكين بالموضة, وتقلّدين الأجانب؟ والله إنى لأخشى عليكِ عقاب الله سبحانه وتعالى, فتوبى إلى ربك واستغفريه, قبل أن تكون الدموع دَماً, والأضراس جَمْراً. وأنصح أختى المحجبة بارتداء سِرْوال (بنطلون) صيفاً وشتاءً (لا أقصد بنطلون بغير شىء يغطيه, ولكن أقصد تحت العباءة) لأنها عند ركوب سيّارة أو ميكروباص أو غيره, ينكشف جزء كبير من ساقيها, وهى لا تدرى. وكذلك فإنها لا تضمن الظروف، فكل إنسان مُعَرَّض للوقوع أو الإغماء أو الموت وهو فى الطريق. وأنصحها أيضاً بعدم التهاون فى الحجاب، فالكثير من المحجبات يتهاونَّ فى حِجابِهِنَّ, عند النظر من الشبّاك, أو البلكونة مثلاً, أو أمام بعض الجيران والضيوف. وتسمع مَن تقول: دَه زَىّ ابنى – دَه زَىّ اخويا – دَه زَىّ ابويا – دَه انا اللّى مِرَبّياه, ده جُوز اختى ومتحرَّم عَليَّه (رغم أنه تحريم مؤقت) وتفعل ذلك أيضاً مع أقاربها, وأقارب زوجها, وكل هذا ما أنزل الله به من سلطان, اللهم استرنا, واستر المسلمين والمسلمات.

تقليد كلامهم: فتراهم يقولون عند اللقاء هاى, وعند الفراق باى باى, وعند التعجُّب ياى.. ليه؟ لأنهم ناس هاى! أين تحية الإسلام؟ السلام, والرحمة, والبركة؟ وكلمة آلو (أصلها: هاللو) لا أقول إنها حرام, ولكنها تحية الأجانب, وليست تحيتنا, والسلام عليكم بعشر حسنات, ورحمة الله عشراً, وبركاته عشراً، فهل أنتم مستغنون عن كل هذه الحسنات؟ وقد ورد أن الأم تطلب من ابنها حسنة يوم القيامة فيأبى, لأنه فى حاجة إليها {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ {34} وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ {35} وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ {36} لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس:34-37] ويقولون: سيّداتى سادَتى, كما يعمل الأجانب بقاعدة لِيدِزْ فِرسْت (أى النساء أولاً) يا أُمَّة القرآن.. ابدأوا بما بدأ به القرآن: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ} [النساء:32] {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى} [النساء:124] {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات} [الأحزاب:35] وغير ذلك من الآيات كثير. وعند الاعتذار يقولون سُرِى, وعند الشكر يقولون مِرسى، والسنَّة: جزاك الله خيراً.. أرأيتم الفرق؟ ويقولون مامى, وبابى, ويا طَنْت, ويا أنْكِل, ويا أبِيه (خالى وخالتى, وعمى وعمتى, دى بتاعة الناس البلدى!) وإذا تواعدوا أو اتفقوا على فعل شىء يقولون أوكيه.. بدلاً من {إِن شَاء اللّهُ} ويأكلون ويشربون بشمالهم, ويُسَمُّون المحلات بأسماء أجنبية, ويكتبون على الملابس حروفاً وكلمات أجنبية، وربما كان لها معنى فاضح, ويرسمون عليها صوراً أجنبية, ويُصَفّقون للمتكلِّم بعد انتهاء حديثه, وإذا أعجبهم شىء من كلامه صَفَّقوا, ووقفوا له. وكلمة (سيداتى وسادتى) الأفضل أن تقولوا بدلاً منها: إخوانى وأخواتى, لأنه لا يجوز مخاطبة الكافر, والفاسق, والمنافق, بلفظ (سَيّد) لِنَهْىِ الرسول r عن ذلك.

تقليد تسريحة شعرهم: مثل تسريحة مارادونا وغيره, وتسريحة عُرْف الديك, وتسريحة كابوريا (وهى حلق الجزء الأسفل, وترك الأعلى) وقد نهانا رسول الله r عن القَزْع, وهو حلق بعض الرأس, وترك بعضه. وأكادُ أقسم: لو أن أحداً من الكفرة, من مشاهير الممثلين, أو لاعبى الكرة العالميين, أطال لحيته, لأطالها كثير من الشباب المسلم، أمّا لو قلت إنها سنة نبيكم r فلا تجد مجيباً إلا قليلاً!

يا قوم.. أين هدى نبينا محمد r؟ ألَيْسَ لنا دين نتَّبعه؟ أليست لنا هَوِيَّة؟ ألم يَقُل ربنا فى كتابه العزيز: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [الأحزاب:21]؟ أفيقوا من غفلتكم و{اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ} [الشورى:47] أتحبون أن تكونوا معهم فى الآخرة؟ فإن رسول الله r قال: ((من تشبَّه بقوم فهو منهم)) [سنن أبى داود, صحيح الجامع:6149] وقال: ((المرْءُ مع مَن أحَبَّ)) [متفق عليه]

ومن مشابهة الكافرين تسمية المرء بغير اسم أبيه، كتسمية المرأة باسم زوجها, بدلاً من أبيها, فمثلاً لو أن اسمها ليلى, وأباها إبراهيم, وزوجها أحمد, يقولون: ليلى أحمد، وقد قال رسول الله r: ((من ادَّعَى إلى غير أبيه, وهو يعلم أنه غير أبيه, فالجنة عليه حرام)) [متفق عليه]

التشبُّه بهم فى تهانيهم وتعازيهم: مثل إيقاد الشموع للعروسين, والتصفيق لهم, ورَمْى الحلويات والورود والنقود عليهم, وهذا كله من التبذير, وعدم احترام نعمة الله. وكذلك وَضْع الشموع والورود على المقابر, والنَّصْب التذكارى, والوقوف دقيقة للحداد, ووضع شريط من القماش الأسود على صورة الميت, وغير ذلك.

ومن التشبُّه بهم الإشارة بأُصْبُعَى السبّابة والوسطى كَعَلامَة على النصر, وهذه العلامة تعنى حرف ((V وهو أول حرف من كلمة (Victory) التى معناها النصر, والأفضل من ذلك ما يفعله بعض الإخوة من الإشارة بالسبّابة, كعلامة على التوحيد, يا أُمَّة التوحيد.  

ومن التشبُّه بهم التقويم الميلادى, وانظروا إلى جمال التقويم الهجرى, كيف أنه مقترن بذكرى هجرة نبينا محمد r ثم تغيُّر الشهور فى الصيف والشتاء.. كيف؟ نجد مثلاً رمضان يأتى فى الشتاء وفى الصيف, وكذلك الحج، وبهذا يتم اختبار المسلم فى كل الأوقات, فلو كان رمضان فى الشتاء باستمرار, لم يتم التعبُّد بصوم الصيف, ولو كان العكس, لكان فى ذلك مَشَقَّة, وكذلك الحج. ويكفى أن الله سبحانه وتعالى هو الذى قدَّر الزمن بالشهور القمرية {يَسْئلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ} [البقرة:189] {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يونس:5] {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة:36]

وهكذا تقليدهم فى كل شىء! قال رسول الله r: ((لتتبعُنَّ سنن الذين من قبلكم, شبراً بشبر, وذراعاً بذراع, حتى لو سلكوا جُحْر ضَبّ لسلكتموه)) قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: ((فَمَن؟)) [صحيح الجامع:6149] وكلمة ((فَمَن)) معناها فَمَن غيرهم؟ والضَّبّ حيوان صغير, أكبر من الفأر, وأصغر من الأرنب, وقد كان معروفاً أيام الرسول r والحديث معناه واضح أن المسلمين سيقلّدون اليهود والنصارى فى كل شىء, حتى لو دخلوا جُحْر ضَبّ, لدخله المسلمون، وإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد تحقق ما قاله الرسول r بالحرف الواحد, حتى إنه قد وصل الأمر لتصديق بعض معتقداتهم التى تخالف عقيدتنا, كما حدث فى فيلم (آلام السيد المسيح) الذى شاهده كثير من المسلمين (رغم صدور فتوى من الأزهر بحرمة رؤيته, لمخالفته لكتاب الله) وخرجت المسلمات من السينيمات يبكين, ويَقُلْن: ياعينى.. دَه المسيح اتعذّب تعذيب! مع أن الله سبحانه وتعالى قال: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء:157]

أما كفاكم ما أصابكم من الأجانب؟ أما زلتم تحبونهم, وتحبون التحدث بلغتهم؟ لقد قال الله عز وجل: {هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} [آل عمران:119] إن تعظيمكم إيّاهم لمجرَّد تفوقهم العلمى, أو جمالهم وأموالهم, خَلَل فى عقيدتكم, فإنهم أعداؤنا, وهم الذين اغتصبوا أرضنا, وسفكوا دماءنا, ونهبوا أموالنا, وهتكوا أعراضنا، واستهزأوا بكتاب ربنا, وبسنة نبينا, وبعد هذا ما زلتم مبهورين بهم, وتنفقون آلاف الجنيهات لتعليم أولادكم فى المدارس الأجنبية, وتفتخرون بذلك؟ وكذلك يفتخر أبناؤكم, وينظرون للمتعلّمين فى المدارس العربية على أنهم متخلّّفين, أو دونهم فى المستوى؟ إن كانت اللغة الأجنبية لغة أهل الحضارة والتقدم العلمى (وهذا صحيح, بغض النظر عن أنهم اقتبسوا حضارة أجدادنا وطوَّروها, وهذا عيبنا) فإن اللغة العربية هى التى أنزل الله بها أعظم كتبه, وأرسل بها خير رسله (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) وكانت لغة أهل العلم والحضارة والحكام, حين قوة المسلمين, وهى لغة أهل الجنة. اللهم اجعلنا من أهلها.

لقد قال العلماء: إن تفضيل أى لغة على اللغة العربية, وحُبّ التحدُّث بها, يُعَدّ من النفاق, وللأسف.. فقد أصبح هذا دَيْدَن كثير من المسلمين اليوم, وأصبحوا يتنافسون, ويتباهون بمعرفتهم للكلمات الأجنبية, ويستبدلون كثيراً من الكلمات العربية بها, حتى فى أكلهم, وشربهم, وملابسهم, وكأن اللغة العربية أصبحت عاراً عليهم! وإلا- فماذا يعنى قولنا عن الأستاذ إنه مِسْتَر؟ وعن الْمُدَرّسة: مِسْ أو مِسِزْ؟ هل أصبحت كلمة أستاذ أو مُدَرّسة عيباً؟ وماذا يعنى قولنا: كِيه جِى وَنْ, وكِيه جِى تُو؟ هل أصبحت كلمة سَنَة أولى أو سَنَة ثانية حضانة تخلُّفاً؟ وهل كلمة دورة المياه تخدش الحياء, حتى نقول عنها: تواليت, أو دابليوسى؟ وهناك كلمات كثيرة يضيق المقام عن ذكرها, حتى كادت بعض الكلمات تُمحَى من قاموس اللغة العربية, وتحل محلها كلمات أجنبية, مثل كلمة صفر, التى استُبدِلَت فى حديث الناس بكلمة زيرو. فإن كنتم تعتبرون اللغة الأجنبية لغة أهل السعادة الدنيوية, بما اخترعوه لراحة البشرية (بغض النظر عن أخلاقهم, ووحشيتهم) فإن اللغة العربية لغة أهل السعادة الأخروية, فهل يستويان؟  

ولكن هناك فرقاً بين الْمُحتلّين الغُزاة, والمسالمين الذين لا يؤذوننا, مثل جيراننا, وزملائنا فى العمل, وغيرهم, وأنا أعلم أن هذا ليس موضوعنا، ولكنى ذكرت ذلك لما أجده من خلط الأمور ببعضها, فقد يظن ظانّ – مثلاً – أننا نظلمهم, أو نعتدى عليهم بغير ذنب, وأحياناً نسمع من يقول: دول وُلاد كذا وكذا, وإذا حدثت خصومة بين مسلم وآخر غير مسلم, ينصر المسلم, حتى لو كان هو المخطئ! إن الله عز وجل قال فى كتابه الكريم: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} [النساء:58] لقد قال الله: {بَيْنَ النَّاسِ} ولم يَقُل (بين المسلمين) (وقد وردت فى القرآن الكريم قصة تَبْرِئَة الرجل اليهودى من السرقة التى نُسِبَت إليه على عهد الرسول r  فى الآيات من 105 إلى 113 من سورة النساء, فليرجع إلى تفسيرها من يشاء) وكذلك تجد من لا يرضى أن يأكل من طعامهم, وقد أحله الله لنا {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ} [المائدة:5] بالطبع إذا كان الطعام نفسه حلالاً.

أقوال لا تليق بالله جل وعلا

قول: (ربنا فى كل مكان) إن كان المقصود منها أنه فى كل مكان بعلمه, وسمعه, وبصره, وتدبيره, فلا حرج، أما بذاته سبحانه وتعالى فَلا, لأنه سبحانه وتعالى لا يَحُدّه زمان ولا مكان, فهو الخالق للزمان والمكان.

قول: القَدَر لعب دُورُه.. كيف يقال (لعب) وهو بيد الله؟, وكذلك من يقول: شاءت الظروف, من الذى يشاء.. الله أم الظروف؟, قول: ربنا قال اسعى يا عبد وانا اسعى معاك! وهل ربنا سبحانه وتعالى يسعى؟ إن السعى يكون من العبد الفقير الضعيف, والتوفيق من الله عز وجل لمن يشاء من عباده, فمن أين جاءوا بهذا الكلام؟ وإذا قلت لأحدهم إن الله لم يَقُل هذا, قال ياعم ماتحبّكْهاش, دَه ربنا رب قلوب, واحنا مانقصدش. سبحان الله! هل ورد ذلك فى كتاب الله؟ أو على لسان نبيه r؟ أم على الله يفترون؟

نسمع كثيراً من يقول: ربنا عايز كِدَه, والعِوَز هو الاحتياج, وهو مُحال على الله جل وعلا, ولكن ممكن قول: ربنا أراد كذا, وكذلك نسمع: عشان كذا ربنا عمل كذا, وربنا قال كذا, كمن يقول: شُوف عشان مارضيش يسمع كلامى, ربنا وَقَّعُه فى شر أعماله – ربنا قال له خُدْ على دماغك. أهذا يليق بالله سبحانه وتعالى؟ ومن أدراكم أنه قال كذا أو عمل كذا؟ ومن أدراكم بحكمته سبحانه وتعالى؟, وكذلك لا يجوز أن نقول احنا واسطتنا ربنا (كما يقول البعض حين يتقدمون لنيل وظيفة أو غيرها) لأن الله سبحانه وتعالى ليس واسطة بين العبد والعبد, فإن الأمر كله بيد الله {قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران:154] فالأفضل أن يقولوا: احنا متوكلين على الله, أو: الأمر بيد الله وحده.

والوسائِط وما يحدث فيها من تضييع حقوق العباد, وإسناد الأمر لغير أهله, لا يَحِلّ, فقد قال رسول الله r: ((إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)) [صحيح البخارى], كلمة: أبو خيمة زَرْقَة (يقصدون الله رب السماء), قول: فى عَرْض ربنا,  يقولون على من يوفقه الله فى شىء: دَه ربنا داعِيلُه (ولا تتعجبوا, فقد سمعتها أكثر من مرة) أخبرونى يا من تقولون هذا.. من سيدعوه الله؟ والله هو القادر على كل شىء, المدبّر الفعّال لكل شىء؟ أهناك من هو أقوى من الله, حتى يدعوه الله؟

قول: دَه ربنا فوق وهُوَّ تحت, قول: دَه انا باعبده أو باعبدها, قول: دَه ربنا أبو الكل.. سبحانه {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ {3}  وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَد} [الإخلاص:3-4], قول: ربنا افتكره, وافتكاره رحمة.. فهل كان ربنا ناسياً؟ حاشا لله سبحانه وتعالى {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} [مريم:64], قولهم: العِصْمَة لله.. إن كان المقصود بها أنه (معصوم) فهذا لا يليق به سبحانه وتعالى, لأن المعصوم لابد له من عاصم, أما إن كان المقصود بها أن العِصْمَة بيده, يعصم من يشاء, فلا حرج, فال الله ولا فالَك.. هذه العبارة لا تليق بجلال الله سبحانه وتعالى, لأنها تعنى أن الله له فَأْل سيِّئ, ولكنه أقل سوءاً من الخبر الذى سمعوه (أستغفر الله), يِوْضَع سِرُّه فى أضعف خلقه.. من أين جئتم بهذا القول؟, دَه اللاوى.. ولا يَصِحّ أن يقال (اللاوى) على أى شىء, لأنه لا يليق بلفظ الجلالة, ولا يَصِحّ أن يقال: الله حَىّ عبّاس جَىّ, لأنه استعمال لِلَفْظِ الجلالة فيما لا يليق به, وكذلك لا يَصِحّ أن يقال: اسْمَلّتين, كمن يقولون عندما يتعجبون: يَخْتِِى اسملّتين, لأن جمع لفظ الجلالة (الله) أو تثنيته, لا يجوز.

يقولون: ربنا يرحمه على أشياء لا تعقل، فمثلاً: لو ماتت قِطَّة, وسُئِلَ عنها صاحبها.. أين قطتك, قال: ربنا يرحمها بَقَى, وإذا سُئِلَ – مثلاً – أين تليفونك, قال: ربنا يرحمه, فهل هذا يليق بالله سبحانه وتعالى؟, وكذلك لا يَصِحّ أن يقول أحد فى دعائه كلمة (بَقَى) فلا يقول مثلاً: يا رب افرجها بَقَى! إننا لا نستطيع أن نقول لأحد ممن يسمونهم (الكبار) اعمل كذا بقى، فما بالكم بالله سبحانه وتعالى؟, كلمة عشان خاطر ربنا، والصحيح أن يقال: اعمل كذا لله, أو لوجه الله, قُول يا باسط تلاقيها هاصت (لا يليق بأسماء الله الحسنى) والأفضل أن تقول مثلاً: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} [الشرح:6] أو ربنا يفرجها… إلخ، أو تقتصر على قول يا باسط, قول: لله والوطن.. والمفروض أن كل أعمال الخير تكون لله تعالى.  

يَسُبُّ الإنسان أحياناً بعض الأشياء, أو يصفها بصفات مهينة, رغم أنها من فعل الله عز وجل, فبذلك يكون قد سَبَّ الله سبحانه وتعالى, أو وصفه بهذه الصفات, وهو لا يدرى, فيقول مثلاً: الجَوّ اتجنن.. مَرَّة يحَرَّر, ومَرَّة يبرَّد – أمشير دَه غدّار – وغير ذلك كثير, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

أقوال لا تليق بآيات الله

هناك أقوال أرجو أن ننتهى عنها, لأنها فى ظاهرها استهزاء بالقرآن, والعياذ بالله, فمثلاً إذا قلت لأحد: اذهب لخالتك، يقول: ولا خالتى ولا يحزنون! وأشياء كثيرة يقال عنها: ولا يحزنون, وأظن أن هذه الكلمة (والله أعلم) مأخوذة من قول الله تبارك وتعالى عن المؤمنين فى أكثر من آية: {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} مثل [يونس:62] وإذا تعجبتم وقلتم: لا مِشْ معقول ان معناها كِدَه، فأقول لكم: فما دَخْل يحزنون, وما معناها فى كلامنا؟, وكذلك كلمة: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا} أهَذِهِ أيضاً ليست مأخوذة من القرآن؟ ألم تَرِد فى أكثر من سورة, مثل الحاقة والانفطار والبلد والقارعة؟ وللأسف يذكرونها فى ضحكهم, فيقال مثلاً: انا دخلت الجامعة وما أدراك ما الجامعة, وتقال على أشياء كثيرة لا علاقة لها بها, وكذلك كلمة: {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [فصلت:34] يدخلونها أيضاً فى ضحكهم, وإذا قرأوا مثلاً كتاباً أو مَجَلَّة قراءة سريعة.. قالوا: مَرّيت عليها مَرّ الكِرام, مشابهة للآية الكريمة التى جاءت فى وصف عباد الرحمن: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاما} [الفرقان:72] وإذا وَصَفوا شيئاً شديد الحرارة قالوا: {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَة} [الهمزة:6] أليست هذه بعض آيات فى كتاب الله جل وعلا؟ وهل لو انتهينا عن هذه الأقوال, خشية الوقوع فى الإثم.. أينقصنا شىء؟

ومن الاستهزاء بآيات الله, أو وضعها فى غير محلها, أن تجد الخيّاط يكتب على دكّانه {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} [الإسراء:12] أهذا يليق بآيات الله؟ وكذلك بائع العصير يكتب على دكّانه {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} [الإنسان:21] والمطعم يكتب {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئا} [الحاقة:24] والمكتبة تكتب {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [البينة:3] أستغفر الله لى وللمؤمنين والمؤمنات.. اللهم اهدنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأفعال.

أسماء ليست من الأسماء الحسنى

قولهم: جبتك يا عبد المعين تعينّى, لقيتك يا عبد المعين عايز تتعان, وقولهم: حُوش يا حَوّاش, والمعين وحَوّاش ليسا من أسماء الله سبحانه وتعالى, قول: يا ساتر, والساتر معناه شىء كالستارة, أو ما يحجب الرؤية, والصحيح أن يقال: يا سِتّير.

تسمية عبد العاطى, عبد المتجلّى, عبد الراضى, عبد المنصف, عبد المقصود, عبد الموجود, عبد الفضيل, عبد الونيس, عبد العال, عبد المطَّلِب, عبد الدايم, عبد الجيّد, عبد اللا, عبد النعيم.. إلخ, تسمية عبد النبى وعبد الرسول لا تجوز, لأن العبودية لله وحده, وكره العلماء الأسماء التى تزكّى صاحبها, مثل أكرم, وكريم, ونافع, ومؤمن, وخلود, وجليلة.. إلخ. وقد ذُكِرَ لنا أنه أُشِيع دَلَع أسماء النبى r حتى لا يُذكر اسمه (طبعاً من غير المسلمين) مثل: محمد: حمادة وحمام, وأحمد: ميدو وحَمَّو.. وهكذا (والله أعلم) وأريد أن أسألكم.. لماذا تستنكفون من تسمية أبنائكم بأسماء الصحابة من الرجال والنساء y وتقولون دِى أسماء قديمة, فى حين أنكم تسمونهم بأسماء ليست إسلامية؟

تحريف بعض أسماء الله جل وعلا

مثل تسمية عبد العزيز زيزو, وعبد اللطيف تيفا, وعبد الرحيم حيما, وعبد الحليم حُلُم, وعبد السميع سُمْعَه, أو عبد السميع ابو سريع, أو عبد السميع اللَّميع (أستغفر الله).. وهكذا.

وكذلك لا يجوز أن يقال على الرسول (صلعم) التى اخترعها من لا نعلم اختصاراً لصلى الله عليه وسلم.

المغالاة فى رسول الله r

منها الحلِف به كما ذكرنا, ومنها قول أحدهم, إذا مَنَّ الله عليه بالحج أو العمرة, إن الرسول r ناداه! لدرجة أنهم يقولون: نادينى يا رسول الله! وقد سبق أن ذكرنا أن دعاء غير الله شرك، وأن رسول الله r لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً, إلا ما شاء الله.

وكذلك من الأخطاء الجسيمة أنهم إذا زاروا قبره r طلبوا منه الشفاعة، وهذا أيضاً دعاء, والصحيح أن تُلْقِى عليه السلام, وتُثْنى عليه بما لا يخالف هَدْيَه r أما شفاعته فتطلبها من الله عز وجل, سواء فى مسجده, أو فى أى مكان. وأيضاً لا تكون فى سفرك ناوياً زيارته, بل تنوى زيارة مسجده. ربما تقول: وما الفرق؟ فأقول لك: إن الأُولى تعنى أنك سافرت لزيارة قبره، أما الثانية فتَعْنى زيارة مسجده r وهو من المساجد التى تُشَدُّ إليها الرِّحال, بخلاف قَصْد القبر.

قولهم: اسم النبى حارسه, وقولهم: النبى حارْسَك وضامْنَك, لمن يريدون له الحفظ فى سفر أو غيره، ولا يقدر على ذلك بالطبع إلا الله عز وجل, وقولهم: سُقْت عليك النبى، وقد قال الله سبحانه وتعالى لنبيه r: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف:188] وهذا فى حياته r فما بالكم بعد موته؟

الاعتقاد أن رسول الله r هو أول خلق الله، أو أنه من نور عرش الله {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً}  [الإسراء:93], أو أن الدنيا خُلِقَت لأجله, أو أنه لم يَمُت, قال الله عز وجل: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} [الزمر:30] وقال r: ((لا تُطْرونى كما أَطْرَت النصارى ابن مريم, فإنما أنا عبد, فقولوا: عبد الله ورسوله)) [صحيح البخارى]

بعض الناس إذا سألتهم عن شىء, قالوا: الله ورسوله أعلم, وهذا لا يَصِحّ, إلا فى الأمور الشرعية, أما الأمور الدنيوية – وخصوصاً الْمُسْتَحْدَثة منها – فلا يعلمها r فهو الذى قال: “إذا كان شىء من أمْرِ دنياكم فأنتم أعلم به, وإذا كان شىء من أمْرِ دينكم فَإلىَّ” [صحيح الجامع:767]

هناك من يكتب على واجهة دُكّانه, أو منزله (الله) وعلى الناحية الأخرى (محمد) ويكتبونها على بعض لوحات الزينة, وعلى القِبْلَة فى بعض المساجد, وهى توحى بالمِثْلِيَّة بين الله سبحانه وتعالى ورسوله r رغم أنهم لا يقصدونها, فالأوْلى عدم كتابتها, دَفْعاً للشكِّ فى فهمها.

أقوال لا تليق برسول الله r

قولهم إذا زارهم من يُوَقّرونَه: داحْنا زارنا النبى، وهل يَصِحّ أن يُشبَّه أحد مِنّا بالرسول r؟, قولهم: دَه النبى زَعَق له، أو دِى زَعََق لها نبى.. عندما يكون شخص فى كُرْبة, ثم ينجو منها, ولا يقصدون زَعَّق (شَخَط فيه) ولكن بمعنى أنه دعا لها دعوة عظيمة, أو دعا بصوت عالٍ. قولهم: أنا فى عَرْض النبى, أنا فى جاه النبى, سايِق عليك النبى, خَصيمَك النبى, النبى تبسَّم.. إن كان المقصود بها أن تُقْسِم على من تخاطبه بالنبى أن يتبسَّم.. فقد مَرَّ بنا أن الحلف بغير الله شرك, وإن كان المقصود أن النبى r كان يتبسَّم, فهذا حق, ولكن طريقة الكلام هذه لا تليق به, ولكن تقول: كان رسول الله r يفعل كذا وكذا. يقولون عندما يَصِفون أحداً بقِلّة الضمير: دَه ياكُل مال النبى, أو دَه ياكُل مال النبى, ويحَلّى بالصحابة!

الاعتراض على قدر الله

هذه الفقرة أفردتُّ لها عنواناً خاصاً بها, رغم أن مضمونها يندرج تحت عناوين أخرى, وذلك لأهميتها, وعِظَم خَطَرِها.

إن المتأمّل فى أحوال الناس, يجد عامَّتهم لا يرضون بقضاء الله وقدَرِه {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ} [غافر:61] ويظهر هذا فى كلامهم, وأمثالهم التى ذكرنا بعضاً منها فى باب الأمثال الخاطئة, ومنهم من يشتكى صراحة, ومنهم من يتظاهر بالرضا, فيشتكى من فقره, ومرضه, وما ألَمَّ به, ثم يقول: الواحد مِش عايز يشتكى, لأن الشكوى لغير الله مذلَّة, أو يقول: نعمل ايه, آدِى الله وادِى حكمته, ومنهم من يتجرَّأ على الله سبحانه وتعالى بكلمات, ربما يكون فيها هلاكه, مثل: ليه يا رب كِدَه, إيه الظلم دَه, هُوَّ مافيش غيرى, وتجدهم يُقيّمون رضا الله على الناس أو سَخَطَه حسب غناهم وفقرهم, أو صحتهم ومرضهم, أو جمالهم وقبحهم, وغير ذلك من المقاييس التى ما أنزل بها من سلطان, وكأن الثواب والعقاب فى الدنيا, وليس فى الآخرة, وسأضرب بعض الأمثلة, وأرجو أن تسامحونى على كثرتها, فقد تعمدت ذلك لخطورتها:

قولهم على الظالم إذا لم تنزل به عقوبة عاجلة: هو ربنا سايبُه لِيه – الناس الطيّبَة اللّى فى حالها, ومابتِعْمِلْش فى حَد حاجة وِحْشَة, ربنا مبتليها, والناس الْمُفتريَّة ربنا سايبها, ومابيِحْصَلّهاش حاجة – مِشْ عارف ربنا مضيَّقها علىَّ لِيه, مع إنى بَصَلّى, وعارف ربنا – أهِى فلانة مابتِرْكَعْهاش, وزَىّ القِرْدَة, ولا فيها حاجة, وفلانة اللّى عمرها ما آذت حَد, حَصَلَ لها كذا وكذا – فلانة اللّى ماشْيَة عريانة, وماتِعْرَفْش ربنا, اتجوّزِت رجل غنى, وجاب لها كذا وكذا, وفلانة اللّى عارفة ربنا, وعمرها ما مِشْيِت مع حَد, مِشْ لاقْيَه اللّى يعَبَّرْها, ولا اللّى يقول لها السلام عليكم – طُول عُمْرِنا غلابَة وشَقْيانين, وماشوفناش يوم عِدِل, وفلان وفلانة مولودين وفى بُقُّهم مَعْلَقَة دَهَب – ماحنا صابرين طُول عُمْرِنا.. خَدْنا إيه مِن صَبْرِنا – رِضِينا بالهَمْ, والهَمْ مِشْ راضى بِينا – وغير ذلك الكثير والكثير.

يا إخوتى فى الله.. إن الله سبحانه وتعالى {عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [يوسف:6] فهو حكيم فى خَلْْقِه, وشَرْعِه, وقَدَرِه, وكل أفعاله, وإن خَفِيَت علينا حكمته {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14] فضلاً عن إنه {لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء:23] وهذا الكلام كله اعتراض على قَدَرِه, وكأنكم لا تَرَوْن فى أفعاله أىّ حِكْمَة, أو أنكم تعلمونها أكثر منه سبحانه وتعالى.

إن الدنيا ليست دار جزاء, ولكنها دار بلاء, ولا أقصد بكلمة (بلاء) المعنى المفهوم لَدَى العامَّة, أن البلاء هو المصيبة, ولكن البلاء هو (الاختبار) سواء بالشَّر, أو الخير, قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:35] ويا إخوتى فى الله.. إن هذه الأقوال وأمثالها – فضلاً عن إنها اعتراض على قَدَرِ الله – فهى خطيرة جداً, لأن الذى يطلب جزاء أعماله الصالحة فى الدنيا فحسب, لا أجر له فى الآخرة, فقد قال الله سبحانه وتعالى: {فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} [البقرة:200] {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ {15} أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [هود:15-16] {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً {18} وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} [الإسراء:18-19] {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيب} [الشورى:20] وقد علَّمنا الله سبحانه وتعالى دعاء يجمع بين خَيْرَىّ الدنيا والآخرة, فى قوله: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة:201]

أمّا الظلم والظالمون, فقد قال الله فيهم: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ} [إبراهيم:42] وقال رسول الله r: ((إن الله لَيُمْلى للظالم, حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْهُ)) [صحيح البخارى] وقال: ((اتقوا الظلم, فإن الظلم ظُلُمات يوم القيامة, واتقوا الشُّحّ, فإن الشُّحّ أهْلَكَ من كان قبلكم, وحملهم على أن سفكوا دماءهم, واسْتَحَلُّوا محارمهم)) [صحيح مسلم]

وأمّا ابتلاء المؤمنين, فقد ذكرنا بعض أحاديثه فى فقرات أخرى, ومنها أيضاً قوله r: ((ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة, فى نفسه, وولده, وماله, حتى يَلْقَى الله وما عَلَيْهِ خطيئة)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:5815] وقوله: ((أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء, ثم الأمثل فالأمثل, يُبْتَلى الرجل على حسب دينه, فإن كان فى دينه صلْبا, اشتد بلاؤه, وإن كان فى دينه رِقَّة, ابتُلِىَ على قدْر دينه, فما يَبْرَح البلاء بالعبد, حتى يتركه يمشى على الأرض, وما عليه خطيئة)) [صحيح الجامع:992], وقوله: ((الدنيا سجن المؤمن, وجنة الكافر)) [صحيح مسلم] اللهم رضِّنا بقضائِك وقَدَرِك, حتى لا نحب تعجيل ما أخَّرت, ولا تأخير ما عجَّلت.

الرياء

وهو الشرك الأصغر, كما وَصَفَه رسول الله r ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر الرياء, يقول الله يوم القيامة إذا جَزَى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون فى الدنيا, فانظروا هل تجدون عندهم جزاء)) [صحيح الجامع:1555] والرياء ينافى الإخلاص, ويُحْبِطُ العمل، فإن شرط قبول أى عمل أن يكون موافقاً للكتاب والسنَّة, وأن يكون خالصاً لوجه الله جل فى عُلاه, لا يريد بعمله أحداً سواه، فلا يصلّى, ويطوّل فى صلاته, ليراه الناس، ولا يتصدَّق ليُقال إنه كريم، ولا يحج ليقال عنه الحاج فلان.. وهكذا فى كل فعل أو قول، قال الله عز وجل: {فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} [الكهف:110] {عَمَلاً صَالِحاً} أى الذى يكون موافقاً للكتاب والسُّنة، فلا يُقْبَل عمل بغير موافقته لهما, قال رسول الله r: ((من عمل عملاً ليس عليه أمْرُنا فهو رَدّ)) [متفق عليه] ((فهو رَدّ)) أى مردود عليه, غير مقبول, {وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} هو الإخلاص لله جل وعلا, قال رسول الله r: ((قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك, من عمل عملاً أشرك فيه معى غيرى, تركته وشِرْكَه)) [صحيح مسلم]

ولكن لا ينبغى أن يَحْمِل هذا الكلامُ أحداً على ترك العمل, مَخافَة أن يكون رياءً، فقد قال العلماء: إن العمل لأجل الناس شرك, وتركه لأجلهم أيضاً شرك, فإذا وَجَدْتَ فى نفسِك إحساساً بأنك ترائى, فلا يَصُدّنك هذا عن عملك, ولكن ادْعُ الله بالدعاء الذى ورد فى الحديث التالى عن رسول الله r: ((الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل, وسأدُلّك على شىء إذا فَعَلْتَه أذهبَ عنكَ صِغار الشرك وكِباره, تقول: اللهم إنى أعوذُ بكَ أن أشركَ بكَ وأنا أعلم, وأستغفركَ لما لا أعلم)) [صحيح الجامع:3731]

ربما يقول قائل: كيف يكون ترك العمل شركاً, ولم يعلم بنيَّتى أحد إلا الله؟ ونقول له: لأنك جعلتَ فى نيَّة العمل أو تركه أحداً غير الله, سواء عَلِمَ الناس, أم لم يعلموا.

ونريد أن ننبه إخواننا على كلام يظنون أنه ليس رياءً, ولكنه رياء, وهو قول أحدهم: انا بَعْمِل خير كِتير, بَس انا مابَتْكَلّمْش, عشان ربنا يقبل مِنّى, أو عشان لو اتكلّمت, ربنا مايقْبَلش مِنّى, وغير ذلك من الإشارات والعبارات, التى تُظْهِر للناس وَرَعَه, وكرمه, وتواضعه. اللهم اجعل كل أعمالنا صالحة, ولوجهك الكريم خالصة.

الاحتفال بالأعياد غير الإسلامية

وذلك مثل عيد الأم, الذى يُحْزِن ملايين الأطفال, الذين حُرِمُوا من أمَّهاتهم, ويُحْزِن ملايين النساء, اللاتى حُرِمْنَ من الإنجاب, أو اللاتى فَقَدْنَ أولادهن. والغريب أن البعض يقولون: وإيه يَعْنى, دَه يوم بنفَرَّح فيه الناس. ونقول لهم: هل يُرْضى الله أن نفرَّح أناساً, على حساب حزن آخرين؟ وهل منعكم أحد أن تُهادوا أمَّهاتكم فى أى وقت؟ إن بِرّ الوالدين فرض علينا, وليس مقيَّداً بوقت معين، أم لابد أن يكون للبرِّ يوم عيد؟

والله إن الإنسان لَيَحزن من عقوق الأبناء والبنات لآبائهم وأمهاتهم, الذى يَصِلُ فى بعض الأحيان لِسَبّهم وضربهم, ثم يأتونهم بهدية فى هذا اليوم أو ذاك, ولو أنهم أطاعوهم, ولم يُهادوهم, لكان أحبّ إليهم.

وهناك أعياد أخرى بِدْعِيَّة كثيرة, لا ينبغى للمسلم أن يحتفل بها، بل إن هناك أعياداً يقترفون فيها الحرام, مثل عيد الحب, الذى يحتفل فيه العُشّاق ببعضهم, ويتبادلون الورود والهدايا, ويرتدون الملابس الحمراء.. إلى غير ذلك من المنكرات التى لا ترضى الله ورسوله r.

أمثال خاطئة

هناك أمثال كثيرة تتردد على ألْسِنَة الناس, منها ما هو كفر بالله سبحانه وتعالى, ومنها ما يشكِّك فى حِكْمِتِه, ومنها ما يُيئِّس من رحمته, ومنها ما يأمر بالمنكر, وينهى عن المعروف, ومنها ما هو فاحش… إلخ, وسنذكر بعضاً منها.. وبالله التوفيق:

إن رُحْت بلد بتعبد العجل حِِش وادّيله, أى لو ذهبت لبلد يعبدون العجل فأطعمه كما يطعمونه (إقرار على الشرك), اللّى يعتقد فى حَجَر ينفعه (شرك), يِدّى الحَلَق للّى بَلا وُدان، ومقصودهم أن الله سبحانه وتعالى يعطى من لا يستحق, ويترك من يستحق (حاشا لله) وإن بَدَا هذا فى ظاهر الأمر.. فإن له حكمة, لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى, الفقير يقول يارب ادّيلى قرش يدّيلُه كِرْش.. أى أن الفقير يطلب من الله المال, فيزيده من العِيال، وكل شىء بحكمة كما ذكرنا, لا يِرْحَم ولا يخلّى رحمة ربنا تنزل.. وهل لأحد أن يمنع رحمة الله تبارك وتعالى؟ {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ} [فاطر:2] فسبحانه لا مانع لما أعطى, ولا معطى لما منع. وإن كان هناك ضرورة لهذا المثل.. فيقال: لا يرحم ولا عايز رحمة ربنا تنزل (مع أن هذا فيه غيبة للمسلمين).

قولهم: بَرَكَة ياجامع اللّى جاتْ مِنَّك وماجَتْش مِنّى.. فهل هذا يليق بالمسلم الحريص على دينه وعبادته, وعلى أداء الصلوات فى أوقاتها, وعمارة بيوت الله جل وعلا؟, اللّى يحتاجه البيت يِحْرَم على الجامع.. وهذا أيضا خطأ، فعمارة بيوت الله أهَمّ من عمارة بيوتنا, قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة:18] وعمارتها تكون بأداء الصلاة فيها (مِشْ بركة يا جامع) وذكر الله عز وجل, ومُدارَسَة القرآن الكريم, وحِلَق العلم, وتطييبها, وغير ذلك الكثير، وقد مدح الله سبحانه وتعالى الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله, مع احتياجهم إليها, فقال: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [الحشر:9] فاللهم اجعلنا من عُمّار بيوتك ابتغاء مرضاتك.

قولهم: ربنا يحب عبده الفَشّار ولا يحِبّش عبده النكّار.. وقصدهم أن الله يحب من عبده أن يتحدث بنِعَمِهِ عليه, ويزيد من عنده أشياء.. فيقول: عندى كذا وعندى كذا، ويزعمون أن الله يحب هذا, ونرد عليهم بقوله سبحانه وتعالى: {أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف:28] وبقول رسول الله r: ((الْمُتشبِّع بما لم يُعْطَ كلابس ثَوْبَىْ زور)) [متفق عليه] أى كالذى يلبس ثوباً له كُمّان, ليظهر أنه لابس ثوبين, وقال العلماء إنه ينطبق أيضاً على الذى يظهر أمام الناس بغير ما فى باطنه, كأن يلبس كالعلماء, وهو ليس بعالم، أو يظهر بهيئة الزهّاد, وهو ليس كذلك. ويَلْحَق به أيضاً قول المرأة لضرّتها إن زوجها يعطيها كذا وكذا, لتكيدها, وهو لم يعطها {فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:100]

القِرْش الابيض ينفع فى اليوم الاسود (فيه سَبّ للدهر بقولهم: اليوم الأسود), من قَدّم السبت لَقَى الحَد قُدّامُه (فيه العمل لأجل المصلحة, وليس لله), كُلْ أكْل الجِمال وقُوم قبل الرجال (مخالف للسنَّة), دِماغ بِلا كِيف تِستاهل ضَرْب السيف, اللّى معاه قِرش يستاهل قِرش (تقييم الناس بالمال), اللّى لِيه ضَهْر مايِضّرِبْش على بطنه (تَوَكُّل على غير الله), ماينوب المخَلَّص إلا تقطيع هُدومه.. مع أن له الأجر (إن شاء الله) ولو تقطَّعت هُدومه كما يقولون, الجنازة حارَّة والميَّت كلب (تشبيه الإنسان بالكلب), يوم جنازته ولا يوم جَوَازته, امشى فى جَنازة ولا تمشى فى جَوَازة (نهى عن المعروف), يخاصمنى فى شارع ويصالحنى فى حارَة, وهذا يُقال لرفض الصُّلْح بسهولة, مع أن الله سبحانه وتعالى قال: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء:128]

وهناك أمثلة تدل على اليأس من رحمة الله جل وعلا, وكأنه لن يصلح حالهم أبداً.. مثل: المتعوس متعوس ولو علَّقوا على راسُه فانوس, قليل البَخْت يلاقى العظم فى الكِّرْشَه, الناس خيبتها السبت والحَد واحنا خيبتنا ما وَرَدِت على حَد, جات الحزينة تفرح مالائِتْلَهاش مَطْرَح, سَبَع صنايع والبَخْت ضايع… إلخ, وينبغى للمسلم أن يكون راضياً بقضاء الله فى السرّاء والضرّاء, راجياً لِفَرَجِهِ سبحانه وتعالى، وأن ينظر لمن هو دونه فى الدنيا, حتى لا يحتقر نعمة ربه عليه، قال رسول الله r: ((انظروا إلى من هو أسفل منكم, ولا تنظروا إلى من هو فوقكم, فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم)) [صحيح الجامع:1507] أما  فى الدين فينظر لمن هو أعلى منه, حتى لا يَغتر بنفسه.

رِزق الهِبْل على المجانين.. وهل الرزق يكون من غير الله سبحانه وتعالى؟, من لم يِعِدّنى لم أعِدّه ولو كان سيدنا النبى جِدُّه.. يقصدون أن الذى لا يبالى بك لا تبالى به, ولو كان الرسول r جدّه.. وهذا انتقاص من قدره r, يا مربّى فى غِير وِلْدَك يا بانى فى غِير مِلْكَك (نهى عن المعروف), يا مآمنة للرجال يا مآمنة للميَّة فى الغُرْبال (سوء ظن), إبكى على الزمان اللى خلَّى القصِير شمعدان (وهل الزمن يفعل شيئاً؟ كما أن به اعتراضاً على قَدَرِ الله, واستهزاءً بالناس)

إتْمَسْكِن لَمّا تِتمَكِّن (تعامُل بالنفاق وذِلَّة لغير الله), إِبْرِزْ تِنْجِزْ (رشوة), جُحا أوْلَى بلحم طُورُه (بُخل), إبن الحرام ماخلاش لابن الحلال حاجة (سوء ظن), إن كان لك عند الكلب حاجة قُل له يا سِيدى.. فيه تشبيه للإنسان بالكلب, والتعامل بالنفاق عند الحاجة, القَرْعَة تِتباهى بشعر بنت اختها.. فيه السخرية من المسلمات, اِطعِم الفُمْ تستحى العين (إطعام لغير وجه الله) قال تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُوراً} [الإنسان:9], السبت سَبُّوت يا يطلَّق يا يموت.. ومعناه أن الزواج إذا كان يوم السبت, فالزوج إمّا أن يطلّق زوجته, أو يموت. سبحان الله! ما دَخْل السبت بالإحياء أو الإماتة, والأمر كله بيَدِ الله سبحانه وتعالى؟

عامل زَىّ طُورَ الله فى بَرْسِيمُه.. يقصدون أنه لا يفهم مثل الثوْر, وهذا لا يليق بلفظ الجلالة, كما أنه غيبة للمسلمين, يا رايح كتَّر من الفضايح, وأمثال أخرى كثيرة, بها ألفاظ بذيئة فاحشة, لا ينبغى للمسلم الذى يخشى ربه أن يقولها, مثل: البلد اللّى ماحَدّش يعرفك فيها اجرى و… فيها, وغيره كثير وكثير, قال رسول الله r: ((ما كان الفُحْش فى شىء قَط إلا شانَه, ولا كان الحياء فى شىء قَط إلا زانَه)) [سنن ابن ماجه, مسند أحمد, صحيح الجامع:5655]

والبعض يبيحون لأنفسهم أن يفعلوا أشياءً مُشِينَة بغير حَرَج, طالما أنه لا يعرفهم أحد, ويقولون: اللّى يعرف ابويا يروح يقول له. أين الخوف من الله إذن؟ {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُم} [النساء:108]

التهاوُن والتكاسُل فى فعل المأمورات

وهو كثير.. ومن أهم أمثلته: التهاوُن فى الصلاة, وتعلُّم القرآن, قراءة, وعلماً, وعملاً، وذكر الله, وبِرّ الوالدين, وصِلَة الرَّحِم, والأمر بالمعروف, والنهى عن المنكَر, وعيادة المريض… إلخ. والعلماء – بارك الله فيهم – قد أفاضوا فى ذلك كثيراً، ولكنى سَأُشيرُ فقط إلى نقطة غفل عنها الكثيرون, وهى التهاوُن فى كيفيَّة أداء العبادة – فضلاً عن التهاوُن بها أصلاً – فتراهم يؤخّرون الصلاة, حتى يخرج وقتها, وبالذات صلاة الفجر, ويصلّون بلا خشوع, ولا اطمئنان, ولا يتعلمون كيف كان رسول الله r يصلى, وهو الذى قال: “صَلُّوا كما رأيتمونى أُصَلّى” [السنن الكبرى للبيهقى, صحيح الجامع:893] وعن تأخيرها قال الله عز وجل: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ {4} الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُون} [الماعون:4-5] فهل قال الله (فويل للذين لا يُصَلُّون)؟ لا- بل إنهم يُصَلُّون, ولكنهم {عَن صَلاتِهِمْ سَاهُون} وقد فسَّرها العلماء بأنهم الذين يتهاونون فى أدائها, ويؤخرونها عن وقتها, قال رسول الله r: ((أفضل الأعمال الصلاة فى أول وقتها)) [صحيح الجامع:1093] وقال: ((إن هاتين الصلاتين – أى العشاء والصبح – من أثقل الصلاة على المنافقين, ولو يعلمون فضل ما فيهما, لأتَوْهما ولو حَبْواً)) [صحيح الجامع:2242] أى أنهم لو يعلمون فضلهما, لأتَوْهما ولو زحفاً على أيديهم وأرجلهم, إن كانوا لا يستطيعون المشى.

فيا شباب الإسلام, ويا رجاله.. أسألكم بالله.. لمن بُنِيَت المساجد؟ ومن يعمرها إن لم تعمروها أنتم؟ استمعوا بارك الله فيكم إلى قول حبيبكم r: ((والذى نفسى بيده لقد هممتُ أن آمُر بحطب فيُحْطَب, ثم آمُر بالصلاة فيؤذَّن لها, ثم آمُرُ رجلاً فيؤمَّ الناس, ثم أُخالِف إلى رجال, فأحرِّق عليهم بيوتهم, والذى نفسى بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عِرْقاً سَمِيناً, أو مِرْماتَيْن حَسَنتَيْن, لَشَهِدَ العِشاء)) [صحيح البخارى] (((عِرْقاً سميناً)) أى قطعة من اللحم السمين فوق العظم, ((مِرماتَين حَسنتَين)) أى ما بين ظِلْفَىْ الشاة من اللحم) فالصلاة الصلاة يا عباد الله.

وأنت يا أختى فى الله.. لا تتركى شغل المنزل, والسَّمَر مع الجيران والضيوف, يُلهيكِ عن الصلاة فى أول وقتها, وأذكّرك بوجوب ستر جميع جسدك, ما عدا الوجه والكفين أثناء الصلاة، وحتى الكفين قال بعض العلماء بوجوب سترهما أثناء الصلاة, وكذلك القدمين، فالأرجح وجوب سترهما (والله أعلم).

لقد كانت آخر وصية لرسول الله r قبل مماته, هى الصلاة, وللأسف.. تجد الواحد منا يرى أهله, أو جيرانه, أو أصدقاءه, يصلون بطريقة غير صائبة, ولا يعلمهم, ليريح نفسه, ويقول: الحمد لله إنهم بِيْصَلُّوا وخلاص.. وربما تكون صلاتهم باطلة, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم!

وأُوَجِّه نصيحتى لإخوانى المرضى (عافانا الله وإياهم) بعدم ترك الصلاة, حتى لو كانوا يعالَجون فى المستشفيات, لأن كثيراً من المرضى يتركون الصلاة, ظناً منهم أنهم معذورون, مع أن الصلاة لا تسقط عن الإنسان بأى حال من الأحوال, إلا فى حالات نادرة, مثل الغيبوبة, والجنون, وعن النائم حتى يستيقظ, أما كونهم لا يستطيعون الحركة, أو الوضوء, أو ما إلى ذلك, فقد أباح الإسلام لهم التيمم, وأداء الصلاة على أى وضع يستطيعونه, فقد قال رسول الله r لعِمران بن حُصَين t: ((صَلِّ قائماً, فإن لم تستطع فقاعداً, فإن لم تستطع فعلى جنب)) [صحيح البخارى] نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفى مرضانا ومرضى المسلمين.

أمّا قراءة القرآن.. فإن الكثير مِنّا يقرؤه بغير تَدَبّر, ولا تجويد, بل يقرؤه كَأَىّ كتاب, وربما لَحَنَ فيه لَحْناً جَلِيّاً يخرجه عن معناه, واللَحْن هو النطق بطريقة خاطئة، ومنه ما هو لَحْن جَلِىّ – وهذا حرام – وهو الخطأ فى قراءة الكلمات, أو الحروف, أو التشكيل (الفتحة, والضمة, والكسرة… إلخ) لأن ذلك يخرجه عن معناه، كمن يقول فى الفاتحة مثلاً: (السِّراتَ المصطقيم) بدل {الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} و(أنعمتُ) بضم التاء بدل {أَنعَمتَ} بفتحها, و(الضالِين) بتخفيف اللام بدل {الضَّالِّينَ} بتشديدها.. وهكذا, ولَحْن خَفِىّ.. وهو الإخلال بأحكام التجويد، وهذا فيه خلاف فى حُرْمَتِهِ. وتسمع الكثير مِنّا يقولون: نحن لا نعرف القراءة فما ذنبنا, أو يقولون: طالما أن قراءته بطريقة خاطئة حرام.. فالأفضل ألا نقرؤه, ونقول لهم: عليكم أن تتعلموه مُشافَهَة، ولو صَدَقَت نيّتكم مع الله عز وجل, واستعنتم به, فسيعينكم إن شاء الله, وييسّره لكم, حتى لو كنتم كبار السِّن, فهو سبحانه الذى قال: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِر} [القمر:17] ومن يقولون: طالما أن قراءته بطريقة خطأ حرام.. فالأفضل ألا نقرؤه, نقول لهم: لقد بذلتم جهدكم, وسهرتم الليالى, فى تحصيل علوم الدنيا, أيَكون القرآن أهْوَن عليكم من ذلك؟

وأحبُّ أن ألفت النظر إلى مفهوم خاطئ لحديث رسول الله r الذى قال فيه: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة, والذى يقرأ القرآن ويتتعتع فيه, وهو عليه شاقّ, لَهُ أجْران)) [صحيح مسلم] يظن كثير من الناس أن الذى ((يتتعتع فيه)) و((له أجْران)) هو الذى لا يجيد قراءته، وتراه فَرِحاً بذلك. ونقول له إن العلماء فسَّروها بأنه الذى يتعلم القرآن, ويجد مَشَقَّة فى تعليمه، فيكون له أجر التلاوة, وأجر التعلُّم، لا أن يترك نفسه بغير تعلّم, ويقول أنا لى أجران! وكذلك من يتكاسل عن حضور مجالس العلم والتجويد, ويقول: انا اسمع الشيخ وهو يقرأ, واقرأ مثله. ونقول له: إنك لن تستطيع أن تتعلمه إلا عن طريق التلقين مُشافَهَة, لأن له أحكاماً لا تدركها بالسماع وحده.

ونحذّر إخواننا من هَجْر القرآن عِلماً وعملاً, لأن الله سبحانه وتعالى قال: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً} [الفرقان:30] وقد قال العلماء: إن ترك قراءته, وتدبّره, والعمل به, مِن هَجْرِه (كما ورد فى تفسير ابن كثير) ونحذرهم من الشوشرة أثناء سماعه (الله يفتح عليك يا عَم الشيخ, يا سلام يا سلام, نعم نعم, أعِد أعِد, الله الله الله, اللهم صلى على النبيييى, اللهم صلى على حَضرة النبيييى, وَحّدوووه.. إلخ) والغريب أنهم يصيحون, ويهلِّلون, عند ذِكْر آيات العذاب, وكأنهم لا يعقلون! وكل هذا لا يليق بجلال القرآن العظيم {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف:204]

وتَعلُّم القرآن ليس كما يقولون إنه غير واجب, بل إن تعلُّم ما لا تَصِحّ الصلاة إلا به فرض عَيْن (وخصوصاً الفاتحة) وما عداه فهو فرض كفاية, فإن فضل كلام الله على كلام العباد, كفضل الله على العباد, قال الله عز وجل: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [المزمل:4] وقال رسول الله r: ((ليس مِنّا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن)) [صحيح البخارى] وقال: ((أهل القرآن أهل الله وخاصَّته)) [سنن ابن ماجه, مسند أحمد, صحيح الجامع:2528] فهل هناك شرف أفضل من هذا؟ لا والله. ولكن لا تظنوا أن أهل القرآن هم الذين يقرأونه بغير عمل به, أو الذين يضعونه فى علبة فاخرة فى السيارة, أو فى حجرة الصالون, أو التى تعلقه على رقبتها بسلسلة, لا- إن هذ يوضّحه حديث رسول الله r: ((أتيتُ ليلة أُسْرِىَ بى على قوم تُقْرَضُ شِفاهُهُم بمقاريض من نار, كلما قُرِضَت وَفَّت, فقلتُ: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: خُطباء أمَّتك, الذين يقولون ما لا يفعلون, ويقرأون كتاب الله, ولا يعملون به)) [صحيح الجامع:129]

ومن الأدب مع القرآن žألا نضعه على الأرض, وخاصَّة فى المساجد, أو الأماكن المزدحمة, لأن هذا يعرّضه لِلَعِب الأطفال, واللّمْس بالأقدام (والعياذ بالله) وألا نضعه مقلوباً وهو مفتوح, وألا نضع شيئاً فوقه. وليس من المعقول ألا نضع شيئاً حِسّياً فوقه, ثم نضع فوقه شيئاً معنوياً. بمعنى أنه لا ينبغى أن يعلو عليه شىء فى اتِّباع أوامره, واجتناب نواهيه. اللهم فَقِّهنا فى ديننا, واجعلنا من أهل القرآن, الذين هم أهلك وخاصّتك, يا أرحم الراحمين, يا رب العالمين.

إن أعمال الخير التى نفرّط فيها كثيرة جداً, لا يحصيها العَدّ، ونظن أن بعضها لا نُؤْجَر عليه, ونسِىَ من ظن هذا قول ربنا جل وعلا: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ {7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة:7-8] وقول رسولنا r: ((كل معروف صدقة)) [متفق عليه] وقوله: ((لا تَسُبَّنَ أحداً, ولا تَحْقِرَنَّ من المعروف شيئاً, ولو أن تكلّم أخاك وأنت مُنبسط إليه وجهك, إن ذلك من المعروف, وارفع إزارك إلى نصف الساق, فإن أبَيْتَ فإلى الكعبين, وإيّاك وإسبال الإزار, فإنه من المخِيلة, وإن الله لا يحب المخِيلة, وإن امْرُؤ شتمك وعيَّرك بما يعلم فيك, فلا تُعَيّره بما تعلم فيه, فإنما وَبال ذلك عليه)) [صحيح الجامع:7309] ((إسبال الإزار)) معناه إطالة الإزار – أو ما شابهه – إلى أسفل الكعب، وهو العَظْمَة البارزة أسفل الساق (وليس العَقِب, المعروف عند الناس بالكعب) وهو خاصّ بالرجال دون النساء. وقال r: ((صَنائِع المعروف تَقِى مَصارع السوء, والصدقة خفياً تطفئ غضب الرب, وصِلَة الرَّحِم زيادة فى العمر, وكل معروف صدقة, وأهل المعروف فى الدنيا هم أهل المعروف فى الآخرة, وأهل المنكر فى الدنيا هم أهل المنكر فى الآخرة)) [المعجم الأوسط للطبرانى, صحيح الجامع:3796] اللهم اجعلنا من أهل المعروف فى الدنيا والآخرة.

التهاوُن فى ترك المنهيّات

وهذا كثير جداً, سنشير إلى بعضه فقط, وبالله التوفيق: شرب الدخان (السجائر) والشيشة, وغيرهما, وقد ترددت فى الكتابة عن الدخان, لِما رأيتُ من إصرار الكثير عليه, وعدم قبول النصيحة بتركه – هدانا الله والمسلمين أجمعين – ولكنى أردت فقط أن أقول لكم إنى قرأتُ فتوى من الأزهر بتحريمه، وأُشهِدُ الله على ذلك, حتى لا يلتبس الأمر على أحد, ويظن أنه مكروه فقط.

التهاون فى الخلوة بين الرجال والنساء: قال رسول الله r: ((ألا لا يَخلُوَنَّ رجل بامرأة, إلا كان ثالثهما الشيطان)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:2146] فلا ينبغى للمرأة المسلمة أن تُدْخِل أى رجل بيتها مهما كان (غير المحارم) ولو كان قريبها, أو صاحب زوجها, أو قريبه, أو بائعاً, أو عاملاً.. وهى بمفردها. وقد سمعنا كثيراً, وقَرَأنا عن حوادث قتل, وسرقة, واغتصاب, لأن امرأة فتحت الباب لرجل, وهى بمفردها, ليس معها أحد. وكذلك لا تذهب بمفردها إلى خيّاط, أو مُصَوّر, أو مدرس, أو محامٍ, أو طبيب, أو… إلخ. ولا تركب مع رجل فى المصْعَد الكهربائى (الأسانسير) بمفردها. ولا يظن أحد أننى أتَّهم أحداً بسوء الخُلُق، ولكن ذلك – كما قرأنا – هو هدى نبينا r والوقاية خير من العلاج.

وكذلك ينبغى للمرأة المسلمة أن تَحْذَر من مُلامسة الرجال فى الميكروباصات, والأتوبيسات, وغيرها, لأننا نرى الرجال يجلسون ملتصقين بالنساء, دون أى حرج من الطرفين, قال رسول الله r: ((لأن يُطْعَن فى رأس أحدكم بمِخْيَط من حديد, خير له من أن يمس امرأة لا تَحِلّ له)) [المعجم الكبير للطبرانى, صحيح الجامع:5045]‌ وقال: ((إنى لا أصافِحُ النساء)) [موطأ مالك, صحيح الجامع:5213] ربما يقول البعض: وماذا نفعل ونحن مضطرون؟ فأقول لكم كما قال ربنا تبارك وتعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] ويمكن للأخت أن تضع حاجزاً بينها وبين من يجلس بجانبها من الرجال, ولو حقيبة يَدها, أو تدفع أُجْرَة مَقْعَدَيْن, ولا تبخل بذلك فى سبيل الله.

الجلوس فى الطُّرُقات منهى عنه إلا لضرورة, قال رسول الله r: ((إيّاكم والجلوس بالطُّرُقات)) قالوا: يا رسول الله.. ما لنا من مجالسنا بُدّ, نتحدث فيها, قال: ((فإذا أبيتم إلا المجلس, فأعطوا الطريق حقه)) قالوا: وما حقه؟ قال: ((غض البصر, وكفّ الأذى, وردّ السلام, والأمر بالمعروف, والنهى عن المنكر)) [متفق عليه] وللأسف تجد الكثير يجلسون على المقاهى, ويقفون على نواصى الشوارع, ويؤذون المارَّة بالمعاكسة, والسخرية, ويُرَوّعونهم بالكلاب البوليسية, والألعاب الناريَّة, مثل (البومب) و(الصواريخ) وغيرها. حتى إن النساء أيضاً يجلسنَ أمام البيوت, أو على أبوابها. وآخر تقليعة هى جلوسهنّ على المقاهى مع الرجال.. وإنا لله وإنا إليه راجعون، وهذا فضلاً عن نَهْى الرسول r فإنه لا يليق بالمسلمة, التى أمرها ربها عز وجل أن تَقَرّ فى بيتها {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُن} [الأحزاب:33]

ونقول لفتياتنا: لا داعى للخروج من المنزل لمجرد (التهوية) والمشى بتمايل, والضحك بصوت عالٍ, والنظر يميناً وشمالاً على المحلات, وأكل السندوتشات وشرب المثلَّجات فى الطرقات، إن هذا ليس من عادات المسلمين, فالأكل عَوْرَة، ومشى المرأة لابد أن يكون بغير تميُّع, وكفانا ما حدث من اعتداءات على البنات, قال رسول الله r: ((المرأة عَوْرَة, فإذا خرجت استشرفها الشيطان)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:6690]

من الأمور الخطيرة فى عصرنا, والتى ليست من الإسلام , ولم يُربِّنا عليها أهلونا: التساهل الشديد فى الاختلاط بين الرجال والنساء, وعدم غض بصرهم, ومصافحتهم بالأيدى, والضحك والأكل والشرب مع بعضهم, والكلام فى التليفونات, والذهاب  للرحلات, والتوصيل بالسيارات بغير القيود الشرعية، وكل ذلك بحجَّة القرابة, أو الزمالة فى العمل, أو الدِّراسة! وتجد الشباب والشابات, من الأقارب والجيران, يضحكون, وربما يخرجون مع بعضهم، وإذا اعترضت عليهم, وقلت إن هذا لا يرضى الله ورسوله, قالوا لك: دُول مِتْرَبْيين مع بعضهم, وزَىّ الاخوات من صغرهم، فيها إيه لَمّا ابن عمها وَلْلا ابن خالتها يوصَّلها, مِش احسن ما تمشى لوحدها (واحسرتاه على ما أصاب المسلمين, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم)

وترى الرجل المسلم يسمح لابنته أن تذهب لِتَلَقّى الدروس مع الشباب, وهى مرتدية البنطلون الضيّق, مُتعطّرة متزيّنة، وكأن كل شىء يهون فى سبيل تحصيل الشهادات.. وإنا لله وإنا إليه راجعون! قال رسول الله r: ((كُلُّكُم راعٍ, وكُلُّكُم مسئول عن رَعِيّتِهِ, فالإمام راعٍ, وهو مسئول عن رَعِيّتِهِ, والرجل راعٍ فى أهلِهِ, وهو مسئول عن رعيته, والمرأة راعية فى بيت زوجها, وهى مسئولة عن رعيتها, والخادم راعٍ فى مال سيّده, وهو مسئول عن رعيته, والرجل راعٍ فى مال أبيه, وهو مسئول عن رعيته, فكلكم راع, وكلكم مسئول عن رعيته)) [صحيح الجامع:4569] وخروج النساء متطيّبات ورد حُكْمه فى باب إرضاء الناس بسخط الله.

ونَصِفُ لأخواتنا المسلمات تركيبة رخيصة لإزالة رائحة العرق: وهى أن يطحنوا شبَّه مع مِسْك حَجَر, ولكن بقَدْر قليل, حتى لا تظهر رائحته (وهذه الأشياء تباع عند العطارين) ثم يستخدموه كمزيل للعرق. أظنُّ أنكم تقولون: هو انت شيخ وللا عطار وَلْلا إيه؟ فأذكركم بقول رسول الله r: “لا تَحْقِرَنَّ من المعروف شيئاً”

وباختصار فإننا نحذر من التهاون فى الصغائر.. لأن الرسول r قال: ((إيّاكم ومُحَقَّرات الذنوب, فإنهنَّ يجتمعنَ على الرجل حتى يُهْلِكْنَه, كرجل كان بأرض فَلاة, فحَضَرَ صَنِيع القوم, فجعل الرجل يجىء بالعُود, والرجل يجىء بالعُود, حتى جمعوا من ذلك سَواداً, وأجَّجوا ناراً, فأنضجوا ما فيها)) [صحيح الجامع:2687] 

بعض المعاصى الشائعة

عقوق الوالدين فى هذا الزمن حَدّث عنه ولا حَرَج, والعلماء – جزاهم الله خيراً – قد أفاضوا فيه, وأظن أن كلنا يحفظ الآيات والأحاديث التى وردت فى البر بالوالدين, والتحذير من عقوقهما، وسيأتى إن شاء الله بعضٌ منها. ولكنى أُذَكّر أبنائى وبناتى بأن هناك ذنوباً كثيرة جعل الله عقوبتها فى الآخرة, إلا (البَغْى) وهو تجاوُز الحَدّ فى الظلم, والاعتداء على الناس, و(عقوق الوالدين) فإن المرْء يُعَذَّب بهما فى الدنيا والآخرة, قال رسول الله r: ((اثنان يُعَجّلهما الله فى الدنيا: البَغْى, وعقوق الوالدين)) [صحيح الجامع:137] وأُناشِدُ الرجال أن يتقوا الله, ولا يمنعوا زوجاتهم من بِرّ أمهاتهنَّ وآبائهنَّ, والنساء أن يتّقينَ الله, ولا يمنعنَ أزواجهنَّ من بِرّ أمهاتهم وآبائهم, وَلْيَعْلَموا جميعاً أن ما يفعلونَه سَيُرَدّ لهم من أولادهم, عاجِلاً أو آجِلاً, إن خَيْراً فَخَيْر, وإن شَرّاً فَشَرّ.  

قطيعة الرَّحِم: قال رسول الله r عن رب العزة سبحانه وتعالى: ((أنا خلقتُ الرَّحِم, وشققتُ لها اسماً من اسمى, فمن وَصَلها وَصَلْتُه, ومن قَطَعَها قَطَعْتُه)) [صحيح الجامع:4314] وقال: ((من سَرَّهُ أن يُعْظِمَ الله رِزْقَه, وأن يَمُدّ فى أجلِهِ, فَلْيَصِل رَحِمَه)) [مسند أحمد, صحيح الجامع:6291] ونريد مستعينين بالله أن نغيّر من أنفسنا, فلا نعامل أهلينا بالنِّديَّة (ولا أى مسلم أو مسلمة, سواء جيران, أو أصدقاء, أو غيرهم) بمعنى أنهم إذا وصلونا وصلناهم, وإذا قطعونا قطعناهم، فقد ذهب رجل إلى رسول الله r وقال له: يا رسول الله.. إن لى قَرابة أصِلُهُم ويقطعوننى, وأُحْسِنُ إليهم ويُسِيئون إلىَّ, وأحْلُمُ عنهم ويجهلون علىَّ, فقال له: ((لَئِنْ كنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفّهُم المَلّ, ولا يزال معكَ من الله ظهيرٌ عليهم ما دُمْتَ على ذلك)) [صحيح مسلم] ((الْمَلّ)) معناه الرماد الحارّ، و((ظهير)) معناها نصير, وقال r: ((ليس الواصِل بالمكافِئ, ولكن الواصل الذى إذا قُطِعَت رَحِمُه وصلها)) [صحيح البخارى]

الربا معروف أنه من الكبائر، ولكن أتدرون ما خطورته, بالإضافة إلى حرب الله ورسوله (كما جاء فى سورة البقرة)؟ قبل أن أذكر لكم خطورته, أوَدُّ أن أسألكم: ما رأيكم لو سمعتم أن رجلاً زنى, أو امرأة زنت؟ أظن أنكم لو رأيتمونى الآن, لغضبتم منى غضباً شديداً, وقلتم: هى دِى عايزه سؤال, طبعاً اللّى يعمل كِدَه, أو اللّى تعمل كِدَه, يكونوا كذا وكذا من الشتائم, فما رأيكم بمن يتعامل بالربا؟ سأترك الرد لحديث رسول الله r: ((دِرْهَم ربا يأكله الرجل, وهو يعلم, أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية)) [مسند أحمد, صحيح الجامع:3375] وقوله: ((أهون الربا كالذى ينكح أُمَّه, وإن أرْبَى الربا استطالَة المرء فى عِرْض أخيه)) [صحيح الجامع:2531] حتى يعلم الذين يقترضون بالربا, والذين يتعاملون بما يُسَمَّى الفايظ, أو الذين يعطون أموالهم لمن يتاجر لهم فيها, ويأخذون مبلغاً معيّناً من المال, بغض النظر أكَسَبَ التاجر أَمْ خَسِر, وبغض النظر عن مقدار مَكْسَبه. وتجد – للأسف – الكثير يجادلون, ويقولون: نعمل ايه, ماحنا مانِعْرَفْش نتاجر, ولو تركنا المال هايِتْصِرِف ويضيع, ولا نجد شيئاً نتقوَّت به. يا قوم اتقوا الله.. أتقدرون على حرب الله ورسوله؟ إن خزائن الله مَلأَى, لا تَنْفَدُ أبداً, قال رسول الله r: ((عند الله خزائن الخير والشر, مفاتيحها الرجال, فطوبى لمن جعله الله مِفتاحاً للخير مِغلاقاً للشر, وويل لمن جعله الله مِفتاحاً للشر مِغلاقاً للخير)) [صحيح الجامع:4108] ((مِفتاحاً للخير مِغلاقاً للشر)) (اللهم اجعلنا منهم) كمن يمشى فى حوائج الناس ليقضيها لهم (طبعاً الحلال فقط) ويَدُلُّكَ على الخير، فمثلاً إذا أساء إليك أحد.. يقول لك: مَعْلِش سامحه, دَه ربنا عَفُوّ يحب العَفْو – حافظ على الصلاة فى المسجد – تصدَّق على الفقراء – اذهب لعيادَة المريض – صِل رَحِمَك.. إلخ, أمّا ((مِغلاقاً للخير مِفتاحاً للشر)) (والعياذ بالله) كَمَنْ إذا رآك تسعى فى حوائج الناس.. قال لك: يا عَم انتَ مالَك, هُمَّ حُرّين يعملوا حاجتهم بنفسهم – خَلّيك ناصِح, اوْعَى تِدّى فلان حاجة, دَه مايِسْتَهِلْش – وإذا خاصمك أحد.. يقول لك: إيّاك تِعَبّرُه, زَىّ ما خاصمك تخاصمه, أو يقول لك: دَه انا هاقولَّك على حاجة تعملها تخلّيه يِلِفّ حَوالين نفسه، تخلّيه مايِعْرَفْش راسُه من رِجْلِيه… إلخ.

وننبّه إخواننا على أن هناك أنواعاً كثيرة جداً من الربا لا يعلمونها, وخصوصاً فى البيع والشراء (مثل استبدال الذهب القديم بالذهب الجديد) فَلْيَرْجِعوا إلى كتب الفقه, وَلْيَحْضروا دروس العلم فى المساجد, ليتعلموها, حتى لا يقعوا فى الحرام وهم لا يشعرون. ولا يقول أحد: ما دام انا ماعْرَفْش يِبْقَى ماعالِيش ذنب، ونذكّره بحديث الرسول r: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)) [سنن ابن ماجه, صحيح الجامع:3919] قوله r: ((على كل مسلم)) يشمل المسلم والمسلمة.

ومن بين ما سَمّاه الله ربا.. ما يفعله بعض الناس من تبادُل الهدايا فى المناسبات, لغير وجه الله, ولكن ليُرَدّ لهم بأكثر منه.. قال الله عز وجل: {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُواَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم:39] فلابد أن يكون التهادى لوجه الله, وعلى قدر الاستطاعة.. قال رسول الله r: ((تَهادُوا تحابّوا)) [السنن الكبرى للبيهقى, صحيح الجامع:3004] ربما يتساءل البعض ويقول: كيف يكون لله إذا كانت الهدية لأغنياء؟ ونقول له كما قال رسول الله r: ((كل معروف صَنَعتَهُ إلى غنى أو فقير فهو صدقة)) [صحيح الجامع:4558]‌ وننصح إخواننا وأخواتنا ألا تكون كل هداياهم فاكهة وشيكولاتة، لأنها تتراكم عند الناس إلى أن تفسد, ويكون مصيرها سِلال القِمامَة, فى حين أنهم يكونون محتاجين للنقود, أو خزين البيت، ولو كان ظاهرهم غير ذلك, فلا تستحوا أن تهادوهم بها, أو تهادوهم بكتب, أو شرائط, أو سيديهات دينية – وهذا طبعاً أفضل الهدايا – وَكُلٌ بِحَسَب حالِه.

هناك شىء يظن البعض أنه ربا, وهو ليس كذلك.. ما هو؟ هو رَدّ بعض القروض بأكثر منها. أظن أنكم تقولون هُوَّ انتَ اتجننّت وَلْلا إيه؟ لا يا أحِبَّتى فى الله، نعوذ بالله من الجنون, أنا لا أقصد الربا المنهى عنه (والعياذ بالله) وهو اشتراط رَدّ القرض بأكبر منه، ولكن أقصد أنك إذا أخذت شيئاً من جارك أو صديقك (كوباً من الزيت مثلاً, أو مِقداراً من السكر, أو الأرز… إلخ) على سبيل القرض.. فالأفضل أن ترُدّه بأفضل منه، فقد كان رسول الله r يفعل ذلك، بشرط ألا تتفق على هذا مُنذ البداية, أمّا لو اتفقت عليه منذ البداية, أو كانت عادَة معروفة أن الذى يُقرِضُ يَسْتَرِدّ ما أقرَضَه بأكثر منه, فهو الربا الصريح, اللهم فقِّهنا فى ديننا, وعلمنا سنَّة نبينا r وارزقنا اتِّباعه. 

الكذب معلوم أنه من الكبائر، وللأسف.. فإنه منتشر بكثرة, ولأتفه الأسباب, ويكفى أن صاحبه يُكتب عند الله كذاباً، قال رسول الله r: ((إن الصدق ليهدى إلى البر, وإن البر يهدى إلى الجنة, وإن الرجل لَيَصدُق, حتى يُكتب عند الله صِدّيقاً, وإن الكذب يهدى إلى الفجور, وإن الفجور يهدى إلى النار, وإن الرجل لَيكذب, حتى يُكتب عند الله كذاباً)) [صحيح الجامع:1665] وقال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب, وإذا وَعَدَ أخلَف, وإذا ائتُمِنَ خان)) [متفق عليه]

فَلْيَحذر الذين يكذبون فى كل كبيرة وصغيرة, بسبب وبغير سبب, دون أى خوف من الله, ويقولون: ده كِدب ابيض! والذين يكذبون على أولادهم (هاجِبْلَك حاجة حلوة, أنا رايحه آخُد حُقنة, هافسَّحَك فُسْحَة جميلة) أتعلمون أن هذا يُكتب عليكم كذباً, فضلاً على أنكم تعلمونهم الكذب, وعدم الثقة بكم؟ فقد قال رسول الله r للمرأة التى قالت لابنها تعالَ أُعْطِكَ تمرة: ((أمَا إنكِ لو لم تُعطِهِ شيئاً كُتِبَ عليكِ كذبة)) [صحيح الجامع:1319] والذين يَقُصّون على أولادهم قصصاً خيالية كاذبة, أنصحهم أن يَقُصّوا عليهم قصصاً قصيرة من حياة الرسول r وصحابته الكرام y تحببّهم فيهم, بدلاً من الحكايات التى تخيفهم, أو التى لا تحتملها عقولهم.

وهناك أمثلة كثيرة من الكذب يَغفَلُ عنها كثير من الناس, ويظنون أنها ليست كَذِباً, مثل أن يُدعَى أحدهم إلى طعام وهو يشتهيه, فيقول: لا والله ما عايز, أو لا والله انا شبعان, فيكون بذلك قد وقع فى الكذب, وهو من الكبائر, وخالف هَدْى الرسول r الذى قال: ((إذا دُعِىَ أحدكم إلى طعام فَلْيُجب, فإن كان مُفطرِاً فَلْيأكل, وإن كان صائماً فَلْيَدْعُ بالبَرَكَة)) [صحيح الجامع:538] ومثل الذى يكون حزيناً فيسأله جليسه: مالَك, فى حاجة مزَعَّلاك, فيقول له: لا مافيش حاجة, (وليس معنى هذا أن نُفشى أسرارنا للناس, ولكن يمكن التهرّب من أسئلتهم بأسلوب لطيف ليس فيه كذب) ومثل التى توقظ أولادها للمدرسة, فتقول لهم مثلاً: إن الساعة 7, فى حين أنها 6, وغير ذلك من أمثلة الكذب فى حياتنا كثيرة, فاللهم تب علينا وعلى المسلمين أجمعين. 

والمصيبة الكبرى هى الحَلِف بالله كذباً، وقد قال العلماء: إنه يُسَمَّى (يمين غَمُوس) أى يغمس صاحبه فى الإثم ثم فى النار، وليس له كفارة إلا التوبة النصوح، قال رسول الله r: ((الكبائر الإشراك بالله, وعقوق الوالدين, وقتل النفس, واليمين الغَمُوس)) [صحيح البخارى] وقال: ((من أكبر الكبائر الشرك بالله, واليمين الغَمُوس)) [صحيح الجامع:5900]  فَحَذارِ من الحَلِف بالله كذباً مهما كانت الظروف، فلن يكون عقاب أحد أشد من عقاب الله.

أمّا الذين يحلفون أنهم سيفعلون أشياءً ثم لا يفعلونها, فننصحهم أن يقولوا: إن شاء الله، فيقولوا مثلاً: سأعمل كذا إن شاء الله, وفى هذه الحالة إن لم يقدروا على فعل ما حلفوا عليه, فلن يكون عليهم كفارة يمين, لأن الله عز وجل لم يَشَأ, حتى إن بعض العلماء قالوا: إن نَسِىَ الإنسان أن يقول إن شاء الله فى حَلِفِه, فيمكنه أن يقولها بعد فترة, ولكن قبل أن يحنث فى يمينه (يفعل عكس ما أقسم عليه) وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى, قال رسول الله r: ((من حَلَفَ على يمين فقال: إن شاء الله, فهو بالخِيار, إن شاء أمْضَى, وإن شاء ترك)) [سنن النسائى, صحيح الجامع:6210]‌

وهناك نوع من أخطر أنواع الكذب, وهو ترويج الإشاعات, مثل كذبة إبريل, ومثل ما يحدث من اتهام الأبرياء فى الصُّحُف والمجَلات, والتِلفاز, وشبكة المعلومات (الإنترنت) وغير ذلك, وقد توَعَّد الرسول r فاعله بالعذاب الشديد, فى قوله: ((رأيتُ الليلة رجلين أتيانى, فأخذا بيدى, فأخرجانى إلى الأرض المقدَّسة, فإذا رجل جالس, ورجل قائم على رأسه, بيده كَلُّوب من حديد, فيدخله فى شِدْقِه فيشقه, حتى يخرجه من قفاه, ثم يخرجه, فيدخله فى شِدْقِه الآخر, ويلتئِم هذا الشِّدْق, فهو يفعل ذلك به, فقلتُ: ما هذا؟ قالا: انطلق, فانطلقتُ معهما, فإذا رجل مُسْتَلْقٍ على قفاه, ورجل قائم بيده فهر أو صخرة, فيَشدَخ بها رأسه, فيتدَهْدَه الحجر, فإذا ذهب ليأخذه, عاد رأسه كما كان, فيصنع مثل ذلك, فقلتُ: ما هذا؟ قالا: انطلق, فانطلقتُ معهما, فإذا بيت مَبْنِىّ على بناء التنّور, أعلاه ضيّق, وأسفله واسع, يُوقَدُ تحته نار, فيه رجال ونساء عُراة, فإذا أُوقِدَت ارتفعوا, حتى يكادوا أن يخرجوا, فإذا أُخْمِدَت رجعوا فيها, فقلتُ: ما هذا؟ قالا: انطلق, فانطلقتُ, فإذا نهر من دم فيه رجل, وعلى شاطئ النهر رجل بين يديه حجارة, فيُقْبِلُ الرجل الذى فى النهر, فإذا دَنا ليخرج, رَمَى فى فِيهِ حَجَراً, فرجع إلى مكانه, فهو يفعل ذلك به, فقلتُ: ما هذا؟ قالا: انطلق, فانطلقتُ, فإذا رَوْضَة خضراء, وإذا فيها شجرة عظيمة, وإذا شيخ فى أصلِها, حوله صِبيان, وإذا رجل قريب منه, بين يديه نار, فهو يحشّها ويوقدها, فصعدا بى فى شجرة, فأدخلانى داراً لم أرَ داراً قط أحسن منها, فإذا فيها رجال شيوخ وشباب, وفيها نساء وصِبيان, فأخرجانى منها, فصَعَدا بى فى الشجرة, فأدخلانى داراً هى أحسن وأفضل, فيها شيوخ وشباب, فقلتُ لهما: إنكما قد طوَّفتمانى منذ الليلة, فأخبرانى عمَّا رأيتُ, قالا: نعم, أمّا الرجل الأول الذى رأيتَ, فإنه رجل كذّاب, يكذب الكَذِبَة, فَتُحْمَلُ عنه فى الآفاق, فهو يُصنَع به ما رأيتَ إلى يوم القيامة, ثم يصنع الله تعالى به ما شاء, وأما الرجل الذى رأيتَ مُستلقِياً على قفاه, فرجل آتاهُ الله القرآن, فنام عنه بالليل, ولم يعمل بما فيه بالنهار, فهو يُفعَلُ به ما رأيتَ إلى يوم القيامة, وأمّا الذى رأيتَ فى التنّور, فهم الزناة, وأما الذى رأيتَ فى النهر, فذاك آكِلُ الربا, وأما الشيخ الذى رأيتَ فى أصل الشجرة, فذاك إبراهيم عليه السلام, وأمّا الصِبيان الذين رأيتَ, فأولاد الناس, وأما الرجل الذى رأيتَ يُوقِدُ النار, فذلك خازن النار, وتلك النار, وأمّا الدار التى دخلتَ أوَّلاً, فدار عامَّة المؤمنين, وأمّا الدار الأخرى, فدار الشهداء, وأنا جبريل, وهذا ميكائيل, ثم قالا لى: ارفع رأسك, فرفعتُ, فإذا كهيئة السحاب, فقالا لى: وتلكَ دارُك, فقلتُ لهما: دَعانى أدخلُ دارى, فقالا: إنه قد بَقِىَ لكَ عمر لم تستكمله, فلو استكملتَهُ دخلتَ دارَك)) ‌[صحيح الجامع:3462]‌ الحديث طويل, أوْرَدتُه بكامِلِه لفائدتِه العظيمة, والشاهد منه فى موضوعنا قوله r: ((رجل كذاب, يكذب الكذبة, فتُحمَل عنه فى الآفاق)) فلا ينبغى للمسلم أن يروى كل ما قرأ, أو سمع, دون التأكّد من صِحّته, فقد قال رسول الله r: ((من ستر أخاه المسلم فى الدنيا, ستره الله يوم القيامة)) [مسند أحمد, صحيح الجامع:6287] إن هذا أمْر بالستر على من فعل المعصية, فكيف بمن لم يفعلها؟ فاتقوا الله فى إخوانكم, ولا تسارعوا بنشر كل ما سمعتموه أو قرأتموه بين الناس, قال رسول الله r: ((كفى بالمرء كَذِباً أن يُحَدّث بكُلّ ما سَمِع)) [صحيح مسلم] أى أن المرء يقع فى الكذب (ولو لم يقصده) إذا حَدَّث بكل ما سمع, وهذا ما يقع فيه كثير من الناس, حتى إنهم يؤكّدون – وربما يحلفون – على صِدْق ما سمعوه, وهم لا يعلمون.

خيانة الأمانة يظن البعض أنها فى الأشياء الخطيرة فقط, بل إنها فى الصغير كما هى فى الكبير, قال رسول الله r: ((إذا حَدَّثَ الرجل بحديث, ثم التَفَتَ, فهى أمانة)) [سنن أبى داود والترمذى, صحيح الجامع:486] وقال: ((يا أيها الناس! إن هذا من غنائِمِكُم, أدّوا الخيْط والمخيَط, فما هو فوق, فإن الغُلول عار على أهله يوم القيامة, وشنار, ونار)) [صحيح الجامع:7869] يتضح من الحديث الأول أنه لا يُشترَط أن الذى يحدثك بشىء يقول لك: لا تَقُل لأحد، إن مجرَّد التفاتِه ليرَى هل يسمعه أحد أم لا, هو بمثابة قوله لك: لا تَقُل لأحد. وللأسف نرى الكثير ممن يذيع سِرّ أخيه.. ويقول: هو قال لى ماتقولْش لِحَد, لكن انا بَقُول لك انت بَس, وما تقولْش لِحَد! والآخر يقول.. ثم الذى بعده.. وهكذا, والحديث الثانى يتكلم عن “الغُلول” وهو أخذ شىء من الغنائِم بغير إذن وَلِىّ الأمر، ولو كان خيْطاً, أو إبرة “المخيَط” وتخيَّلوا كيف أن الأمر فى غايَة الخطورة, لدرجة أن الإنسان يُسأل عن هذه الأشياء البسيطة؟ يا الله! هذا الخيْط والمخيَط .. فكيف بِمَن ينهب أموال الناس ما استطاع إلى ذلك سبيلاً؟ اللهم تب علينا وعلى المسلمين أجمعين.

وقد قال العلماء: إن هذا ينطبق على الذى يأخذ من عمله أى شىء – ولو كان تافِهاً – بغير إذن صاحب العمل, ولا أقول بإذن المدير (إلا إذا كان هذا من اختصاصِه) لأن المدير أحياناً يتصرَّف بمزاجه, بغير وجه حق, فالذين يأخذون أكل المرضى من المستشفيات ودواءهم.. ويكتبون أنهم أخذوا الدواء الفلانى, ثم يعطونه لأقاربهم ومعارفهم, والذين يأخذون القطن والشاش والمطهّرات, لدرجة أنهم يمسحون أحذيتهم بهذا الشاش والقطن, والذين يستغلّون الماكينات والتليفونات لمصلحتهم الشخصية, والذين يوَصّلون زوجاتهم وأولادهم بسيارة العمل (إلا إذا كان مأذوناً لهم فى ذلك) والذين يأخذون الأوراق والأكياس, والذين يُفرِطون فى استهلاك المياه والكهرباء, والذين يتصرَّفون فى ودائِع الناس (ولو أشياء بسيطة, مثل الصحون والأكواب), والذين يبيعون حِصَصَ التموين الْمُدَعَّمَة – كالدقيق مثلاً – بسعر غالٍ، ويحرمون مُستحقّيها منها, والذين يهربون من الكُمْسَرِى, وغير ذلك الكثير والكثير, كل هؤلاء نقول لهم: {وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون} [البقرة:281]

شهادة الزور يعلم الناس أنها حرام, ولكنهم يجاملون أقاربهم, وأصدقاءهم, وجيرانهم، فمثلاً: جار لهم ترك منزله, وسكن فى مكان آخر، ويريد صاحب البيت أن يَسْتَرِدّ شقَّته, لاحتياجه لها، فيقول الساكن لجيرانه: لو حَد سأل عَلىَّ, قولوا ده عايش فيها, بَس بِيْسِيبها شوَيَّة يسافر ويرجع تانى, وللأسف يسمعون كلامه, ويقولون: لو ماقُلْناش كِدَه هايِزْعَل مِننّا. أو يكون إنساناً فقيراً, ويعمل مصيبة, فلا يشهدون عليه (عند القضاء) ويقولون: مارضيناش نقول انه عمل كذا.. حرام دَه غَلبان.. هايْسِيب وُلاده لمين يِأكّلهُم. يا قوم اتقوا الله.. ألا تعلمون قول ربكم جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} [النساء:135] وقوله: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام:152] وقول رسولكم r: ((ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله, وعقوق الوالدين, وقَوْل الزور)) [متفق عليه] وقوله: ((صِلْ من قطعكَ, وأحسن إلى من أساء إليكَ, وقُل الحق ولو على نفسك)) [صحيح الجامع:3769]

ولا يُفهم من كلامى أننا نفضح الناس بدون داعٍ (عَمّال على بَطّال) إن ذلك عند طلب الشهادة, سواء فى المحاكم أو غيرها, قال رسول الله r: ((من نفَّس عن مؤمن كُربة من كُرَب الدنيا, نفَّس الله عنه كُربة من كُرَب يوم القيامة, ومن يسَّر على مُعسِر, يسَّر الله عليه فى الدنيا والآخرة, ومن ستر مسلماً, ستره الله فى الدنيا والآخرة, والله فى عَوْن العبد, ما كان العبد فى عَوْن أخيه, ومن سَلَكَ طريقاً يلتمس فيه عِلماً, سهَّل الله له طريقاً إلى الجنة, وما اجتمع قوم فى بيتٍ من بيوت الله, يتلون كتاب الله, ويتدارسونه بينهم, إلا نزلت عليهم السكينة, وغَشِيتهُم الرحمة, وحَفَّتهُم الملائكة, وذَكَرَهُم الله فيمَن عِندَه, ومن أبطَأَ به عَمَلُه لم يُسْرِع به نَسَبُه)) [صحيح الجامع:6577] الحديث الشريف كله مفهوم, والحمد لله، ولكن لننتبه إلى عبارة ((من أبطأ به عَمَلُه لم يُسْرِع به نَسَبُه)) حتى لا يتفاخر الناس بالأنساب, ويتواكلوا عليها، فيقولوا دَه احنا مُنَسَّبين, دَه احنا من نسل النبى, دَه احنا من نسل الصحابى الفُلانى, ولا أقول هذا استهزاءً (والعياذ بالله) ولكن لأن البعض يعتقد أنه ما دام من نسل النبى r فهو أفضل من غيره، أو أن له قَدْراً عند الله (اللهم إنى أبرأُ إليكَ ممن يَسْتَخِف أو يستهزئ بنسب رسولك r أو أحد من المسلمين) إن العبرة بالعمل وليست بالنَّسَب, قال الله تعالى فى كتابه الكريم: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ {101} فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {102}  وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ {103} تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [المؤمنون:101-104] وقال رسول الله r: ((يا مَعْشَرَ قريش! اشتروا أنفسكم من الله, لا أُغْنى عنكم من الله شيئاً, يا بنى عبد مناف! اشتروا أنفسكم من الله, لا أُغْنى عنكم من الله شيئاً, يا عباس بن عبد المطلب! لا أُغْنى عنكَ من الله شيئاً, يا صفية عمَّة رسول الله! لا أُغْنى عنكِ من الله شيئاً, يا فاطمة بنت محمد! سَلِينى من مالى ما شِئْتِ, لا أُغْنى عنكِ من اللهِ شيئاً)) [صحيح الجامع:7982] وقال: ((كُلُّكُم بنو آدم, وآدم خُلِقَ من تراب, لَيَنْتَهِيَنَّ قومٌ يفتخرون بآبائِهِم, أو لَيَكُوننَّ أهْوَن على اللهِ من الْجُعْلان)) [صحيح الجامع:4568] ((الْجُعْلان)) معناه الخنفساء.

أرَأيتم جزاء الذى يتباهى, ويقول: دَه انا ابويا فُلان الفُلانى – دَه انا من العِيلَة الفُلانيَّة – ده انا أهلى كذا وكذا.. إلخ؟ لدرجة أنهم يتفاخرون بالملابس والطعام.. سبحان الله! قد يتساءل أحد ويقول: كيف يتفاخرون بالملابس والطعام؟ فأقول له: ألَمْ ترَ من يتباهَوْن بجهاز العروسة, ويعلِّقون بعضه على الحِبال حتى يراه الناس؟ ثم ألَمْ تسمع من يقول: دَه انا أهلى رَبُّونى على الغالى, دَه احنا كُنّا مانَكُولْش إلا السمن البلدى, واللحمة الضانى (إحنا الصعايدة أكّالين الضانى) وكُنّا بنِدْبَح الدبايِح, وكُنّا بنعمل كذا وكذا؟ وكل هذا ليس من باب إظهار نعمة الله عليهم، بل للتباهى، بدليل أنهم ينظرون إلى من هُم دونهم نظرة استعلاء، ويقولون: دُول ماكانُوش بِياكْلُوا إلا السمن الهولندى, والفول النابِت, وكذا وكذا.

الغِيبَة مرض خطير منتشر فى الأمة انتشار النار فى الهشيم، ومعناها كما جاء فى قول رسول الله r: ((أتدرون ما الغيبة؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم, قال: ((ذِكْرُكَ أخاكَ بما يكره)) قيل: أفرأيتَ إن كان فى أخى ما أقول؟ قال: ((إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته, وإن لم يكن فيه فقد بَهَتَّه)) [صحيح مسلم] وللأسف.. فإننا نسمع كثيراً غِيبَة الناس: دَه مجرم – دَه دَمُّه تِقِيل – دَه اعمش – دَه مكسَّح – دَه غِلِس… إلى غير ذلك من الشتايم والسَّب, وإذا قلت للمغتاب اتقِ الله, قال لك: أنا مابفتريش عليه.. دَه هُوَّ كِدَه, وقد رأينا وَصْف الرسول r للغِيبَة أنها ((ذكرك أخاك بما يكره)) (ولو كان فيه) أما إن قلتَ عنه ما ليس فيه, فهو بُهتان (أى افتراء) وللأسف تجد من يخوضون فى أعراض الناس, وبعد ذلك يقولون احنا مالْنا – خلّينا فى حالْنا – احنا هانغيّر الكون – دَع الخَلْقَ للخالق. بعد إيه؟ بعدما أكلتم لحوم إخوانكم؟ وقد مَرَّ بنا قول رسول الله r: ((إن أربى الربا استطالة المرء فى عِرْضِ أخيه))

إن الغِيبَة لا تجوز, حتى للشكوى من المظالم (حتى لا يقول أحد: دَه انا بَس بفضفض عن نفسى) إلا لطلب الفتوى من العلماء (ولا يذكر اسم الذى ظلمه) وعند التقاضى. (وهناك أحوال أخرى قليلة تجوز فيها الغِيبَة, يُرجَع إليها فى كتب الفقه) وينبغى للذى يسمع غِيبَة المسلمين أن يَنهَى المغتاب, ولا يستحى منه، فإن لم يستطع فَلْيَقُم من المجلس, حتى لا يشترك معه فى الإثم, قال رسول الله r: ((لما عَرَجَ بى ربى عز وجل, مَرَرْتُ بقوم لهم أظفار من نحاس, يخمِشون وجوههم وصدورهم, فقلتُ: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس, ويَقَعون فى أعراضِهِم)) [صحيح الجامع:5213]

وأحب أن أنبّه على نوع من الغِيبَة.. وهى أنه إذا ذُكِرَ إنسان قالوا: ربنا يهديه, أو ربنا يهدينا ويهديه, أو ربنا يتوب علينا وعليه, أو ربنا يسهّل له, وقد قال عنها العلماء إنها أشد من الغِيبَة، لما تحمله من معنى أن القائل أفضل من الشخص الذى ذُكِرَ، ولِما فيها من إظهار التوَرُّع عن الغيبة الصريحة, وقد نهانا الله تبارك وتعالى عن كل هذا فى كتابه الكريم.. فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ {11} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ }  [الحجرات:11-12]

يا ناس يا مسلمون.. من يسمع كلام ربنا إن لم نسمعه نحن؟ ألَسْنا مؤمنين به؟ أَأُنزِلَ لأحَدٍ غيرنا؟ أرأيتم كيف نهانا الله عز وجل عن السخرية, التى يسمونها (تَرْيَقَة) ويُقال: دخلوا لبعض قافيَة؟ وقد قال رسول الله r: ((بِحَسْبِ امْرِئ من الشر أن يَحْقِرَ أخاه المسلم)) [صحيح مسلم] ومن السخرية أيضاً: المحاكاة, وهى التقليد للاستهزاء، كتقليد الأعرج فى مِشْيَتِه, أو الأعْوَر… أو كذا أو كذا.

النميمة معناها الوقيعة, ونقل الكلام الْمُفسِد بين الناس (دَه قال عليك كذا وكذا) وهى من الكبائر, وهناك مفهوم خاطئ.. إذ يقولون عن النميمة: {الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة:191] ومعنى الآية الكريمة فتنة الناس عن دينهم بالتعذيب والإغواء وغيره. والنميمة شَرَرُها فادِح, وخطرها عظيم, فَكَم من المصائب والشرور والفساد فى الأرض كان بسبب النميمة, قال رسول الله r: ((لا يدخل الجنة قتّات)) [متفق عليه] والقتّات هو النمّام, وقال: ((إيّاكم وسوء ذات البَيْن, فإنها الحالِقَة)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:6283] قالوا معنى ((الحالِقَة)) أى المهْلِكَة, أو الماحية للحسنات, المؤدِّية للعقاب (لا تحلق الرأس, بل تحلق الدين) وقال r: ((ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام, والصلاة, والصدقة؟)) قالوا: بلى يا رسول الله, قال: ((إصلاح ذات البَيْن, فإن فساد ذات البَيْن هى الحالِقَة)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:2595] وقال: ((ما عَمِلَ ابن آدم شيئاً أفضل من الصلاة, وصلاح ذات البَيْن, وخُلُق حَسَن)) [صحيح الجامع:5645]

فيا إخوتى فى الله.. من كان بينه وبين أخيه خصومة فَلْيبادر بالصُّلْح، ولا يحملنا الغضب لأنفسنا على هجر أهلينا, وإخواننا, وجيراننا, ربما لمجرد كلمة قيلت, أو تصرّف خاطئ فى حقّنا, لقد قال الله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه} [الشورى:40] وبالطبع نحن نعلم نَهْى نبينا r عن الخصام أكثر من ثلاثة أيام.. حيث قال: ((لا يَحِلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث, فمن هَجَرَ فوق ثلاث فمات, دخل النار)) [سنن أبى داود, صحيح الجامع:7659] وقال: ((هَجْرُ المسلم أخاه كَسَفْك دَمِه)) [صحيح الجامع:7020] وقال: ((لا يكون لمسلم أن يهجر مسلماً فوق ثلاثة, فإذا لَقِيَه سلَّم عليه ثلاث مرات, كل ذلك لا يَرُدّ عليه, فقد باء بإثمه)) [صحيح الجامع:7775] وهنا أمر خطير: نسمع أحد الناس يقول لمن أراد أن يُصلِح بينه وبين خَصْمِه: عشان خاطْرَك انت بَس هاصَلْحُه، عشان خاطْرَك هاكَلّمُه. لا يا إخوانى.. إن الصُّلْح (أو أى معروف) لابد أن يكون خالصاً لوجه الله جل فى عُلاه, وليس لأحدٍ سواه.

ومن رأى متخاصمين, فليحاول الصلح بينهما, ابتغاء مرضاة الله، كما قال سبحانه وتعالى: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} [النساء:114] اللهم ألِّف بين قلوبنا, وأصلِح ذات بَيننا, وانصرنا على أعدائنا.

ومن فساد ذات البَيْن: أذَى الجار، وقد نهى عنه رسول الله r فقال: ((والله لا يؤمن, والله لا يؤمن, والله لا يؤمن)) قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: ((الذى لا يأمن جاره بوائِقَه)) [صحيح البخارى] و((بوائِقَه)) أى شروره وأذاه, وقال r: ((من كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فَلْيُحْسِن إلى جارِهِ, ومن كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فَلْيُكْرِم ضَيْفَه, ومن كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أو ليَسْكُت)) [صحيح مسلم]

وليس من الإحسان إلى الجار أن نشغّل الدِّى جِى بصوته المزعج، أو ماكينات بصوت عالٍ ليلاً (مثل الشنيور) أو النِّجَارَة، أو حرق الورق والقِمامَة التى تؤذيهم برائحتها, أو لعب الأطفال لوقت متأخّر من الليل، أو نرفع صوت المِذياع بطريقة مزعجة, كالذين يرفعون صوت الأغانى بدون مُراعاة لأحد, ويتشاجرون مع جيرانهم لأتفه الأسباب, على نقط مياه وقعت على الغسيل, أو على ضرب ولدهم, أو على قليل من التراب وُضِعَ أمام منزلهم, أو كلمة قيلت فى حَقّهِم, ولا أقول إن هذا يَصِحّ، ولكن نريد العفو والمغفرة, عسى الله أن يعفو عنّا ويغفر لنا {أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم} [النور:22]

التنابُز بالألقاب: وهو وصف المرْء بصِفَة تشينه أو تغضبه, لدرجة أنها تصبح بديلاً لاسمه, ويشتهر بها بين الناس, كما يُقال: فُلان الأُوزْعَة – فُلان سَوابِق – فُلان أبو كِرْش… إلخ, وكما نسمع من يقول لأخيه: يا بارِد, يا طُرُبْش, يا تِخين, يا مكَسَّح, يابُو مَناخِير كبيرة… إلخ.

وللأسف تجد هذا منتشراً بين الرجال والنساء والأطفال, وطَلَبَة المدارس والجامعات، والكل يقول لك احنا بنهزَّر, واحنا واخْدِين على كِدَه, ومابْنِزْعَلْش من بَعض، لدرجة سَبّ الأب والأم بأقذر الشتائم.. وإنا لله وإنا إليه راجعون. ونقول لهؤلاء جميعاً: إن هذا معصية لله عز وجل, سواء كنتم جادِّين أو مازحين, قال رسول الله r: ((من الكبائِرِ شَتْمُ الرجلِ والدَيْه)) قالوا: يا رسول الله.. وهل يَشْتِم الرجل والدَيْه؟ قال: ((نعم.. يَسُبُّ أبا الرجل, فيَسُبُّ أباه, ويَسُبُّ أمَّه, فيَسُبُّ أمَّه)) [صحيح مسلم] وتذكروا {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}

الهَمْز واللَمْز {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} [الهُمَزة:1] قالوا: الهَمْز باللسان واللَمْز بالفعل، وقالوا العكس, المهم أن الاثنين حرام, فأحدهما معناه التَّعْييب باللسان, والآخر بالفعل، كما نرى من يَغمِز بعينِه لأحد لينبّهه على طريقة كلام أخيه.. كأن يكون ألْثَغ (ألدغ) أو أخْنَف, أو شيئاً فى خِلْقَتِهِ لا يُعجبه.. كأن يكون فمه مُعْوَجّاً, أو أسنانه كبيرة.. إلخ.

المنُّ بالعطاء: ترى الناس عندما يحدث بينهم شِجار أو نِزاع.. مَنُّوا على بعض بعطائِهِم (عايْرُوا بعض) فتسمع من يقول: دَه انا يامَا أكِّلْتُه – دَه انا يامَا شَرَّبْتُه – دَه لحم اكْتافُه من خِيرى – دَه عَض الإِيد اللِى اتمدَت لُه. وترى المرأة تَمُنُّ على جارتها: دَه انا يامَا خَدَمْتِك – دَه انا يامَا ادِّيتِك كذا… دَه انا كذا, دَه انا كذا, لدرجة أنهم يَمُنُّون على بعضهم بأشياء لم يفعلوها, كأن يبيع أحد التُّجّار سِِلْعَتَهُ بسعرها العادى, ويقول للمشترى: دِى عَشانَك انت بَس بكذا, دَه انا مابِعْهاش لغيرك إلا بكذا, أو من يكذب فيقول: دَه لولا انا ماكَنْش فُلان خَدَمَك, أو ماكَنْش عَمَلْها لك إلا بكذا, فيكونوا بذلك قد جمعوا بين الكذب والمنّ, وكِلاهُما من الكبائر {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} [آل عمران:188], قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [البقرة:264] وقال رسول الله r: ((ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاقّ لوالدَيْه, والمرأة المترَجِّلَة المتشبّهَة بالرجال, والدَّيُّوث, وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاقّ لوالدَيْه, والمدْمِن الخمر, والمنّان بما أَعْطَى)) [صحيح الجامع:3071] ((الدَّيُّوث)) هو الذى يرضى الخَبَث فى أهله, ولا يَغارُ عليهم، فيرى زوجته أو أخته أو ابنته تتعرى, وتفعل أفعالاً خبيثة, ولا يُنكِرُ عليها, ((المرأة المترَجِّلَة المتشبّهَة بالرجال)) ليس كما يتوهَّمُون أنها المرأة التى تترك شعر وجهها أو حاجبيها, على طبيعتها التى خلقها الله عليها, ولكنها التى تقلّدهم فى لبسهم, أو تسريحة شعرهم, أو كلامهم… إلخ, قال رسول الله r: ((لعن الله الربا, وآكِلَه, ومُوكِلَه, وكاتبه, وشاهِدَه, وهم يعلمون, والواصِلَة, والمستَوْصِِلَة, والواشِمَة, والمستَوْشِمَة, والنامِصَة, والمتنمِّصَة)) [صحيح الجامع:5094] الوصل هو وصل الشعر بشعر مُستعار, كالباروكة, أو ما يُطِيلُون به ضفائرهم فى بعض القُرَى, ويكون على هيئة الشعر, الوَشْم معروف, ويسمونه (الدَّقّ), النَّمْص هو إزالة شعر الحاجب, أو ترقيقه, ومن العلماء من قال: إن النَّمْص هو إزالة شعر الوجه (بما فيه الحاجبين طبعاً), وقال r: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة, ولا ينظر إليهم, ولا يزكّيهم, ولهم عذاب أليم: الْمُسْبِل, والمنّان, والْمُنفِقُ سِلْعَتَه بالحَلِف الكاذب)) [صحيح مسلم]

((المنفِق سِلْعَتَه بالحلف الكاذب)) مفهومة, ولكنّا نلفت النظر هنا إلى أنه ينبغى أن نتعامل بالتسامح فى البيع, والشراء, وكل شىء, قال رسول الله r: ((إن الله تعالى يحبُّ سَمْح البَيْع, سَمْح الشراء, سَمْح القضاء)) [صحيح الجامع:1888] فلا ينبغى أن ندقّق على أشياء بسيطة, ونرى مُشاجرات بين البائع والمشترى, على بضعة قُروش مثلاً، وربما يكون البائع أو المشترى فقيراً جداً، أو فى التاكسيات, والميكروباصات, بين السائِق والراكبين على الأُجْرَة… إلخ, قَدَّر يا أخى أنه زارك فى بيتك.. ألستَ كنتَ تكرمه؟ ثم إن هذا القدر القليل من المال.. أين ذهب؟ إنه ذهب لبيت مسلم, وهو أخوك فى الله, كما قال الله عز وجل: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]

ربما يرد علىَّ أحدكم, ويقول: يا عَم صَلِّ على النبى, دُول طمّاعين واستغلاليين, مايِنْفَعْش الكلام اللِى انتَ بِتْقُولُه فى الزمن دَه. فأقول له: إن حسابهم على الله, ولن يضيع الله أجرك، وَادْعُ لنا ولهم بالهداية، ألا يكفيك حب الله جل وعلا جزاءً لحسن صنيعك؟ فإذا بِعْتَ أو اشتريتَ فتساهَل, ولا تعقّد الأمور, وخصوصاً لو عَلِمْتَ أن الذى يبيع مُضطرّاً, لأننا – للأسف – نجد الناس يفرحون إذا باع أحد متاع بيته بالخسارة لاحتياجِهِ، حتى إن أحدهم لَيَقَول: دَه كان بيبيع حاجته وخَدْتها مِنُّه بِرُخْص التراب, فهل ترضى هذا يا أخى لنفسك؟ (بيع المضطر يُرجَع إليه فى كتب الفقه) ولكن الأفضل فى هذه الحالة أن تُقرِضه إلى مَيْسَرَة, أو تساعده فى مِحْنَتِه, قال رسول الله r: ((أحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعهم, وأحَبُّ الأعمال إلى الله عز وجل سُرور تُدْخِلُه على مسلم, أو تكشف عنه كُربة, أو تقضى عنه دَيْناً, أو تطرد عنه جوعاً, ولأن أمْشِى مع أخى المسلم فى حاجة أحَبُّ إلىَّ من أن أعتكف فى المسجد شهراً, ومن كَفَّ غضبه ستر الله عَوْرَته, ومن كَظَمَ غيظاً ولو شاء أن يُمْضِيَه أمضاه مَلأ الله قلبه رِضًى يوم القيامة, ومن مَشَى مع أخيه المسلم فى حاجته حتى يُثبتها له أثبتَ الله تعالى قَدَمَه يوم تَزِل الأقدام, وإن سوء الخُلُق لَيُفسِد العمل كما يُفسِد الخل العسل)) [صحيح الجامع:176]

ولو باعَ لك أحد شيئاً, ولكنه لا يعرف ثمنه الحقيقى (كأن يكون أُهْدِىَ إليه, ويريد بَيعه) فوضّح له أنه يستحق أكثر من هذا, وكذلك لو صنع لك شيئاً بثمن أقل بكثير من غيره, لجهله بذلك، فبيِّن له, فإذا سامحك فَبِها ونِعْمَت، وإلا- فأعطه باقى حقه. أنا متأكد من استغراب بعض الناس لهذا الكلام, لأنهم – كما يقولون – مابِيْصَدَّقوا يلاقُوا حاجة رخيصة, وأقول لهؤلاء: هدانا الله وإياكم، إن رسول الله r قال: ((الدين النصيحة)) [متفق عليه] وهذا من باب النصيحة لأخيك المسلم, وقد أسلم الكثير والكثير بسبب أخلاق التجّار المسلمين, فى بعض الدول الأفريقية والآسيوية, كإندونسيا, وماليزيا, وغيرهما.

وأُناشِدُ إخوتى فى الله, الذين يسكنون فى المنازل القديمة – التى ما زالت على إيجارها الضئيل – أن يزيدوا إيجارها, ولو لم يفرضه عليهم القانون, لأننا نرى بعض الشقق الفسيحة, التى تحتوى على عِدَّة غُرَف, لا يتجاوز إيجارها ثلاثة, أو خمسة جنيهات, فى حين أنها تُقَدَّر (حالياً) بمئات الجنيهات. وأقول لساكنيها: إن هذه الجنيهات التى تدفعونها إيجاراً لهذه الشقق, أقل مما تعطونه فى اليوم الواحد لأولادكم, فاتقوا الله فى إخوانكم, وارضَوْا لهم ما ترضَوْنه لأنفسكم, كما قال رسول الله r: ((والذى نفسى بيدِهِ لا يؤمنُ عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير)) [مسند أحمد, صحيح الجامع:7085]

وإذا كان أخى المسلم عليك دَيْن فاقْضِهِ بالمعروف، ومن المعروف أن تشكر صاحبه, وتُثنى عليه, ولا تكن كالذى يقول: دَه انا ادّيلُه فُلوسُه على الجزمَة! قال رسول الله r: ((من صُنِعَ إليه معروف فقال لفاعلِهِ: جزاكَ الله خيراً, فقد أبْلَغَ فى الثناء)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:6368] وقال: ((خياركم أحسنكم قضاء للدَّيْن)) [صحيح الجامع:3261] واقضِه حين يُيسّره الله لك, ولا تؤخّره حتى لو كان الدائِن غنياً, قال رسول الله r: ((مَطْلُ الغنىّ ظُلم)) [متفق عليه] وقال: ((من أخذ أموال الناس يُريدُ أداءَها, أدَّى الله عنه, ومن أخذها يُريدُ إتلافها, أتلَفَهُ الله)) [صحيح الجامع:5980]

وننصح إخواننا ألا يُثقلوا كاهِلَهُم بالديون لأسباب تافهة، كشِراء الكماليّات, أو تزيين منازلهم, أو غير ذلك, قال رسول الله r: ((والذى نفسى بيدِهِ لو أن رجلاً قُتِلَ فى سبيل الله ثم أُحْيِى, ثم قُتِلَ ثم أُحْيِى, ثم قُتِلَ وعليه دَيْن, ما دَخَلَ الجنة حتى يُقْضَى عنه دَيْنه)) [سنن النسائى, صحيح الجامع:3600] وننصح إخواننا الدائنين أن يُيَسّروا على إخوانهم المعسِرين، ولا يهينوهم, ولا يفضحوهم بين الناس, لأن جزاءهم سيكون عظيماً إن شاء الله, واقرأوا إن شئتم ما ورد فى تفسير الآية الكريمة: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون} [البقرة:280] قال رسول الله r: ((من أنظَرَ مُعْسِراً, أو وَضَعَ عنه, أظلَّهُ الله فى ظلِّهِ يوم لا ظِلَّ إلا ظِلّه)) [صحيح الجامع:6101] وقال: ((من أنظَرَ مُعْسِراً, فَلَهُ بِكُلِّ يوم مِثله صدقة, قبل أن يَحِلّ الدَّيْن, فإذا حَلَّ الدَّيْن فأنظَرَه, فلَهُ بكل يوم مِثلاه صدقة)) [صحيح الجامع:6108] وقال: ((إن لله تعالى أقواماً يختصّهم بالنِّعَم لمنافِع العباد, ويُقِرّها فيهم ما بَذَلوها, فإذا منعوها نزعها منهم, فَحَوَّلها إلى غَيرهم)) [صحيح الجامع:2164] وقال: ((من سَرَّهُ أن يُنجِيَهُ الله من كُرَبِ يومِ القيامة, فَلْيُنَفّس عن مُعْسِرٍ, أو يَضَعْ عنهُ)) [صحيح مسلم]

سوء الظن: فتجد الكلمة تُؤخَذ على مَحْمَل سيّئ, ويُظَن بصاحبها الظنون, ومن أمثلة سوء الظن قولهم: دَه هو اللى سرق كذا, دَه بيخدمنى عشان مَصْلَحته, دَه بِيِعْمِل كِدَه عشان ماحَدِّش يرُوح عنده, دِى قَصْدَها كذا, دِى هِىَّ اللى عملت لى العَمَل, دَه تِلاقِيه واخِدْ فى الحكاية دِى كذا ألف جنيه, شافتنى وعَمَلِت نفسها مِش شايفانى…إلخ.

يا قوم أحسنوا الظن بإخوانكم, وإذا بَدَرَ منهم قول أو فعل لا يرضيكم, فالتمسوا لهم العُذر، فَكَمْ من كلمة حُمِلَت على غير معناها, لا يَقصدُ قائِلها إلا الخير, وكَمْ من فعل كان ظاهره الشر, وهو عكس ذلك. إفرض مثلاً أنكَ زُرْتَ إنساناً, فقابَلَكَ أو كلَّمَكَ بطريقة لا تعجبك, فالتمس له العُذر, فالله أعلم بعبادِه, ربما كان عنده ما يَشغله, أو ما يحزنه.

ومن أشد ما يقع فيه الناس هو قذف المحصَنات, وللأسف فإن كثيراً منهم يقع فيه بمجرَّد الظن, وبغير أدْنَى بَيّنة (دَه مَشْيُه وِحِش, دِى مَشْيَها وِحِش, دِى مَشْيَها بَطّال, تِلاقِى فُلانة ماشيَة مع فُلان) قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:4] أى أن الإنسان لا يَحِلُّ له أن يتكلم فى أعراض الناس, حتى لو رأى بعينه, إلا أن يكون معه ثلاثة شهداء, وحتى فى هذه الحالة لا يُشَهِّر بمن رآه, ولكنه يُدْلِى بشهادته لولىّ الأمر, ولو ستر عليه لَكانَ أفضل, قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ {23} يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ {24} يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور:23-25] وقال رسوله r: ((اجتنبوا السَّبْع الموبِقات: الشركُ بالله, والسحر, وقتل النفس التى حرَّم الله إلا بالحق, وأكل الربا, وأكل مال اليتيم, والتوَلّى يوم الزحف, وقذف المحصَنات المؤمنات الغافلات)) [صحيح الجامع:144]

التجسس معروف (بِيْطقطق وُدانُه, بِيْلَمَّع أُكَرْ) ولكن هناك تجسساً من نوع آخر: تجد الجيران ينظرون من الشبابيك والبلكونات, وإذا رأوا شبّاك الجيران مفتوحاً, نظروا إلى داخل شقّتِهِم, وينظرون على اللى رايِح واللى جاى (طبعاً بدون غض بصر) وماذا اشترى الجار لأهل بيته, وماذا اشترت المرأة من السوق, ومن الضيوف الذين أتوا لجيرانهم, لدرجة أنهم ينظرون إلى غَسِيل بعضهم, هل هو نظيف أم مُتَّسِخ! وسؤال الناس: كنت فين – جيت مِنين – جِبْت معاك إيه – مين اللى كان عندكم – الحاجَة دِى بِكام – عَمَلْتوا أكل إيه… إلخ.

يا أخى.. يا أختى.. لا توقعوا الناس فى الحرَج, وتضطروهم للكذب, لقد قال رسول الله r: ((من حُسْنِ إسلام المرء, تَرْكُه ما لا يَعنيه)) [موطأ مالك, سنن الترمذى, صحيح الجامع:5911] وقال: ((من اطَّلَعَ فى بيتِ قومٍ بغير إذن, فَفَقَأوا عينه, فلا دِيَة لَه, ولا قَصاص)) [صحيح الجامع:6046] ولا أقول إن فَقءَ العين بغير قصاص ينطبق على ما قلناه من النظر من الشبابيك، ولكن على من نظر من ثقب الباب (أو ما شابهه) إلى ما فى بيوت الناس بغير إذنهم, وقال r: ((من صَوَّر صورة عذَّبه الله بها يوم القيامة, حتى يَنفُخ فيها, وليس بنافِخ, ومن تحَلَّم كُلِّفَ أن يَعقد شعيرتين, وليس بعاقِد, ومن استمع إلى حديثِ قوم يَفِرُّون منه, صُبَّ فى أُذُنَيْه الآنَك يوم القيامة)) [صحيح الجامع:6370] ((الآنَك)) معناه الرصاص المصهور (والعياذ بالله) وهو جزاء من استمع لحديث قوم بغير رضاهم. فينبغى للمسلم ألا يستمع لحديث قوم بغير رضاهم, حتى لو سمعهم يذكرون اسمه, لأننا أحياناً نسمع من يقول: دَه انا لَقِيتهُم بِيْجيبوا سيرتى, فوقفت عشان اسمع هايْقولوا عَلىَّ إيه, ((من تحلَّم)) أى الذى يقول حِلِمْت بكذا وكذا, وهو كاذب, “صَوَّر صورة” هو الذى يصنع التماثيل.. وهى حرام, وللأسف تجد بيوت المسلمين مَليئة بالدباديب، يا قوم.. أزادَ المال عندكم لا تجدون أين تنفقونه إلا فى هذه الدباديب؟ ألا يوجد فقراء؟ ألا يوجد يتامى؟ ألا يوجد مرضى لا يملكون ثمن الدواء؟

إن الإنسان لَيَتَعجَّب.. يرى الناس ينفقون مِئات الجنيهات فى التفاهات, وآلاف الجنيهات فى تزيين الحمامات, وعند التبرع مثلاً للمساجد, أو اليتامى والفقراء والمساكين, لا تجد إلا القليل! فى حين أن الصدقة تُظلّل صاحبها يوم القيامة, قال رسول الله r: ((كُل امرئ فى ظِلِّ صَدَقَتِهِ, حتى يُقْضَى بين الناس)) [صحيح الجامع:4510] فاتقوا الله فى أموالكم, فإنكم مسئولون عنها يوم القيامة, قال رسول الله r: ((لا تزول قَدَما عبد حتى يُسأل عن أربَع: عن عمره فيمَ أفناه, وعن علمه ما فعل فيه, وعن ماله من أين اكتسبه, وفيمَ أنفقه, وعن جسمه فيمَ أبلاه)) [صحيح الجامع:7300]

وأنصح إخوتى فى الله أصحاب المحلات.. أن يقطعوا رؤوس التماثيل التى يعرضون عليها الملابس – كما يفعل البعض جزاهم الله خيراً – وألا يعرضوا الملابس الداخلية على تماثيل نساء عرايا، فإن ذلك يخدش الحياء, لأنها تبدو مُقاربة لجسد المرأة العارية, اللهم تب علينا وعلى المسلمين.

هناك تجسس ظهر حديثاً, مثل التجسس على المكالمات التليفونية, ورسائل المحمول, والتقاط الصوَر به بغير إذن, وأحذّر النساء من الإسراف فى التعرّى أمام بعضهن, لأنه من الممكن أن تُلتَقط لهنَّ صور بالمحمول, دون أن يشعرنَ, وبالطبع لا يحدث هذا إلا ممن لا تخاف الله, لِعَرْضِها على من تشاء, وربما الرجال, وكذلك من الممكن تسجيل أصواتهنَّ وضحكهنَّ بالوسيلة نفسها. ومن التجسس المحرَّم أيضاً: قراءة أوراق الناس, أو الأشياء الخاصَّة بهم, بغير إذنهم.

من الأخطاء الشائِعَة – خصوصاً فى الأحياء الشعبية – تجد الجيران والأقارب يدخلون البيوت بغير استئذان، ويتجَوَّلون فى البيت بحرِّيتهِم، فإذا دخل صاحبه (أو صاحبته) المطبخ دخلوا وراءَه، وإذا دخل غرفة النوم دخلوا وراءَه, ثم يخرجون وينشرون أسرار بعضهم: دِى شَقّتهُم مِشْ نِضيفة – دِى مابتِعْرَفش تعمل أكْل – دِى عكّاكَة – دِى ثلاجِتهُم مَلْيانَة – دُول جابُوا حاجات جديدة – دَه كان عندهم حاجَة مِخَبّينها مِنّى, بَس انا شُفتها تحت السرير… إلخ, وهذا مخالف لأمر الله عز وجل, فإن الزيارة لها آداب لابد من مراعاتها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور:27]

والاستئذان يكون ثلاث مرات فقط, وبرِفْق, كما كان يفعله رسول الله r ثم ينصرف، لا كما يفعل البعض, ويطرقون الباب كَطَرْق المخبرِين! أو يطرقون حوالى عشرين مَرَّة! والثلاث طَرْقات تكون مُتباعِدات (فى الزمن وليس فى المكان) بحيث يعطى صاحب البيت فرصة, لعلَّه يصلى، أو يُصلِح أشياء فى شَقّتِه, لا يريد أن يراها أحد. وعندما يسأله أهل المنزل, ويقولون مَن؟ فالسنَّة أن يقول: فُلان، ولا يقول: أنا, وإذا لم يُفتَح له الباب, فَلْيَنصرِف غير غضبان {وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} [النور:28] وإذا كان الباب مفتوحاً أصلاً.. فلا يقف أمامه, بحيث يرى ما بداخل الشقة, ولكن يقف بجانبه, ثم يُلقى السلام ثلاث مرات (طبعاً إذا لم يَرُدُّوا عليه فى الأولى والثانية) فإذا رَدُّوا عليه السلام, فالسنَّة ألا يدخل مُباشَرَة, ولكن يقول: أأدخُل؟ إلا إذا كانت طريقتهم فى استقباله تَدُل يقيناً على أنهم مُرَحّبون به, ويريدون دخوله, ثم يجلس فى المكان الذى يختاره صاحب البيت، ولا يفعل أى شىء إلا بإذنه، حتى الصلاة .. قال العلماء: إنه لا يصلى فى بيت مَضِيفِه إلا بإذنِه, ولا ينصرف من البيت إلا بإذنه, ويُستَحبُّ فى أيامنا هذه أن نُبَلّغ الناس أوَّلاً بالتليفون, كَيْلا نفاجئهم بالزيارة.

وتَتَبُّع عَوْرات الناس, وإفشاء أسرارهم, من المحرَّمات, قال رسول الله r: ((يا مَعْشَر من آمنَ بلسانِهِ ولم يَدْخُل الإيمانُ قلبَهُ, لا تغتابوا المسلمين, ولا تتبعوا عَوْراتهِم, فإنه من تَتَبَّعّ عَوْرَة أخيهِ المسلم, تَتَبَّعَ الله عَوْرَتَهُ, ومَن تَتَبَّعَ الله عَوْرَتَهُ يفضَحْهُ, ولو فى جَوْفِ بيتِهِ)) [صحيح الجامع:7984] ومن تَتَبُّع العَوْرات ما يفعله البعض من تَتَبُّع أخبار الناس, حتى يعلم أسرارهم, وزَلاتهِم, وعيوبهم, فيقول مثلاً: هُوَّ فُلان طلَّق مِراتُه لِيه, أو هُوَّ اجَّوِّز عليها لِيه, دِى لازِم فيها حاجَة, هو العسكرى كان بِيْخَبَّط على فُلان ليه, دَه لازِم عَمَل حاجَة, هِىَّ فُلانَة سابِتْ خطيبها لِيه, وغير ذلك الكثير والكثير. اللهم تب علينا وعلى المسلمين والمسلمات.

هَتْك سِرّ الفِراش: أن يُحَدّث الرجل أصدقاءه بما حدث بينه وبين زوجته، وتحدّث هى جيرانها بما حدث بينها وبين زوجها, وهذا كَشف للعَوْرات, لا يُرضى الله ورسوله، وتأباه الفِطرَة السليمة، غير ما فيه من إثارَة للشهوات, وهتك للأعراض, قال رسول الله r: ((إن من أشَرِّ الناس عند الله مَنزِلَةً يوم القيامة, الرجل يُفضِى إلى امرأتِهِ, وتُفضِى إليه, ثم يَنشُر سِرَّها)) [صحيح مسلم]

والعجيب أنه لا يحلو للبعض الكلام إلا فى هذه الأشياء, ويقولون احنا بِنهَزَّر. أين الحياء يا عباد الله؟ لقد كان رسول الله r أشدّ الناس حياءً، اسمعوا – باركَ الله فيكم – لقوله: ((الحياءُ من الإيمان, والإيمان فى الجنة, والبَذاء من الجفاء, والجفاء فى النار)) [سنن الترمذى وابن ماجه, صحيح الجامع:3199] وقوله: ((إن الله تعالى يُبْغِضُ الفاحِش المتَفَحِّش)) [صحيح الجامع:1877] وقوله: ((ليسَ المؤمنُ بالطعّان, ولا اللعّان, ولا الفاحِش, ولا البَذِىء)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:5381] اللهم استُر عوراتنا واحفظنا, واحفظ أهلينا, والمسلمين أجمعين.  

وأُوَجّه نصيحة خاصة لأبنائى وبناتى حَدِيثِى الزواج.. ألا يَقُصُّوا على أحد – وخصوصاً الذين لم يتزوجوا – ما حدث فى ليلة الزفاف وما بعدها. ونقول لمن يفعلون ذلك: اتقوا الله فى شباب المسلمين, ولا تثيروا شهواتهم, ولا تكونوا عَوْناً للشياطين عليهم, لأنهم لا يجدون الحلال, فماذا يفعلون؟

وأحبُّ أن أُنبّه هنا على أمر خطير, ألا وهو تناقُل أخبار الساقطين والساقطات, وحكاية ما حدث بينهم من الفواحش والخيانات, سواء فى الصحف, أو المجلات, أو غير ذلك, لأن هذا يساعد على انتشار الفاحشة, ويُهوّن من أمرها, وقد قال العلماء: إن تناقُل هذه الأخبار داخل فى معنى الآية الكريمة: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النور:19] وتناقُل أخبارهم يُقَسّى القلوب, ويجعل الإنسان يشعر بأنه أفضل من غيره بكثير, حتى إنهم ليقولون: دَه احنا احسن من غيرنا بِكْتِير, وبهذا يتكاسلون عن أعمال الخير, أما تناقُل أخبار الصالحين والصالحات, فإنها ترقّق القلوب, وتُشعِرُ الإنسان بأنه لا يساوى بجانبهم شيئاً, فينشَط فى فعل الطاعات والقُرُبات. وكذلك ينبغى أن نَكُفّ عن تناقُل أخبار السرِقَة, والقتل, والشِّجار, وشرب الخمر, وغير ذلك من المعاصى, لأنها تزيد شَرَرها, وانتشارها فى المجتمع, وتُضيّق الصدور, وتُقسّى القلوب, اللهم إنا نعوذ بك من الفواحِش والفِتَن, ما ظَهَرَ منها وما بَطَن.

الرِّشوة (ويسمونها هَدِيَّة أو الشاى) أيَظُن الذى يرتشى أن الله سيتركه هَمَلا بغير حساب؟ كلا.. اسمعوا قول ربكم جل وعلا: {قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:100] وقول رسوله r: “لَعْنَةُ الله على الراشِى, والمرْتشِى” [سنن ابن ماجه, مسند أحمد, صحيح الجامع:5114]

أتعلمون يا من تضيّعون حقوق العباد, وتعطونها لغير مُستَحِقّيها, ما معنى اللعنة؟ لقد فسَّرها العلماء بأنها الطرد من رحمة الله (والعياذ بالله) ولا تُغالطوا أنفسكم, وتقولوا إنها هدية, وليست رِشوة، فقد ذهب رجل إلى رسول الله r وقال له: هذا لكم, وهذا أُهْدِىَ إلىَّ، فغَضِبَ رسول الله r وقام يخطب فى الناس, ويقول: ((أمّا بَعدُ.. فما بالُ العامِل نستعمله, فيأتينا فيقول: هذا من عملكم وهذا أُهْدِىَ إلىَّ, أفلا قَعَدَ فى بيتِ أبيِهِ وأُمّه فينظر هل يُهْدَى لَه أم لا؟ فوالذى نفس محمد بيدِهِ, لا يَغُلّ أحَدُكُم منها شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عُنُقِهِ, إن كان بَعِيراً جاء به لَهُ رُغاء, وإن كانت بقرة جاء بها لها خُوار, وإن كانت شاة جاء بها تَيْعَر, فقد بَلَّغْتُ)) [صحيح الجامع:1357] وقال r: ((هدايا العُمّال غُلول)) [مسند أحمد, صحيح الجامع:7021] وقال: ((من استعملناه على عمل, فرزقناه رزقاً, فما أخذ بعد ذلك فهو غُلول)) [سنن أبى داود, صحيح الجامع:6023]

وكيف تطيبُ أنفسكم أن تأكلوا من الحرام؟ وتطعموا أولادكم من الحرام؟ أتظنون أنهم سيكونون بارّين بكم؟ لقد قال رسول الله r: ((كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ من سُحْتٍ فالنار أوْلى بِهِ)) [صحيح الجامع:4519] فمن كانت النار أوْلى به فكيف يكون حاله؟ والحديث – بالطبع – ليس خاصاً بالرِّشوَة, ولكنه ينطبق على كل أنواع الكَسْب الحرام (والعياذ بالله) اللهم اكفنا بحلالِك عن حرامِك, وأغنِنا بفضلِك عن من سواك.

استخدام الجرائد والمجلات فى الأشياء الْمَهينة, مثل مسح الأحذية, ومسح القاذورات من على الترابيزات, والدخول بها فى الحمامات, ووضعها فى القِمامة, وفَرْشِها فى الساحات العامَّة للصلاة عليها (وخاصَّة فى الأعياد) مما يُعَرِّضُها للسيْر عليها بالأقدام, وغير ذلك من سُبُل الإهانة, وهى لا تخلو حَتماً من ذِكْر آية, أو حديث, أو اسم مُضاف لله تعالى, كعبد الله, وعبد الرحمن, وغير ذلك من أسماء الله جل وعلا. وأنا أعلمُ أن هذا مما يوقع الكثير من المسلمين فى الحرَج, لأنهم لا يَدرون ماذا يفعلون! وأقول لهم: إن الله سبحانه وتعالى {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} فما قَدَرْنا عليه من عدم إهانتها فَعَلناه, وما لم نقدِر عليه فنسأل الله أن يعفو عنا. أما وَضْعها فى القِمامة.. فمن الممكن أن نضعها فى كيس خاصّ بها, ونغلِقه عليها, حتى لا تختلط ببقية القِمامة. واستخداماتها الأخرى التى ذكرناها – وما شابهها – فبإمكانِنا الكَفّ عنها إن شاء الله.

وننصح إخواننا أصحاب المصانع, والمحلات التجارية, ألا يضعوا أسماءهم – أو غيرها – على الأكياس والورق, إن كان فيها اسم لله تعالى, لأنها توضَع فى القِمامة, وتُرمَى على الأرض, وتُداس بالأقدام, ولكن يضعوا كُنيَتَهُم.. مثل أبو فُلان, أو أى كُنيَة حلال, فمن السنَّة مُناداة المرء بأبى فُلان, بدلاً من مناداته باسمه, حتى لو لم يكن له أولاد, وحتى لو كان غير متزوج.

الذهاب للمَصايِف (بوضعها الحالى) وما فيها من عُرْى النساء والرجال, ونظر بعضهم إلى بعض, وهذا النظر محرَّم, وقد سَمّاه الرسول r زنى النظر, فى قوله: ((كُتِبَ على ابن آدم نصيبه من الزنى, مُدْرِكٌ ذلك لا مَحالَة, فالعينان زِناهما النظر, والأذنان زِناهما الاستماع, واللسان زِناه الكلام, واليَدُ زِناها البَطْشُ, والرِّجْلُ زِناها الْخُطا, والقلب يَهْوَى ويتمنَّى, ويُصَدِّقُ ذلك الفَرْجُ ويُكَذّبُهُ)) [صحيح مسلم] وقال عن تَكَشُّف النساء لغير أزواجهنَّ: ((أيُّما امرأة وَضَعَت ثيابها فى غير بيت زوجها, فقد هَتَكَت سِتر ما بينها وبين الله عز وجل)) [سنن ابن ماجه, مسند أحمد, صحيح الجامع:2710]

فيا إخوتى فى الله إن الأمر جِدُّ خطير، ويتطلَّبُ مِنّا استعانة بالله جل وعلا، وتوبة نصوحاًً، وعَزماً على التغيير.. فإن الله لن يُغيَّر ما بِنا, حتى نُغَير ما بأنفسِنا {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11] ويجبُ علينا أن تكون مجالِسنا مجالِس ذكر لله عز وجل, لا مجالِس لَغْو, وغِيبَة, ونميمة, وثَرثَرَة, وقِيل وقال, وتضييع للعمر بغير فائدة, وأن نربى أولادَنا على طاعة الله ورسوله, وتعظيم حبّهما فى قلوبهم, بدلاً من أن نربّيهم على الأفلام, والمسرحيات, واللهو, واللعب, ولا يكون كُل هَمّنا الأَكْل, والملابس, والتعليم، والدين آخر حاجة نفكَّر فيها, حتى إننا نجد من يَصِلُ إلى أعلى الشهادات, ويأخذ الماجيستير, وربما الدكتوراه, ولا يعلم كيف يقرأ كتاب الله عز وجل, ولا يُحسِنُ الوضوء والصلاة, وتسمع من يتباهى, ويقول: انا أدّيت رسالتى, ربّيتهم أحسن تربِيَة, وأكّلتهم أحسن أكْل, ولبّستهم أحسن لِبْس, ودخَّلتهم أحسن مَدارِس, وما عَلَّمَهُم آية واحدة من كتاب الله, ولا المحافظة على أداءِ الصلاة, وكُلّنا يعلم أن الرسول r قال: ((مُرُوا أولادَكُم بالصلاةِ وهم أبناء سَبْعِ سنين, واضربوهم عليها وهم أبناء عَشْرِ سنين, وفَرِّقوا بينهم فى المضاجِع)) [سنن أبى داود, صحيح الجامع:5868] ولكن بعض الآباء والأمَّهات يُشفِقون على أولادِهم أن يستيقظوا لصلاة الفجر، ويقولون: مَعْلِشْ سِيبُه.. أصْل الدنيا بَرْد, ولو قام ممكن يِعْيا، أمّا للمدرسة.. لا- إلا المدرسة! انت عايز تضيَّع مستقبله ولْلا إيه يا عَم الشيخ!

ألا تستحون من ربكم جل وعلا؟ أأصبحَ كُل شىء فى الدنيا مُهِمّاً إلا الدين؟ سبحان الله! إننا لو كنا نحبهم ونتمنى لهم السعادة, فالسعادة الحقيقية فى رضا الله جل وعلا, وفى دخول الجنة, ولا يُفهَم من كلامى أنى أحُضُّ على عدم التعليم، بل أريدُ أن أذكّر إخوانى بالمهِمَّة التى من أجلها خُلِقنا {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إِلا لِيَعْبُدُون} [الذاريات:56] اللهم تب علينا وعلى جميع العُصاة والمذنبين, اللهم لا تحرِمنا لذَّة النظر إلى وجهِكَ الكريم, وأدخلنا الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين, مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين.

الصُّوات والنياحة

الصُّوات والنياحة, ولطم الخدود, وشق الجيوب, لموت حبيب, أو نزول مصيبة، وقولهم: دَه ماكَنش يومَك – يا مصيبتى – ليه يا رب كِدَه – كان بَدْرى من عمرك – دَه لِسَّه صغيَّر – سايبنا لمين – مين لِينا بَعدَك.. إلخ, وكل هذا اعتراض على قَدِرِ الله عز وجل, وعدم توكّل عليه, وقد نَسِىَ هؤلاء أن الله سبحانه وتعالى قال: {لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئلُون} [الأنبياء:23] قال رسول الله r: ((أربَع بَقينَ فى أمتى من أمْرِ الجاهلية, ليسوا بتارِكِيها: الفَخرُ بالأحساب, والطعنُ فى الأنساب, والاستسقاء بالنجوم, والنياحة على الميت, وإن النائِحَة إذا لم تَتُب قبل الموت, جاءت يوم القيامة عليها سِرْبال من قَطِران, ودِرْع من لهب النار)) [صحيح الجامع:875] وقال: ((ليسَ مِنّا من لَطَمَ الخدود, وشَقَّ الجيوب, ودَعا بدعوَى الجاهلية)) [صحيح البخارى] وقال: ((اثنتان فى الناس هما بهم كفر, الطعنُ فى النسَب, والنياحَة على الميت)) [صحيح مسلم] وقال: ((ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بِدَمْعِ العَيْن, ولا بِحُزن القلب, ولكن يعذب بهذا – وأشار إلى لسانِهِ – أو يرحم, وإن الميت يُعَذَّب ببكاءِ أهلِهِ عَلَيهِ)) [صحيح الجامع:2647]

ربما يقول قائل: ما ذنب الميت أن يُعذَّب بما نِيحَ عليه؟ قال العلماء: لأنه لم يُوصِ أهله بعدم الصُّوات, والنياحة عليه. فيجب علينا أن نوصى أهلينا ألا يفعلوا أى شىء يغضب الله عز وجل من بعدنا, وهناك وصايا مطبوعة ممكن شراؤها, والتوقيع عليها فقط. أمّا إذا كان علينا ديون, أو عندنا أمانات, فيجب أن نوصى بها, ونُشهد عليها شهيدين.

وهنا شىء يفعله بعض الناس, وخاصَّة النساء.. إذا أراد زوجها أو أبوها أو ابنها أن يوصيها بشىء, قطعت عليه الكلام, وقالت له: بِعْدِ الشَّر عليك يا خُويا, ربنا يِخَلّيك لِينا, ربنا يِخَلّيك لِوْلادَك. وتضيع حقوق العباد بذلك, ونقول لها: لا مانع أن تدعى له بالبركة فى العمر, ولكن اسمعى وصيته, ولا تقاطعيه, لقد قال رسول الله r: ((ما حَقُّ امرئٍ مسلم له شىء يريدُ أن يُوصِى فيه, يَبيتُ لَيْلَتَيْن, إلا ووصيته مكتوبة عنده)) [صحيح مسلم]

ومن البدع أيضاً الذبح للميت بحجَّة إطعام الْمُعَزّين, ألا يوجَد أى طعام إلا طعام الذبيحة؟ قال رسول الله r: ((لا عَقْرَ فى الإسلام)) [سنن أبى داود, صحيح الجامع:7535] والعَقْر كان من عادات الجاهلية، فكانوا يذبحون على قبر الميت, ويعتبرون أنه إكرام له. ولا يظن أحد أنهم كانوا يفعلون ذلك تقرُّباً للميت, بل كانوا يفعلونه إكراماً, ووفاءً له، كما كان يذبح فى حياته للضيوف, فهم يفعلون مثله, وليس من باب العبادة, ولكن السنَّة فى هذا الأمر أن الجيران, أو الأقارب الأباعد, هم الذين يصنعون الطعام لأهل الميت, لأنهم مشغولون بحزنهم, كما قال رسول الله r عندما استُشهِدَ سيدنا جعفر بن أبى طالب t: ((اصنعوا لآل جعفر طعاماً, فإنه قد أتاهم ما يشغلهم)) [صحيح الجامع:1015]

وهناك خطأ آخر.. وهو إقامَة سُرادِقات العزاء, والمغالاة فيها للتفاخر, وربما كانت من أموال اليتامى, ويُقرَأ القرآن, ويُلحَن فيه, بحضرة من يشربون الدخان, ولا يتدبَّرون القرآن. والعزاء إنما يكون فى أى مكان, كالمسجد, أو على القبر عند الدفن, ولا يُشتَرط إعداد مكان مُعيَّن له، بل هو من البدع التى ينبغى أن نَكُفَّ عنها, وكذلك الأربعين, والميعاد السنوى.

ومن الأخطاء أيضاً فتح الأبواب للنساء لاستقبال العزاء ثلاثة أيام, وتَدُور فى هذه المجالس أحاديث الغِيبَة والنميمة, والقرآن يُقرَأ, ولا أحد يستمع له. وأخبرونى يا من تفعلون هذا.. أَأُنزِلَ القرآن للأحزان والأموات؟ أم أُنزِلَ للأحياء ليهتدوا به؟ وهل من السنَّة أن ترفعوا صوت القرآن, ليسمعه جميع الجيران؟ ومن قال لكم إن المرأة تذهب ثلاثة أيام؟ إنما العزاء مرة واحدة, وتنصرف بعد قليل, ولا تمكث بالساعات الطوال، فإن هذا يرهق أهل الميت, ويحمّلهم ما لا يطيقون.

وسبحان الله يا إخوانى! ترى النساء وهُنَّ ذاهبات للعزاء يتكلَّمنَ, وربما يَضحكْنَ، وعندما يَصِلنَ إلى بيت الميت, يَصرُخنَ مجامَلة لأهله, فهل هذا يرضى الله سبحانه وتعالى؟ ونقول لهؤلاء النسوة: اتقين الله قبل أن يأتى اليوم الذى تَندمْنَ فيه, ولا ينفع الندم. وكذلك لا يجوز خروجهنَّ وراء الجنازة, ولا زيارة المقابر, قال رسول الله r: ((لَعَنَ الله زوّارات القبور)) [السنن الكبرى للبيهقى, صحيح الجامع:5109] (من العلماء من قال بجواز ذهاب النساء إلى المقابر, ولكن بشروط يُرجَع إليها فى كتب الفقه, وهى شروط قلَّما تتوافر الآن)

وكذلك من الأخطاء الشائعة أن التى مات عنها زوجها لا تخرج من البيت عاماً كاملاً، حتى إن البعض يقولون إنها لا تغتسل, ولا تمتشط (تِسَرَّح شعرها), سبحان الله! والصحيح أنها لا تخرج أربعة أشهر وعَشْراً, إلا للضرورة، ولها أن تغتسل وتمتشط حسب رغبتها، ولكن لا تتزيَّن بذهب أو كُحْل أو غيره, ولا تتعطر.

ومن البدع أيضاً: لبس الأسود عاماً كاملاً, والمصرَّح به شرعاً هو ثلاثة أيام فقط, إلا على الزوج أربعة أشهر وعَشْراً. وإذا قلت لإحداهن: اتقى الله ولا تَلْبسيه، قالت: وماذا يقول عنى الناس؟ فسبحان الله.. من سيحاسبها؟ الناس, أم رَبُّ الناس؟ قال رسول الله r: ((لا يَحِلُّ لامرأةٍ تؤمنُ بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ فوق ثلاث, إلا على زَوْجٍ, أربعة أشهر وعَشْراً)) [صحيح مسلم]

ونقول لأخواتنا المسلمات: إن الحداد على الزوج – أو على غيره – ليس من الضرورى أن يكون بلبس الأسود، وإنما هو رُخصة فقط، وغايَة ما فى الأمر, أنها تلبس الملابس العادية, التى ليست بها زينة, لأن الكثير من الناس يخفى عليهم هذا الأمر, ويظنون أنه فرض, واقرأوا إن شئتم صفحة 305 من الجزء الرابع من رياض الصالحين, بشرح ابن العثيمين.

زيارة المقابر

من البدع المنكَرَة زيارة القبور فى أيام مُعَيَّنة, مثل ما يُسَمَّى طَلعَة رجب, والخميس, أو الجمعة الأولى, وفى الأعياد, وما يُسَمَّى شَقّ القبر, والأكل والشرب والضحك, وارتكاب المحرَّمات عندها، حتى إن أحدهم لَيأخذ المسجّل معه ليسمع الغناء! ويختلط الرجال بالنساء, وكل هذا لا يرضِى الله ورسوله، ويُعتبَر من قسوة القلوب، وإدخال الحزن على المسلمين فى يوم عيدهم وفرحهم, وقد ذكرنا قول الرسول r فى زوّارات القبور.

من لَعَنَ مُسلِماً أو كفَّره حيّاً أو ميّتاً

من كَفَّر مُسلماً فقد كَفَرَ، قال رسول الله r: ((أيُّما رجل مسلم أكْفَرَ رجلاً مسلماً, فإن كان كافراً, وإلا كان هو الكافر)) [سنن أبى داود, صحيح الجامع:2727] وقال‌: ((أيُّما امْرِئ قال لأخيه: يا كافر, فقد باءَ بها أحدهما, إن كان كما قال, وإلا رجعت إليه)) [صحيح مسلم] وقال: ((إذا قال الرجل لأخيه يا كافر, فهو كقتله, ولَعْن المؤمن كقتلِه)) [صحيح الجامع:710]

ومن الأخطاء الجسيمة: سَبّ الموتى (ربنا يِجْحِمُه مَطرَح ما راح – دَه كان ظالم – ده كان مُفترِى – دَه كان كذا وكذا) قال رسول الله r: ((لا تَسُبُّوا الأموات, فإنهم قد أَفْضَوْا إلى ما قَدَّموا)) [صحيح البخارى] وقال: ((لا تَسُبُّوا الأموات, فتؤذوا الأحياء)) [سنن الترمذى, مسند أحمد, صحيح الجامع:7312] هل أدركتم الآن حُرْمَة (يلعن مَيتينك)؟ أستغفر الله، إن الإنسان لَيَشمَئِز من ذكر هذه الأقوال, ولكن.. إنا لله وإنا إليه راجعون, لقد نهى رسول الله r عن سَبّ أى شىء, أو لَعْن أى شىء, فقال مثلاً: ((لا تلعن الريح, فإنها مأمورة, وإنه من لَعَنَ شيئاً ليسَ لهُ بِأَهل, رَجَعَت اللعنة عَليهِ)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:7447] وقال: ((لا تسبُّوا الريح, فإنها من رَوْحِ الله, وسَلُوا الله خيرها, وخير ما فيها, وخير ما أُرْسِلَت بِه, وتعوَّذوا بالله من شَرّها, وشَرّ ما فيها, وشَرّ ما أُرْسِلَت به)) [صحيح الجامع:7317] ونهى عن سَبّ الديك – حتى لا يقول قائل: يلعن ديكَك (أستغفر الله) ويقول: انا مابَسِبّش الدين, انا بَسِب الديك – فقال: ((لا تسبُّوا الديك, فإنه يُوقِظُ للصلاة)) [سنن أبى داود, صحيح الجامع:7314]

فما بالكم يا إخوانى بسَبّ الدين الذى نسمعه آناء الليل والنهار؟ أى ربى ما أحلَمَك, سبحانك على حِلمِكَ بعد عِلمِك, وسبحانك على عَفوك بعد قُدرَتِك, اللهم تب علينا, وعلى المسلمين أجمعين.

حتى إنه r نهى عن سَبّ الشيطان, أتتخيلون؟ فقال: ((لا تسبُّوا الشيطان, وتعوَّذوا بالله من شَرِّه)) [صحيح الجامع:7318] وقال: ((لا تَقُل تَعِسَ الشيطان, فإنه يَعْظُم, حتى يصير مثل البيت, ويقول: بقوَّتى صرعته, ولكن قُل: باسم الله, فإنك إذا قلتَ ذلك, تصاغَر حتى يصير مثل الذباب)) [صحيح الجامع:7401] أى ربى ما أكرمَك, هديتنا لخير دين, وأنزلت إلينا أعظم كتاب, وأرسلت إلينا خير رسول, فلك الحمد يا الله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه, مِلء السموات, ومِلء الأرض, ومِلء ما بينهما, ومِلء ماشئتَ من شىء بَعْد, أهلُ الثناءِ والمجد, أحَقُّ ما قال العبد, وكلنا لك عبد, اللهم لا مانعَ لما أعطيتَ, ولا مُعطِىَ لما مَنعتَ, ولا ينفعُ ذا الجَدّ, مِنكَ الجَدّ, اللهم لكَ الحمدُ كما ينبغى لجلالِ وَجهِكَ, ولِعظيمِ سُلطانِكَ.

قول: كَفَرْتُ

ماتخَلّنِيش اكْفَر – دَه خَلانى كَفَرْت -  دَه كَفَّرنى – دِى حاجة تكَفَّر – دَه الواحد كَفْران.. إلخ, كلمات لا ينبغى للمسلم أن يقولها فى أى حال, من ضِيق, أو زَهَق, أو غير ذلك, لأنها تُكَفِّر فِعلاً, قال رسول الله r: ((من حَلَفَ بملَّة سِوَى الإسلام كاذباً فهو كما قال)) [صحيح مسلم] وقال: ((من قال إنى برىء من الإسلام فإن كان كاذباً فهو كما قال, وإن كان صادقاً لم يَعُد إلى الإسلام سالماً)) [سنن النسائى وابن ماجه, صحيح الجامع:6421]

وسبحان الله! هل يَهُون على المسلم أن يقول كفرت بهذه السهولة؟ وللأسف نسمعها كثيراً, ونسمع أيضاً من يقول: اخسر دينى على دين النصارى, أو علىَّ الحرام من دينى. أرأيتم يا إخوانى كيف حَكَمَ عليها رسول الله r أنها تُكَفّر, حتى لو كان صاحبها كاذباً فى قولها؟ فنسأل الله عز وجل أن يتوب علينا, وعلى المسلمين أجمعين.

قول: هَلَكَ الناس

كثيراً ما نسمع من يقول: الناس كَفَرَة, الناس مجرمين, الناس ما عَندُهُمْش ضمير… إلخ, وقد قال رسول الله r: ((إذا قال الرجل هَلَكَ الناس, فهو أَهْلَكُهُم)) [صحيح مسلم] لما فى ذلك من تَزكِيَة نفس القائل, وكأنه أفضل منهم، ولما فيه من غِيبَة للمسلمين.

ولا يَخفَى على أحد أن أحوال المسلمين فى عصرنا هذا لا ترضى الله جل وعلا، والكُلّ يُلقى اللَوْم على غَيْرِه, ويشتكى من الآخرين, وكأنه مُبَرَّأ من العيوب والذنوب, ألَيَس الأجدَرُ بنا أن نتوب من ذنوبنا, ونبدأ بإصلاح عيوبنا, ونتغاضى عن عيوب الآخرين؟ قال رسول الله r: ((يُبصِرُ أحَدُكُم القَذَى فى عَيْنِ أخيهِ, وينسى الجِذعَ فى عَيْنِهِ)) [صحيح الجامع:8013]

وأُحِبُّ أن أنبّه هنا على أمر خطير.. إن الذى يغتاب يغتاب بالْجُملَة, يعنى إيه؟ يعنى مثلاً: لو غَشَّهم بائع.. قالوا: البَيْياعين كُلُّهم حَرامِيَّة, أتدرى يا أخى أنك اغتبتَ كل البائعين, وأنكَ تأخذ ذنوباً بعددهم؟ وكذلك من يقول: الصنايعيَّة كُلُّهم ماعَندُهُمْش ضمير, ومن يغتاب الأطباء كلهم, والمحامين كلهم… إلخ. وكذلك مَن يَسُبّ الناس, أو يدعو عليهم بغير ذنب, كالذى يقول: دَه شارع كذا هُوَّ واللى فيه, يِقطع العيال واللى عايْزينها, يِخرِب بيتِ الفُلُوس واللى دَقَّها,  يا إخوانى.. يا أخواتى.. ما ذنب الناس أن تدعوا عليهم لِضُرٍ أصابكم؟

وهناك أقول خطيرة تتردد منذ عشرات السنين, وهى أقوال بعض العاملين فى الدول العربية عن هذه الدول: إنهم ناس كذا وكذا, من الشتائم والسَّب, ويَسبُّون رجالهم ونساءهم, ويَصِفونهم بأبشع الصفات, وهذا فيه من الْحُرْمَة ما فيه, كما أنه لا يَليقُ بالمسلم الذى أُمِرَ أن يستر على أخيه, ولا يفضحه بما فيه. ثم إنه من الظلم أن نحكم على كل الدولة بأفعال بعض أهلها, فكل بلد فيه أهل خير, وأهل سوء.

والذين يقولون عن أخواتنا المنتقبات فى الدول العربية: (دُول مِغَطّيين وِشْشُهم على الفاضى, دَه بَس عشان الحكومة فرضاه عليهم, لكن هُمَّ بيعملوا كذا وكذا) نقول لهم: اتقوا الله.. فإن هذا قذف للمحصنات (وقد مَرَّ بنا الكلام عنه فى سوء الظن) ولو فَرَضنا أن بعضهنَّ هكذا.. هل يَعنى ذلك أن كُلّهنَّ هكذا؟ لا والله- لقد عاشَرنا كثيراً من أهل هذه البلاد, رجالها ونسائها, فوجدناهم طيّبين, وفيهم الخير الكثير, ولا نزكّى على الله أحداً, فاتقوا الله فى إخوانكم, ففى بلادكم مثل ما فى بلادهم, وربنا يتوب علينا وعليهم.

تحليل الحرام وتحريم الحلال

يقولون حرام على كل كبيرة وصغيرة بغير علم، فتراهم يقولون: حرام عليك كذا, حرام كِدَه, لا دَه يِبقَى حرام, حرام تقِْلِب الشِبشِب, حرام تِقوم مِن على الأكْل وانت جَعان, حرام الميّه تِعَدّى على العطشان, حرام تاكُل أمام الصائم, حرام الْلى يِلاقِى لُقْمَة على الأرض ومايْشِلْهاش, حرام الحائِض تجلس على سِجّادة الصلاة, حرام كذا, حرام كذا, على أشياء ما أنزل الله بها من سلطان, وقد قال العلماء: إن من حَرَّم الحلال, أو أحَلَّ الحرام فقد أشرك، لأن الذى يملك التحليل والتحريم هو الله عز وجل, فبدلاً من كلمة حرام.. قولوا مثلاً: غَلَط تِعمِل كذا, كِدَه تبذير, كِدَه خسارة.. إلخ, كل حالة بحسب ما يناسبها من معنى, والله الموفق لما يحب ويرضى.

وعلى العكس من ذلك.. يعتقدون حِلّ بعض المحرَّمات.. كالْمُحَلل، فتجد الرجل الغنى الذى طلّّق زوجته ثلاث مرات, يأمر العامل عنده أن يتزوجها, ويشترط عليه ألا يَلمسها, مُقابل مبلغ من المال! وترى أيضاً الرجل يجد صديقه فى مأزق, لأنه طلّق زوجته ثلاثاً, ويريد أن يُراجعها, ولا يدرى ماذا يفعل, فيتبرَّع بزواجها وطلاقها, ليُحَللها له, هل رأيتم شهامَة مثل هذه؟! يا قوم اتقوا الله, إن هذا لا يَحِلّ, إنه نكاح باطل, لقد قال رسول الله r: ((لعن الله المحلِّل, والمحلَّل له)) [سنن أبى داود وابن ماجه, صحيح الجامع:5101] وقال: ((ألا أخبرُكُم بالتَّيْس الْمُستَعار؟)) قالوا: بَلى يا رسول الله, قال: ((هو الْمُحِلّ, لَعَنَ الله الْمُحِلّ, والْمُحَلَّل له)) [السنن الكبرى للبيهقى, المعجم الكبير للطبرانى, صحيح الجامع:2596] فهل يرضى أحدكم أن يكون تيساً, وملعوناً؟

يعتقدون أن الذى يذكر عيوب الناس, على مَسْمَع منهم, أنه حلال (أنا بقول للاعْوَر انت اعور فى وِشُّه) فتجد من يقول: يا فلان.. انت كذا وكذا, وأنا بَقُول لك فى وِشَّك, عشان مايِبْقاش حرام! لا يا أخى.. لقد أفسدتَ بينك وبين أخيك، وقد قال رسول الله r: ((الكلمة الطيبة صدقة)) [صحيح البخارى] وقال: ((سِبابُ المسلم فُسوق, وقتاله كُفر)) [متفق عليه] وقال: ((المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانِهِ ويدِهِ, والمهاجر من هَجَرَ ما نهى الله عنه)) [صحيح البخارى]

وبالمناسبة نذكّر إخواننا بعدم الضرب على الوجه, سواء وجوه الأطفال, أو غيرهم, قال رسول الله r: ((حَقُّ المرأة على الزوج أن يُطعِمَها إذا طَعِمَ, ويكسوها إذا اكتسى, ولا يضرب الوجه, ولا يُقبِّح, ولا يهجر إلا فى البيت)) [صحيح الجامع:3149] ((ولا يُقبِّح)) أى لا يقول قبَّحَكِ الله, أو وجهك قبيح (وِشّك وِحِش) أو غير ذلك من الشتائِم, والأفعال التى تؤذيها, أو تُهينها, وقال: “أما بَلَغَكُم أنى لَعَنتُ من وَسَمَ البهيمةَ فى وجهِها, أو ضربها فى وجهِها” [صحيح الجامع:1326] أرأيتم خُلُقاً أفضل من هذا؟ أرأيتم رِفقاً بالحيوان أكثر من هذا؟ هذا نَهْى عن ضرب وجه البهيمة, فكيف بالبَصْق على وجهِ الإنسان؟ يا الله.. كَمْ بَعُدَ المسلمون عن دينهم, كم خالفوا هدى نبيهم r! اللهم رُدَّنا والمسلمين إليك رَدّاً جميلاً.

سؤال الناس بغير حاجة

تجد بعض من يسافر للحج أو العمرة إذا رأى أحداً يُوَزّع مالاً أو طعاماً, يُهرَع إليه, ليأخذ منه, وهو غير محتاج، وهذا لا يليق بالمسلم العفيف، قال رسول الله r: ((لا تَحِلُّ الصدقة لِغَنِىّ, ولا لِذِى مِرَّة سَوِىّ)) [سنن أبى داود والترمذى, صحيح الجامع:7251] “ذى مِرَّة” أى ذى قوَّة.

وكذلك من يتنافسون فى أخذ المال من المساجد, أو من المارَّة بالشوارع, واخْتِلاق الأمراض والأعذار, لأكْلِ أموال الناس بالباطل, قال رسول الله r: ((ما زال الرجلُ يسألُ الناسَ, حتى يأتىَ يومَ القيامةِ وليس فى وجهِهِ مُزعَة لحم)) [متفق عليه] وقال: ((من سَأَلَ شيئاً وعنده ما يُغنيه, فإنما يَسْتَكْثِر من جَمْرِ جَهَنَّم)) قالوا: وما يُغنيه؟ قال: ((قَدْر ما يُغَدّيه, ويُعَشّيه)) [صحيح الجامع:6280] وقال: ((لأن يأخذ أحَدُكُم حَبْلَه, فيأتى الجبل, فَيَجِىء بِحِزمَة الحطَب على ظهرِهِ, فيبيعها, فَيَكُفُّ الله بها وجهَهُ, خير له من أن يسأل الناس, أعْطَوْهُ, أو مَنعوه)) [صحيح الجامع:5041]

وسبحان الله! تجد الذين يسألون بغير حاجة, لا يُبارَك لهم فيما يأخذونه, ولا يزدادون إلا فقراً، وهذا المعنى ورد فى الحديث التالى, والذى بعده, عن رسول الله r: ((ثلاث أقسِمُ عَليهنَّ: ما نَقَصَ مالِ عبدٍ مِن صدقة, ولا ظُلِمَ عبدٌ مَظلمةً صَبَرَ عليها, إلا زادَهُ الله عز وجل عِزّاً, ولا فَتَحَ عبدٌ بابَ مَسألةٍ, إلا فَتَحَ الله عليهِ بابَ فقرِ, وأُحَدّثُكُم حديثاً فاحفظوه, إنما الدنيا لأربعةِ نَفَرٍ: عبدٍ رَزَقَهُ الله مالاً وعِلماً, فهو يتقى فيهِ ربَّه, ويَصِلُ فيهِ رَحِمَهُ, ويعملُ للهِ فيه حقاً, فهذا بأفضلِ المنازِلِ, وعبدٍ رزقه الله تعالى عِلماً, ولم يرزقه مالاً, فهو صادق النيَّة, يقول: لو أنَّ لى مالاً, لَعَمِلتُ بعملِ فُلان, فهو بنيَّته, فأجرهما سواء, وعبدٍ رزقه الله مالاً, ولم يرزقه علماً, يَخْبِطُ فى مالهِ بغيرِ علم, لا يتقى فيه ربَّه, ولا يَصِلُ فيه رَحِمَهُ, ولا يعملُ للهِ فيه حقاً, فهذا بأخبَثِ المنازِل, وعبدٍ لم يرزقه الله مالاً ولا عِلماً, فهو يقول: لو أنَّ لى مالاً, لَعَمِلتُ فيهِ بعملِ فُلان, فهو بنيَّته, فَوِزرُهما سَواء)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:3024] وقال: ((إن هذا المال خَضِرٌ حُلْوٌ, فمن أخذه بحقّهِ, بُورك له فيهِ, ومن أخذه بإشرافِ نفسٍ, لم يُبارك له فيهِ, وكان كالذى يأكل ولا يشبع, واليدُ العُليا خيرٌ من اليدِ السُّفلَى)) [صحيح الجامع:2550]

ونهيبُ بالإخوة الأفاضل القائمين على شئون المساجد, ومساعدة الفقراء, أن يهتموا بتعليمهم دينهم, مع مساعدتهم ماديّاً، والذين يوزّعون المواد الغذائية (فى رمضان مثلاً) أن يضعوا معها كتيّبات دينية صغيرة, مثل التى بها (صِفَةُ صلاةِ الرسولِ r) أو ما شابهها, فالدين أهم من المال, وقد قام بالفعل بعض الإخوة بإعطاء دروس فى تجويد وحفظ القرآن الكريم، وغيره من العلوم الشرعية، وتوزيع جوائز على المتفوّقين، وجعلوا حضور مجالس العلم مُقترناً بصرف المرَتّبات الشهرية.. فجزاهم الله خيراً.

وأحب أن أنبّه على شىء: وهو أن بعض الناس يَنهَر السائلين.. فيقول مثلاً: ياعَم رُوح اشتَغَل, مانْتَ فِيك صِحَّة, لا يا إخوتى.. لقد نهانا الله عز وجل عن ذلك, حيث قال: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ} [الضحى:10] وإذا أعطيته وهو غير محتاج, فَلَكَ أجرك, وعليه وزره. ويجوز للغنى أن يأكل من طعام الفقير, ويأخذ هديته, حتى لو عَلِمَ أنها صدقة. أظنُّ أنكم تقولون انت حَيّرتِنا.. انت مِش لِسَّه قايِل حرام؟ لا- هناك فرق بين طلبها بنفسه, وأخذها كهدية, والدين الإسلامى دين الأدب والأخلاق والذوق الرفيع، فهل يؤذى مشاعر الفقير بِرَدّ هديته, أو طعامه؟ قال r: ((إذا ساقَ الله إليكَ رِزقاً من غيرِ مَسألَةٍ, ولا إشرافِ نفسٍ, فَخُذْهُ, فإن الله أعطاكَهُ))‌ [صحيح الجامع:590]‌ اللهم تب علينا, وعلى المسلمين, اللهم اكفنا وإياهم بحلالك عن حرامك, وأغنِنا بفضلك عن مَن سواك.

وهناك شِحاذة من نوع آخر: تجد من يَلِحُّ على الناس ليأخذ ما يريده, بغير رضاهم، ومن أمثلته ما يسمونه: الحلاوَة (إذا كانت بغير رِضا) أو يتحايل ليأخذه بما سَمّاه العلماء (سَيْف الحياء) ومعناه أن الإنسان يأخذ ما يريده, بإحراج صاحبه، كأن يرى عليه ثوباً يعجبه, أو مَتاعاً فى شقَّتِهِ.. فيقول له: الحاجة دِى عاجْبانى.. تِدّيهالى – تِدّيلى الساعة دِى – تِدّيلِى الطبَق دَه – تِدّيلِى التليفون دَه – تِدّيلِى الجلابِيَّة دِى – تِدّيلِى كذا – تِدّيلِى كذا. أو التى تقول لتلاميذها: قولوا لماما المدَرّسَة عايزَة هديَّة فى عيد الأم! أو من يُبدِى إشرافاً (رغبة) وإعجاباً شديداً بشىء مُعَيَّن, حتى يُحْرِج صاحبه, فيعطيه له. ويَلْحَق بذلك أيضاً مَن يطلب خدمات من الناس دون أجْر, فى حين أنها لا تُؤدَّى إلا بأجْر, كمن يذهب مع مريض إلى الطبيب, ثم يقول للطبيب: لو سمحت يا دكتور.. أنا حاسِس بكذا, آخُد لُه إيه, أو يقول: مَعْلِش يا دكتور.. شُوف لى ابنى كِدَه عَنده إِيه, (دون أن يدفع ثمن الكشف) أو من يقول لجاره سائق التاكسى: مَعْلِش يا عَم فُلان, خُدْنى فى سِكّتَك (دون أن يدفع له أجراً) وهناك أمثلة كثيرة من هذا القبيل, مثل من يأكل من طعام الناس, بغير إذنهم, وللأسف.. فإن هذا يحدث كثيراً, وخصوصاً بين طَلَبَة المدارس, ويعتبرون هذا من الفُكاهَة, أو رفع الكُلْفَة, وقد قال العلماء: إن ما أُخِذَ بسيفِ الحياء فهو حرام, قال رسول الله r: ((لا يَحِلُّ مالُ امرئٍ مسلم إلا بِطِيبِ نفسٍ مِنهُ)) [صحيح الجامع:7662] وقال: ((إن الله تعالى إذا أنعَمَ على عبد نِعمَة, يُحِبُّ أن يَرَى أثَر النعمَة عليه, ويكرَه البؤس والتباؤس, ويبغض السائل الملحِف, ويحب الحَيِىّ, العفيف, المتعفّف)) [صحيح الجامع:1711] وقد ذهب رجل إلى رسول الله r وقال له: دُلّنى على عمل إذا عملته أحَبَّنى الله, وأحَبَّنى الناس، فقال له: ((ازهَد فى الدنيا, يُحبّك الله, وازهد فيما فى أيْدِى الناس, يُحبّك الناس)) [صحيح الجامع:922]

وهناك بعض الناس لا يشحذون – لا صراحة ولا بسيف الحياء – ولكنهم يحبون استغلال الناس فى قضاء حوائجهم, بغير ضرورة (يخدّمونهم) فمثلاً: بعض النساء إذا دَخَلَت على إحداهنَّ ضيفة.. تجعلها تنظّف لها الصحون, أو الأرض, أو الملابس, أو غير ذلك, ومثل من يقول: ناوِلنى كذا – هات لى كذا – اذهب لفُلان وقُلْ له كذا – رُوح – تعالى – هات – اعمل… إلخ. وحتى لا تقولوا: وإيه يَعنى, دِى الناس لِبَعْضيها, أذكر لكم قول رسول الله r: ((أتانى جبريل فقال: يا محمد.. عِش ما شئتَ فإنك مَيّت, وأحْبِب مَن شئتَ فإنك مُفارِقه, واعمل ما شئتَ فإنك مَجْزِىّ بِه, واعلم أن شَرَفَ المؤمن قيامه بالليل, وعِزَّه استغناؤه عن الناس)) [صحيح الجامع:73] ‌وقوله: ((لا تسأل الناس شيئاً, ولا سَوْطك وإن سقطَ مِنكَ, حتى تنزل إليهِ فتأخذه)) [صحيح الجامع:7307] ما رأيكم؟ هل قلتُ شيئاً من عندى؟ وهل هناك تَعَفُّف عن سؤال الناس أكثر من أن تنزل من على دابّتِكَ, لتأخذ ما وقع مِنكَ بنفسك؟

وأخيراً.. أُبَشّر الذين يتعفّفون عن سؤال الناس, بحديث رسول الله r الذى قال فيه: ((مَن يَتَكَفَّل لى أن لا يسألَ الناسَ شيئاً, أتَكَفَّلْ لَهُ بالجنة)) [صحيح الجامع:6604] اللهم خَلّقنا بأخلاق رسولك r حتى نفوز بسعادة الدنيا والآخرة.

أحاديث مُلََفَّقَة

يقولون إن العين تِقصِف الحَجَر، ويُورِدُون فى ذلك شيئاً يختلقونَه على رسول الله r أنه عندما ولدت إحدى بناته (رضى الله عنهن وأرضاهنَّ) أمرها ألا تضع ابنها بجانبها, وتضع حَجَراً بدلاً منه, وتغطّّيه, حتى ينتهى دخول المهَنّئين عليها, ويزعمون أنها بعد انصرافهم وجدت الحجر قد كُسِرَ.. سبحان الله! من أين جاءوا بهذا الكلام؟ نعم.. إن الحسد ذكره الله عز وجل فى كتابه الكريم, ولكنه ليس فاعلاً بذاتِه, بل بأمر الله سبحانه وتعالى, قال رسول الله r: ((العينُ حقٌ, ولو كان شىء سابَقَ القَدَر, سَبَقَته العَيْن)) [صحيح مسلم]

يزعمون أن مَلَك الموت جاء ظاهراً للسيدة فاطمة, رضى الله عنها وأرضاها, وأخبرها أنه سَيقبِض روح والدها r فخافت منه, وقالت كذا وكذا، فأمره الرسول r ألا يأتى بعد ذلك لأمَّته ظاهراً.

وبالمناسبة.. ننصح إخواننا بتجنّب كَثرَة رواية الأحاديث, بغير التحقّق من صحّتها، لأننا نلاحظ كثرة تداوُل الأحاديث الضعيفة, والموضوعة, بلا مُبالاة (وللأسف من بعض من يَتصدَّوْن لتعليم الناس بغير علم) مثل: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً, واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً, اتقِ شرَّ من أحسنتَ إليه, اتقِ شَر الحليم إذا غضب, لو اطِّلَعتُم على الغيب لاخترتُم الواقع, اوْعِظ صاحبك من الظهر إلى العصر وإن ماتْوَعَظش ضِلُّه, لَعَنَ الله الرجل الأمْلَس والمرأة الْمُشعِرَة, النبى بِقُدرِتُه عَدَّى البحر بمهْرِتُه (ولم يثبت أن الرسول r ركب البحر قط), وينسبون كل هذا للرسول r زوراً وبُهْتاناً, وربما ينسبونه لله عز وجل! وقد قال رسول الله r: ((إن كَذِباً علىَّ ليس كَكَذِبٍ على أحدٍ, فمن كَذَبَ علىَّ مُتعمّداً, فَليَتبوَّأْ مَقعدَهُ من النار)) [صحيح مسلم] وقال: ((إيّاكم وكَثرَة الحديث عنّى, فمن قال علىَّ, فَلْيَقُل حقّاً, أو صِدقاً, ومن تقوَّل علىَّ ما لم أقُل, فليتبوَّأْ مَقعدَهُ من النار)) [سنن ابن ماجه, صحيح الجامع:2684]

تقبيل النقود

تقبيل النقود, والخبز, واليد من الناحيتين.. لإظهار الشكر، كما يفعل بعض أصحاب المحلات حين يبيعون أول شىء, فيقبّلون ثمنه! وكما يفعل البعض, عندما يقع خبز على الأرض, يأخذونه ويقبّلونه! وإذا جاءتهم نعمة قالوا دَه احْنا نِبُوس إيدينا وِشْ وضَهْر. والشكر لا يكون بهذا، ولكن بالحمد لله, وتصريف النِّعَم فيما يرضيه جل وعلا، وألا نعصيه بنِعَمِه سبحانه وتعالى, فلا يجوز مثلاً أن ننظر إلى الحرام, ثم نقبّل أيدينا, ونقول الحمد لله على نعمة البصر, أو نسمع الغيبة, والنميمة, والأغانى, والموسيقى, ونقول الحمد لله على نعمة السمع, وكذلك نعمة الكلام, والمال, والأولاد… إلخ.

وبخصوص وقوع الطعام على الأرض, فإن السنَّة أن ننظّفه, ونأكله, قال رسول الله r: ((إن الشيطانَ يحضرُ أحَدَكُم عِندَ كُلِّ شىءٍ من شَأنِهِ, حتى يحضُرَهُ عِندَ طَعامِهِ, فإذا سَقَطَت من أحدِكُم اللُقمَة, فَلْيُمِط ما كان بها من أذَى, ثم لِيَأكُلْها, ولا يَدَعْها للشيطانِ, فإذا فَرَغَ, فَلْيَلْعَقْ أصابِعَهُ, فإنه لا يَدرى فى أىِّ طَعامِهِ تكونُ البرَكَة)) [صحيح مسلم]

والذين لا يجدون بَرَكَة فى طعامهم, ننصحهم بحديث رسول الله r: ((اجتمعوا على طعامِكُم, واذكروا اسم الله, يُبارَك لكم فيه)) [صحيح الجامع:142] وقوله: ((كُلُوا فى القصعةِ من جوانِبِها, ولا تأكلوا من وَسَطِها, فإن البركة تنزل فى وَسَطِها)) [مسند أحمد, صحيح الجامع:4502]

المشاجَرات

عند وَصْف مُشاجَرَة كبيرة, يقولون كانت خِناقة لِرَبّ السَِّما. سبحان الله! ما دَخْل المشاجرة بالله سبحانه وتعالى؟ وهنا أريد أن أسأل: لِمَ كل هذه المشاجَرَات فى البيوت, وفى الشوارع, وفى كل مكان, ليل نهار, بين الأزواج, والإخوة, والأقارب, والجيران, والأصدقاء, والزملاء؟ حتى إننا نسمع كلمات البَغْى والعدوان (اللى يرُشّنى بالميَّه ارُشُّه بالدَّم – واللى يِدّيلِى كلمة ادّيلُه عَشَرَة – واللى يِفقَع لى عِين افقعلُه اثنين – دَه انا هاخلّى اللى مايشترى يتفرَّج – دَه انا هاخلّى عالِيها واطِيها… إلخ) أين قول الله جل وعلا: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} [النحل:126] وقوله: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُور} [الشورى:43] وقوله: {وَجَزَاؤا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}  [الشورى:40] ونرى من يقول لأبنائِهِ: اللى يضربك قَلَم اضربُه قَلَمِين, إتغَدَّى بِيه قبل مايِتعَشَّى بِيك!

أهكذا نُرَبّى أولادنا يا عباد الله؟ ثم مع مَن تتشاجرون؟ ألَسنا مسلمين, وهم مسلمون؟ ألم يأمرنا الله عز وجل فى كتابه الكريم, فى أكثر من آية, أن نتعامل بالحسنى؟ {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34] {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ {199} وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم} [الأعراف:199-200] {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:36] {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً} [الإسراء:53] وآيات أخرى كثيرة, وأحاديث كثيرة, يحفظها الكبار والصغار, ونرددها، ولكن للأسف لا نعمل بها إلا قليلاً.. مثل قوله r: ((كل سُلامَى من الناس عليهِ صدقة كل يوم تطلُع فيه الشمس, تعدِل بين الاثنين صدقة, وتُعينُ الرجلَ على دابّتِهِ, فيحمل عليها, أو ترفع له عليها مَتاعَه صدقة, والكلمة الطيبة صدقة, وكل خُطوَة تخطوها إلى الصلاة صدقة, ودَلُّ الطريق صدقة, وتُمِيطُ الأذى عن الطريق صدقة)) [صحيح الجامع:4528] ((كل سُلامَى)) معناها كل مِفصَل, ((ودَلّ الطريق)) إذا وجدت تائِهاً لا يعرف الطريق, فَدُلّه عليه، بشرط ألا يكون ذاهباً لخمّارة – مثلاً – أو مسرح, أو سينيما, أو لأى معصية, ومثل قوله r: ((مَثَلُ المؤمنينَ فى توادّهِم وتراحُمِهِم وتعاطُفِهِم, مَثلُ الجسد, إذا اشتكى منه عُضوٌ, تداعَى له سائرُ الجسدِ بالسهرِ والحمَّى)) [صحيح مسلم] وقوله: ((المسلمُ أخو المسلم, لا يظلِمُهُ, ولا يُسلِمُهُ, ومن كان فى حاجةِ أخيهِ, كان الله فى حاجتِهِ, ومن فرَّج عن مسلم كُربَة, فرَّج الله عنهُ بها كُربَة من كُرِبَ يومِ القيامة, ومن سترَ مُسلماً, سترَهُ الله يومَ القيامة)) [متفق عليه] وقوله: ((لا تحاسَدُوا, ولا تناجَشُوا, ولا تباغَضُوا, ولا تدابَرُوا, ولا يَبِع بعضُكُم على بَيْعِ بعض, وكونوا عبادَ الله إخواناً, المسلمُ أخو المسلم, لا يُسْلِمه, ولا يَخْذله, ولا يَحْقِره, التقوى هاهنا – وأشار إلى صدرهِ – بِحَسْبِ امرئٍ من الشرِّ أن يَحْقِر أخاه المسلم, كُلُّ المسلم على المسلم حرام, دَمُه, وماله, وعِرْضه)) [صحيح الجامع:7242]

أرأيتم كيف نُهِينا عن احتقار المسلم، وهو شائع كثيراً جداً, ويُسَمُّونَه هِزار وتَرْيَقَة, وكيف أن دَمَهُ حرام (اللى تِعرَف دِيّتُه اقتِلُه, لازِم اعَوَّرُه, لازِم اقتِلُه, دَه انا هاقَطَّعُه, دَه انا هاشْرَب من دَمُّه) ومالَهُ حرام (إن سَرَقْت اسرق جَمَل) وعِرضَه حرام (دَه ابن كذا, دِى بنت كذا, دَه انا شُفتَها ماشيَة مع فُلان)

والعجيب يا إخوانى أنهم فى الخناقات يطلبون مساعدة أقاربهم, ومعارفهم، ويأتى هؤلاء بالسِّنَج, والمطاوِى, ويضربون بغير تفاهُم.. يا ناس يا مسلمون.. هل تدرون من المخطئ؟ هل تدرون من بَدَأ بالشر؟ ألَيسَ من الظلم أن تتخانقوا, وتضربوا, بغير سبب, لمجرَّد أنه قريبكم, أو صاحبكم؟ ألم تعلموا قول ربكم جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات:6]؟ وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة:8]؟ وقول رسولكم r: ((لا ترجعوا بعدى كُفّاراً, يضربُ بعضُكُم رِقابَ بعض, ولا يُؤخذُ الرجُلُ بجَرِيرَةِ أبيه, ولا بجريرةِ أخِيه))؟ [سنن النسائى, صحيح الجامع:7277]

أرأيتم كيف نهانا الله عز وجل أن يحملنا بُغْض قوم {شَنَئانُ قَوْمٍ} على ظلمهم؟ وكيف نهانا رسوله r أن يؤاخَذ الرجل بذنب أبيه, أو أخيه؟ (مِشْ انا واخُويا على ابن عمّى, وانا وابن عمّى على الغريب) ألَيسَ الأجدر بكم أن تُصلِحوا بين المتخاصمين, بدلاً من أن تُشعلوها ناراً؟ اسمعوا قول ربكم جل وعلا: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات:10] وقوله: {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} [الأنفال:1] وإذا رأيتم قريبكم أو صديقكم قد جُرِحَ, أو أُصيبَ, فلا تتعجَّلوا, فربما كانت إصابة خَصْمِهِ أشَدّ.

إننا نرى المشاجَرات، وربما القتل (فى بعض القرى) على أتفه الأسباب، ربما على كلمة, أو بِضعَة جنيهات, أو – كما يقولون – عَيّل ضرب عَيّل، وتستمر العداوة بين الأُسَر سنين، ويستمر الثأر, ويروح فيها رجال كثيرون.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

أين التسامح, والعفو, والمغفرة؟ لقد كان رسول الله r لا يغضب لنفسِهِ قط, إلا إذا انتُهِكَت حُرُمات الله، أما نحن فَنِشِيل الدنيا ونقعدها (كما يقولون) إذا أساء إلينا أحد, أما إذا انتُهِكَت حُرُمات الله, فلا حَرَج. إننا نسمعُ سَبّ الدين فى الليل والنهار, من الكبار والصغار – وإنا لله وإنا إليه راجعون – ولا تجد أحداً يُنكِر عليهم, ولو بكلمة, الكل مشغول بحالِه، ويقول لك يا عَم احْنا مالْنا, هانِعمِلُّهم إيه, هو احْنا نِقدَر عليهم.

أستحلفكم بالله.. هل إذا سمعتم إهانَتَكم, أو إهانَة أهليكم.. أكنتم تلتزمون الصمت هكذا؟ لا والله.. دَه يكون نهار مِش فايِتْ (على حَدّ قولكم) أأصبَحَت أنفسكم, وأهلوكم, أغلى عندكم من دينكم؟ اللهم اهدنا, واهدِ خَلْقَك من الإنس والجن, اللهم رُدَّنا والمسلمين إليكَ رَدّاً جميلاً, وتب علينا وعليهم أجمعين.

أقوال خاطئة عن غَير قَصد

قول: لا حَوْلِ الله يا رب.. والصحيح كما نعلم: لا حَوْل ولا قوَّة إلا بالله, البعض يظن أن الضمَّة على الهاء من لفظ الجلالة واو.. فيقول أو يكتب: الله وأكبر, وبعضهم يقول: الله أجبَر, والصحيح  كما نعلم: اللهُ أكبر, قول: أستغفرُ الله.. البعض يقولونه: أستخفر الله, أو: أستَخفَرلاه, يقولون عبد الرِّحيم (بكسر الراء) بدلاً من عبد الرَّحيم (بفتح الراء) وعبد الرُّحمن (بضم الراء) بدلاً من عبد الرَّحمن (بفتح الراء) وعبد الكِريم (بكسر الكاف) بدلاً من عبد الكَريم (بفتح الكاف) وعبد الوَهَاب (بتخفيف الهاء) بدلاً من عبد الوَهّاب (بتشديد الهاء) وعبد المِجيد (بكسر الميم) بدلاً من عبد المَجيد (بفتح الميم)

البعض يقول: يِنُوبُه صواب, بدلاً من ثواب, قَوْل أو كتابة: صورَة من القرآن, بدلاً من سورة, كلمة (الحمدُ لله) البعض يقولونها: الحمد الله (بزيادة ألِف), يطلقون اسم (الجنان) على الجنون, وربما سبّوا وقالوا: يخرب بيت الجنان, مع أن الجنان معناها الجنات, البعض يكتبون إنشاء الله بدلاً من إن شاء الله, أحياناً يَرُدُّ عليكَ من تَعرِض عليه خِدمَة لا يريدها (كَأَن تعمل له كوب شاى مثلاً) بِقَوْلِه: لا جزاكَ الله خيراً, وهى أَشْبَه بالدعاء عليكَ ألا يَجْزِيَكَ الله خيراً, رغم أنه لا يِقصدُها, فالأفضل أن يقول: لا.. وجزاكَ الله خيراً (بزيادة واو).

أظن أنكم ستقولون انت ماسِك لِنا على الواحدة! لا يا أحِبَّتى فى الله.. إنه مجرَّد تصحيح للكلمات, وبالله التوفيق.

أقوال وأفعال متفرقة يجب أن ننتهى عنها

هناك بعض الأقوال والأفعال, التى ينبغى لنا أن ننتهى عنها, وليس معنى هذا أننا لا ننتهى عن غيرها, مما ورد فى هذا الكتاب, أو غيره, ولكن لكثرتها, وعدم ارتباطها ببعضها, جعلتُ لها هذا العنوان, ومن أمثلتها ما يأتى:

قولهم إن يوم الجمعة فيه ساعة نَحْس, وقد قال رسول الله r: ((أفضلُ الأيامِ عِندَ اللهِ يومُ الجمُعة)) [صحيح الجامع:1095] وقال: ((إن فى الجمُعةِ لساعةً, لا يُوافِقُها مسلمٌ قائمٌ يصلى, يسألُ الله خيراً, إلا أعطاهُ إيّاه)) [صحيح مسلم] فسبحان الله! ساعة الإجابة سَمَّوها ساعة نَحْس، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

أقوال بعض المتصوفين مثل: دَه من مَحاسِيب سيدنا الحسين, أو مَحاسِيب السِّت, دَه واصِل, دَه وَلِىّ من أولياء الله, العارِفُ بالله الشيخ فلان… إلخ, قال الله عز وجل: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {62}  الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ {63} لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس:62-64] فوِلايَة الله عز وجل – كما هو واضح من الآيات الكريمة – بالإيمان والتقوى, وليس بلبس المهَلهل من الثياب, أو المسْكَنَة, أو الدَّرْوَشَة أو… إلخ.

قول: البقيَّة فى حياتك.. حياتك الباقية, هذه العبارة خاطِئَة من كِلا طَرَفَيْها, فهل الذى مات ترك شيئاً من عمره, ليكمله أحد غيره؟ وهل البقاء لأحد إلا لله؟ قال الله عز وجل: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد:38] وقال سبحانه: {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُون} [الأعراف:34] وقال: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ {26} وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ} [الرحمن:26-27] والأصَحّ أن يُقال: البقاء لله، أو لله ما أخذ وله ما أعطى, وكل شىء عنده بأجل مُسَمَّى, كما قال رسول الله r عندما مات ابن ابنته.

كلمة: عيب خِلْقى.. قال العلماء إنها خطأ, لأن الله سبحانه وتعالى خلق كل شىء بحكمة, وإن كنا لا نعلمها, بدليل قوله عز وجل: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَه} [السجدة:7] و{صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل:88] و{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49] فالأفضل فى هذه الأحوال أن نقول: مرض خِلْقى, أو ما شابهها.

قول: من تعمَّق فى الدين كَفَر. سبحان الله! أيوجد أحد أكثر تعمُّقاً فى الدين من الرسول r أو صحابته الكرام y أو التابعين, أو الأئمة الأربعة, أو… إلخ؟

يقولون: دَه زَرْع شيطانى.. بمعنى أنهم لم يرموا بذوره, وأنه خرج تِلقائِياً, وهل الشيطان يزرع شيئاً؟ {أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ {63} ءأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُون} [الواقعة:63-64]

البعض يقول لمن يَعِظُه بالكَفّ عن المعاصى, لِئَلا يتعرَّض لعذاب الله: ساعة الله يِحَلَّها الله, أو يقول: احيينى النهاردَه ومَوِّتنى بُكْرَة.. وهذا من الاستخفاف بعقاب الله جل وعلا, إذ كيف يحلّها يوم القيامة؟ هل سيُغيّر كلامه سبحانه وتعالى؟ {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِّلْعَبِيد} [ق:29]

تسمية بعض الأشياء الْمَهينة بأسماء الصالحين, مثل شِبشِب زنُّوبَه, وشِبشِب خَدُّوجه، حتى إنهم ابتكروا حذاء له مُقدّمَة رفيعة مُدَببَة, وسَمّوه علاء الدين, يا الله.. ألهذا الحدّ وصل الاستهزاء! اللهم اعْفُ عنّا وعن المسلمين.

أحياناً يقول الإنسان لمن يطلب منه خدمة: الثواب اللى من ناحيتك مِشْ عايزُه, وهذا فيه جُرأَة على الله سبحانه وتعالى, وكَأَنَّه لا يريدُ مِنهُ ثواباً.

إذا فعل أحد شيئاً بكثرة, أو بشدَّة.. يقولون دَه فعل كذا بِدِينُه، مثلاً: دَه أَكَل بدينُه, أو دَه اتفسَّح بدينُه… إلخ, وعندما يَصِفُون شيئاً أعجَبَهُم قالوا: شُفْت حِِتّة دِين كذا.

قولهم: كُل اللى لِيه نبى يصلّى عليه.. كيف يُقال هذا بين المسلمين, وهم أتباع نبى واحد r؟

يقولون على الْمُبتَلى, أو من به ضُرّ: لو الزمن صَلَح حالُه, ويقولون: مِن سَعَدَها زَمَنها جابِت بناتها قبل صُبيانها، سبحان الله! من يُصلِح الحال, ويُسعدُ الإنسان؟ الله أم الزمن؟ ويقولون على الذى تدهوَرَت أحواله: الزمن جار عَلِيه, الزمن مال بِيه، الزمن حَوَجُه.. أى أن الزمن جعله محتاجاً, ويقولون: كتَّر خير الدنيا (مثل: كتَّر خير الدنيا ان فلان اتجوّز) وهل تفعل الدنيا شيئاً؟ وكذلك يقولون: كُلُّه من خِيرَك, والخير كله من الله {قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ} [النساء:78]

قولهم على العبيط: دَه اللاوِى, دَه شِيخ, دَه بَرَكَة, دَه وَلِى من أولياء الله, دَه مَجْذُوب (بمعنى أنه مجذوب لله) خَلّيه يِدْعِيلَك, دَه دَعْوِتُه مُستجابَة.. إلخ, وكل هذا لا يَصِح.

يقولون: خُدُوا فالْكُو من عِيالْكُو, ويقولون: دُول مكشوف عنهُم الحجاب، لدرجة أنهم يسألونهم عن غيبيّات, مثل الحامل ستلد ذكراً أم أنثى؟ سبحان الله! وهل يعلم الغيب إلا الله؟

قولهم: مصر هِبَةُ النيل.. وهل النيل يَهَبُ شيئاً, أم أن الله سبحانه وتعالى هو الوَهّاب؟, ويقولون: وَهَبتُه الطبيعة قوَّة.. وهل تفعل الطبيعة شيئاً؟, ويقول البعض: الدين لله والوطن للجميع, والصحيح أن الدين, والوطن, وكل شىء, لله رب العالمين {إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [الأعراف:128], ويقولون: زَهرَة عبّاد الشمس, وزيت عبّاد الشمس, وهذا خطأ, لأن الكون كله, بما فيه, ومن فيه, عبيد لله سبحانه وتعالى, فالأفضل أن نقول: زهرة الشمس, أو كلمة نحوها.

قول: الإيد البطّالة نِجْسَة.. ولا يجوز أن يُقال على المسلم أنه نَجِس, بأىّ حال، سواء الجُنُب, أو الحائِض, أو النُّفَساء.. إلخ، لأن المشرك هو النَّجِس، قال الله عز وجل: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة:28] وقال رسول الله r: ((إنَّ المؤمنَ لا يَنْجُس)) [متفق عليه]

إذا ذُكِرَ ميّت قالوا: دَه هُوَّ فى دار الحق, واحْنا فى دار الباطِل.. نعم هو فى دار الحق, ولَكِنّا لسنا فى دار الباطل, وكذلك من يقولون: الدنيا دِى مالْهاش لَزمَة, وكأنَّ الله قد خَلقَها لغير حكمة, مع أن الله سبحانه وتعالى قال: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ} [الحجر:85] وقال: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص:27]

عندما يأمر أحد غيره بفعل الخيرات.. يقول له اعمل كذا عشان عَضْم التُّربَة (أى من أجل الموتى) والمفروض أن العمل يكون لله سبحانه وتعالى.

يقولون بعض العبارات التى تنهَى عن المعروف, مثل: يا مزَكّى حالَك يِبَكّى, الصبر يوَدّى القبر, السَّلَف تَلَف والرَّد خسارة (مع أن أجْر القَرض أعلى من أجر الصدقة, ورَدّه فَرض), خيراً تِعمِل شَرّاً تِلقَى, جزاء المعروف ضرب الكُفوف, وأنا أعلم أنهم يقصدون أن بعض الناس يردُّون بالسيئَة مُقابِل الحسنَة، وأقول لهم: إنكم حين عملتم هذا المعروف انتظرتم, أو توقَّعتُم الجزاء منهم، ولكن اعملوا المعروف لله تعالى, فعندئذ لا يضيع أبداً (وليس كما يقولون: اعْمِل الخير وارْمِيه البحر) قال الله تعالى: {هَلْ جَزَاء الإحْسَانِ إِلا الإِحْسَان} [الرحمن:60] وقال: {وَمَا تُقَدِّمُوا لأنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المزمل:20]

يقولون على الذى يتزوج أكثر من واحدة: دَه يا إمّا قادر يا إمّا فاجر، أى أنه إمّا غنى, أو فاجر, سبحان الله! كيف يُوصَف الحلال بالفجور, والعياذ بالله؟ أو كيف يوصف بالخيانة, كالتى تقول على زوجها إذا تزوج بغيرها: دَه خانّى وراح اتجوّز علىَّ؟

هناك من يدعو على نفسه عند موت حبيب له, أو ابتلاء, أو ضيق، أو يدعو على أولاده, وأمواله, ومنهم من يدعو على نفسه, لمجرَّد مجامَلة الضيوف, كما نسمع – مثلاً – من تقول: إلهى يِقطَعنى, إلهى تِعْدَمِينى لو ماكَلْتِيش كذا, إلهى اللى ياكُلْها غيرك يِطفَحها, وغير ذلك كثير, وهذا كله مخالف للسنَّة.. قال رسول الله r: ((لا تدعوا على أنفُسِكُم, ولا تدعوا على أولادِكُم, ولا تدعوا على أموالِكُم, لا تُوافِقوا من الله ساعةً, يُسأَلُ فيها عَطاءً, فيستجيبُ لَكُم)) [صحيح مسلم] فبدلاً من قولنا لأبنائنا: ربنا ياخُدْكُم, نقول لهم: ربنا يهديكم.

وأوَدُّ أن أسأل من يدعو على نفسه, ويقول: يا رب خُدْنى عَشان استَرَيَّح.. هل تعلم يقيناً أن راحتك فى موتك؟ إن بعد الموت إما رَوْضَةً من رِياض الجنة, أو حُفرَةً من حُفَرِ النار (اللهم إنا نسألك رضاك والجنة, ونعوذ بك من سَخَطِكَ والنار) قال رسول الله r: ((لا تدعوا بالموت, ولا تتمنَّوْه, فمن كان داعياً لا بُدّ, فَلْيَقُل: اللهم أحْيِنى ما كانت الحياةُ خَيراً لى, وتَوَفَّنى إذا كانت الوَفاةُ خَيراً لى)) [سنن النسائى, صحيح الجامع:7265] وقال: ((لا يَتَمَنَّ أحدُكُم الموتَ, ولا يَدْعُ بِهِ من قَبلِ أن يأتِيَهُ, إنه إذا مات أحَدُكُم انقَطَعَ عَمَلُهُ, وإنه لا يَزيدُ المؤمنَ عُمْرُهُ إلا خَيراً)) [صحيح مسلم]

إذا مرض إنسان, وكان غالياً عليهم, قالوا هو عمل اِيه فى دُنْياتُه, عَشان ربّنا يِعمِل فيه كِدَه, وهذا اعتراض على قَدِرِ الله, وإن كانوا يكرهونه قالوا احْسَن, دَه يِسْتاهِل، دَه عَمَلُه اسْوِد، شُوف ربّنا عَمَل فِيه إِيه؟ ونقول لهؤلاء: إن المرض لا يترك أحداً.. مسلماً كان, أو كافراً، ولكن العِبرَة بالعمل.. فإن كان المريض مُطيعاً لله سبحانه وتعالى، مُستقيماً على أمْرِه، صابراً مُحْتَسِباً، راضِياً بقضاء الله، لا يشكو لأحد غير مَوْلاه، كان المرض تكفيراً لذنوبه, وفى ميزان حسناته يوم القيامة, وإن كان عاصياً، ساخِطاً على قَدِرِ الله، فهو عليه وِزْر.

ونُبَشّر إخواننا المرضى – عافانا الله وإياهم والمسلمين أجمعين – بالبشرى العظيمة التى جاءت فى كتاب ربنا جل وعلا {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}  [الزمَر:10] وبحديث رسولنا r الذى قال فيه: ((ليَوَدَّن أهلُ العافيةِ يوم القيامةِ أن جُلُودَهُم قُرِضَت بالمقاريض, مما يَرَوْنَ من ثواب أهلِ البلاء)) [صحيح الجامع:5484]

يقولون إن الرجل لا يُعيبُه شىء, إلا نقص المال (الراجل عِيبُه جيبُه) فى حين أن نقص ماله ليس عَيْباً, بقَدْر نقص تديّنه وأخلاقه. وأريد أن أسأل من يقول: الراجل يعمل أى حاجه مِش عيب, ومن يقول: انا اعمل اللى انا عاوْزُه.. أنا راجِل مِش سِِت, فأقول له: إن كان المجتمع لا يَلُوم عليك فعل المنكرات, فأين الخوف من الله؟ وهل عقابك يوم القيامة سيكون أقل من المرأة؟ أم هل تُحاسَب الإناث, ولا يُحاسَب الذكور؟!

يقولون على بعض الأشياء المتوافِرَة بكَثرَة: زَىّ الهَم ما يِتْلَم, وأكْتَر من الهَم على القلب, ويقولون: ماحَدِّش فى الدنيا مِسْتَرَيَّح. وهذه الأقوال فيها إيحاء بأن الغالب على أحوال العباد هو الهَمّ, والضِيق, والضَّنك, مع أن نِعَم الله هى الغالِبَة, ولكن الإنسان لا يشعر بها, إلا عند فَقْدِها, أو عند النظر لمن حُرِمَ منها.

شاع مؤخَّراً قول الرجل لزوجته ماما, وقولها له بابا.. بحجَّة تعليم أطفالهم, وقد قال العلماء إن هذا مُضاهاة للظِّهار, الذى نُهِينا عنه, فى قول الله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا الائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُور} [المجادلة:2]

بعض الناس إذا سألوا أحداً عن شىء, فقال لهم: نِسِيت, قالوا له: نِسِيك الموت, وبهذا يَنسِبُون النسيان لله سبحانه وتعالى, وهم لا يشعرون.

عندما يَذكُر أحد أنه من بلد مُعيَّن (من الصعيد مثلاً, أو الفلاحين) يَرُدّ عليه سامِعهُ (مُجامَلةً له) فيقول: احسن ناس, مع أن المجامَلة لا تُبَرر له الوقوع فى الكذب, كما أن هناك من يقول لمن يخاطبها: يا سِتِّ الكُل, وقد علَّمنا ربنا جل وعلا أن أحسن ناس هم المتقون, بغضّ النظر عن جِنسهم, أو غِناهم, أو جَمالهم {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم} [الحجرات:13] وقال رسول الله r: ((إن الله تعالى لا ينظرُ إلى صُوَرِكُم, وأموالِكُم, ولكن إنما ينظرُ إلى قلوبِكُم, وأعمالِكُم)) [صحيح الجامع:1862]

قول البعض: اللهم اكْفِنى شَر أصدقائى.. أمّا أعدائى فأنا كَفيلٌ بِهِم, وهذه العبارة لا تَصِحّ, لأنها تُوحى بالاستغناء عن الله سبحانه وتعالى فى كَفّ الشر, وهذا مُستحيل, كما أن فيها سوء ظن بالأصدقاء.

بعض المستهترين يرفع صوت الأذان فى رمضان, قبل المغرب بدقائق, لِيُوهِم الناس أنه قد حَلَّ وقت الإفطار، ويضحك عندما يتحقق مُراده.

مِزاح البعض مع أولادهم (أو غيرهم) بقَولِهم: دَه ابن حرام, أو دَه ابن أبالسَة.

قولهم: إدّيلى عُمْر وارْمِينى فى البحر.. فمن يعطى العمر؟ الله أم البشر؟ وقولهم: لِعْبة الأيام.. فهل الأيام تفعل شيئاً؟

قولهم: الجنَّة من غِير ناس ما تِنْداس, وقولهم: تِغُور يا قبر بِمِيتْ جنَّة فيك (أى بمائة جنَّة) وفى هذا استِهانَة بما أعدَّه الله من النعيم لعباده الصالحين.

إهانَة الأقارب بقولهم: الأقارب عقارب, وقولهم: ماتْجِيش المصايِبْ إلا من القرايِبْ.  

أقوال تَعنِى الأنانية والكِبْر, مثل: أنا وبعدى الطُّوفان, إن جالَك الطُّوفان حُطْ عِيالَك تحت رِجْلِيك, يا أرض انْهَدّى ما عليكى أَدّى.

أقوال تحكُم على مصير الناس بغير علم, مثل: دَه هايْخُشْ النار حَتْف, ودَه هايْخُش الجنَّة من أوْسَع أبوابها, وهذا وأمثاله لا يَصِحّ, لأن الجنة والنار بِيَدِ الله سبحانه وتعالى, ولا يعلم أحد من سيكون من أهل هذه أو تِلْكَ, قال رسول الله r: ((احتجَّت الجنة والنار, فقالت الجنة: يَدخلنى الضعفاء والمساكين, وقالت النار: يَدخلنى الجبّارون والمتكبرون, فقال الله للنار:  أنتِ عذابى أنتقمُ بِكِ ممن شِئتُ, وقال للجنة: أنتِ رحمتى أرحمُ بِكِ من شِئتُ, ولِكُلٍ واحدة مِنكُما مِلْؤها)) [صحيح الجامع:185] وقال: ((إن الرجلَ ليعملُ عَمَلَ أَهلِ الْجنَّةِ فِيمَا يَبْدُو للنَّاسِ, وهو من أَهلِ النار, وإن الرجلَ ليعملُ عَمَلَ أهلِ النارِ فِيمَا يَبْدُو للناسِ, وهو من أهلِ الجنَّة)) [متفق عليه]

وهناك أقوال أخرى متفرقة, مثل: الدنيا فُونيَة (استهزاء بعبارة الدنيا فانية), الغايَة تُبَرر الوسيلَة, أنا عبد المأمور, دَه احْنا على كَفّ عفريت, يا مِستَعجِل عَطَّلَك الله, مرض لَعِين, قَطْع الخبز على العين عند القَسَم, وقولهم: وِحْياة النِّعمَة دِى على عِنَييا, عندى فِكرَة جُهَنميَّة, ماحْنا عارفين إن عِيشِتنا كلها حرام فى حرام, كُلّنا داخلين النار (والعياذ بالله), الفقير ريحتُه وِحْشَه, الشيطان شاطِر, مع أن الله عز وجل قال: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} [النساء:76], قَلْب الشبشب فى المشاجَرات, وقولهم: طُوبَة على طُوبَة خَلّى العارْكَة مَنصوبَة (نعوذ بالله)

وبالجملة.. فإنه ينبغى للمسلم أن يراقب الله عز وجل فى كل فعل, أو قول: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18] وأن يعلم أنه سيحاسبه على كل كبيرة وصغيرة, فى يوم {يجعل الولدان شيبا} [المزمل:17] و{اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصِّلت:40]

بعض المفاهيم والأفعال الخاطئة

هناك بعض المفاهيم والأفعال الخاطئة لَدَى كثير من المسلمين, ومن أمثلتها ما يلى:

تلطيخ الحوائط والأطفال بدم الذبائِح لدفع الحسد, ولا يَخفَى أن هذا من البِدَع المنكَرَة.

ترى الكثير من الناس ينشغلون بالعمل عن أداء الصلاة فى أوقاتها, ويضيّعون صلاة الفجر, ويُفَرّطون فى عبادات كثيرة، وإذا نصحتهم بعدم التقصير فى حق ربهم، قالوا لك العمل عبادة! أىُّ عبادة هذه التى تصدّكم عن ذكر الله, وعن الصلاة؟ ولِمَن هذه العبادة, إذا كان الذى تدَّعون عبادتكم له بالعمل, هو الذى أمركم بالصلاة فى أوقاتها؟ فقال عز وجل: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} [النساء:103] وقال: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238] وقال رسوله r: ((أفضلُ الأعمال الصلاة فى أوّل وقتها)) [صحيح الجامع:1093]

صحيح أن ديننا قد حَثَّنا على السعى لكسب أرزاقِنا، ولكن بشرط أن يكون هذا العمل حلالاً، وألا يكون هو أكبر هَمّنا، وألا يَشغلنا عن العبادات الأخرى التى أُمِرنا بها. وهناك حديث شائع بين الناس بعكس معناه، يقولون إنه كان هناك رجلان على عهد رسول الله r أحدهما يعمل, والآخر مُنقَطِع للعبادة، فزعموا أن الرسول r قال للذى يتعبَّد (أخوك أعْبَد منك) وهذا غير ما حدث تماماً. والصحيح أن أحدهما كان يأتى للرسول r ليتعلَّم منه، والآخر يَتكَسَّب, فاشتكى الذى يتكَسَّب للرسول r من أخيه، فقال له الرسول r: ((لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:5084] ومعناه واضح.. وهو كما يقول أحدنا, عندما يرى من يَعُول يتيماً, أو مسكيناً: الله أعلم.. دَه يِمْكِن ربنا بِيُرْزُقُه عَشانُه.

يقولون لا حَياءَ فى الدين, وهذه العبارة خاطئة, لأن رسول الله r قال: ((الحياءُ من الإيمان)) [متفق عليه] والصحيح: لا حَرَجَ فى الدين, قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]

يظن البعض أن عِلْم الله بحالِ العبد يُغنِى عن الدعاء, ويقولون: عِلْمُه بحالى يغنيه عن سؤالى, بل وينسبون هذا القول لسيدنا إبراهيم (على نبينا وعليه الصلاة والسلام) عندما رماه قومه فى النار, وهذا خطأ, فقد قال رسول الله r: ((إنه من لم يَسألِ الله تعالى يَغضبْ عليه)) [صحيح الجامع:2418] وقال: ((الدعاء هو العبادة)) [سنن أبى داود والترمذى, صحيح الجامع:3407]

البعض يظن أنه إذا أخذ فتوى من أى شيخ – ولو كان قليل العلم – فليس عليه حرج فيما أفتاه به, ويقولون: حُطَّها فى رَقَبِة عالِم, واطْلَع منها سالِم.

يقولون: ربنا رب قلوب, ويقصدون أن المهُمْ هو نيَّة العبد, بغَضِّ النظر عن عمله, مع أن الإيمان ما وَقَرَ فى القلب, وصَدَّقه العمل.  

يعتقدون أن المرأة تخرج من بيتها بعد الطلقة الأولى والثانية, والصحيح أنها تمكث فى بيتها مع زوجها, ما دامت فى عدتها, وتؤاكله, وتُشاربه, وتتزين له, إلا أنه لا يجامعها إلا إذا راجعها, ومن العلماء من قال إنه لو جامعها فقد راجعها, قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} [الطلاق: 1].

كما أنهم يعتقدون أن الزوج إذا أراد مراجعة زوجته فى عدتها, فلابد أن يذهب إلى أحد الشيوخ ليردها له, والصحيح أنه يردها بنفسه, كأن يقول لها: (أرجعتك إلى عصمتى) أو أى كلمة فى معناها, كأن يقول لها بلهجتنا العامّية: رجّعتك إلىَّ, أو رجّعتك لعصمتى.

البعض ينظر للتى تتزوج بعد طلاقها, أو موت زوجها, نظرة احتقار, خصوصاً لو تزوجت أكثر من مرة, لدرجة أن بعض أقاربها يقاطعها, وكأنها فعلت جريمة! ونقول لهم: لماذا تظلمونها؟ ألم تفعل ما أحَلّه الله؟ وهل هذا أفضل لها, أم الفتنة فى دينها؟, وكذلك يُسقِطون التى تتزوج رَجُلاً مُتزوّجاً من أعينهم, ويقولون: دِى خادِتُه مِن على مراتُه (أى زوجته) أو مِن على مراتُه ووُلادُه, والبعض يُهينها, ويُسْمِعْها من فاحِش القَوْل, ويَسعَى فى طلاقِها, وكل هذا لا يرضى الله سبحانه وتعالى, لأنه هو الذى شَرَع تعدد الزوجات, وله من الحِكَم الكثير, ولكن ليس هنا مقام ذِكرها. ولو أن التى تزوَّج زوجها بغيرها, نظرت لزوجته على أنها أختها فى الله, لَمَا حدث كل هذا, ولو أنها استحضرت فى قلبها ثوابها عند ربها على ابتلائِها, لَصَبَرَت عليه, ولَمَا تَضَرَّرت منه. ولكن ينبغى للزوج أن يَعدِل بين زوجاته, حتى لا يُبْعَثَ يوم القيامة مَشْلُولاً, قال رسول الله r: ((مَن كانت لهُ امْرَأتانِ, فَمالَ إلى إحداهُما, جاءَ يوم القيامةِ وشِقُّهُ مائِل)) [سنن أبى داود, صحيح الجامع:6515]

كثير من الناس يقولون إن أهم شىء يمتلكه الإنسان هو صِحّته، حتى إنهم إذا أرادوا مُواساة أحد أصابه مكروه, قالوا له: ماتِزعَلشْ, ولا يهِمَّك, أهم حاجَة صِحّتك. ولكن هذا القول غير صحيح، لأن أهَمّ, وأعظم شىء نمتلكه, هو ديننا, وقولوا لى بربكم: ماذا تنفع الصحة, لو أن الإنسان كان كافراً, والعياذ بالله؟ فالحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها نعمة.

يعتقدون أن الذى مات موتة سريعة, مثل السَّكْتَة القلبيَّة (عافانا الله وإياكم) أو مات فى رمضان, أو يوم الجمعة, أنه مات مُوتَه حِلوَة (بمعنى أن الله راضٍ عنه) بِغَضّ النظر عن عمله.. أهو مُطيع لله عز وجل, أم عاصٍ, وكذلك من مات موتة صعبة, نتيجة الحوادث وغيرها (عافانا الله وإياكم) قالوا إنه شهيد.. بغض النظر عن عمله, وإيمانه من قبل.

يا إخوتى: إن العبرَة ليست بالأيام, أو الأماكن, أو طريقة الموت, بقدر ما تكون بعمل الإنسان, وربما تشتد السكرات على المطيع, ولا يكون هذا غضباً عليه, بل تكفيراً لذنوبه.

وأجيبونى بارك الله فيكم: هل من مات سريعاً, أو يوم الجمعة, أو فى رمضان, أو فى مكة المكرَّمَة, أو المدينة المنوَّرَة.. وكان سارقاً مثلاً, أو مُرتَشِياً, أو شارباً للخمر, أو آكلاً لمال اليتيم, أو ذاهباً للحج والعمرة بمال حرام, أو غير ذلك من الموبِقات, هل هذا ينفعه؟

ثم إنه من الخطأ أن نحكم على أحد بأنه شهيد، لأن الذى يعلم بحاله هو الله عز وجل, ولكننا نقول مثلاً: نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبَّله فى الشهداء، أو نَحْسبه شهيداً, ولا نُزَكِّى على الله أحداً. وكذلك لا يَصِحّ أن نَمنَح الشهادة لمن نشاء, بغير دليل من الكتاب والسنَّة, فلا ينبغى أن نقول مثلاً: شهيد الواجِب, شهيد الوطن, شهيد الفن… إلخ.

يعتقدون أنه إذا دُفِنَ طفل بجانب ميّت, أنه يرحمه, ويقولون على الميّت: دُفِنَ فى مثواه الأخير, مع أن المثوَى الأخير هو الجنَّة أو النار, وليس القبر (اللهم إنا نسألك رضاكَ والجنة, ونعوذ بك من سَخَطِكَ والنار)

يُسَمُّون الشذوذ الجنسى بين الرجال (اللواط) وهذه الكلمة خطأ, لأنها مأخوذة من اسم سيدنا لوط – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – وهو الذى كان يَنهَى قومه عن هذا الفعل الشنيع, فالأَصَحّ أن يُقال: فِعْل قوم لوط.

يقولون على الذى كبُرَت سِنّه, ولم يُنجِب, أو ليس عنده مال: دَه ماطْلِعْش بحاجة من الدنيا, والذى عنده قليل من الأطفال, أو المال: دُول هُمَّ اللى طِلِعْ بِيهُم من الدنيا. مع أن العِبرَة ليست بالمال, ولا بالأطفال, ولكن الإنسان لا يخرج من الدنيا إلا بعمله {يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ {88} إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:88-89]

كثير من الناس ينظر لبعض المِهَن نظرة احتقار (كالخِدمَة فى البيوت مثلاً) وينظرون لمن يعمل بها نظرة دُونِيَّة, مع أنها حلال, وأفضل من التسَوُّل, فى حين أنهم يُعَظّمون وظائف أخرى, وإن كانت حراماً, وينظرون للمرأة الفقيرة, العفيفة, المحجَّبة, التى تعمل مثل هذه الأعمال, بازدِراء, فى حين أنهم ينظرون للمرأة المتَبرّجَة أشَدّ التبرُّج, نظرة إكْبار, لأن عملها عندهم أفضل من عمل الفقيرة, أو لأنها أغنى منها, وهذه النظرة الظالمة من المجتمع, تجعل البعض يعيشوا على الصدقات, ولا يعملوا مثل هذه الأعمال الشريفة المتواضعة, مع أن هذه المقاييس لا تُرضى الله سبحانه وتعالى, وقد كان كثير من الصحابة عبيداً, وهُمْ من أهل الجنَّة, رضى الله عنهم وأرضاهم.

يعتقدون أن العفاريت تطلع مكان خروج روح القتيل، فلو كان هذا صحيحاً, لكانت المستشفيات أكثر عَفاريتاً!

إذا ذُكِرَ الموْت خافوا, وقالوا بِعْدِ الشَّر، أو بِعيد عن السّامْعين، أو بَرَّه وبِعيد، ويتضايقون من ذِكْرِه، وإذا قال أحد إن الميّت, أو المريض, قَدّ فُلان (أى مثله فى العمر) خافوا, وقالوا قَدّ نفسه.. خَوْفاً على السليم من الموت, أو المرض, وقد قال رسول الله r: ((أكثروا ذِكْر هادِم اللذات: الموت, فإنه لم يَذكُره أحد فى ضِيق من العَيْش, إلا وَسَّعَه عليه, ولا ذَكَرَه فى سَعَةٍ, إلا ضيَّقَها عليه)) [صحيح الجامع:1211] أى أن الإنسان إذا ذكر الموت, وهو فى ((ضِيق)) فإن هذا يُهوّن عليه ضِيقه, لعلمه أن هذا البلاء سينتهى, وأن الدنيا كلها ستنتهى, فلِمَ كل هذا الحزن؟ كما أن الموت يذكّره بثواب صبره بعد موته, على ما هو فيه من الضيق. وكذلك إن ذَكَرَه فى ((سَعَة)) فإنه يُضيّقها عليه, حتى لا يُخْرِجُه فَرَحُه عن طاعة ربه, ويعلم أن كل شىء سينتهى, فلِمَ كل هذا الفَرْح؟ قال الله عز وجل: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ {22} لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد:22-23]

ويا إخوتى إن العِبرَة ليست بِطُول العُمر، بل بالبَرَكَة فيه, فَكَمْ ممن عاشوا زمناً طويلاً, ولكنهم لم يفعلوا خَيراً قَط، وآخرين عاشوا أعماراً قصيرة, ولكنهم غَنِموا فيها رضا الله عز وجل, فَبَدَلاً مِن قَوْل: ربنا يِدّيك طُولة العُمر.. قولوا ربنا يبارك فى عمرك.

يقول من اجتهد فى تحصيل شىء: عَمَلْت اللى عَلىَّ, والباقى على الله. فى حين أن أعمالهم كلها بقَدَر الله سبحانه وتعالى, ولولا أنه وفَّقهم لَمَا عَمِلوها, فالأفضل أن يقولوا: عَمَلْت اللى علىَّ, والتوفيق من الله.

يعتقدون أن المرأة الحامِل إذا نظرت للجَمِيل تَلِدُ جَمِيلاً, ويعتقدون أنها حال ولادتها تَحُوطها الملائكة، وأن دعاءها مُستجاب، لدرجة أنهم يظنون أن مَلَك الموت, وسيدنا جبريل – عليهما السلام – يحضران ولادتها! ويطلبون منها – وهى فى أشد التعب – أن تدعو لفلان وفلان, فى حين أنها هى المحتاجة للدعاء, ويظنون أن الذى يحضر الولادة ويكون مُخُّه ناشِف (على حَدِّ قَوْلهم) يعطَّل ولادتها, ويَرْمُون المشِيمَة (الخَلاصْ) فى نهر النيل, ويقولون إن التى ترمِيه لابُدّ أن تَضْحَك, حتى يكون الطفل ضَحُوكاً, ويُلْبِسُون الطفل ملابس سوداء, لدفع الحسد.

يعتقدون أن المرأة هى المسئولة عن إنجاب البنين, لدرجة أن زوجها يطلقها, إن لم تُنجِب له ولداً, مع أن الله سبحانه وتعالى قال: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى {36} أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى {37} ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى {38} فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى {39}  أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة:36-40] قوله تعالى: {فَجَعَلَ مِنْهُ} أى من ماء الرجل. وقد أثبت العلم أن المسئول عن إنجاب البنين والبنات – بعد الله عز وجل – هو ماء الذكر, وليست الأنثى.

يعتقدون أن تخويف من لم يُنجِب, يجعله يُنجِب.. ويقولون: عايْزِين نِخُضُّه عَشان يِخَلّف, ويعتقدون أن المرأة التى تشتهى طعاماً, ولا تأكله وهى حامل, يظهر أثره فى جسد ابنها, أو ابنتها, ويُسَمُّونها (وَحْمَة) فى حين أن هذه البُقَع الجِلديَّة لها تفسير علمى, لا علاقة له بالطعام.

يظنون أن قَوْل: {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} خاصّ بالموت، فإذا قالها أحد.. قالوا له: أعوذ بالله, هُوَّ إِيه اللى حَصَل, هُوَّ فى مصيبة ولْلا حَدْ مات. مع أنها تُقال عند حدوث أى بلاء. ويعتقدون أن كلمة (ربنا يرحمه) خاصَّة بالأموات, مع إننا محتاجون لرحمة الله سبحانه وتعالى فى الدنيا والآخرة. وكذلك لو سمع بعض الناس قرآناً يُتلَى, يحسبون أن هناك جنازة منصوبة لميّت.

يعتقدون أن لَيلَة القَدْر تكون على هَيئة نور, يراه بعض الأشخاص، ويقولون إن ليلة القدر طِلْعِت لُه.

البعض يُعَرُّون رؤوسهم عند الدعاء (وخصوصاً النساء) ويظنون أنه يُستجاب هكذا.

يقولون إن الذى يريد أن يذبح دجاجة, أوبطَّة, أو غير ذلك.. لابد أن يستأذن من جَزّار, وأن تكون السكِّين لها ثلاثة مسامير.

إذا قلت لأحد ربنا يهديك.. قال لك هو انا معَفرَت ولْلا إِيه؟ يا أخى قُلْ آمين، فَمَن ذا الذى لا يريد أن يَهدِيَه الله؟ وإن كنتَ مُهتدياً, فاطلب من الله الزيادة {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُم} [محمد:17]

إذا قلت لأحد: اتق الله.. غَضِبَ, وقال أنا بَتّقِى الله أحسن مِنَّك. يا أخى لا تغضب، لقد قالها الله عز وجل لِمَن هو أفضل منى ومنك, ومن الخلق أجمعين {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّه} [الأحزاب:1] ولكن ينبغى للمسلم ألا يقولها لأخيه من باب السخرية والاستهزاء، ولا فى كل الأحوال، حتى لا يُوقِعه فى أشد مما هو فيه. وكذلك لا يقول للغضبان بالِغ الغضب: صَلِّ على النبى أو: وَحِّد الله, لأن البعض لا يملك نفسه عند الغضب, وربما تَفَوَّه بألفاظ تخرجه من الملَّة (والعياذ بالله). ولا ينبغى أن يفهم أحد من كلامى هذا أنى أنْهَى عن قول هذه الكلمات, ولكنى أقصد ألا نقولها فى كل الأحوال.

إذا قلت لأحد: النبى r كان يعمل كذا وكذا، يقول لك دَه النبى.. هو احْنا زَى النبى. ألَيسَ هو قُدوَة لنا؟ ألم يَقُل الله عز وجل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [الاحزاب:21]؟

يقولون: كل واحد له رسالة فى الحياة, لازم يِأَدّيها, ويقولون: الفن رسالة, الأدب رسالة… إلخ. ما هذه الرسالة يا إخوانى؟ إن الرسالة تستلْزِم وجود مُرسِل, ورسول, ومُرسَل إليه, فأين هم؟ ولكن الأصَح هو ما ورد عن رسول الله r فى الحديث الذى ذكرناه من قبل: ((كُلُّكُم راعٍ وكُلُّكُم مَسئولٌ عن رَعِيَّتِهِ))

بعض الناس يُعطّلون زواج أولادهم, ويُحَرّمون على أنفسهم الحلويات, وبعض المفروشات.. لماذا؟ لأن أحد أقاربهم, أو معارفهم, مات!

أحياناً نسمعُ الأم إذا أُصِيبَ ولدها بمرض.. تقول له يا رِيت الْلى فِيك يِيجى فِيَّه. لا يا أختى.. اسألى الله العافية, لكِ, ولولدِكِ, وللمسلمين أجمعين, فإن الله سبحانه وتعالى جَوادٌ كريم, وقد نُهِينا عن تَمَنّى البلاء، وأُمِرْنا بسؤال الله العافية، قال رسول الله r: ((سَلُوا الله العَفْو والعافِيَة, فإن أحداً لَمْ يُعْطَ بعدَ اليقينِ خَيراً مِن العافِيَة)) [صحيح الجامع:3632]

ولا تكونى أيضاً كالَّتِى تشتكى – وربما تكذب – لتدفع الحسد عن أولادها، فإذا رأى أحد ابنها أو ابنتها قالت دَه الوادْ سُخْنْ, ومانَمْشْ طُول اللِيل من الكُحَّة, والْبِت تَعبانَة, ومانَيّمِتنيش طُول الليل من المغَص الْلى عندها.. إلخ. ونقول لها: إن كان وَلدك (أو ابنتك) مريضاً فِعلاً, وأنتِ لا تقصدين دفع الحسد.. فَلِمَ تشتكينَ لغير الله؟ لقد قال الله عز وجل: {فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً} [المعارج:5] وقد قال العلماء: إن الصبر الجميل, هو الصبر بِغَير شكوى.

بعض الناس إذا كانت لهم أُمنيَة, يريدون أن تتحقق, قالوا مثلاً: يا رب تِتفِقِع لى عِين, بَس ربنا يِدّيِلى كذا. وبعضهم يقول: انا مِش عايِز من ربنا إلا الصحة والسَّتر.

يا إخوتى فى الله.. اطلبوا من الله ما تريدون, بغير ما يُقابِله من البلاء, فإنه سبحانه وتعالى خَير من سُئِلَ, وأكْرَم مَن أعْطَى, ونحن لا نستغنى عن الله طَرفَة عَين, ونريد أن يوفّقنا لكل خَير, ويَصرِف عنّا كل شَر, ولا نريد الصحة والسَّتر فقط, وفَّقنا الله وإيّاكم لما يحب ويرضى.

أقوال وأفعال لا دليل عليها

هذه بعض الأقوال والأفعال التى لم تَرِد فى الكتاب ولا السنَّة, ولا دليل عليها من علوم الدنيا:

قولهم إذا آتاهم الله ما يحبون من متاع الدنيا (كَسيّارَة, أو منزل, أو وظيفة, أو زوجة, أو ولد… إلخ): دَه انا ربنا بِيْحِبّنى, دَه ربنا بِيْحِبُّه, دَه ربنا راضى عَنُّه.. إلخ, وهذا ليس مِقياساً لحب الله تعالى، فنحن نرى الكَفَرَة يتمتعون بالمال والجمال والعِيال, فهل ربنا سبحانه وتعالى يحبهم؟ ولكن مِقياس حُبّ الله تعالى هو التوفيق لطاعتِه, والْمُسارعة فى مَرْضاتِه جل وعلا, قال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ {55} نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُون} [المومنون:55-56] وقال: {أَفَرَءيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ {205} ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ {206} مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء:205-207] وقال رسوله r: ((إن الله قَسَمَ بَينَكُم أخلاقَكُم, كما قَسَمَ بَينَكُم أرزاقَكُم, وإن الله عز وجل يُعطِى الدنيا مَن يُحِبُّ, ومَن لا يُحِبُّ, ولا يُعطِى الدين إلا لِمَن أَحَبَّ, فَمَن أعطاهُ الله الدينَ, فقد أحَبَّهُ)) [مسند أحمد] وقال: ((إذا رأيتَ الله تعالى يُعطِى العبد من الدنيا ما يُحِب, وهُوَ مُقِيم على مَعاصِيه, فإنما ذلكَ مِنْهُ اسْتِدْراج)) [صحيح الجامع:561]‌

وينبغى التنبيه هاهُنا على عدم المسارعة بالحُكْم على الناس بالصلاح, أو عكسه، لأن الذى يعلم بالعباد, هو خالقهم سبحانه وتعالى، كما قال فى كتابه الكريم: {فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم:32] وقال رسول الله r لِمَن مَدَحَ شَخصاً فى وَجْهِه: ((وَيْلَكَ! قطعتَ عُنقَ صاحبك, من كان منكم مادِحاً أخاه لا مَحالَة, فَلْيَقُل: أحْسَبُ فُلاناً, والله حَسِيبه, ولا أُزَكّى على اللهِ أحداً, أَحْسِبُهُ كذا وكذا, إن كانَ يَعلَمُ ذلكَ مِنْهُ)) [صحيح الجامع:7140] أى أنّك لو أردتَ أن تمدح شخصاً, فلا تمدحه فى وَجْهِه, لأن هذا يُفسده, وربما أَدخَلَ عليه العُجْب, والغرور, والرِّياء، وكُلّ هؤلاء من الْمُهْلِكات. ولكن إن كان لابُد من مَدْحِه, فَلْيَكُن فى غَيبَتِه, فإذا أردتَ مثلاً أن تقول إنه طَيّب.. فَقُل: أحسبه طَيّباً, ولا أُزَكّى على اللهِ أحداً.

وهنا أُذَكّر إخوانى أن العِبرَة بالخواتيم، حتى لا نَغتَرّ بأعمالنا, ولا نَحْكُم على أحد أنه من أهل الجنة, أو من أهل النار. قال رسول الله r: ((إن أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فى بطنِ أمِّهِ أربعينَ يوماً, ثم يكونُ عَلَقَةً مِثلَ ذَلِكَ, ثم يكونُ مُضْغَةً مثلَ ذَلِكَ, ثم يَبْعَثُ الله إلَيهِ مَلَكًا بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ, فَيُكْتَبُ عملُهُ, وأجلُهُ, ورزقُهُ, وشَقِىٌّ, أو سعيدٌ, ثم يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ, فإن الرَّجُلَ لَيَعمَلُ بِعَمَلِ أهلِ النارِ, حتى ما يكونُ بيْنَهُ وبيْنَهَا إلا ذِراعٌ, فَيَسْبِقُ عليْهِ الكتابُ, فيعملُ بِعَمَلِ أهلِ الجنّةِ, فيدخُلُ الجنّةَ, وإن الرَّجُلَ لَيَعمَلُ بِعَمَلِ أهلِ الجنّةِ, حتى ما يكونُ بَينَهُ وبَينَهَا إلا ذِراعٌ, فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكتابُ, فَيَعمَلُ بِعَمَلِ أهلِ النّارِ, فَيَدخُلُ النّارَ)) [صحيح البخارى] اللهم أحْسِن خِتامنا أجمعين.

إن طالت سَكَرات الموْت على أحد, قالوا: دِى رُوحُه مِتعَلَّقة بِوْلادُه, ويقولون عن الذباب الأخضر إنه روح فُلان, وإذا جاء ذِكْره, يقولون إن رُوحُه طَلَبِت الرحمة, وإذا ذكروه بكثرة, قالوا رُوحه بِتْحُوم حَوَاليّه, وإذا خاف أحد من شىء, قال رُوحى وِقعِت فى رِجْلَيَّه, ويقولون على من عافاه الله بعد عِدَّة أمراض, أو إصابات: دَه عامِل زَى القُطَطْ بِسَبَع أرواح {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء:85]

يقولون: تارِك الصلاة ملعون, والْلى يُخرُج من صُلْبُه ملعون.. صحيح إن الرسول r قال: ((العَهدُ الذى بيننا وبينهم الصلاة, فَمَن تركَها فقد كَفَرَ)) [سنن الترمذى والنسائى وابن ماجه, صحيح الجامع:4143] ولكن ما ذنب أولاده؟ أين هذا من قول الله تبارك وتعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر:18]؟ ثم إننا نُهينا أن نلعن أحداً لم يَرِد الدليل الصحيح على لعنه, ولكن نسأل له الهداية.

عندما يموت مريض بمرض شديد, قالوا دَه ربنا ريَّحُه.. حتى لو كان تاركِاً للصلاة, أو سبّاباً للدين.

عندما يشرب الضَّيف, ويترك بعض الشَّراب, يقولون بناتنا هاتْعَنِّس! وإذا انكسر إناء, يقولون خَد الشَّر وُراح.. فى حين أنه لم يأخذ خَيراً ولا شرّاً, ويأمرون برفع مائدة الطعام بعد الأكل بسرعة, لأن الملائكة – على حد قولهم – شايْلِينْها على دماغهم!

تنتشر على ألْسِنَة كثير من الناس عِبارَة: كُتْر السلام يِقِلّ المعرِفَة.. وقد قال رسول الله r: ((إذا لَقِىَ أحدُكُم أخاه, فَلْيُسَلّم عَلَيْهِ, فإن حالَت بينهما شجرة, أو حائِط, أو حَجَر, ثم لَقِيَهُ, فليُسَلّم عَلَيْهِ)) [صحيح الجامع:789] وقال: ((تُطعِم الطعام, وتَقرَأ السلام, على مَن عَرَفَتَ, ومَن لم تَعرِف)) [متفق عليه] وذلك حينما سأله رجل وقال له: أى الإسلام خَير.

ويَجْدُرُ بنا أن ننصح إخواننا, وأخواتنا, ألا يُفَوّتوا على أنفسهم أجر تحية الإسلام, التى سَمّاها الله عز وجل {تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور:61] وليس كما يقول البعض: صباح الخير, ومساء الخير, أو العَوافى, وتُقعُدُوا بالعافْيَة, أو يقولون سلام, بدلاً من السلام عليكم. كما أن البعض عندما  تلقى عليه السلام, يجيبك بقوله: أهلاً, أو نهاره أبيض, أو سلام, أو اتفضل, وهذا كله لا يُجزئ, لأن رد السلام فرض.

يضعون مقشَّة تحت الكرسى الذى يجلس عليه الضيف, حتى يمشى من عندهم بسرعة, وإذا أطال عندهم الجلوس, قالوا: دَه احْنا نِكسَر وَراه قُلَّة, أو زِير, عشان مايْجِيشْ تانى. وهذه الأشياء لا تجعله يغادر بيتهم بسرعة, ولا تمنعه من المجىء إليهم مرة أخرى, ولكن نريد أن نلفِت النظر إلى آداب الزيارة, وعدم الإثقال على أهل المنزل, حتى لا يقعوا فى الحرج، وخصوصاً المرضى, فإن السنَّة فى عِيادَتِهِم التخفيف، لأن طُول الزيارة يَشُقُّ عليهم, ويزيد فى مرضهم، إلا إذا عَلِمْتَ يقيناً أن جلوسك معهم يُدخِل السرور عليهم, وكذلك لا تأكل ولا تشرب عندهم (بالطبع لا أقصد الماء) حتى لا ينقص أجرك، إلا إذا عَلِمْتَ أيضاً أن ذلك يُدخِل السرور عليهم. وإذا دُعِيتَ إلى طعام وليمة – مثلاً – أو غيرها, فلا تذهب قبلها بوقت كبير (إلا للمساعدة) ولا تَمْكُث بعد الطعام وقتاً طويلاً, لأن ذلك يَشُقُّ عليهم ويُرهقهم.

ربما تقولون انتَ عَمّال تِدّينا فى أوامِر.. هُوَّ انتَ مِين عَشان نسمع كلامك؟ وأقول لكم إنى عبد فقير إلى الله, ولا أتكلُّفُ شيئاً من عِندى, ولكن الله تعالى قال فى كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} [الأحزاب:53] {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} معناها غير منتظرين نُضْجَه, وليس ذلك خاصاً ببيوت النبى r ولكنه تشريع للأُمَّة كلها.

وبالمناسبة.. هنا يقال مَثَل خاطئ: وهو الضِّيف المجنون ياكُلْ وِيْقُوم، أرأيتم كيف أنه مخالف للآية الكريمة: {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا}؟ وهناك مَثَل آخر يقول: كُل يا ضِيفْ وبَحْلَقْ عِينِيكْ, أَهِى أَكْلَه واتْحَسَبِتْ عَلِيك, مع أن ذلك مخالف للسنَّة الْمُطَهَّرَة، فقد قال رسول الله r: ((ما مَلأ آدَمِىّ وَعاءً شَرّاً مِن بَطنِهِ, بِحَسْبِ ابن آدم أَكَلات يُقِمْنَ صُلْبَهُ, فإن كان لا مَحالَةَ, فَثُلُثٌ لَطَعامِهِ, وثُلُثٌ لِشَرابِهِ, وثُلُثُ لِنَفَسِهِ)) [صحيح الجامع:5674]

وأُذَكّر إخوانى أن يهتموا بفقراء المسلمين, وأن يُطعموهم لوجه الله تعالى, قال رسول الله r: ((يا أيّها الناسُ أفْشُوا السلام, وأَطْعِمُوا الطعام, وصِلُوا الأرحام, وصَلُّوا بالليلِ والناسُ نِيام, تدخلوا الجنَّةَ بسلام)) [صحيح الجامع:7865] فإننا نُلاحِظ الاهتمام الشديد, وتحضير ما لَذَّ وَطَاب للأغنياء, وربما كان ذلك للتفاخُر، أما الفقراء فلا يُعْطَون إلا القليل الزهيد, وهذه عادة مذمومة, قال رسول الله r: ((شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوليمةِ, يُدْعَى لها الأَغنياءُ, ويُترَكُ الفقراءُ, ومَن تَرَكَ الدَّعْوَةَ, فقد عَصَى الله ورسولَهُ r)) [صحيح البخارى] وقال: ((شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَلِيمَةِ, يُمْنَعُها مَن يَأتِيها, ويُدْعَى إلَيْها مَن يَأباها, ومَن لا يُجِبِ الدَّعْوَة, فقد عَصَىَ الله ورسولَه)) [صحيح مسلم] قال العلماء: المقصود بالوَلِيمَة فى الحديث الشريف أنها وَلِيمَة العُرْس, ((يُمْنَعُها مَن يأتيها)) أى الفقراء, ((ويُدْعَى إليها من يَأباها)) أى الأغنياء.

وأريدُ أن أسألكم: لماذا يُهان الفقير, ويُعطَى المتبقِّى من الطعام, والبالِى من الثياب؟ إننا نجد الكثير يتصدق بأزهد الأشياء، ويعطى الفقير المهلهل من الثياب, وما كاد يَفْسَد من الطعام, ألَيْسَ للفقراء إحساس كَسائِر الناس؟ اسمعوا لقول ربكم جل وعلا فى كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة:267] وقوله: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّون} [آل عمران:92] وقول رسوله r: ((لا تُطْعِمُوا المساكينَ مِمّا لا تأكلون)) [صحيح الجامع:7364] وتطبيق الآية الأخيرة يحتاج لعزيمة قوية, ويقين بأن ما عند الله خير وأبقىَ, لماذا؟ لأنها تَحُثّ على الإنفاق من الغالى علينا فى الْمَطْعَم, والْمَلْبَس, وغير ذلك, وهذا تَضِنُّ به نفوس الكثير من الناس.

قد يعترض البعض ويقول: يَعْنِى هانْجِيبْ لُهُمْ مِنين, يَعْنِى نِأَكّلْهُمْ وبَلاشْ احْنا, وأقول لكم إنى لا أقصدُ هذا، ولكن أقصد أن تشعروا بهم، وأن ترضَوْا لهم ما ترضَوْنه لأنفسكم, لو كنتم مكانهم، وربنا يعيننا ويعينكم على فعل الخيرات. ولا يمنعكم كلامى من التصدق بالأشياء القليلة, أو القديمة، لأن بعض الفقراء لا يجدون قليلاً ولا كثيراً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم, قال رسول الله r: ((ما منكم أحَدٌ إلا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ, لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ تُرْجُمان, فَيَنظُرُ أيْمَنَ مِنْهُ فَلا يَرَى إلا ما قَدَّمَ مِن عَمَلِهِ, ويَنظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلا يَرَى إلا ما قَدَّم, ويَنظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلا يَرَى إلا النار تِلْقاءَ وَجْهِهِ, فاتقوا النارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ, وَلَوْ بَكَلِمَةٍ طَيّبَة)) [صحيح البخارى]

بعض الناس إذا جاءت شَرْقَة فى حُلُوقِهِم, ظنُّوا أن أحداً يغتابهم.. وقالوا يا تَرَى مِين الْلى جايِبْ سِيرْتى, أو الْلى جايِبْ سِيرْتى يِحْتار حِيرْتِى.

فاتَكْ نُصْ عُمْرَك.. تُقال عند فَوات رؤية شىء, ولو كان تافِهاً, أو حراماً, كالأفلام, والحفَلات, والمسرَحِيّات, وعند نُطْق كلمة قبل أن ينطقها الآخر.. يقول له عُمْرَك اطْوَل مِن عُمْرى.

عند نُطْق اثنين بكلمة واحدة, فى آنٍ واحد, يقولون يِبْقَى حَد هايِفْتِن علينا.

يَدْعُون للميّت, فيقولون: ربنا يِبَشْبِشْ الطُّوبَة الْلى تحت راسُه.. وماذا يستفيد الميّت من هذا؟

عندما يأتيهم ضيف, ويجد عندهم طعاماً لذيذاً, قالوا له: حَماتَك بِتحِبّك, وعندما يطلب أحد من غيره أن يَسقِيَه, يقول اسْقُوا مَوْتاكم, وعندما يشرب رجل بعد امرأة, يقول لها: عَشان اجْرى وَراكِى, وإذا شَرِبَت بعده, قالت له: عَشان اجْرى وَراك, وهذا الضَّحِك بين الرجال والنساء غير المحارم – وما شابَهَهُ – لا يجوز.. فضلاً عمّا فيه من كذب.

يقولون الهَدِيَّة لا تُهْدَى ولو بعد حِين, وقد ورد عن الرسول r أنه كان يُهادِى بالهَدِيَّة.

يقولون على من أُوتِىَ شيئاً مِن مَتاع الدنيا: دَه حَظُّه حِلْو, ومن أُصِيبَ بمكْرُوه: دَه حَظُّه وِحِش، وهذه ليست مَقاييس السعادة أو الشقاء، ولكن المِقياس هو التقوى, والعمل الصالح, فضلاً عن أن كل شىء يَتِمُّ بقَدِرِ الله عز وجل.

قولهم على الميت: المرحوم فُلان, والمغفور له فلان. والأفضل أن نقول: فلان رَحِمَهُ الله, أو غفر الله له.

عندما يَرَوْنَ مَولوداً, يقولون شُفْنا وِشْ جديد ارْزُقنا برِزْق جديد, ويقولون دَه وِحِشْ.. ليَدفعوا عنه الحسد, وعندما يتبّول على أحدهم, يقولون دَه هايِتْكِسِى (يعنى ستأتيه كُسْوَة جديدة) ويتفاءلون بتبرّز العصفورة على ثيابهم.

إذا ضَحِكَ الطفل وهو نائم, قالوا الملايْكَة بِتضَحَّكُه, وإذا وَقَعَ على الأرض, قالوا له وِقِعْت على اخْتَك الْلى احْسَن مِنَّكْ, وإذا قام لِيَقِف, قالوا هُوبّالِيصا.. وأنا لا أعلم معناها، ولكن لِمَ لا نقول له {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}؟

يقولون: الأَكْلَة دِى مابِتْحِبّنِيشْ.. حَياءً من أن يقولوا انا مابَحِبّهاشْ، ونقول لهم: لا حَرَجَ أن تقولوها، بَلْ هى أوْلى من الكَذِب، فإن الطعام لا يَعْقِل, ولكن الأفضل هو اتِّباع السنَّة، فقد كان رسول الله r إذا اشتهى الطعام أَكَلَهُ, وإلا تَرَكَهُ، أى أنه إذا أعْجَبَهُ أَكَلَه, وإن لم يُعْجِبه تَرَكَه, دون أن يذُمَّه.

يلومون على من يتحرى النظافة التامة فيما يأكل أو يشرب, ويقولون له: النفس الحلوة لها الجنة, ففى بعض البلاد (مثل الصين) يأكلون الحشرات, فهل لهم الجنة؟!

تقبيل الأصابع, ومسح العين بها عند سماع الأذان, وقَوْلِهِم: الله أَعْظَم والعِزَّة لله – وهذا حق – ولكن السنَّة هى ترديد قَوْل المؤذِّن, ثم الصلاة على النبى r والدعاء له بما وَرَدَ عنه, ثم سؤال الله العافية, وما ترجوه من خَيْرَى الدنيا والآخرة.

يقولون: رَشْ المَيَّه عداوة.. مع أنه يكون أحياناً من السنَّة, قال رسول الله r: ((رَحِمَ الله رَجُلاً قامَ مِن الليلِ فَصَلَّى, وأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ, فإن أبَتْ نَضَحَ فى وَجْهِها الماءَ, ورَحِمَ الله امْرَأَةً قامَتْ مِن الليلِ فَصَلَّتْ, وأَيْقَظَتْ زَوْجَها فَصَلَّى, فإن أبَى نَضَحَتْ فى وَجْهِهِ الماءَ)) [مسند أحمد, صحيح الجامع:3494] ولكن ينبغى على المرأة أن تكون عالِمَة بزوجها, هل سَيَقبَل هذا الفعل, أمْ لا, وكذلك الزوج, حتى لا يُوقِع أحدهما الآخر فى أقوال, أو أفعال, لا ترضى الله سبحانه وتعالى.

يقولون لِمَن انتهى من صلاتِهِ حَرَماً, أو تَقبَّل الله, وللمُتَوَضِّئ: مِن زَمزَم – ولا أقول إن هذا حرام – ولكن الأوْلى هو اتِّباع هَدْى النبى r ولَمْ يكن ذلك من فعله, ولا من عادته. وكذلك فإن مصافحة الجالس على اليمين والشمال بعد الصلاة, لم تَرِد عن الرسول r ولا عن الصحابة y ولا التابعين, ولكن ينبغى ألا نُحْرِجَ أحداً, فَلَوْ سَلَّمَ علينا بعد الصلاة.. نُسَلِّم عليه, ولا نُحْرِجُه.

يُقال للمُغْتَسِل: نَعِيماً, وللخارِج من الخلاء: شُفِيتًم, وللمُتَجَشِّئ (الذى يتكرَّع): صِِحَّة وعافْيَة.. مع أن الرسول r قال للمُتَجَشِّئ: ((أَقْصِرْ مِن جِشائِكَ, فإن أكثرَ الناسِ شِبَعاً فى الدنيا, أكثرهُم جُوعاً فى الآخرة)) [مستدرك الحاكم, صحيح الجامع:1179] وذلك لأن هذا الصوت لا يخرج من الفَم إلا عند امتلاء المعِدَة, وهو مخالف للسنَّة كما نعلم.

من قال الحمد لله, يقولون له: تِسْتاهِل الحَمْد, مع أن الحَمْد لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى, فى حين أنهم يقولون (الشكرُ لله)  لمن قال لهم شكراً, مع أن الشكر يكون لله, وللناس أيضاً, قال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْك} [لقمان:14]

البعض يقول عند العُطاس: أشهد.. يعنى أشهد أن لا إله إلا الله, نعم.. سبحانه وتعالى لا إله غيره, ولا رب سواه، ولكن السنَّة ليست هكذا, قال رسول الله r: ((إذا عَطَسَ أحَدُكُم فَلْيَقُلْ: الحمدُ لله, وَلْيَقُلْ لَهُ أخُوهُ أو صاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ الله, فإذا قال لَهُ: يَرْحَمُكَ الله, فَلْيَقُلْ: يَهديكُمُ الله ويُصْلِحُ بالَكُمْ)) [صحيح البخارى] وقال: ((إذا عَطَسَ أحَدٌكُم فَلْيَقُلْ: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين, وَلْيَقُلْ لَهُ من يَرُدُّ عَلَيْهِ: يَرْحَمُكَ الله, وَلْيَقُلْ هو: يَغفرُ الله لنا ولَكُمْ)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:686] وقال: ((إذا عَطَسَ أحدُكُم فَلْيُشَمِّتُهُ جَلِيسُهُ, فإن زادَ على ثلاثٍ, فَهُوَ مَزكوم, ولا يُشَمَّت بعد ثلاث)) [صحيح الجامع:684] ((لا يُشَمَّت بعد ثلاث)) أى لا يُقال له (يرحمك الله) بعد ثلاث مرات, لأنه فى هذه الحالة يكون مزكوماً, وربما زاد فى عطاسه على عشر مرات.

بعض الناس حين يَدْعو الله لنفسه, أو لغيره, يقول: {إِن شَاء اللّهُ} فيقول مثلاً: ربنا يهدينى إن شاء الله, ربنا يصلح حالنا إن شاء الله, ربنا يبارك فيك إن شاء الله, ربنا ينجَّح أولادك إن شاء الله… إلخ. وقد نهى رسول الله r عن قول (إن شئتَ) فى الدعاء.. فقال: ((لا يَقُولَنَّ أحدُكُم: اللهم اغفر لى إن شِئتَ, اللهم ارحمنى إن شِئتَ, لِيَعْزِمْ المسألة, فإنهُ لا مُكْرِهَ لَهُ)) [صحيح البخارى] أى أن الله سبحانه وتعالى لا يُكْرِهُهُ أحد على فعل شىء, أو عدم فِعله.

والذين يدعون ربهم, ثم لا يجدون ما تمنَّوْه، نبشرّهم بحديث رسول الله r الذى قال فيه: ((ما من رجل يدعو بدعاء إلا استُجيبَ له, فإمّا أن يُعَجَّل له فى الدنيا, وإمّا أن يُدَّخر له فى الآخرة, ما لم يَدْعُ بإثم, أو قطيعة رحم, أو يستعجل, يقول: دَعَوْتُ ربى, فما استجاب لى)) [صحيح الجامع:5177] وقوله: ((لا يُغنى حَذَر من قَدَر, والدعاء ينفع مما نزل, ومما لم ينزل, وإن البلاء لَيَنزل, فيتلقّاه الدعاء, فيَعتَلِجان إلى يوم القيامة)) [صحيح الجامع:7739] أى أن الدعاء إن لم يُحَقَّق, فإنه يمنع نزول البلاء. فينبغى للمسلم أن يكون راضياً بقضاء الله وقَدَره، وأن يُحسِن الظن بربه، وأن يعلم أن الله سبحانه وتعالى لا يُقدِّر إلا الخير, وإن خفيت علينا حكمته, وكَمْ من أمنيات تمنيناها, وتبيَّن لنا أنها لم تكن فى صالحنا, وكَمْ من أمور حدثت, وكانت صعبة على نفوسنا, ثم تبيَّن منها أنها الأفضل لنا, فسبحان الذى قال: {وعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة:216] وقال: {فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً}  [النساء:19]

إذا سافر عزيز عليهم رجعوا به خطوة داخل المنزل, ليضمنوا عودته, وقالوا له: لا إله إلا الله، ويَرُد هو بقوله: محمد رسول الله، أو العكس، ويقولون هذا فى آخر لقاءاتهم, ومحادثاتهم التليفونية, أى إنهم سيعودون للّقاء مرة أخرى, مثل التقاء لا إله إلا الله محمد رسول الله. سبحان الله! إن هذا لم يَرِد عن رسول الله r فَمِن أين جاءوا به؟ ولكن السنَّة أن يُقال فى ختام المجلس ما ورد عن رسول الله r: ((من جلسَ فى مجلسٍ, فكَثُرَ فيه لَغَطُه, فقال قبل أن يقوم من مَجلِسه ذلك: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك, أشهد أن لا إله إلا أنتَ, أستغفركَ وأتوب إليك, إلا غفر له ما كان فى مجلسه ذلك)) [صحيح الجامع:6192] وكان الصحابة y إذا افترقوا, يقرأ أحدهم على أخيه سورة العصر, ويقول المسافر لأهله: أستودعكم الله الذى لا تضيع ودائعه, ويقولون له: أستودع الله دينك, وأمانتك, وخواتيم عملك، كما ورد أن الرسول r كان إذا ودَّع رجلاً, أخذ بيده, فلا يَدَعها, حتى يكون الرجل هو الذي يَدَع يده.. ويقول: ((أستَودِعُ الله دينكَ, وأمانتكَ, وخواتيم عملك)) [صحيح الجامع:4795]

يقول البعض عند تشييع الجنازة لا إله إلا الله.. بصوت مرتفع، أو الله يا دايم هو الدايم ولا دايم غير الله. أهى مظاهرة؟ إن السنَّة فى ذلك الصمت التام,  للتفَكُّر والموعظة، لأننا فى يوم من الأيام سَنُحمَل على الأعناق, مثل هذا الميت.

كلمة الفاتحة للنبى, أو الفاتحة للنبى وأهل بيته, والفاتحة على روح فلان, أو بعد قراءة القرآن الكريم, أو عند الصلح بين المتخاصمين, وعند إبرام العقود والاتفاقات.. لم يَرِد بها أى دليل.

يقول المتحدّث عن نفسه: أنا.. وأعوذ بالله من كلمة أنا، ونقول له لا حَرَج من قول أنا.. طالما أنك لا تقولها بفخر, أو غرور.

بعض الناس يقول على كل شأن من شئونه {إِن شَاء اللّهُ} فإذا قلتَ له اسمك إيه, يقول فلان إن شاء الله, وإذا سألتَهُ: هل عملتَ كذا, يقول: عملتُه إن شاء الله. والصحيح أنها لا تقال إلا على المستقبل {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً {23} إِلا أَن يَشَاءَ اللَّه} [الكهف:23-24]

عدم الإفطار فى رمضان (أو غيره) إلا بعد أن يتشهَّد المؤذّن, ويقولون: اسْتنَّى لما يتشاهد. والصحيح هو الإفطار حين دخول الوقت, سواء أذَّن المؤذِّن, أمْ لم يُؤذِّن.

عندما يأكلون يخلعون أحذيتهم, ويضعون منديل على يَد العريس, ووَكيل العَرُوس, عند العقد, وإذا انكسر شىء, قالوا فِداك, وإذا شَفَى اللّهُ مريضاً مرضاً شديداً, قالوا ربنا نفخ فى صورته, وإذا دَعَوْا ربهم, قالوا: بِحَق الشهر الْمُفْتَرَج, وبِحَق اليوم المفترج, وبِحَق المغارِب الغارْبَة والذنوب الهارْبَة, ويقولون عن الجمعة الأخيرة فى شهر رمضان: الجمعة اليتيمة, ويقولون على العروسة: اللى تِقْرُصْها فى رُكبِتها تِحَصّلها فى جُمْعِتها, وعلى الذى يُقبّل الميّت بين عينيه ينسى.. أى أنه يصبح كثير النسيان, وعلى الذى يترك سجّادة الصلاة مفروشة بعد أن يصلى: لازِم تلِمَّها عَشان الشياطين ماتِلْعَبْشْ عليها, ويقولون أقوالاً كثيرة لا دليل عليها, مثل:

الباب المقفول يِرُدْ القَضا المستعجل, الأطفال عصافير الجنة, العيال أحبابُ الله, العنكبوت يجيب الفقر , كُل قَصِير مَكِير, كل طويل هَبيل, كُل ذِى عاهَةٍ جبّار, الممرضات ملائكة الرحمة, الكلام على الأكل قِلّة أدب, لا سلام على الطعام, اللى يضحك كِتير يِنَكّد كِتير, عُمْر الشَّقِى بَقِى, اللى يِبُص فى المِرايَة كِتِير يِتْجنّن, عينى بِتْرِف يِبْقَى هاتِحصَل حاجة, إيدى بتاكُلنى يبقى هاتجيلى فلوس, نوم الظالم عبادة, المغرب غريبة, يا لِيلة الجمعة يا سِت الليالى, الْلِى يِجَوّز اربع بنات يِبْقَى حَج اربع حِجّات, كل تأخيرَه وفيها خِيرَه (ليس كل التأخير فيه خير) الجوع كافر, وهل الجوع يؤمن أو يكفر؟

أقوال من الأفضل تغييرها

إذا رأيتَ ما يعجبك من خَلق الله جل وعلا, فقل سبحان الله, وقل رأيت مناظر من خلق الله، ولا تقل مناظر طبيعية (ولا أقول إنها حرام) لأن كلمة (طبيعية) من وضع الملحدين, الذين لا يؤمنون برب العالمين, ويُرْجعون كل شىء للطبيعة, ألا تراهم يقولون عن البراكين, والزلازل, والأعاصير, إنها غضب الطبيعة – وللأسف نحن نقلدهم – ويقولون عدالة السماء أو حرب السماء, وهل السماء تفعل شيئاً؟

كثير من الناس يقولون عن بعض الأمراض إنها تِيجِى لِوَحدها, وِترُوح لِوَحدها.. ونحن نعلم أن كل شىء بأمر الله، فالأفضل أن نقول تِيجِى بأمر الله, وتروح بأمر الله {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء:80]

من الأفضل إذا حدث لك أمر, بدون ترتيب منك, ألا تقول إنه حدث صدفة، ولكن قل حدث بقَدَر الله، لأن كل شىء بقَدَر, وفى كتاب مبين, قبل خلق السموات والأرض، قال رسول الله r: ((إن أول ما خلق الله القلم, فقال له: اكتب, قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القَدَر, ما كان, وما هو كائن إلى الأبد)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:2017] وإذا حدث ما لا يَسُرّك, فلا تقل يا رِيت الْلى جَرَى ما كان، وارْضَ بما قسم الله لك.. قال رسول الله r: ((المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف, وفى كُلٍّ خير, احرص على ما ينفعك, واستعن بالله ولا تعجَز, وإن أصابك شىء, فلا تقل لو أنى فعلت كان كذا وكذا, ولكن قل قدر الله وما شاء فعل, فإن لو تفتح عمل الشيطان)) [صحيح مسلم]

إن ((المؤمن القوى)) ليس كما يفهمه البعض, أنه الذى تهابه الناس, وتعمل له ألف حساب خوفاً منه (مِشْ كُل الطِّير الْلى يِتّاكِل لَحمُه, دَه انا لحمى مُر, دَه انا ماحَدّش يِقدَر يدُوس لى على طَرْف, دَه ما اتْخَلَقْشْ الْلى يِبُصْ لى بِطَرْف عِينُه) ولكنه القوى فى إيمانه, فى نُصرة الحق, فى مجاهدة أعداء الله… إلخ, قال رسول الله r: ((ليس الشديد بالصُّرَعَة, إنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب)) [متفق عليه]

وقد وصف لنا رسول الله r أشياء لدفع الغضب، منها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم, والوضوء, وإذا كان الإنسان واقفاً أن يجلس, وإذا كان جالساً أن يضطجع (يرقد) قال رسول الله r: ((ما من شىء يوضع فى الميزان أثقل من حسن الخلُق, وإن صاحب حسن الخلُق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:5726] وقال: ((من كتم غيظاً, وهو قادر على أن يُنْفِذَه, دعاهُ الله على رءوس الخلائق, حتى يُخَيِّرَهُ من الحور العين, يزوّجه منها ما شاء)) [صحيح الجامع:6518] ((قادر على أن ينفذه)) أى قادر على الانتقام. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق, لا يهدى لأحسنها إلا أنت, واصرف عنا سيّئها, لا يصرف عنا سيّئها إلا أنت.

يقولون: ربنا واقِف جنبى, وربنا يُقَف معاك. والأفضل أن يقولوا: ربنا معايا, وربنا يعينك.

يقولون: أستغفرُ الله العظيم من كل ذنب عظيم. وهل الاستغفار لا يكون إلا من الذنوب العظيمة؟ لقد كان رسول الله r يستغفر فى اليوم الواحد أكثر من مائة مرة.

بعض المدرّسين, أو الآباء, يقولون إذا عمل أحداً عملاً يضايقهم: الْلى عَندُه شجاعة أدبيّة, يقول انا الْلى عملت كذا. ما هذه الشجاعة الأدبية يا إخوتى؟ ألَيس من الأفضل أن تقولوا: الْلى خايف من ربنا يقول انا اللى عملت كذا؟

يقولون لازِم الواحد يِراعى ضَمِيرُه, أو لازِم الواحد يِخَلّى عَندُه دم. والأفضل أن يقولوا لازِم الواحد يخاف من ربنا, أو يتقى الله.

أحيانا يَرُدّ عليكَ من تقول له (جزاك الله خيراً) بقوله: على إِيه يَعنى. يا أخى قل آمين, فإن يوم القيامة يوم عظيم, يتمنى الإنسان فيه ولو حسنة واحدة.

كثير من الناس يقولون: ماحَدّشْ واخِدْ من الدنيا حاجة. والأفضل أن يقولوا: ماحَدّشْ واخِدْ من الدنيا إلا عمله.

عند القيام بأعمال ثقيلة على نفوسهم, يقولون استعنا على الشَّقا بالله. وربما تكون أعمال بِرّ وخَير، والسنَّة فى مثل هذه الأحوال أن يُقال: لا حول ولا قوة إلا بالله.

عند رفع شىء ثقيل, يقولون هِيلا هُوبْ, وعند إصابة هدف (عند لعب الكرة وغيرها) يقولون أُوبّا! والأَوْلى أن يُقال فى الأولى: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم} وفى الثانية: {الْحَمْدُ للّهِ}

نجد بعض مُدَرّبى الرياضة (لبدء الجَرْى مثلاً) وبعض الأطباء (عند نزع الخراطيم بعد العمليات, أو عمل أشعِّة) إذا أرادوا أن يعطوا أوامر, لِتُنَفَّذ بعد وقت قصير, يقولون: هانْعِِدْ ثلاثة, وبعدها نِبدأ.. ها.. واحد.. اثنين.. ثلاثة! وهذا ليس حراماً، ولكن ألَيس الأفضل من ذلك أن يقولوا: هانقول: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم} وبعدها نبدأ؟ وهناك بعض الأوامر الرياضية تقول: على الشمال معتاداً مَرْش. فلماذا لا نبدأ بالقدم اليمنى؟ فقد كان رسول الله r يبدأ بيمينه فى أكْلِه, وشُرْبِه, ولِبْسِه, وتَرَجُّلِه… إلخ.

لا تظنوا أن هذا من التشدُّد, ولكنى أحبُ لكم الخير والثواب من الله سبحانه وتعالى، فقد كان رسول الله r يذكر الله على كل حال.

النُّكَت

النُّكَت يتهاون بها الناس, ويرددونها كثيراً, وهى – فى معظمها – حرام, لأنها كذب, وفى كثير من الأحيان تكون غِيبَة للمسلمين, مثل الصعايدة, أو أصحاب مِهَن مُعيّنة. وإذا قلتَ لأحدهم حرام، يقول لك يا عَم الشيخ احْنا بِنهَرَّج، ساعة لقلبَك وساعة لربك. ونقول لهم إن الرسول r قال: ((ويلٌ للذى يُحَدّث فيكذب, ليضحك به القوم, ويل له, ويل له)) [سنن أبى داود, مسند أحمد, صحيح الجامع:7136] ونقول لهم: ألا تحبون أن تكونوا من المؤمنين, الذين وصفهم الله عز وجل فى كتابه الكريم بقوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ {1} الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ {2} وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون:1-3]؟ ثم من أين جئتم بساعة لقلبك وساعة لربك, وقد قال الله سبحانه وتعالى فى كتابه العزيز: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162-163]؟ يقولون لك: النبى هو الْلى قالها، ويقصدون قول الرسول r لسيدنا حنظلة t حين اشتكى له أنه يكون بحضرته فى حالة إيمانية عالية, ثم عند ذهابه لزوجته وأولاده, يلاعبهم, وينشغل بهم: ((والذى نفسى بيده, إنْ لو تدومون على ما تكونون عندى, وفى ذكر الله, لصافحتكم الملائكة على فُرُشُكم, وفى طُرُقِكُم, ولكن يا حنظلة ساعة وساعة)) [صحيح مسلم] وقد فسرها العلماء بملاطفة الزوجة والأولاد, وغير ذلك من المباحات, بغير إسراف, وليس بالحرام, كالنُّكَت, والشطرنج, والطاولة, وسماع الأغانى الماجنة, ورؤية الأفلام الخليعة, والمسرحيات التافهة, والمسلسلات الهابطة… إلخ, قال رسول الله r: ((من لَعِبَ بالنَّرْدِ, فقد عصى الله ورسوله)) [موَطَّأ مالك, سنن أبى داود, صحيح الجامع:6529] والنَّرْد هو ما يُسمَّى الزَّهْر. أمّا الشطرنج, فقد قال عنه على بن أبى طالب t: هو من الميسر, وقال عنه عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: إنه شَرّ مِن النَّرْد, ونَصَّ على تحريمه مالك, وأبو حنيفة, وأحمد, وكرهه الشافعى, رحمهم الله أجمعين (مختصر تفسير ابن كثير, دار القرآن ببيروت, الجزء الأول ص544)

ونبشر الذين يتركون المزاح كذباً, بقول رسول الله r: ((أنا زعيم بيت فى رَبَضِ الجنة, لمن ترك المِراء, وإن كان مُحِقّاً, وبيت فى وَسَطِ الجنة, لمن ترك الكذب, وإن كان مازِحاً, وبيت فى أعلى الجنة, لمن حَسُنَ خُلُقه)) [صحيح الجامع:1464] ((المِراء)) هو الخصام والجدال, وهو شائع بين الناس, وعلى أتفه الأسباب, ويورث بينهم العداوة والبغضاء. اللهم ألِّف بين قلوبنا, وأصلِح ذات بيننا.

خَسْف القمر

فى بعض القرى إذا خَسَفَ القمر, يقولون إنه مخنوق, ويصعدون إلى أسطُح المنازل, ويطبّلون, ويقولون أشياءً لا أذكرها, حتى ينتهى خَسْفه. والصحيح فى ذلك الأمر هو ما ورد عن رسول الله r: ((إن الشمس والقمر لا ينكَسِفان لموْت أحد, ولا لحياتِه, ولكنهما آيتان من آيات الله, يخوّف الله بهما عباده, فإذا رأيتم ذلك, فصَلُّوا, وادعوا, حتى ينكَشِفُ ما بِكُم)) [صحيح الجامع:1644]

توزيع ورقة

يوزّعون ورقة, مضمونها إن فلاناً رأى الرسول r وقال له: قل للمسلمين كذا وكذا، ويطلب من الناس أن يكتبوها عدَّة مرات, ويوزّعوها, حتى يأتيهم الخير الكثير، وإلا- فسيحدث لهم من الشرور والمصائب ما لا تُحمَد عُقباه. وكل هذا كَذِب على رسول الله r واستهزاء بالمسلمين. ونلاحظ أن هذه الأوراق لا تظهر غالباً إلا أيام الامتحانات, لصَرْف الطَّلبَة عن الاستذكار. فمن وصلته هذه الورقة, فَلْيحرقها, ولا يُلْقِ لها بالاً.

السفر لبلاد الكفار

لا ينبغى السفر لبلاد الكفرة بغير ضرورة (للنُزهَة مثلاً) لأن هذا يعرّض المسلم للفتنة فى دينه, فضلاً عن أنه يُنَمّى ولاءه لهم, دون المسلمين. كذلك فإنه يَألَف رؤية الحرام, فعندما يذهب, ويرى المنكرات لأول مرة, ينكرها بقلبه, ثم بمرور الوقت, يعتاد رؤيتها, وربما ضَحِكَ إذا رأى من يشمئِز منها, ويقول له: أنا أول ما جِيتْ كنت زيَّك كِدَه, لكن دِلْوَقتِ اتْعوّدت خلاص, وقد قال رسول الله r: ((بَرِئَت الذّمَّة ممن أقام مع المشركين فى ديارهم)) [المعجم الكبير للطبرانى, صحيح الجامع:2718] وهذا فيمَن يقيم معهم بغير عذر, أمّا إذا كان سيسافر – مثلاً – للدعوة فى سبيل الله, أو لعلاج مرض خطير, يستعصى علاجه على المسلمين, أو لنيل شهادة علمية, يحتاجها المسلمون, ويَعلَم من نفسه أنه متمسّك بدينه وتديّنه, ولن يتأثر بانحلالهم (إن شاء الله) فلا بأس.

وفى الخاتمة: فإننا نهيب بالمسلمين أن يتعلموا دينهم, حتى لا يقعوا فيما يُغضِب الله سبحانه وتعالى وهم لا يشعرون، وألا يجعلوا الدنيا أكبر همهم, وألا يصبح الدين معلومات يأخذونها من هنا وهناك, ممن يعلم وممن لا يعلم، وأن يستغفروا الله ويتوبوا إليه مما فات, ويطلبوا مرضاته فيما هو آت {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53]

وإتماماً للفائدة إن شاء الله تعالى.. إليكم بعض أسماء الكتب القيّمَة:

مختصر تفسير ابن كثير, رياض الصالحين بشرح ابن العثيمين, فتح المجيد شرح كتاب التوحيد, البيان فى كيفية قراءة القرآن, فقه السنة, زاد المعاد, الوابل الصيِّب من الكَلِم الطيب, الرحيق المختوم, اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان, إغاثة اللهفان, الزهد, التوهُّم, ففروا إلى الله, الجواب الكافى, تلبيس إبليس.. وغير ذلك كثير، والله الموفق لما يحبه ويرضاه, لا إله غيره, ولا رب سواه.

اللهم تب علينا وعلى جميع العُصاة والمذنبين, اللهم فقّهنا فى ديننا, وبصِّرنا بعيوبنا, وأصلحها لنا يا رب العالمين, وصَلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه, وجميع الأنبياء والمرسلين, ومن تَبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين, واجعلنا منهم بفضلك, وكرمك, وجودك, يا أكرم الأكرمين.. اللهم آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

*   *   *

20 تعليقات to “تصحيح أخطاء المسلمين قبل أن يأتى يوم الدين”

  1. almorabet Says:

    جزاك الله خيرا
    وانا معك في معظم ماقلت الا في بعضها التي تصدر عن المسلم
    بعفوية دون قصد منه ان يشرك بالله
    فقد روي عن حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم
    انما الاعمال بالنيات الي اخر الحديث
    فنسال الله الهداية للجميع

    • islamdefence Says:

      وأنت يا أخى جزاك الله خيراً
      صحيح أن بعض المسلمين يتصرفون ويتكلمون بعفوية كما قلت سيادتك
      ولكن لابد من تنبيههم على ما يقعون فيه من أخطاء حتى يتجنبوها لئلا توقعهم فى معصية الله جل وعلا وهم لا يعلمون
      ونحن مُطالَبون بتعلم ديننا حتى نعبد الله على بصيرة
      وقد قال الله عز وجل: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}

  2. غير معروف Says:

    نشكركم علي هذه المعلمومات المفيدة ويارب كل شى تفيد كثير من الناس

  3. شوقي بلاغ Says:

    موضوع ممتاز ارجو ارسال الموضوع لبريدي

  4. زيدون البطوش Says:

    جزاك الله خيرا ، رائع جدا

    • islamdefence Says:

      وأنت يا أخى جزاك الله خيراً
      وأسأل الله أن يعلمنا وإياك والمسلمين ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علّمنا ويزيدنا علماً

  5. حازم مليجي Says:

    جزاك الله خيرا ونفعنا وإياك بما طالعتنا عليه والله الموفق.

    • islamdefence Says:

      وأنت يا أخى جزاك الله خيراً
      وبارك فى عمرك وعملك وأهلك ومالك

  6. خلده . .الكويت Says:

    وهناك الكثير

  7. ميمو Says:

    موضوع جنان ارجو ارساله الى بريدي الاكتروني

  8. احمدهنداوي Says:

    جزاك الله خير الجزاء واسأل الله ان يزيدك نورا وايمانا واحتسابا ويزيدنا من علمك انت وجميع العماء موضوع جميل جدا جدا جدا جدا جدا
    نسأل الله ان يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون احسنن
    انن ولي ذلك وعلى كل شيئ قدير
    وصلى الله على سيدنامحمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

  9. saad Says:

    jazaaaka laho khayran :p

  10. غير معروف Says:

    حلــــووو
    جــزاكـــ الـلهـــ ـالـــــجنــه …

  11. farhan Says:

    اللهم اجزهم عنا خيرا (الكاتب والناشر) واجعل ما افادونا به في صحائف اعمالهم يوم يلقونك.وانت يارب ولي ذلك والقادر عليه

  12. غير معروف Says:

    جزاكم الله خيرا

  13. محمد على\ Says:

    جزاك الله خيرا

  14. wael zaki Says:

    اللهم اصلح ذات بيننا وارحما يا ارحم الرحمينى

  15. ياسمين سيد Says:

    جزاك الله خير يا شيخ، بفضل الله ثم بفضلك عرفت أخطائي واخطاء أهلي في معظم الكلام ، وأرجو من الله أن يساعدني على أن أصحح هذه الأخطاء ،وأرجو من الله أن يعينني على أن أساعد أهلي على تصحيح أخطأهم، والحمد لله حمد كثيراًً ، جزاك الله كل خير يا شيخ وبنى لك الله بيت في جنة الفردوس بجوار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

  16. عمر حمدى Says:

    ربنا يوسع دين الاسلام كمان وكمان

  17. غير معروف Says:

    جزاك الله خيرا بوركت اخى الحبيب

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 27 other followers

%d bloggers like this: