شبهات زائفة حول سُوَر القرآن


س284- لماذا تكرر لفظ {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} فى الفاتحة؟

ج284- الأولى ذُكِرَت فى البسملة, وهى استفتاحية لجميع السور, ماعدا سورة (التوبة) والثانية ذكرت بعد {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وكلمة (رب) تدل على الملكية, كما تقول: (رب البيت) أى صاحب البيت, وتدل على التربية, كما تقول: ربانى أبى, فربما يُفهم من {رَبِّ الْعَالَمِينَ} أن هذا المربى قاسٍ مثل بعض المربين – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – فجاءت الآية التى تليها صِفَةً بمعنى أن هذا المربى (رحمن رحيم), والله أعلم.

س285- أنتم أيها المسلمون حيارى, وإلا- فلِمَ تطلبون الهداية فى صلاتكم وتقولون: {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [الفاتحة:6]؟ وإذا كان الله هو القائل, فكيف يطلب الهداية؟ ومِمَّن يطلبها؟

ج285- الهداية نوعان: هداية دَلالَة, أى تبيين الحق, وهى لكل الناس, كما دلت على ذلك الآية الكريمة: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت:17], وهداية مَعُونة, وهذه لا تكون إلا للمؤمنين الذين قبِلوا هداية الدلالة, وذلك مثل ما ورد عن أصحاب الكهف {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف:13] ولنذكر مثلاً ضربه الشيخ الشعراوى رحمه الله – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – إذا كنت مسافراً ومررت بمنطقة يقف عندها رجل مرور يحذِّر الناس من السير فى طريق معين, ويدلهم على الطريق السليم, فدلالته هذه تُسمَّى (هداية دلالة) لأنه أرشدك, وبيَّن لك الطريق السليم من الطريق الخطر, فإذا امتثلت لأمره, وسمعت كلامه, ومشيت فى الطريق السليم, أعانك, وأرسل معك من يساعدك على السير فى هذا الطريق, وربما ذهب معك بنفسه ليذلل لك بعض العقبات التى تجدها فى هذا الطريق, فهذه تُسمى (هداية معونة) أما إذا ضربت بكلامه عرض الحائط, وسرت فى الطريق الذى حذرك منه, فإنه يتركك وشأنك. فنحن نطلب هداية المعونة لأننا – والحمد لله رب العالمين – قد قبلنا هداية الدلالة, ولكننا محتاجون دوامها, والمعونة عليها, فإن القلوب بيدى الله عز وجل يقلِّبها كيف يشاء, وقد علَّمنا الله سبحانه وتعالى أن نقول: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران:8] وقد كان أكثر دعاء الرسول r: ((يا مقلب القلوب ثبِّت قلبى على دينك)) فقيل له فى ذلك, فقال: ((إنه ليس آدمىٌّ إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله, فمن شاء أقام, ومن شاء أزاغ)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:4801] أمّا كيف يقول الله: {اهدِنَــــا} فإن الله جل وعلا يعلمنا كيف ندعوه بالطريقة التى ترضيه, فلم يتركنا لنحتار ولا ندرى كيف ندعوه, وربما دعوناه بما لا يليق به سبحانه وتعالى, أو اختلفنا فيما بيننا فتختلف عبادتنا, ويظن كل واحد منا أن دعاءه أفضل من دعاء الآخرين. وهذا الدعاء الجماعى {اهدِنَــــا} يشعرنا بما فيه من حب الخير والهداية والفوز لجميع المسلمين, كما أنه أصلح لصلاة الجماعة, حيث لا ينفع فيها أن يقول الإمام (اهدنى) إذ كيف يخص نفسه بالدعاء دون غيره؟, والله أعلم.

س286- ألا كان يكفى أن تقولوا: {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [الفاتحة:6] بغير إضافة {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} لأن الاستقامة دلالة قاطعة؟

ج286- لم يبقَ غيرنا من أتباع الرسل – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - إلا اليهود والنصارى, وهم يظنون أنهم على صراط مستقيم, فلو لم نقل {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} ربما ظن ظان – سواء منهم أو من غيرهم – أنه صراطهم لأنهم أوتوا الكتاب قبلنا, فنحن نطلب من الله عز وجل أن يهدينا {الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} الذى يرضاه, وهو الإسلام, ونُظهِر البراءة من صراطهم الضال المضل. وفى شهادة التوحيد هل نقول (الله هو الإله) أم نقول {لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}؟ فلو قلنا (الله هو الإله) ربما يظن ظان أن هذا لا ينفى وجود آلهة أخرى.. أليس كذلك؟ فنحن كما نؤمن بألوهيته وحده, ونكفر بألوهية من سواه, ندين بالإسلام وحده, ونرفض أى دين سواه, والله الموفق لما يحبه ويرضاه, والله أعلم.

س287- لماذا قال القرآن فى الفاتحة: {الضَّالِّينَ} ولم يقل (الْمُضلِّين) فى حين أنها أبلغ؟

ج287- كما أن هناك صالحاً ومُصلحاً, وفاسداً ومُفسداً, فهناك ضال ومُضل, فالصالح هو الذى يكتفى بصلاح نفسه, وليس له شأن بالآخرين, أما المصلح فهو صالح فى نفسه, ويدل الآخرين على سبل الصلاح, فله أجره وأجر مثل أجور من اتبعوه, فهذا أعلى درجة من الأول. وهناك فاسد فى نفسه, فهذا عليه وزره, أما المفسد فهو الذى يدل الناس على سبل الفساد, فيكون عليه وزره, ومثل أوزار الذين اتبعوه, فهو أشد خطراً وأقل قدراً من الأول, فكذلك المضل أشد خطراً وأقل قدراً من الضال. فنحن لا نريد حتى مجرد أن نكون ضالين فى أنفسنا, فضلاً عن أن نكون مضلين لغيرنا, والله أعلم.

س288- يقول القرآن: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} [البقرة:17] لقد جعل الضمير الجمع يعود على المفرد, وهذا خطأ بَيِّن, لأن المفروض أن يقول (ذهب الله بنوره وتركه) طالما أنه تكلم عن فرد واحد.

ج288- إن السائل ليس له تذوق للغة العربية, فإن هذا مثل ضربه الله للمنافقين بجماعة كانوا فى مكان مظلم, فأضاء أحدهم ناراً, حتى استناروا جميعاً بنورها, ثم انطفأت هذه النار, فأصبحوا متخبطين لا يبصرون أين الطريق, فهل كلهم أضاء النار, أم واحد فقط؟ وهل أنارت له وحده, أم لهم جميعاً؟ وحين انطفأت هل كان وحده الذى لا يبصر, أم أنهم جميعاً كانوا لا يبصرون؟ بديهى أنهم لم يضيئوها معه, وأن نورها عَمَّهم جميعاً, وعندما انطفأت أظلمت عليهم جميعاً. فمثلاً: لو أن هناك جماعة تجلس فى مكان ما, ثم أضاء أحدهم مصابيحه, هل يستفيد منها من أضاءها فقط, أم أن نورها عمَّهم جميعاً؟ وكذلك لو أطفأها, هل يخصه الظلام وحده دونهم؟ فالفاعل واحد, وهو الذى أضاءها ثم أطفأها, أما المستفيد من النور والمتضرر من فقده فهو والحاضرون معه, فلو كان القرآن على هواكم, وقال ما تظنون أنه صحيح, لكان الخطأ بعينه, والله أعلم.

س289- ينكر القرآن اعتراض الملائكة على خلق آدم بقولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء} [البقرة:30] مع أن الحق كان معهم, وها نحن نرى الفساد وسفك الدماء فى كل مكان.

ج289- أولاً: إن هذا لم يكن اعتراضاً من الملائكة, وقد بينا ذلك فى الرد على الشبهة رقم (188)

ثانياً: استحالة تفوق علم الملائكة على علم الله سبحانه وتعالى, واستحالة معرفتهم للحكمة أكثر منه جل وعلا, فالله سبحانه وتعالى لم يكن بحاجة إلى أن يعلمه أحد ماذا سيحدث, ولكنه يعلم أن الأرض سيكون عليها أنبياء ومرسلون, وأناس صالحون ومصلحون, وهؤلاء سيعمرون الأرض بذكره, وطاعته, وإقامة شرعه, ونشر الخير بين خلقه.. إلى غير ذلك من مظاهر الإصلاح فى الأرض, ولذلك رد عليهم بقوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة:30] ولكى نفهم هذا الأمر, نضرب مثلاً {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} بالفلاح الذى يغرس فى الأرض مائة نواة أو أكثر, مع علمه بأن معظمها سيتلف, ولا يخرج منها إلا عشرون نخلة أو أقل, ولكن هذه العشرين ستكون كافية فى تغطية نفقاته على الأرض, وستعود عليه بالربح الوفير, وستكفى لإطعام الكثير, فهل كان علمه بفساد بعضها يمنعه من بَذرها؟ فالله سبحانه وتعالى لم يمنعه علمه بوجود بعض المفسدين من خَلْقِ الصالحين, وحين ينتهى الخير والصالحون من الأرض ستقوم الساعة, لأن الحياة لا فائدة لها بغير ذكر الله, قال رسول الله r: ((لا تقوم الساعة حتى لا يُقال فى الأرض الله الله)) [صحيح مسلم] كما أن الله سبحانه له حكمة من وجود الخير والشر فى الدنيا, فلو كانت الدنيا كلها تقوم على التقديس والتسبيح, لكانت جَنَّة, ولَمَا كان فيها اختبار يترتب عليه دخول الجنة أو النار, والله أعلم.

س290- يقول القرآن: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [البقرة:61] فهل من الممكن أن تُقتَل الأنبياء بحق؟

ج290- لا يمكن أن تُقتل الأنبياء بحق, لأن القتل بحق يكون بذنب يستحق القتل, كأن يكون الإنسان قد قتل نفساً بغير نفس, أو ارتد عن دينه, أو… إلخ, ولكن هؤلاء الأنبياء لم يقترفوا ذنباً يستحقون عليه القتل, فجاءت الآية بهذا الأسلوب للتأكيد على هذا المعنى, فمثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لو أنك ضربت أخاك ظلماً, فماذا يقول لك والدك؟ يقول لك: لِمَ ضربته بغير حق؟ لو أنه آذاك, أو فعل كذا وكذا, لكان ضربك إياه بحق, ولكنه لم يفعل شيئاً! والكتاب المقدس نفسه يعترف بقتل اليهود للأنبياء, فيقول إيليا النبى: قد غِرْتُ غَيْرة للرب إله الجنود لأن بنى إسرائيل قد تركوا عهدك ونقضوا مذابحك وقتلوا أنبياءك بالسيف فبقيتُ أنا وحدى وهم يطلبون نفسى ليأخذوها. (الملوك الأول19: 14)

وهناك شىء آخر يُستفاد من الآية الكريمة, وهو إظهار براءة الأنبياء – على نبينا وعليهم الصلاة والسلام – وأنهم معصومون من الخطأ, حتى لا يظن ظان أنهم ربما قُتِلوا بذنب. أما الكتاب المقدس ففيه اتهامات للأنبياء بالكفر, وشرب الخمر, والزنى, والسرقة, وغير ذلك مما ذكرناه فى هذا الكتاب. وسبحان الله! كيف يبعث الله النبيين ليكونوا قدوة لغيرهم, ثم يقعوا فيما ينهون عنه؟ إن هذا ليس قدحاً فيهم فحسب, بل فى الله سبحانه وتعالى الذى أرسلهم, فكأنه لم يحسن اختيارهم {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام:100] فمثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لو أن حاكماً أرسل سفيراً لإحدى الدول, وكانت تصرفات هذا السفير غير لائقة, فإن العيب فى هذه الحالة لن يكون عليه وحده, ولكن على الذى أرسله أيضاً, لأنه لم يحسن اختياره, والله أعلم.

س291- يقول القرآن: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} [البقرة:80] بذلك أتى القرآن بجمع كثرة فى موضع جمع قلة, وكان يجب أن يجمعها جمع قلة, حيث إن اليهود أرادوا القلة, فالصحيح أن يقال: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ}

ج291- إن {مَّعْدُودَةً} ليست جمعاً بل مفرد, وليست جمع كثرة ولا جمع قلة, وإن {مَّعْدُودَاتٍ} التى يقولون إنها الصواب وكان حق القرآن أن يعبر بها بدلاً من {مَّعْدُودَةً} ظانين أن {مَّعْدُودَاتٍ} جمع قلة, وهى ليست كذلك كما فهموا, فهى على وزن (مفعولات) وهو ليس من أوزان جموع القلة, بل من أوزان جموع الكثرة, ولا ينفعهم قولهم: إن اليهود أرادوا القلة, لأن هذه القلة يدل عليها سياق الكلام لا المفردات المستعملة فى التركيب, ثم إن هذا التعبير لا ينظر فيه إلى جانب قلة أو كثرة, ولكن ينظر فيه على معاملة غير العاقل معاملة العاقل, أو عدم معاملته, ووصف الأيام ب{مَّعْدُودَةً} هو الوصف اللائق بها, لأن الأيام لا تعقل, فأجرى عليها الوصف الذى لغير العقلاء, ولكن لجهل السائل ظن الصواب خطأ والخطأ صواباً, والحقيقة فى النظم القرآنى أنه لا يعامل غير العاقل معاملة العاقل, إلا بوضعه موضع العقلاء للدواعى البلاغية, وقد عبر القرآن عن الأيام بأنها {مَّعْدُودَاتٍ} فى قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} [آل عمران:24] فكان ينبغى أن يسأل هؤلاء عن اختلاف التعبير فى الموضعين, ولكنهم كما قال الله عنهم: {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة:146] ففى آية (البقرة) جاء وصف {أَيَّاماً} بصيغة الإفراد, وليس جمع كثرة كما زعموا, وفى آية (آل عمران) جاء جمعاً لا إفراداً, فلماذا إذن اختلفت صيغة الوصف والموصوف واحد, وهو {أَيَّاماً} لو كان السائلون يعقلون؟ فإذا قارنا بين الآيتين وجدنا آية (البقرة) مبنية على الإيجاز {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}  ووجدنا آية (آل عمران) مبنية على الإطناب {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} انظر إلى الخلاف بين آية (البقرة) {وَقَالُواْ} وآية (آل عمران) {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ} تجد أن جملة {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} اشتملت على اسم الإشارة الموضوع للبعيد, الرابط بين الكلامين السابق عليه واللاحق به, ثم تجد الباء الداخلة على إن فى {بِأَنَّهُمْ} ثم (إن) التى تفيد التوكيد, ثم ضمير الجماعة (هم) هذه الأدوات لم يقابلها فى آية (البقرة) إلا واو العطف {وَقَالُواْ} إذن المقامان مختلفان, أحدهما إيجاز والثانى إطناب, فوافق الإيجاز آية (البقرة) ووافق الإطناب آية (آل عمران), والله أعلم.  

س292- كيف يُنصَب الفاعل فى القرآن, حيث قال: {Ïوَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة:124] وكان الأصح أن يقال (لا ينال عهدى الظالمون) لأنه جمع مذكر سالم.

ج292- الفعل (نال) فعل متعدٍّ إلى مفعول واحد, كما فى قوله تعالى: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً} [الأحزاب:25] الفاعل (واو الجماعة) والمفعول {خَيْراً} أما فى قوله: {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} فالفاعل هو {عَهْدِي} مرفوع بضمة مقدرة لم تظهر لاشتغال المحل (وهو ما يعنى الدّال من عهدى بحركة المناسبة لياء المتكلم) والمفعول به هو {الظَّالِمِينَ} وعلامة نصبه الياء, لأنه جمع مذكر سالم (ينصب ويجر بالياء) والمعنى (لا ينفع عهدى الظالمين) ومجىء {الظَّالِمِينَ} منصوباً هو قراءة الجمهور من القراء, وليس فى مجىء {الظَّالِمِينَ} منصوباً على أنه المفعول به خلاف بين العلماء, بل إنهم نصُّوا على أن خواص الفعل (نال) يجوز أن يكون مفعولاً, ومفعوله يجوز أن يكون فاعلاً على التبادل بينهما, قالوا: فما نالك فقد نلته أنت, وقد جاء قوله تعالى: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} [الحج:37] على خلاف نسق آية (البقرة) التى نحن بصدد الحديث عنها, حيث كان التالى للفعل فيها هو الفاعل {لاَ يَنَالُ عَهْدِي} والواقع بعد الفاعل هو المفعول {الظَّالِمِينَ} أما فى آية (الحج) فإن الذى وَلِىَ الفعل {لَن يَنَالَ اللَّهَ} هو اسم الجلالة, وما بعده هو الفاعل {لُحُومُهَا} والمعنى (لن يصل إلى الله لحومها ولا دماؤها) وكذلك قوله: {وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} فالضمير فى {يَنَالُهُ} هو المفعول به, أما {التَّقْوَى} فهى الفاعل, والله أعلم.

س293- من الأخطاء الصريحة فى القرآن من ناحية الإعراب, قوله: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة:177] وكان الصحيح فى اللغة أن يقال (والصابرون) وليس {وَالصَّابِرِينَ} لأنها معطوفة على {وَالْمُوفُونَ}

ج293- إن العرب إذا أرادت أن تنبه على شىء مهم فى الكلام كسرت الإعراب للتنبيه, أى أن إعراب هذه الكلمة مخالف للمتعارف عليه لِلَفْت الانتباه, فإنك لو تتبعت الآية من أولها إلى آخرها, وجدت فيها تسع عشرة صفة من صفات المتقين, أشدها وأصعبها على النفس (الصبر) فلو قال (الصابرون) حسب القاعدة, لمرت هذه الكلمة هينة على الأذهان, ولم يُلتفت لخطورة قدرها, لذلك كسر الإعراب لتنبيه الأذهان, فجاءت بلفظ {الصَّابِرِينَ} والعرب – الذين هم أبلغ الناس – لم يعترضوا عليها حين سمعوها من الرسول r لأنها وافقت السليقة العربية, وكسر الإعراب يسمى عند علماء النحو واللغة (القطع للمدح أو للذم) كما قال تعالى: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ} [النساء:162] وكان السياق يقتضى الرفع, أى (والمقيمون الصلاة) فكسرت القاعدة لأهمية الصلاة, وأحياناً تكسر القاعدة للذم, كما فى سورة (المسد) {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} وكان السياق الصحيح (فى ظاهر الأمر) أن يقال (حمالةُ) مضموم آخرها, وليس مفتوحاً كما ورد فى الآية, ولكن براعة القرآن فى البلاغة لا مثيل لها, وكأنه يقول: (أذُم وألعن حمّالةَ الحطب), والله أعلم.

س294- لقد جاء القرآن بالموصول بدل المصدر فى قوله: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة:177] وكان الصواب أن يقول (ولكن البر أن تؤمنوا بالله) لأن البر هو الإيمان, وليس المؤمن كما ذكرت الآية.

ج294- لا {الْبِرَّ} ولا {آمَنَ} اسم فاعل, ولكن للعلماء فى توجيه وقوع {مَنْ آمَنَ} خبراً عن {الْبِرَّ} وهو خلاف الأصل, لأن {الْبِرَّ} معنى ذهنى, و{مَنْ آمَنَ} ذات, والذوات لا تكون معانٍ, وقد أجاب الإمام الزمخشرى بثلاث إجابات:

1- أن فى الكلام مضافاً محذوفاً, والتقدير: برُّ من آمن, وهذا التوجيه اشتهر به جمهور العلماء. وكأن الشرح للآية حسب قول الزمخشرى: لكنَّ البرَّ برُّ مَن آمن.

2- تأويل {الْبِرَّ} بذى البر, يعنى أن فى الكلام حذف مضاف, لكن تقديره قبل {الْبِرَّ} ومعنى الآية على هذا النحو: لكن ذا البر من آمن.

3- أن يكون المصدر وهو {الْبِرَّ} موضوعاً موضع اسم الفاعل (البارّ) للمبالغة, كما فى قول الخنساء تصف فرس أخيها صخر: (ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت فإنما هى إقبال وإدبار) فإقبال وإدبار مصدران حلا محل اسم الفاعل, والتقدير: هى مقبلة مدبرة.

وهناك إجابة أخرى بالإضافة لإجابة الزمخشرى, وهى أن يكون (اسم الموصول وصِلَتُه) جملة اسمية فى محل رفع خبراًً لاسم لكنَّ {الْبِرَّ} فإننا نعبِّر فى كلامنا الفصيح قائلين مثلاً: لكنَّ الفائز من يركب الدراجة الخضراء, فكلمة (الفائز) اسم لكنَّ منصوب, و(من يركب الدراجة الخضراء) جملة فى محل رفع خبر لكنَّ {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى}, والله أعلم.

س295- مرة أخرى مع مخالفة القرآن لقواعد العربية, وهو الإتيان بجمع قلة فى موضع جمع كثرة, فى قوله: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة:184] أى على عكس آية البقرة رقم 80, فنرى الآية تتحدث عن شهر الصيام, وهو ثلاثون يوماً, فيحتاج إلى لفظ (معدودة) لأنه جمع كثرة يناسب الثلاثين يوماً, وليس {مَّعْدُودَاتٍ} كما فى الآية, لأنها جمع قلة.

ج295- إن هؤلاء المتخبطين جعلوا الأربعين يوماً (أيام عبادة اليهود للعجل) جمع قلة, وهنا قطعوا بأن الثلاثين يوماً (أيام رمضان) جمع كثرة, وأن القرآن أخطأ (بزعمهم) مرة أخرى حين عبر عنها بجمع القلة {مَّعْدُودَاتٍ} فهل الثلاثون أكثر من الأربعين؟ ولما خطَّأوا القرآن فى هذه الآية {مَّعْدُودَاتٍ} فهو الصحيح لغة وبياناً, وهو عند البلاغيين استعارة شُبِّه فيها غير العاقل بالعاقل, وكلمة {مَّعْدُودَاتٍ} فى وصف أيام الصيام التى أتى بها القرآن, لخصوصية بيانية, هى تعظيم شأن تلك الأيام عند الله, حتى صارت وكأنها من ذوى العقول, وهى أوقات لا روح فيها كالأحياء العاقلين, فليس المدار فيها اعتبار قلة أو كثرة, بل المراد التنويه بفضلها, وعلو منزلتها عند الله, أما القلة فتفهم من سياق الكلام الذى حدد أيام الصيام بالشهر الواحد, وهو قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة:185], والله أعلم.

س296- إن القرآن يشجع على شهوة الانتقام والثأر, ولا يشجع على التسامح كما يقول الإنجيل: من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً. (متى5: 39) ولكن انظروا إلى قرآنكم الذى يقول: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة:194]

ج296- إن هذه الآية وردت فى سياق الكلام عن القتال مع الكفار, فهل لو اعتدى الكفار علينا لا نرد اعتداءهم بمثله؟ إن هذا منطق الظالمين, الذين قلبوا الموازين, واعتبروا رد الاعتداء إرهاباً, أما تعامل الأفراد مع بعضهم, فليس فرضاً عليهم أن يردوا الاعتداء بمثله, أما كتابكم المقدس فقد أمركم برد السيئة بمثلها, وتوعد فاعلها بالعذاب الأليم, فقال: لا تشفق عينك. نفس بنفس. عين بعين. سن بسن. يد بيد. رجل برجل (تثنية19: 21) قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحكم. وأما أنا فأقول لكم إن كل من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم. ومن قال لأخيه رقا يكون مستوجب المجمع. ومن قال يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم. (متى5: 21-22) وإن أخطأ إليك أخوك فوبخه. (لوقا17: 3) كن مراضياً لخصمك سريعاً ما دمت معه فى الطريق. لئلا يسلِّمك الخصم إلى القاضى ويسلِّمك القاضى إلى الشرطى فتُلقَى فى السجن. (متى5: 25) إن قوله: (قد سمعتم أنه قيل للقدماء كذا) أى أن هذا كان فى العهد القديم, أمّا قوله: (وأنا أقول كذا) فيعتبر هو وأمثاله نسخاً لما قبله. 

إن الإسلام يتعامل مع كل النفوس بما يناسبها, فمن الناس من لا يهدأ له بال, ولا يقر له قرار, إلا إذا انتقم ممن ظلمه, فيأتى الإسلام ويبيح له رد الاعتداء بمثله, ويُلزِمه ألا يزيد عليه, وفى الوقت نفسه يحثه على العفو, ويرغبه فيه, بذكر جزائه فى الآخرة, بل ويزيد على ذلك بأن يرغبه فى الإحسان إلى من ظلمه {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:134] أما إذا ألزم كل واحد أن يعطى خده الأيسر لمن ضربه على الأيمن, فإن هذا يجعل البعض يشتاط غضباً على من اعتدى عليه, كما أنه يشجع البعض على التعدى على الناس, طالما أنهم لا يردون عليهم, وخصوصاً المجرمين, وخِرّيجى السجون, والبلطجية, ومن على شاكلتهم, فالمسلم مُخيَّر بين رد الاعتداء بمثله, أو العفو والصفح, والعفو هو الأفضل, بدليل آيات وأحاديث كثيرة, يضيق المقام عن حصرها, نذكر منها قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178] {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ{126} وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ} [النحل:126-127] {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} [النور:22] {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى:43] وقول رسوله r: ((من لا يَرحم لا يُرحم, ومن لا يَغفر لا يُغفر له, ومن لا يَتب لا يُتب عليه)) [المعجم الكبير للطبرانى, صحيح الجامع:6600] أما آيات الإحسان للمسىء, فمنها قوله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى:40] {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34] {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:134], والله أعلم.

س297- إن القرآن يوضح الواضح بما لا طائل من ورائه, مثل: {فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة:196] لماذا قال: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} بعدما قال: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ}؟ فهل ستكون الثلاثة والسبعة أقل أو أكثر من العشرة؟ وما قيمة كلمة {كَامِلَةٌ}؟ وهل ستكون العشرة غير كاملة؟

ج297- إن هذا تأكيد لدفع الشك فى عدد أيام الصوم, فربما ظن ظان أنه يكفيه صوم ثلاثة أيام فى الحج, أو سبعة أيام إذا رجع, فجاءت {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} تنفى هذا الشك, فمثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لو أنى قلت لك: اتصل علىَّ بالهاتف الساعة الثالثة من محل عملك, وإذا رجعت إلى منزلك فاتصل بى الساعة العاشرة, فربما فهمت من كلامى أن أحد الاتصالين يكفى, فإذا فاتك الأول أدركت الثانى, فلابد أن أؤكد عليك وأقول لك: اتصل بى مرتين, مرة من عملك, ومرة إذا رجعت إلى بيتك. وقيل إن {كَامِلَةٌ} تعنى كاملة فى أجرها كالْهَدْى, أى أنها تحل محله تماماً, وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده, ولكن هذا مشروط بعدم الاستطاعة على ذبح الهدى. ثم إن أهل البلاغة والفصاحة من العرب لم يعترضوا على هذه الآية الكريمة وقت نزولها, أفيعترض عليها المستعرِبون؟

والذين يتهمون قرآننا بالإسهاب أو الإطناب فى توضيح العدد, جاء فى كتابهم المقدس تفصيل دقيق طويل عن أعداد العائدين من السَّبْى, وعبيدهم, ومُغَنيَّاتهم, وخيلهم, وبِغالهم, وجِمالهم, وحميرهم, وورد هذا الإسهاب فى إصحاحَيْن كاملَيْن, وهما (عزرا: الإصحاح2) و(نحميا: الإصحاح7) مع التناقض الفظيع بين أعداد العائدين من هؤلاء السبى, وقد ذكرنا ذلك (بفضل الله) فى الرد على الشبهة رقم (444), والله أعلم.

س298- كثيراً ما يأتى القرآن بآيات فى غير موضعها, فيتكلم مثلاً عن الصلاة فى سياق الكلام عن الطلاق, فيقول: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ{238} فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:238-239] هل بعد هذا تصرون على أن القرآن بليغ وفصيح؟

ج298- نعم.. نحن ما زلنا, وسنستمر إن شاء الله نقول, بل ونكتشف المزيد من بلاغة القرآن, إن هذه الآية فى هذا المكان لم تأتِ عبثاً – حاشا وكلا – بل إنها جاءت لتذكر الناس بالصلاة لعدة أسباب, منها أن حالة الغم والهم التى تصيب الزوج والزوجة والأولاد حال الطلاق – بل وتصيب الأهل أيضاً – ربما تجعلهم يتشاغلون عن أداء الصلاة فى وقتها, وربما كانت هناك مشاحنة بين الطرفين تنسيهما فرض ربهما, فجاءت الآية تذكرهم بالمحافظة على الصلاة مهما كانت الظروف. كذلك فإنهم إذا صلوا رَقَّت قلوبهم بذكر الله, فربما رجعوا عن عزمهم على الطلاق, فماء الوضوء يطفئ الغضب الذى من الشيطان, وسيصلى الرجال فى مسجد واحد, يجمع أهل الزوج مع أهل الزوجة مع المأذون مع الأولاد, فيُحدِث ذلك أُلْفة بينهم, لأن الصلاة تجعل القلب يسجد للرحمن ويخرج منه الشيطان, فتكون الصلاة بما فيها من ذكر وخشوع لله تعالى قد فضت النزاع بينهم, وحافظت على الأسرة المسلمة من الهدم, وما يترتب عليه من تشريد الأطفال, وفساد ذات البين الذى يحدث بين أهل الزوج وأهل الزوجة, وغير ذلك من مساوئ الطلاق التى لا تخفى على عاقل, فإن أسوأ ما يفعله الشيطان بالإنسان, هو أن يفرق بينه وبين أهله, قال رسول الله r: ((إن إبليس يضع عرشه على الماء, ثم يبعث سراياه, فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة, يجىء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا, فيقول: ما صنعت شيئاً, ويجىء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله, فيدنيه منه, ويقول: نعم أنت)) [صحيح الجامع:1526]‌ لأن المتزوج قد استكمل نصف الإيمان كما قال رسول الله r: ((من تزوج فقد استكمل نصف الإيمان, فليتقِ الله فى النصف الباقى)) [صحيح الجامع:6148] فحين يطلق زوجته يفقد هذا النصف, وهى أيضاً تفقده, ويصبحان عرضة للفتن والشهوات, قال رسول الله r: ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق)) [سنن ابن ماجه, السنن الكبرى للبيهقى], والله أعلم.

س299- يقول القرآن: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة:245] فهل الله فقير حتى يقترض؟ ثم كيف يحرم الربا ويتعامل به؟

ج299- هذا الفهم القاصر للآية الكريمة ليس بجديد, فقد قال أحد اليهود لأبى بكر الصديق t حين دعاه للإسلام: إن ربكم فقير يطلب القرض, ونحن أغنياء لسنا بحاجة إليه, فضربه أبو بكر, فذهب إلى رسول الله r يشتكى له, فسأله الرسول لماذا ضربه؟ فذكر له قولته الخبيثة, فأنكر اليهودى, فأنزل الله عز وجل تصديق أبى بكر فى هذه الآية: {لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ} [آل عمران:181] إن الله سبحانه وتعالى مالِكُ المال وأصحابه, أى أنه هو الذى خلق الناس ووهبهم المال, وقد جعل للفقير حقاً فى مال الغنى, وفى هذا ابتلاء للفقير والغنى, هل سيصبر الفقير لحكم ربه, وهل سيُخرج الغنى ما فرضه الله عليه, والآية ليست خاصة بالزكاة, فهى تشمل الإنفاق فى سبيل الله عامة. أما تشبيه الإنفاق فى سبيل الله بأنه قرض لله, فهو من باب المجاز, للترغيب فى النفقة والحث عليها, فمثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لو أن ولداً طلب من أبيه أن يعطيه قدراً من المال لاحتياجه إليه, وكان الوالد فى سفر, وليس فى وسعه أن يرسل المال بسرعة إلى ولده, فأمر أخاه أن يعطيه من المال الذى أرسله إليه من قبل, وقال له: لو أنك أعطيت أخاك ما يحتاجه, فاعتبر أن هذا قرض لى أنا شخصياً, وسأرده إليك أضعافاً مضاعفة, فهل يكون الوالد قد اقترض من ابنه حقاً؟ إنه هو الذى أرسل إليه المال, فكيف يقترض منه؟ إنه لم يقل له ذلك إلا ليرغبه فى الإنفاق على أخيه, وخصوصاً أنه سيرده له بأضعافه, وهل الوالد فى هذه الحالة يتعامل بالربا مع ابنه؟ إنه هو المالك للمال فى كِلا الحالين (حال القرض وحال الرد) ولكن هذا كرم منه جزاءً لامتثال أمره, والله أعلم. 

س300- يقول القرآن عن الله إنه: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} [البقرة:255] ألا كان يكفى أن يقال: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ} إذ كيف ينام من لم تأخذه سِنَة من النوم؟

ج300-  إن الذى يدرك هذا المعنى هو الذى لا ينام لفترة طويلة جداً, بحيث يقاوم النعاس عدة مرات, فيجد نفسه فى آخر الأمر قد غلبه النوم رغماً عنه. إن (السِّنَة من النوم) هى التى نسميها (غفوة أو إغفاءة) أى مدة قصيرة من النوم, فإذا كان الإنسان موكلاً بأمر مهم, كحراسة موقع, أو مذاكرة للامتحان, أو لمراقبة شىء هام, فإنه يقاوم النعاس عدة مرات, فلا يغفو هذه الإغفاءة, ولكن مع استمرار ذلك الأمر, تجده ينام رغماً عنه, ولا يشعر بنفسه إلا حين يستيقظ, فالله سبحانه وتعالى – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لا ينام لفترة قصيرة, ولا يغلبه النوم فجأة, بل إن مجرد الرغبة فى النوم أمر مُحال عليه سبحانه وتعالى, قال رسول الله r: ((إن الله تعالى لا ينام, ولا ينبغى له أن ينام, يخفض القسط ويرفعه, ويُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار, وعمل النهار قبل عمل الليل, حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)) [صحيح الجامع:1860], والله أعلم.

س301- يقول القرآن: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [البقرة:257] كيف يخرج الكفار من {مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} وهم أصلاً فى ظُلُمات؟

ج301- قال رسول الله r: ((ما من مولود إلا يولد على الفِطْرَة, فأبواه يهوِّدانه, أو ينصِّرانه, أو يمجِّسانه, كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء, هل تحسُّون فيها من جدعاء)) [صحيح الجامع:5784] فكل مولود يولد على فِطْرة التوحيد, فإذا كفر بعد ذلك فقد خرج من {النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} وكذلك الحال فيمن ارتد عن الإسلام بعد أن هداه الله, أو يهود المدينة الذين آمنوا بالرسول r لأن صفته كانت فى كتبهم, ثم كفروا به جحوداً وعناداً وحسداً, إذ لم يخرج من بنى إسرائيل, وخرج من أبناء العرب, والله أعلم.

س302- يقول القرآن: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة:260] هل كان إبراهيم شاكّاً فى قدرة الله؟ ولماذا جاءت الطيور سعياً, ولم تأتِ طيراناً؟ أليس هذا مخالفاً لفطرتها؟

ج 302- إن سيدنا إبراهيم – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – لم يسأل سؤال شك فى قدرة الله على إحياء الموتى, ولكنه سأل عن الكيفية {كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى} فمثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لو أن جرّاحاً أجرى لمريض عملية, وأنت متأكد من هذا, ولكن تريد أن تعرف كيف عملها, فقلت له: كيف تعمل العملية يا دكتور؟ فهل أنت شاك فيه؟ بالطبع لا- ولكنك سألته لتشاهد مهارته, فتزداد عند رؤيته يقيناً فى قدرته. ومن واقعنا شاهد على ذلك: إننا جميعاً نؤمن بأن الذى خلقنا هو الله سبحانه وتعالى, ونؤمن بمراحل التكوين التى ذكرها فى كتابه الكريم {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ{12} ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ{13} ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:12-14] ولكن حين نعرف الأبحاث التى تثبت ذلك, ونرى مراحل التكوين خطوة خطوة, فماذا يكون حالنا؟ يزداد يقيننا, وتلهج ألسِنتنا: سبحان الله! أما لماذا جاءت الطيور سعياً, ولم تأتِ طيراناً, فذلك ليتحقق سيدنا إبراهيم من رؤيتها, لأن هذا أشبع لرغبته, وأعظم فى لذته. إننا إذا أردنا أن نتحقق من مشهد عُرِض على شاشة التلفاز, ماذا نفعل؟ نصوره تصويراً بطيئاً, حتى نتمكن من رؤيته جيداً, لأن سرعة الحركة لا تمكننا من ذلك, وسيدنا إبراهيم هو الذى قطَّع هذه الطيور من قبل, ووضعها على الجبال, فلو جاءته طيراناً, فربما شك فيها, هل هى التى قطَّعها, أم طيور أخرى غيرها, أما حين تأتيه سعياً, فسيتأكد تماماً إنها هى هى. والدليل على أن سيدنا إبراهيم لم يكن شاكاً, هو قول الله عز وجل: {وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ولم يقل (واعلم أن الله على كل شىء قدير), والله أعلم.

س303- يقول القرآن عن الربا: {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة:279] علمنا أن الحرب من الله قد تكون فى صورة مَحْقِ المال, أو الأمراض, أو الزلازل والبراكين, أو أى صورة من صور الحرب, أما نبيكم فقد مات, فكيف تكون الحرب منه؟

ج303- إن الحرب من الرسول r بعد موته على عاتق أتباعه, فأتباع الرسول r الحاملون لمنهجه, يمثلونه فى حرب هؤلاء المرابين, فعلى الملوك والرؤساء وسائر الحكام أن يمنعوا الربا بالقوة الجبرية, وأن يسنُّوا القوانين الرادعة لمنعه, وعلى العلماء – الذين هم ورثة الأنبياء – بيان مغبَّته وسوء عاقبته, وعلى العامَّة محاربة الربا بالكَفّ عنه ومقاطعته, ونُصح من يتعامل به بتركه, فكل أتباع النبى r لابد أن يعلنوا الحرب عليه, كلٌّ بحسب استطاعته, فهذه هى صُوَر حرب الرسول r للربا بعد مماته. ونحن نرى القوانين والمبادئ التى سنَّها المشرِّعون والقُضاة, يُعمَل بها أثناء حياتهم, وبعد مماتهم, ونقرأ ونسمع عبارة (بقوة القانون) وإن ذهب الْمُقنِّن, والله أعلم.

س304- إن القرآن تفوته أحياناً بعض قواعد اللغة العربية, فنحن نبحث مع علماء اللغة العربية عن خبر كان فى {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة:280]

ج304- صحيح أننا لا نجد خبر كان فى هذه الآية, ولكن السائل ليست عنده مَلَكَة عربية, فكان يجب أن يعرف أن (كان) تحتاج إلى اسم وخبر, الاسم مرفوع, والخبر منصوب, وهذه هى التى يقال عنها: (كان الناقصة) وكان يجب أن يفهم أيضاً أنها قد تأتى تامة, أى ليس لها خبر, وتكتفى بالمرفوع على أنه فاعلها وليس اسمها. وإليك شرح موجز: إن كل فعل من الأفعال يدل على حدث وزمن, وكلمة (كان) إن سمعتها دلت على وجود حدث مطلق لم تتبين فيه الحالة التى عليها اسمها, ومعنى ذلك أن (كان) دلت على الزمن الوجودى المطلق, أى على المعنى المجرد الناقص, والشىء المطلق لا يظهر المراد منه إلا إذا قُيِّد, فإن أردت أن تدل على وجود مقيد ليتضح المعنى ويظهر, فلابد أن تأتيها بخبر, مثل: كان زيد مجتهداً, هنا وجد شىء خاص, وهو اجتهاد زيد, إذن فكان هنا ناقصة, تريد الخبر يكملها وليعطيها الوجود الخاص, فإذا لم يكن الأمر كذلك, وأردنا الوجود فقط, تكون (كان) تامة, أى تكتفى بمرفوعها على أنه فاعلها, مثل أن تقول: عاد الغائب فكان الفرح, أى وُجِد, أو أشرقت الشمس فكان النور, والشاعر يقول:

وكانت وليس الصبح فيها بأبيض     وأضحت وليس الليل فيها بأسود

فقوله: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} أى فإن وُجِد ذو عسرة, والله أعلم.

س305- كيف يقول القرآن عن حِنَّة بنت فاقوذ أم مريم: {وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} [آل عمران:36] والمعروف أن (ما) تدل على غير العاقل, فكيف يقول: {بِمَا وَضَعَتْ} والموضوعة إنسانة عاقلة, وهى مريم؟ ألا كان المفروض أن يقول (بمن وضعت) لأن (من) تدُلّ على العاقل؟

ج305- إن هذا الخواجة يريد أن يتعالم على العرب, والصحيح أن يقال {بِمَا} وليس (بمن) لأن السيدة مريم – رضى الله عنها – كانت وليدة لتوِّها, فلا تعد من العقلاء حينها, فهل رأيتم فى الدنيا رضيعاً عاقلاً؟ إن (ما) هو الحرف الأنسب لحالتها وهى فى المهد, كما أن (ما) مصدرية, لا علاقة لها بالعاقل أو غيره, والله أعلم.

س306- كيف يقول زكريا: {رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} [آل عمران:40] بل ويطلب آية على أنه سينجب, فيقول: {رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً} [آل عمران:41] وهو الذى دعا ربه فقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء} [آل عمران:38]؟ فكيف يدعو بالذرية وهو كبير, ثم يتعجب عندما تأتيه؟

ج306- إن هذا من دهشته وتعجبه من أن يرزقه الله الولد بعدما كبرت سنه, وانحنى ظهره, فقد كان عمره حينها تسعة وتسعين عاماً, وكانت امرأته عاقراً, وعمرها ثمان وتسعين عاماً, فجاء منه هذا التساؤل لاستعظام ذلك الأمر فى نفسه على ما جرت به العادة, مع أنه هو الذى دعا به, كمن يتمنى شيئاً عظيم المنال, ثم عند تحقيقه لا يكاد يصدق, ويقول: معقول أن هذا قد حدث؟ كالفقير الذى لا يملك من حطام الدنيا إلا القليل, ولا يكاد يجد قوت يومه, ثم يدعو ربه أن ييسر له حج بيته الحرام, مع علمه بأنه لا سبيل له إليه, ثم يُقدِّر الله سبحانه وتعالى أن رؤساءه فى العمل – مثلاً – يعملون قُرْعَة على من يسافر معهم للحج ليقوم بخدمتهم, فتقع القرعة على هذا الرجل الفقير, فيقول من دهشته: معقول أن مثلى يحج بيت الله؟ بل ولا يصدّق حتى تأتيه البيّنة على ذلك, كأن يُطلَب منه جواز السفر, ثم يرى التأشيرة بعينيه. ومثل الذى له ابن مريض مرضاً شديداً, وقد أشرف على الموت, وهو يدعو الله له ليل نهار, ثم تأتيه البشارة بأن الله قد شفى ابنه, فيطير فرحاً, ويقول: لا أصدق حتى أراه بعينىَّ, والله أعلم.    

س307- يقول القرآن: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ} [آل عمران:42] ما فائدة تكرار قول: {اصْطَفَاكِ}  فى الآية المذكورة؟

ج307- إن قوله تعالى: {اصْطَفَاكِ} فى المرة الأولى, خاص باصطفائها على نساء العالمين لخدمة بيت المقدس, فلم تكن هناك أنثى غيرها تقوم على خدمته. أما قوله تعالى فى المرة الثانية, فهو اصطفاؤها لولادة سيدنا المسيح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – لأن هذا الحدث لن يتكرر بعدها أبداً, فلن يوجد طفل إلى قيام الساعة يولد بغير أب مثل سيدنا عيسى, والله أعلم.

س308- يقول القرآن عن مريم: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران:43] والصحيح لغوياً أن يقال (اركعى مع الراكعات)

ج308- لم يكن فى بيت المقدس إناث غيرها, ولكن كانوا كلهم رجالاً, فكيف يقال (اركعى مع الراكعات) ولم يكن هناك راكعات سواها؟ كما أنه يُطلَق اسم جمع المذكَّر, ويُقصَد معهم الإناث, كأن تسلم على مجموعة من الرجال بينهم إناث, فتقول: (السلام عليكم) ولا تقول (السلام عليكن) ولو كنَّ أكثر عدداً, والله أعلم.

س309- يقول القرآن: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [آل عمران:59] وكان المفروض أن يقول (كن فكان) لأن المقام صيغة الماضى (لأن آدم كان) وليس المضارع كما جاء فى الآية.

ج309- إن الله سبحانه وتعالى قال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [النحل:40] وسيدنا آدم – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – شىء, فيدخل فى نطاق الآية الكريمة, أى ينطبق عليه قول الله جل وعلا: {كُن فَيَكُونُ} ثم إن سيدنا آدم لم يكن منذ خلقه الله عز وجل على حالة واحدة ثم انتهى حتى يقال (كان) بل إنه – كسائر البشر – يتقلب فى أحوال كثيرة, من شباب وشيخوخة, وفرح وحزن, وصحة ومرض, وموت ثم بعث ونشور وحساب… إلخ, وفى جميع أحواله أوامر لله سبحانه وتعالى تجرى عليه من منطلق {كُن فَيَكُونُ}, والله أعلم.

س310- يقول القرآن: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران:97] لقد رأينا فى الحرم أحداثاً جساماً فى فترة السبعينيات, وقُتل الأبرياء, ورُوِّع الآمنون, وانتُهكت الحرُمات, ومُنعت إقامة الشعائر فى الحرم لمدة شهر تقريباً, فأين هو الأمن المزعوم فى الآية؟

ج310- لقد حدثت فعلاً أحداث جسام فى الحرم, عندما ادَّعى شخص اسمه (جُهيمان) أنه المهدى المنتظر, وكان معه جماعة مسلحة, أحدثت فى بيت الله ما أحدثت, وليست هذه أول مرة تُسال فيها الدماء فى الحرم, فقد كان هناك قوم يُسَمَّوْن (القرامطة) قاموا بسرقة الحجر الأسود, وظل عندهم عدة سنوات, وحدث أن اعتدى الحجّاج بن يوسف الثقفى على الحرم, وضربه بالمنجنيق عندما اختبأ فيه عبد الله بن الزبير بن العوام (رضى الله عنهما) ورُوِّعَ الآمنون كما حدث فى عصرنا. فهناك فى القرآن صيغة خبرية بمعنى أنها قَدَرية, وصيغة خبرية بمعنى الأمر بما فيها, فالصيغة الخبرية القَدَرية مثل: {وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:134] و{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران:185] و{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن:26] وغيرها من الآيات, وهذه الصِّيَغ الخبرية لا يمكن مخالفتها للواقع, لأن الله قد قدَّر هذه الأمور التى أخبر عنها, فلابد من وقوعها كما قال. أما الصيغة الخبرية المقصود منها الأمر, فهى كقوله تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:28] فهى أمر للمؤمنين بعدم اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين, بدليل قوله تعالى بعدها مباشرة: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ} فكذلك قوله تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} المقصود منه أمر المسلمين بتأمين من دخل البيت, أى أن الذى يدخله لابد وأن يُؤمَّن فلا يروِّعه أحد, فمثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لو قال والد لأولاده: (الضيوف تُكرَم فى بيتى) فهل أجبرهم أن يكرموا ضيوفه, أم أنه أمرهم؟ ولو حدث أنهم لم يكرموهم, بل أهانوهم, أيكون العيب فى الوالد, أم فى أولاده الذين لم ينفذوا أمره؟ إن هذه الآية (والله أعلم) كقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} [الإسراء:33] قال العلماء إن قوله جل وعلا: {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} يعنى أن الله نصره بتشريع حد القصاص, أى أن حقه محفوظ فى الدنيا بالقصاص, وفى الآخرة بالجزاء. فلنفترض أن القاتل لم يُقَمْ عليه حد القصاص لأى سبب, كظلم الحاكم, أو لأنه لم يتمكن منه, أو لأى سبب آخر, أيكون فى هذه الحالة التى لم يُقَمْ حد الله فيها تكذيباً لقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} أم أنه عدم امتثال لأمره؟ والدليل على ذلك أن القرآن نفسه قد بين أنه من الممكن القتال عند المسجد الحرام, ولكن بشرط أن يكون الاعتداء قد وقع على المسلمين أوَّلاً {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ} [البقرة:191], والله أعلم.

س311- إن الإسلام لم يحرم إلا الربا المضاعف, أما القليل فلا مانع منه, بدليل قول القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً} [آل عمران:130]

ج311- لقد صدق عليكم قول ربنا جل وعلا: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة:85] لأنكم تناسيتم قوله تعالى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة:279] فهذه الآية قطعت الظن بأن يسير الربا حلال, فهى توضح أن من تاب فله رأس ماله فقط, لا يزيد عليه, ولا ينقص منه. أما لماذا قيل: {أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً} فلأن هذا كان حالهم فى الجاهلية. وهناك حديث عن رسول الله r يوضح فيه حرمة أدنى شىء من الربا, وهو قوله: ((درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية)) [صحيح الجامع:3375], والله أعلم.

س312- يقول القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً} [آل عمران:130] لقد جاءت هذه الآية فى سياق الكلام عن غزوة أُحُد, فهى لا تمت لما قبلها ولما بعدها بأى صلة, والعجيب أن المسلمين ما زالوا يطنطنون حول بلاغة القرآن!

ج312- إن هذه الآية لها علاقة وثيقة بما قبلها وما بعدها, فالمرابى يأخذ أكثر من حقه, ويتطلع إلى ما لم يبذل فيه أى جهد, بل ويضيف على ذلك تأويلاً خاطئاً من عنده, فيظن أن البيع مثل الربا {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} [البقرة:275] وذلك مثل من يُحِلُّون أرباح البنوك الربوية, ويقولون إن البنوك لا تخسر, فلماذا تكون أرباحها حراماً, وهل البنك يقترض منى, إنه يستثمر لى مالى ويربح, وأنا أربح معه.. مع أن البنوك التى تخسر وتسرح عمالتها كثيرة. فكذلك الرُّماة على جبل أُحُد وقعوا فى التأويل, وتطلعوا لأخذ ما ليس من حقهم, فقد أوَّلوا أمر الرسول r لهم ألا يبرحوا أماكنهم, بأن من حقهم أن يبرحوها, طالما أن المشركين هُزِموا وولوا مدبرين, فنزل معظمهم ليأخذوا الغنائم, وهى ليست من حقهم, كما يفعل المرابى {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ} [آل عمران:152] فلما رآهم المشركون, هجموا عليهم, وحدث ما حدث من هزيمة المسلمين. ومجىء هذه الآية فى هذا المكان من باب الطَّرْق على الحديد وهو ساخن, كما ترى من يشاهد منظراً مرعباً (كالبراكين مثلاً) فتذكره بالنار, ليتعظ ويقلع عن معاصيه, أو يشاهد مناظر جميلة, من بساتين وأنهار وأشجار وثمار, فتذكره بالجنة, أو كمن يمشى مع ابنه فيشاهدان الناس يضربون لصّاً, فيقول لابنه: إنه لم يكن يسمع كلام والديه, وترك المذاكرة والمدرسة, وصاحَب أهل السوء حتى أصبح لصاً, هل تحب أن تكون مثله؟ أم تحب أن تكون مثل دكتور فلان الذى يملك عيادة جميلة, وسيارة, وكذا وكذا؟ إنك فى هذه الحالة – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} – تستفيد من هذه الواقعة لتعظه حتى لا يكون مثله. ونلاحظ أن الله سبحانه وتعالى قال بعد النهى عن الربا: {وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران:130] ولم يقل مثلاً: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أو ما شابهها, لأن {تُفْلِحُونَ} أصلها من (الفِلاحة) فالفلاح عنده أرض, والمرابى عنده رأس مال, ولكن الفلاح رغم أن عنده أرضاً, إلا أنه يتعب فيها, ويبذل جهده, فيبذر ويحرث ويسقى, ويتعاهد الزرع بما يصلحه, ويدفع عنه الآفات على قدر استطاعته, وفى النهاية يجد ثمرة جهده, ويحصد ما زرع, فلابد لصاحب رأس المال أن يشغل ماله فيما يدر عليه الربح الحلال كما يفعل الفلاح, وإذا أقرض ماله للمحتاج, فليجعله قرضاً حسناً, وليحتسب أجره عند الله, ليجنى ثمرة عمله فى الآخرة, كما يجنى الفلاح ثمرة عمله, ولكن مع الفارق العظيم بين حصاد الدنيا وحصاد الآخرة {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم:39], والله أعلم.

س313- يقول القرآن: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران:144] فكيف يكون قائل هذا إلهاً, وهو لا يعرف هل سيموت محمد أو سيقتل؟

ج313- إن الرسول r فى حقيقة الأمر مات شهيداً متأثراً بأكلة خيبر التى تحدثنا عنها فى الشبهة رقم (257) والدليل على ذلك قوله: ((ما زالت أكلة خيبر تعاودنى كل عام, حتى كان هذا أوان قطع أبهرى)) [صحيح الجامع:5629] أما أمام الناس فإنه مات موتة طبيعية على فراشه, فلو قال الله عز وجل إنه سيقتل, ثم يموت فى فراشه, لكان فى هذا فتنة للناس فى دينهم, لأن أكْلَه من الشاة المسمومة لم يعلم به إلا القليل. وهناك شىء آخر: فلو أن الله عز وجل قال إنه سيقتل, لكان فى هذا حزن للمسلمين وقلق, وترقُّب منه ومنهم لموعد ومكان قتله, ومن سيقتله… إلخ. وموضوع قتله بالسُّم من امرأة يهودية يحزن الكثير من المسلمين, ونقول لهم: إن بعض الأنبياء – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – قد قتلوا ونالوا الشهادة, بدليل قوله تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} [البقرة:87] فلو لم يَمُت الرسول r شهيداً, لكان من الأنبياء من هو أعلى منه درجة, ولكن الله عز وجل من فضله ورحمته جمع له أجر الشهادة, مع أجر النبوة والرسالة.

وقد ورد فى الكتاب المقدس تناقض بين كون يهوذا مات من سقوطه على وجهه, وبين كونه مات منتحراً, فماذا نصدق إذن؟

فإن هذا اقتنى حقلاً من أجرة الظلم وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها. (أعمال الرسل1: 18)

فطرح الفضة فى الهيكل وانصرف. ثم مضى وخنق نفسه (متى27: 5)

وجاء فى الكتاب المقدس أيضاً تناقض فى طريقة انتحار شاول النبى, حيث يقول:

ومات شاول ويوناثان ابنه أيضاً. فقال داود للغلام الذى أخبره كيف عرفتَ أنه قد مات شاول ويوناثان ابنه. فقال الغلام الذى أخبره اتَّفَقَ أنى كنتُ فى جبل جلبوع وإذا شاول يتوكَّأ على رُمْحِهِ وإذا بالمركبات والفُرْسان يشدُّون وراءه. فالتفتَ إلى ورائِه فرآنى ودعانى فقلتُ هَأنذا. فقال لى مَن أنت فقلتُ له عماليقى أنا. فقال لى قِف علىَّ واقتلنى لأنه قد اعترانى الدُّوار لأن كل نفسى بَعْدُ فىَّ. فوقفتُ عليه وقتلتُه (صموئيل الثانى1: 4-10) مع أنه ذَكَرَ طريقة أخرى جاءت فى الرد على الشبهة رقم (157), والله أعلم.

س314- يقول القرآن: {وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران:176] طالما أن الله أراد ألا يجعل لهم حظاً فى الآخرة, فلِمَ يجعل لهم عذاباً عظيماً؟

ج314- إن الله سبحانه وتعالى {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء:40] فهل يقهر أحداً على فعل المعصية, ثم يعاقبه عليها؟ {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام:100] ولكن هذا عقوبة كفرهم, فمثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} – لو أن والداً نصح ولده مراراً وتكراراً بعدم مصاحبة أهل السوء, وبالمذاكرة لينجح آخر العام, ولكن الولد لم يسمع كلام والده, وتمادى فى لعبه ولهوه, وترك المذاكرة, فماذا يقول له والده؟ يقول له: (اعمل ما بدا لك, فأنا أريد أن ترسب) فهل هو حقاً يحب لابنه الرسوب, أم أن الولد أغضبه فقال ما قال؟ فالله سبحانه وتعالى يأمر عباده بتوحيده وطاعته, ويرسل إليهم الرسل, وينزل إليهم الكتب, ويبرهن لهم على ربوبيته وألوهيته بالأدلة النقلية والعقلية, ولكنهم مع كل هذا, ومع ما أمدهم به من العقل ليميزوا به بين الخير والشر, يجحدون نعمه, ويكفرون برسله, فتكون عاقبتهم أن يختم على قلوبهم, فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب يوم الحساب, والله أعلم.

س315- أين هى بلاغة القرآن حين يقول: {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ} [النساء:5] أليس المفروض أن يقول (وارزقوهم منها) بدلاً من {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا}؟

ج315- إن قوله تعالى: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} أبلغ من (وارزقوهم منها) لأن (منها) تعنى من الأموال نفسها, أما {فِيهَا} فتعنى رزقهم من عائدها أو ربحها, وهذا حث على تشغيل الأموال وتكثيرها, والله أعلم.

س316- يقول القرآن: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} [النساء:10] {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [البقرة:188] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [التوبة:34] فهل الأموال تؤكل كما يقول القرآن؟

ج316- إن الله قد ذكر الأكل بالذات, لأن استبقاء الحياة به, وأكثر استهلاكات البشرية ونفقاتها فى الطعام, وكل واحد منا يستطيع أن يحسب نفقاته الشهرية, فسيجد معظمها فى شراء الطعام, ولا صبر للإنسان على فقدانه, أما الملابس – مثلاً – فلا يحتاجها الإنسان إلا مرة أو مرتين فى العام, ويمكنه لبس الأشياء القديمة أو البالية, بعكس الطعام, فهو احتياج يومى, لا يمكن الاستغناء عنه البتة, ولا يمكن للإنسان أن يأكل وجبة يعيش عليها لعدة أيام, فضلاً عن الشهور والسنين التى يستغنى فيها عن الأشياء الأخرى, حتى إنهم يقولون على من يجتهد فى طلب الرزق الحلال: (إنه يسعى على لقمة العيش) مع أن عنده نفقات كثيرة غير الطعام, والله أعلم.

س317- لا يهتم القرآن بالدَّيْن بقدر اهتمامه بالوصية, فيبدأ بالوصية قبل الدَّيْن فى أربع آيات من سورة النساء, منها قوله: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء:12] مع أن الدَّيْن أوْلى من الوصية.

ج317- نعم.. إن الدَّيْن أولى من الوصية, ولكن كثيراً من الناس لا يهتمون بالوصية بقدر اهتمامهم بالدَّيْن, وربما كتموها, وخصوصاً إن كان الميت لم يُوَثِّق وصيته, ولم يُشهِد عليها أحداً, لأنهم يعتبرون أن المال الْمُوصَىَ به من حقهم, وليس من حق الْمُوصَىَ له بهذا المال, وأنهم إذا نفذوا وصية الميت فسيعود ذلك بالضرر عليهم, ويقلل من إرثهم, فذكرت هذه الآيات الوصية قبل الدَّيْن, ليعلم الورثة أن تنفيذها فرض عليهم, والله أعلم.

س318- يقول القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء:29] فهل يمكن أكل المال بالباطل عن طريق التجارة؟ وكيف يقوم الناس بالانتحار الجماعى كما تقول الآية؟

ج318- التجارة عبارة عن معاوَضَة سلعة بمال, وهناك دائماً وسيط بين المنتج والمستهلك, سواء كان هذا المنتج مزارعاً, أو صانعاً, أو غير ذلك, والسلعة لها ثمن أصلى, هو ثمن تكلفتها الحقيقية, وثمن تباع به أعلى من ثمنها الأصلى, فأنت حين تشتريها لا تشتريها بثمن تكلفتها, ولكنك تشتريها بأعلى منه, فظاهر هذا الفرق فى السعر أنه أكْل لمالك بالباطل, ولكنك راضٍ عنه, لعلمك بحتمية الربح للمنتج والوسيط, وأنك لو كنت مكانهم لفعلت فعلهم, أما المنهى عنه فهو الظلم فى المعاملات, وأخْذ ما ليس لنا فيه حق ومشروعية.

أما قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} فهو نهى لكل فرد أن يقتل نفسه, وليس معناها النهى عن الانتحار الجماعى. فمثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لو قال مدرس لتلاميذه: أخرجوا كتبكم, فإنه يقصد فى هذه الحالة أن كل تلميذ يخرج كتابه, ولكن الأمر جاء لكل التلاميذ, فلهذا جاء بصيغة الجمع, فلا يصح أن يقول لهم: أخرجوا كتابك! أما لو كلم تلميذاً بعينه, فإنه يقول له: أخرج كتابك, فكذلك الآية تنهى كل واحد من المؤمنين عن قتل نفسه, ولا تنهى واحداً بعينه, فجاءت بصيغة الجمع. وقبل الغزو الأوربى لبلاد المسلمين, وقبل إدخال السينيما لبلادهم, كانت نسبة الانتحار بين المسلمين تساوى صفراً, لأن الانتحار محرم بهذه الآية, وبأحاديث رسول الله r, ومنها: ((إن رجلاً ممن كان قبلكم خرجت به قرحة, فلما آذته انتزع سهماً من كِنانته فنكأها, فلم يرقأ الدم حتى مات, فقال الله: عبدى بادرنى بنفسه, حرمت عليه الجنة)) [صحيح الجامع:2082] و((من قتل نفسه بحديدة, فحديدته فى يده يتوجَّأ بها فى بطنه فى نار جهنم, خالداً مخلَّداً فيها أبداً, ومن شرب سُمّاً فقتل نفسه, فهو يتحسّاه فى نار جهنم, خالداً مخلداً فيها أبداً, ومن تردَّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى فى نار جهنم, خالداً مخلَّداً فيها أبداً)) [صحيح الجامع:6459]‌ فأنت جئت إلى الدنيا بأمر الله, وتخرج بأمر الله, فعند انتحارك تكون قد اعتديت على حق من حقوق الله جل وعلا, ولم تصبر على قضائه وقدره, وهدمت بِنْيَتَك التى ليست ملكاً لك, ولكنها ملك لله سبحانه وتعالى.

لقد جاء الأمر بالقتل الجماعى فى الكتاب المقدس, حيث قال: فقال لهم. هكذا قال الرب إله إسرائيل ضَعُوا كل واحد سيفه على فخِذِِهِ ومُرُّوا وارجعوا من باب إلى باب فى المحلة واقتلوا كل واحد أخاه وكل واحد صاحبه وكل واحد قريبه. ففعل بنو لاوى بحسب قول موسى. ووقع من الشعب فى ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف رجل. وقال موسى املأوا أيديكم اليوم للرب حتى كل واحد بابنه وبأخيه. فيعطيكم اليوم بركة (خروج32: 27-29), والله أعلم.

س319- يقول القرآن: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء:40] وقد أثبت العلم أن الذرة يمكن تفتيتها إلى ما هو أصغر منها, فهل معنى هذا أن الله يظلم أقل من الذرة؟

ج319- إن القرآن قد ذكر أن هناك ما هو أصغر من الذرة, فقال تعالى: {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [سبأ:3] وقال: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس:61] ولكن هذا لا يعنى أن الله يظلم أقل من الذرة (حاشا وكلا) ولكن الذرة كانت – وما زالت – يُضرَبُ بها المثل فى غاية الضآلة والصغر, فكانت بفهم الصحابة y أنها النملة, أو الهباءة (وهى ما نراه من الأجسام الصغيرة العالقة فى شعاع الشمس الداخل من نافذة مثلاً) ولكن بعد اكتشاف الذرة, أدرك العلماء المحدثون فَهْمَ الآية على ضوء هذا الاكتشاف, وأدركوا معنى قوله تعالى: {أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ} بعد الوصول إلى تفتيت الذرة, ولكن الثواب والعقاب يكونان على أقل ما يفعله الإنسان من خير أو شر, كما قال الله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ{7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة:7-8] والإنسان لا يستطيع أن يعمل خيراً أو شراً أقل من الذرة, لماذا؟ لأن أصغر وِحدة فى تكوين أى شىء, سواء كان حياً أو ميتاً, إنساناً أو حيواناً, نباتاً أو جماداً, أو أى شىء يخطر على بالك, هى الذرة, حتى الخلية الحية التى هى وحدة تكوين الكائن الحى, فهى مكونة من عناصر كثيرة مثل الصوديوم, والبوتاسيوم, والحديد, والكالسيوم, والماغنسيوم… إلخ, وِحدة تكوين كل عنصر فيها هى الذرة, ومع أن الذرة مكونة من أشياء كثيرة مثل البروتونات, والإلكترونات, والنيوترونات… إلخ, إلا أن هذه المكونات لا يمكن بأى حال من الأحوال أن تنفصل عن بعضها إلا بمعالجات كيميائية تخرجها عن طبيعتها, وخواصها, وصفاتها الأصلية, بحيث لا يُطلق عليها اسم عنصرها الأصلى, ومن ضمن ذلك ما يسمى بالتفجير النووى, فكيف تكون أصغر وِحدة لتكوين أى شىء هى الذرة, ثم يستطيع الإنسان أن يعمل ما هو أصغر منها؟ وبهذا يتضح للسائل أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم أقل من الذرة, لأنه لو كان هناك ظلم – جدلاً – لكان بالعقاب, ولا يوجد عقاب أقل من الذرة, والله أعلم.

س320- يقول القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ} [النساء:136] كيف يقال لهم: {آمِنُواْ} وهم مؤمنون؟

ج320- إن الإيمان فعل القلب, والإسلام فعل الجوارح, وهذا أمر بالثبات على الإيمان, لأن الإيمان يزيد وينقص, وكأن معنى الكلام: اثبتوا على الإيمان, ولا تشكُّوا فى يوم من الأيام – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – كما تقول لابنك: (ذاكر ولا تلعب) وهو يذاكر بالفعل, ولكنك تقصد التأكيد عليه أن يستمر فى المذاكرة, فلا يتركها ويلعب. وقال بعض العلماء إنه أمر بالزيادة فى الإيمان, حتى يصلوا إلى أعلى الجنان {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} كما تقول لابنك: (أنا لا أريد منك أن تنجح, ولكنى أريد أن تتفوق) فالإيمان يزيد بالطاعات, وذكر الله, وتلاوة القرآن, وينقص بالغفلة والمعاصى والآثام, وكما أن الإيمان درجات, فالجنة درجات.. قال رسول الله r: ((إن فى الجنة مائة درجة أعدَّها الله للمجاهدين فى سبيل الله, ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض, فإذا سألتم الله فسَلُوه الفردوس, فإنه أوسط الجنة, وأعلى الجنة, وفوقه عرش الرحمن, ومنه تفجَّر أنهار الجنة)) [صحيح الجامع:2126]‌, والله أعلم.

س321- يقول القرآن: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} [المائدة:6] لقد سَوَّى القرآن بين المرأة والبول والبراز (الغائط) فلابد من التطهر منهم.

ج321- إن الطهارة والوضوء أمر تعبدى, وهو من شروط صحة الصلاة, فهناك طهارة من الحدث الأكبر – مثل الجماع – وهو المقصود  من الآية الكريمة: {لاَمَسْتُمُ النِّسَاء} أو إنزال المنى ولو بغير جماع, وكذلك الحيض والنفاس, ويكون بالاغتسال. وطهارة من الحدث الأصغر بالوضوء, مثل التبول والتغوط, والمباشرة الخارجية بدون إنزال منى. وهناك نواقض أخرى للوضوء لم تذكر فى الآية, مثل أكل لحم الجزور (الإبل) على أصح القولين, أو لمس المرء فرجه بدون حائل, فهل كل النواقض تعتبر كالبراز؟ والمرأة هى الأخرى لابد أن تغتسل من الجماع, وتتوضأ من المباشرة بغير جماع, فهل هذا يعنى أن الرجل هو أيضاً يتساوى بالبراز؟ فإذا قلتم: نعم (وهذا لا يقوله إلا مجنون) فنقول لكم: لا تحزنوا.. فهناك مساواة بين الرجل والمرأة (رد جنون بجنون!) ثم إن الجمع بين الأشياء لا يعنى تجانُسها, فلو قلت: إن عندى غسالة, وسيارة, وحصاناً.. فهل هذا يعنى تجانُس هذه الأشياء؟ أو مساواتها فى القيمة؟ إن الأمر أمر تشريعى كما قلنا عن التيمم, فالله عز وجل يأمرنا بما يشاء, وينهانا عمّا يشاء, وله الحكمة البالغة, ونحن عبيده, ولا نملك إلا السمع والطاعة, والله أعلم.

س322- إن القرآن يجمع المثنى, فيقول: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} [المائدة:38] وكان المفروض أن يقول (فاقطعوا يديهما)

ج322- هل الله سبحانه وتعالى يتكلم عن سارق واحد وسارقة واحدة حتى يأمرنا بقطع يديهما؟ إن كلمة {السَّارِقُ} تعنى كل من سرق من الرجال, وكلمة {السَّارِقَةُ} تعنى كل من سرقت من النساء, ومن ثَمَّ فالعقوبة تشملهم جميعاً, ولذلك جاءت بضمير الجمع, ويُعرَف هذا فى علم المنطق باسم الجنس, أى جنس الرجل وجنس المرأة السارقين, مصداق ذلك قول الله جل وعلا: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن:5] أى جميع النجوم والكواكب, والله أعلم.

س323- يقول القرآن: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44] {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة:45] {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة:47] فلماذا يبدأ فى كل آية بضمير المفرد, ثم يختم بضمير الجمع؟

ج323- أى حاكم لا يحكم بمفرده, ولكن لابد أن تكون معه حكومة, وهى السلطة التشريعية والقضائية, ثم السلطة التنفيذية التى تطبق أحكامه, فلابد له من وزراء فى جميع المجالات: الداخلية, العدل, الخارجية… إلخ, وكذلك لابد له من قُضاة ليحكموا بين الناس بأمره. وقد روى عن شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – أنه كان مسجوناً, فسأله الحارس الذى كان يجلده: هل علىَّ ذنب يا سيدى؟ فقال له: نعم.. فلولاك ما ظلموا. وهذا صحيح, فكيف يظلم الحاكم بغير منفِّذين لحُكْمه؟ فلو وُجدَ حاكم ظالم, ولكن لم يطعه أحد فى تنفيذ أوامره, فكيف يظلم إذن؟ هل سيقوم بتنفيذ أوامره بنفسه؟ فضمير الجمع فى الآيات الكريمة يرجع إلى الحاكم, وحكومته, وكل من يساعده, كما قال الله عز وجل: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص:8] فمن قال: فما ذنب جنودهما؟ نقول له: لأنهم أطاعوهما, كما قال تعالى فى آية أخرى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ} [الزخرف:54], والله أعلم.

س324- يقول القرآن: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:62] ويقول: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [المائدة:69] ويقول: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الحج:17] إن محمداً قد أخطأ فى الإعراب حين قال فى سورة المائدة: {الصَّابِؤُونَ} والصواب أن يقول {الصَّابِئِينَ} كما قال فى سورتى البقرة والحج.

ج324- المسلمون واليهود والنصارى يجمع بينهم قاسم مشترك, وهو الإيمان بالله واليوم الآخر, والملائكة, والبعث والنشور, والحساب, والميزان, والجنة والنار… إلخ, وتحريم القتل, والربا, والسرقة, والخمر, والزنى… إلخ, فقد جاءتهم رسل من عند ربهم, يحملون لهم رسالة فيها منهج لحياتهم, أما الصابئون فلم تنزل إليهم رسالة, ولم يُرسَل إليهم رسول, فحين جاء ذكرهم فى سورة (المائدة) بعد اليهود وقبل النصارى, خُصِّصُوا بحُكْم وحدهم فيه كَسْر للإعراب, وكأنه مبتدأ, ولولا ذلك لَظَن القارئ أن عطفهم على اليهود بحرف (الواو) ثم عطف النصارى عليهم, يجعل حكمهم مثلهم, ولظن أنهم قد أرسل إليهم رسول من عند ربهم, أما وضعهم بين اليهود والنصارى فهذا ترتيب حسب زمن ظهورهم, فقد ظهروا بعد اليهودية, واستمر وجودهم إلى ما بعد النصرانية. والشاهد على تفرد شىء بحكم خاص به رغم عطفه على شىء آخر, ما جاء فى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} [المائدة:6] فكلمة: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} برغم أنها (ظاهرياً) معطوفة على {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} إلا أنها لا تأخذ حكمها فى المسح, ولكنها جاءت فى السِّياق لأجل ترتيب أفعال الوضوء, أما من حيث حكمها فهى معطوفة على {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} بمعنى أنها تُغسَل مثلهم, والله أعلم.

س325- ليس فى القرآن آية واحدة تدل على تحريم الخمر, أما الآية 90 من سورة (المائدة) فهى تدل على المجانبة فقط.

ج325- إن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أشد من النهى المباشر, لأن الاجتناب يعنى تحريم كل الطرق المؤدية إلى شربها, كما قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى} [الإسراء:32] فلم يقل سبحانه وتعالى (ولا تزنوا) لأن الأخيرة تعنى تحريم الزنى فقط, أمّا الأولى فتعنى تحريم كل الطرق المؤدية إليه, من خلوة, ونظر محرَّم, ولمس بالأيدى, وخضوع بالقول, وتبرج… إلخ. فكذلك قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوهُ} أشد فى التحريم من (لا تشربوا الخمر) فمجانبة الشىء تعنى أنك تعطيه جانبك, كأن يكون على يسارك فتعطيه جانبك, وتلتفت ناحية اليمين, أو يكون هناك شىء خطير على جانب الطريق, فتجتنبه وتمشى على الجانب الآخر. أمّا لو قال (لا تشربوا الخمر) أو (حرمت عليكم الخمر) فهذا لا يعنى إلا تحريم شربها, ولكن لا مانع من تصنيعها, أو بيعها, أو أكل ثمنها, أو مجالسة من يشربونها, أو حملها إليهم… إلخ, ولكن تحريم كل هذا جُمِعَ فى كلمة واحدة, وهى قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوهُ}. ويؤيد ذلك قول رسول الله r: ((إن الله لعن الخمرَ, وعاصِرَها, ومُعتَصِرَها, وشارِبَها, وساقيَها, وحامِلَها, والمحمولةَ إليه, وبائعَها, ومشتريَها, وآكِلَ ثمنها)) [صحيح الجامع:1802]

أمّا الكتاب المقدس فقد ذمَّها, ثم أمر بشربها, وإليكم بعض النصوص الخاصة بها: مُحِب الخمر والدُّهن لا يستغنى. (أمثال21: 17) لمن الويل لمن الشقاوة لمن الْمُخاصمات لمن الكَرْبُ لمن الجروح بلا سبب لمن ازمهرار العينين. للذين يدمنون الخمر الذين يدخلون فى طلب الشراب الممزوج. لا تنظر إلى الخمر إذا احمرت حين تظهر حِبابَها فى الكأس وساغت مرقرقة. فى الآخر تلسع كالحيَّة وتلدغ كالأفعوان. عيناك تنظران الأجنبيات وقلبك ينطق بأمور ملتوية. تكون كمضطجع فى قلب البحر أو كمضطجع على رأس سارية. يقول ضربونى ولم أتوجَّع. لقد لكأونى ولم أعرف. متى أستيقظ. أعود أطلبها بعد (أمثال23: 29-35) أعطوا مُسكراً لهالِك وخمراً لِمُرّى النفس. يشرب وينسى فقره ولا يذكر تعبه بعد (أمثال31: 6-7) لا تكن فى ما بعد شرّاب ماء بل استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة (الرسالة الأولى إلى تيموثاوس5: 23), والله أعلم.

س326- يقول القرآن: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة:93] ما هذا الإطناب والتكرار؟

ج326- إن هذا ليس تكراراً ولا إطناباً, فقد جاء فى (تفسير النسفى) بخصوص هذه الآية الكريمة ما نصّه:

ونزل فيمن تعاطى شيئاً من الخمر والميسر قبل التحريم {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ} أى: شربوا من الخمر وأكلوا من مال القمار قبل تحريمهما {إِذَا مَا اتَّقَواْ} الشرك {وَّآمَنُواْ} بالله {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} بعد الإيمان {ثُمَّ اتَّقَواْ} الخمر والميسر بعد التحريم {وَّآمَنُواْ} بتحريمهما {ثُمَّ اتَّقَواْ} سائر المحرَّمات. أو الأول عن الشرك, والثانى عن المحرمات, والثالث عن الشبهات {َّأَحْسَنُواْ} إلى الناس {وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}

ثم إن فى تكرار هذه الكلمات الدالة على التقوى والإيمان والإحسان, دلائل على وجوب مراعاتها, والاستمرار فى سلوكيات تناسبها, ونحن نعلم أن الإيمان يزيد وينقص, ويقوى ويضعف, وتكرار هذه التنبيهات يذكِّر ويعدِّل مسار المؤمن, فيحسِّن سلوكه ونواياه, فيحبه ربه ومولاه, والله أعلم.

س327- يقول القرآن: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} [المائدة:109] إن الرسل هم أعلم أهل الأرض, فكيف يكذبون ويقولون: {لاَ عِلْمَ لَنَا}؟

ج327- إن الأنبياء – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – هم أعلم الناس بربهم, وأتقاهم له, وقد كانوا فى الدنيا على وَجَل وخوف من ربهم جل وعلا, فما بالكم بيوم القيامة؟ إنهم من هول الموقف بين يديه سبحانه وتعالى, ينسون ما حدث من أقوامهم, فيقولون: {لاَ عِلْمَ لَنَا} فهو نسيان وليس كذباً, ولنضرب لذلك مثلاًً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لو أن طلبة فى لجنة الامتحان جاءههم مراقب ضخم الهيئة, فظ غليظ, وقال لهم بصوت أجَش: الباقى من الوقت خمس دقائق, فإنهم ينسون, ولا يدرون ماذا يكتبون فى ورقة الإجابة, لا لعدم مذاكرتهم, ولكن لخوفهم منه, والله أعلم.

س328- يقول القرآن: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} [الأنعام:38] ما فائدة قوله: {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}؟ وهل يطير الطائر إلا بجناحيه؟

ج328- إن هذا الوصف للتوكيد, والتوكيد هنا يفيد معنى الشمول الذى دلت عليه {مِن} فى قوله تعالى: {وَمَا مِن} والتوكيد جاء لغرابة الخبر عندهم وكَوْنه مَظنَّة إنكارهم (أى أن الطيور أمم أمثالنا) فكان حقيقاً بأن يُؤكَّد أنه الطائر الذى نعرفه يطير بجناحيه, وليس المقصود به شيئاً آخر, والله أعلم.

س329- إن القرآن يخلط الترتيب التاريخى فى بعثة الأنبياء والمرسلين, فيقول مثلاً: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{84} وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ{85} وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأنعام:84-86] لكن الترتيب التاريخى الحقيقى هو: أيوب, إبراهيم, لوط, إسماعيل, إسحاق, يعقوب, يوسف, هارون, موسى, داود, سليمان, إلياس, اليسع, يونس, زكريا, يحيى, عيسى.

ج329- إن القرآن ليس كتاباً تاريخياً, ولا يؤرِّخ للأحداث مرتبة بغير قصد, إنه كتاب هداية وإصلاح وإرشاد, وحين تقرأ القرآن ترى أن الله لم يذكر اسم ابن نوح الذى كان كافراً, ولا اسم جبار إبراهيم, ولا اسم فرعون موسى, ولا أسماء أهل الكهف, ولا زمانهم, ولا مكانهم, ولا اسم الذى عقر ناقة صالح, ولا اسم ذى القرنين ولا زمانه, ولا مكان سد يأجوج ومأجوج, ولكن القرآن يذكر الظَّلَمَة بأفعالهم, وليس بأسمائهم, فلا قيمة للأسماء, فإن الله قد أهلكهم بسبب أفعالهم, وليس بسبب أسمائهم, فهو ليس كتاب تاريخ, ولكنه كتاب عقيدة وعمل, ولذلك لا يهتم بالترتيب, فقد ذكر قوم ثمود فى سورة (الحاقة) قبل عاد, مع أن المعلوم من القرآن نفسه أن عاداًً قبل ثمود, وجاء بذكر سيدنا محمد قبل جميع الرسل – صلوت الله وسلامه عليهم أجمعين – فى قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} [النساء:163] إذن فالقرآن لا يؤرخ للأحداث, ولكنه يضرب الأمثال, ويسرد الحقائق, ولا يهم أن تكون مرتبة, المهم الاعتبار والموعظة, والظروف التى نزلت فيها الآية, وعلى قدر الاستيعاب وحالة النفوس, ومناسبة المعنى لما قبلها وما بعدها, وأحياناً يأتى الحدث على هيئة رمز غير مرتب, كما جاء فى سورة (التين) {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ{1} وَطُورِ سِينِينَ{2} وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} لقد جاء بمكان سيدنا عيسى وهو {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} قبل مكان سيدنا موسى {طُورِ سِينِينَ} ثم قال: {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ}  مكان سيدنا محمد, صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ثم إنه من يدرس حروف العطف فى لغة العرب – التى هى لغة القرآن – يعلم بأن (الواو) تعطف, ولا تفيد ترتيباً زمنياً مثل (ثم) و(الفاء).

وقد جاء فى كتابكم المقدس أن (يهورام) مات وعنده أربعون عاماً, ثم تولى ابنه (أخزيا) الملك من بعده, وهو ابن اثنتين وأربعين عاماً, أى أنه كان أكبر من أبيه بعامين:

كان يهورام ابن اثنتين وثلاثين سنة حين مَلَك ومَلَك ثمانى سنين فى أورشليم. (أخبار الأيام الثانى21: 5) هذا النَّص يذكر عمر (يهورام) ومدة مُكثه فى الْحُكم, ثم يأتى النَّص التالى ليذكر وفاته:

كان ابن اثنتين وثلاثين سنة حين مَلَك ومَلَك ثمانى سنين فى أورشليم وذهب غير مأسوف عليه ودفنوه فى مدينة داود ولكن ليس فى قبور الملوك (أخبار الأيام الثانى21: 20) ثم يأتى النَّص الأخير ليثبت أن ابنه (أخزيا) تولى الحكم بعده مباشرة (عِوَضاً عنه) وكان أكبر منه سناً:

وملَّك سكان أورشليم أخزيا ابنه الأصغر عِوَضاً عنه لأن جميع الأوَّلين قتلهم الغُزاة الذين جاءوا مع العرب إلى المحلة. فمَلَكَ أخزيا بن يهورام مِلْكِ يهوذا كان أخزيا ابن اثنتين وأربعين سنة حين ملك (أخبار الأيام الثانى22: 1-2) فهل هذا أشد أم ترتيب الأحداث؟, والله أعلم.

س330- نحن نلاحظ استخدام القرآن لعبارات مختلفة لنفس المعنى, فيقول مثلاً: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام:151] ثم يقول: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} [الإسراء:31] فما هذا التكرار والتلاعب بالألفاظ؟

ج330- إن الآيتين ليس بهما تكرار, ولا تلاعب بالألفاظ, فالآية الأولى تتكلم عن فقر موجود فعلاً, فمن البديهى أن تطمئن الفقير على رزقه أولاً, ثم رزق أولاده, ولذلك جاءت بلفظ {نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} أما الآية الثانية فإنها تتحدث عن الخوف من الفقر, أى أنه لم يقع بعد, وهم يخشون وقوعه بسبب كثرة الذرية, فيطمئنهم الله عز وجل بأنه سيرزق أولادهم أولاً, وأنهم لن يكونوا سبباً فى فقرهم, ولذلك قال: {نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} فهذا أبلغ فى الاطمئنان على رزق أولادهم, حتى لا يفكروا فى قتلهم, والله أعلم.

س331- يقول القرآن: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [الأعراف:10] ثم يقول: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} [الأعراف:11] ألم يكن المفروض أن تأتى الآية 11 قبل الآية 10؟ إذ كيف يكون تمكين الإنسان فى الأرض قبل خلقه؟

ج331- إن الترتيب هاهنا ليس ترتيباً زمنياً, ولكنه ترتيب حسب الأهمية, كما جاء ذلك كثيراً فى القرآن الكريم, مثل قوله تبارك وتعالى فى أول سورة (الرحمن): {الرَّحْمَنُ{1} عَلَّمَ الْقُرْآنَ{2} خَلَقَ الْإِنسَانَ{3} عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} فتذكير الإنسان بنعمة التمكين له فى الأرض, وكفالة معايشه, وطعامه وشرابه, وسائر احتياجاته, يأتى فى المقدمة قبل سرد قصة خلقه, لأن هذه الأشياء بها قوام حياته, وهو لا يهتم بقصة خلقه قدر اهتمامه بمعايشه, فهى شغله الشاغل, وبدونها يهلك, ولا يستطيع مواصلة الحياة, فلو ذهبنا إلى إحدى البلاد التى بها مجاعات مثل النيجر, وكان معنا طعام وشراب, فأطعمناهم وسقيناهم, فكم تكون فرحتهم بنا؟ وكم يكون امتنانهم لنا؟ أمّا لو ذهبنا إليهم وحدثناهم عن بداية نشأتهم, فهل يعنيهم ذلك فى شىء؟ ولكن إذا حدثناهم عنها بعد إطعامهم, فسيكونون آذانا صاغية, فالله سبحانه وتعالى – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – يمتن على عباده بهذه الأشياء قبل امتنانه عليهم بخلْقهم, والله أعلم.

س332- يقول القرآن: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف:33] فهل هناك بغى بحق, وبغى بغير حق؟

ج332- البغى معناه الظلم, وهو محرم قطعاً بالكتاب والسنَّة, ولكن هذا من باب (المشاكلة اللفظية) ما معنى هذا الكلام؟ معناه أننا نسمى رد الفعل باسم الفعل, فمثلاً قول الله عز وجل: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة:194] فمن اعتدى عليك بالضرب أو الإهانة, فمن حقك أن ترد اعتداءه بمثله, وفى هذه الحالة أنت غير ظالم له, لأنه هو الذى بدأ بالاعتداء, ولكن رد فعلك أخذ الصفة نفسها, من باب المشاكلة اللفظية كما قلنا, وآيات أخرى كثيرة تؤيد هذا المعنى, مثل قوله تعالى: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران:54] ومثل: {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ{14} اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة:14-15] فهؤلاء عوقبوا بما يتناسب مع فعلهم.

وهناك رأى آخر يقول: إن هناك أشياء ظاهرها البغى, ولكنها بحق.. كيف ذلك؟ فمثلاً: حالات التترس بالبرىء فى الحروب.. يأخذون أسرى أو رهائن ويتترسون بهم, أى يستترون خلفهم كدروع بشرية (وهو ما يسمونه الحائط البشرى) حتى إذا حاول أحد قتلهم, فلابد أن يقتل هؤلاء الأسرى, رغم أنهم أبرياء.. فماذا نفعل فى هذه الحالة؟ هل نترك أعداء الله وأعداءنا خوفاً على الأسرى الأبرياء المسلمين؟ إننا فى هذه الحالة نقتل الأبرياء لنصل إلى الأعداء, وفى هذه الحالة نكون فد بغينا على الأبرياء, ولكنه بغى بحق. ومثل مجرم تطارده الشرطة, فاختبأ وراء أبرياء, ولا تستطيع قتله إلا إذا قتلت معه هؤلاء الأبرياء, فلابد أن يُقتل هذا المجرم, ولو قُتِلوا معه, لأنه لو تُرك لكان خطراً على الأمة, وعلى المسلمين, فالمصلحة العليا تقتضى قتل هذا المجرم العاتى, مع التضحية بالأبرياء, فيكونون فى هذه الحالة قد قُتِلوا ظلماً, ولكن بحق. مثال آخر: هناك أرض زراعية لشخص ما, وهذه الأرض فى مواجهة العدو, والمصلحة العليا للدولة تقتضى الاستيلاء على هذه الأرض, فيصدر أمر من وزير الدفاع بالاستيلاء عليها, ووضع المدفعية والأسلحة اللازمة للقتال فى هذه الأرض (مع تعويضه عنها) مع أن الرجل يبكى ويصرخ, وهذا الأمر معمول به فى دول العالم للمنافع العامَّة, ويسمى أمر استيلاء, فهذا أيضاً بغى, ولكن بحق. وفى الطب قد يعمَد الأطباء إلى الكَىّ, أو بَتْر جزء من جسم المريض, أو جراحة معقدة, أو خلع أسنان… إلخ, للمصلحة العامة, وإحراز الشفاء والنجاة لباقى الجسم, فهذه أعمال ظاهرها بغى وقسوة, لكنها بالحق رحمة مطلوبة, ومأمور بها, والله أعلم.

س333- القرآن يذكِّر خبر الاسم المؤنث, فيقول: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56] وكان الصحيح فى اللغة أن يقال (إن رحمت الله قريبة) لأن {قَرِيبٌ}  خبر اسم  {إِنَّ}  وهو {رَحْمَتَ}

ج333- إن الآية الكريمة ليس القرب المذكور فيها مراداً به قرب النسب فيلزم تأنيثه, وإنما المراد قرب الزمان, والعرب تجيز فيه الوجهين: التذكير والتأنيث, ولامْرئ القيس وهو من شعراء الجاهلية, وشعرهم حجة فى إثبات اللغة, بيت نحا فيه هذا المنحى, فقال:

له الويل إن أمسى ولا أم سالم     قريب ولا البسباسة ابنة يشكر

والشاهد فى البيت تذكير قريب, مع جريانه على مؤنث (أم سالم) وهو نظير {قَرِيبٌ} فى الآية الكريمة, ونقول إن القرآن لم يخرج عن سنن البيان العربى حين ذكَّر {قَرِيبٌ} وهى مجراها على مؤنث مجازى غير حقيقى {رَحْمَتَ اللّهِ} وكان الرد المفحم على خصوم القرآن قول الفراء – رحمه الله – من أن العرب كانوا يفرقون بين القرب والبعد من النسب, وبين القرب والبعد فى المكان والزمان, فالأول يلتزم فيه تأنيث ما جرى خبراً أو صفة لمؤنث, أما الثانى وهو القرب والبعد فى الزمان فإنهم يجيزون فيه الوجهين, التذكير والتأنيث.

كما أنه لا يصح ذكر اللفظ المؤنث (قريبة) بعد اسم {الله} لئلا يختلط المفهوم, وينتهزها الجهلاء, ويقولوا إنها صفة لله, وحاشا له ذلك, وتعالى علواً كبيراً, والله أعلم.

س334- يقول القرآن عن نبى الله نوح: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف:62] فهل أُرسِل نوح برسالة واحدة, أم برسالات كثيرة؟

ج334- لم يكن قبل سيدنا نوح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – رسل حتى يبلغ رسالاتهم, ولكنه كانت كلما نزلت عليه رسالة بلغها لقومه, كما كان يفعل سيدنا محمد r كلما نزلت عليه آية بلغها لقومه, مع أن الرسالة واحدة, وهى الإيمان بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, واليوم الآخر, والقدَر خيره وشره, وفعل المأمورات, وترك المنهيات, إلا أن هذه الرسالة تحتوى على رسائل شتى, فكل أمر رسالة, وكل نهى رسالة, وكل موعظة رسالة… إلخ, والله أعلم.

س335- يقول القرآن عن امرأة لوط: {كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [الأعراف:83] وهذا فيه تذكير للمؤنث.

ج335- إن امرأة سيدنا لوط – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – كانت تؤيد وتشجع الرجال على فعل قومه الذى نبُرِّئ منه اسم سيدنا لوط, وعندما جاءت الملائكة (عليهم السلام) لزوجها فى صورة رجال, على درجة كبيرة من الجمال, صعدت إلى سقف منزلها تلوِّح بدِرْعها لقومها أن يأتوا ليعتدوا عليهم. فلماذا تفعل ذلك وهى لا دخل لها به؟ ولا يلحقها منه أى منفعة؟ إن أى امرأة تستقبح وتستقذر هذا الفعل, فضلاً عن أن تشجع عليه, أما هى فقد شجعت عليه حباً وولاءً لأهلها, ولذلك ألحقها الله بهم فى هلاكهم. كما أنه فى لغة العرب يُخاطَب الجمع بصيغة المذكَّر, ولو أن هذا الجمع فيه رجل واحد والباقى نساء, والله أعلم.

س336- إن موسى فى القرآن رجل سوبرمان, سأل الله أن يراه فأخذته الصاعقة, ولكنه لم يمت {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف:143] أما بنو إسرائيل لما سألوا رؤية الله أخذتهم الصاعقة, فماتوا جميعاً {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ{55} ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة:55-56]

ج336- إن سؤال سيدنا موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – رؤية الله عز وجل, جاء بعد أن سمع كلام الله وتلذذ به, فاشتاق إلى رؤيته سبحانه وتعالى اشتياق المتيَّم بحب ربه, فسأله الرؤية بأدب جَم {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} أى لو أذنت لى يا ربى أن أراك, فجاءت الصاعقة على سبيل البيان لسيدنا موسى أنه لا يستطيع أن يراه, لأن تركيب الإنسان فى الدنيا غير مُعَد لرؤية الله عز وجل, ولا يحتمل ذلك, فإن الجبل العملاق لم يستطع تحمل تجلِّيه سبحانه وتعالى, فكيف بالبشر الضعيف؟ ولو رفض الله سبحانه وتعالى إجابة دعائه بغير هذا البيان, فربما حزن موسى, واعتبر هذا عدم رضا عليه, فكان ما حدث تعليماً له وليس عقاباً, بدليل أن الله سبحانه وتعالى بيَّن له منزلته العظيمة عنده بقوله: {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} [الأعراف:144] أما بنو إسرائيل فقد سألوا موسى رؤية الله على سبيل التعنت والشرط {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} فكانت الصاعقة بمثابة التأديب, وكبح الجماح, ولم تكن تجلياً عليهم, بل عقاباً لهم, لسوء أدبهم مع خالقهم جل وعلا, إذن هناك فرق بين الأدب المتمثل فى سؤال موسى, وبين الغطرسة فى بنى إسرائيل, وليست المسألة أن موسى سوبرمان كما يقول الناقد, والله أعلم.

س337- كيف يكلم الله موسى عن الإنجيل فى قوله: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} [الأعراف:157] ولم يكن الإنجيل أُنزَل بعد؟

ج337- إن هذا تبشير لسيدنا موسى بسيدنا محمد r, وفى الوقت نفسه تبشيره بسيدنا عيسى – على نبينا وعليهما الصلاة والسلام – والإنجيل الذى أُنزَل معه. وقد جاء فى الكتاب المقدس ما يؤكد أن سيدنا موسى بشَّر بسيدنا عيسى: لا تظنوا أنى أشكوكم إلى الآب. يوجد الذى يشكوكم وهو موسى الذى عليه رجاؤكم. لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقوننى لأنه هو كتبَ عنى. (يوحنا5: 45-46), والله أعلم.

س338- إن القرآن خالف قواعد اللغة العربية, حيث أنَّث العدد وجمع المعدود فى قوله: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً} [الأعراف:160] والصحيح أن يقال (اثنى عشر سِبطاً) لأنه كان يجب أن يذكِّر العدد ويأتى بمفرد المعدود.

ج338- وجَّه النُّحاة تأنيث العدد فى الآية, بأن السِّبط فى بنى إسرائيل كالقبيلة عند العرب, يعنى أنه أراد بالأسباط القبائل, ولذلك أنَّث جزءى العدد المركب, وهما {اثْنَتَيْ عَشْرَةَ} هذا وجه, ووجه آخر هو تأويل السِّبط بالجماعة أو الفرقة أو الطائفة, أما جمع (أسباط) وكان حقه أن يُفرد, فقد روعى فيه المعنى دون اللفظ, ومن الدلائل القوية على صحة تأنيث العدد أن بعض النحاة أضاف إلى بدلية {أُمَماً} من {أَسْبَاطاً} أن {أُمَماً} وقعت نعتاً لأسباط, و{أُمَماً} جمع أمَّة المؤنثة, وسواء كانت {أُمَماً} بدلاً من {أَسْبَاطاً} أو كانت نعتاً له, فإن الذى لا نزاع فيه أن المؤنث لا يبدل من المذكر, ولا يقع نعتاً له, وهذا دليل قاطع على أن المراد من {أَسْبَاطاً} وإن كان مذكراً فى اللفظ, فهو فى المعنى مؤنث لا محالة, ولذلك أنث النظم القرآنى جزءى العدد المركب {اثْنَتَيْ عَشْرَةَ} أما جمع المعدود {أَسْبَاطاً أُمَماً} وإن وجهه النحاة توجيهاً صائباً فقد بقى فى مجيئه جمعاً ملمح بلاغى دقيق, ذلك الملمح نوضحه كالآتى: بدأت الآية الكريمة بهذا الفعل {قَطَّعْنَاهُمُ} بتشديد الطاء على وزن (فعَّل) وهذا التشديد يفيد التكثير, أى كثرة التقطيع والتفريق, وهذا يناسبه بلاغة جمع {أَسْبَاطاً أُمَماً} لا إفرادهما, والمعانى البلاغية من هذا النوع تُزال من أجلها كل الموانع والسدود, ولغة القرآن وبلاغته أوسع من قواعد اللغة وفنونها البلاغية, ثم إن القرآن الكريم أسبق من النحو والبلاغة, بل إن النحو والبلاغة وُضِعا بسببه, والله أعلم.

س339- تزعمون أن آدم نبى, مع أن القرآن أقرَّ بأنه أشرك بالله هو وزوجته, واقرءوا إن شئتم: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ{189} فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ{190} أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الأعراف:189-191]

ج339- إن هذه الآيات لا تتحدث عن سيدنا آدم – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – ولكنها تتحدث عن مِثال من الأزواج المشركين, بدليل أن الآيات التى تليها تخاطب المشركين أيام الرسول r ومن على شاكلتهم, كما أن قوله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} جاء بصيغة الجمع, ولم يأتِ بصيغة المثنى, كما أنه جاء بصيغة الحاضر الذى يفيد الاستمرار, ولم يأتِ بصيغة الماضى المناسب لخلق سيدنا آدم, أما ما جاء فى بعض التفاسير بهذا الشأن, فهو – وللأسف – من الإسرائيليات, إذ كيف يشرك سيدنا آدم, وهو الذى قال الله عنه: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه:122]؟ ثم إن أسماء أولاده معروفة, ولم يَرِد أن أحداً منهم كان اسمه (عبد الحارث) كما تزعم الروايات المكذوبة عليه. ومما يدل على أن الآية ليس مقصوداً بها سيدنا آدم وزوجته, أن الأسلوب نفسه قد استُعمِلَ فى الدلالة على بنى آدم وأزواجهم, مثل قوله تعالى: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} [النحل:72] وقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم:21], والله أعلم.

س340- يقول القرآن: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} [الأنفال:25] ما ذنب الذين لم يظلموا أن يُعاقبوا بالفتنة؟ أليس هذا ظلماً؟

ج340- إن ذنبهم أنهم لم ينهوا عن الظلم, قال رسول الله r: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)) قيل: كيف أنصره ظالماً؟ قال: ((تحجزه عن الظلم, فإن ذلك نصره)) [صحيح الجامع:1502] وقال: ((إن الناس إذا رأوا الظالم, فلم يأخذوا على يديه, أوشك أن يعمَّهم الله بعقاب منه)) [صحيح الجامع:1973] وقال: ((والذى نفسى بيده, لتأمرن بالمعروف, ولتنهون عن المنكر, أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده, ثم لتَدْعُنَّه فلا يستجيب لكم)) [صحيح الجامع:7070] وقد ورد أن الله سبحانه وتعالى أمر الملائكة بإهلاك قرية ظالمة فى قديم الزمان, وكان بها رجل عابد فى صومعته, فقالوا: يا رب إن بها فلاناً العابد, فقال: ((ابدأوا به, فإنه لم يتمعَّر وجهه يوماً من أجلى)) أى إنه كان لا يغضب لله, ولا ينهاهم عن المنكر, رغم قدرته على ذلك, واكتفى بصلاحه وعبادته, قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود:117] فلم يقل الله سبحانه وتعالى (وأهلها صالحون) بل قال: {مُصْلِحُونَ} أى أنه لا يكفى الصلاح وحده, بل لابد من الإصلاح لمن قدر عليه, أما الضعيف الذى لا قدرة له على النهى عن الظلم, فلا يشارك فيه, وينكره ولو بقلبه, قال رسول الله r: ((ما من نبى بعثه الله فى أمة قبلى إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنَّته ويتقيدون بأمره, ثم إنها تَخْلُف من بعدهم خُلُوف يقولون ما لا يفعلون, ويفعلون ما لا يؤمرون, فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن, ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن, ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن, ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) [صحيح الجامع:5790] وإذا أهلك الله الظَّلَمَة, وفيهم هؤلاء الصالحون المستضعفون, الذين لم يستطيعوا منع الظلم, فإن الله سبحانه وتعالى يبعثهم على نيّاتهم, أى أن مآلهم فى الآخرة سيكون مختلفاً عن مآل هؤلاء الظالمين, قال رسول الله r: ((إن الله تعالى إذا أنزل سطواته على أهل نقمته, فوافت آجال قوم صالحين, فأُهلِكوا بهلاكهم, ثم يُبعثون على نيّاتهم وأعمالهم)) [صحيح الجامع:1710]‌, والله أعلم.

س341- يقول القرآن: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال:33] فهل المشركون يستغفرون يا أيها المسلمون؟

ج341- لم يقل الله عز وجل إنهم (استغفَروا) بصيغة الماضى, ولكنه قال: {يَسْتَغْفِرُونَ} فالصيغة الأولى تفيد أنهم استغفروا وهم على شركهم, أما الصيغة الثانية فهى صيغة مضارع مستمر, تفيد أنهم يستغفرون, أى يُسْلِمون, ويستمرون على طلب المغفرة لسابق ظلمهم, والله سبحانه وتعالى لم يرسل عليهم عذاباً يستأصلهم, لسابق علمه أن الكثير منهم سيسلمون, حتى إنه نهى النبى r عن الدعاء عليهم, رغم أنهم قتلوا أصحابه من حَفَظَة القرآن y فقال له: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ{128} وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران:128-129] وبالفعل قد أسلم الكثير من صناديدهم, أمثال: أبى سفيان قائد معسكر الشرك, وخالد بن الوليد, وعمرو بن العاص, وعِكرمة بن أبى جهل, وصفوان بن أُميَّة, وغيرهم كثير وكثير, وخاصة بعد فتح مكة, وهم الطُّلَقاء الذين عفا عنهم رسول الله r, والله أعلم.

س342- يقول القرآن: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:60] أنتم تقولون إن القرآن صالح لكل زمان ومكان, فهل تصلح الخيل فى الحروب الإلكترونية الحديثة؟

ج342- إن السائل ليس له خبرة بكل وسائل الحرب, فما زالت جميع الجيوش العالمية تعتمد على ما يسمى (سلاح الخيّالة) وهذا السلاح لم يتم إلغاؤه, حتى فى أعظم الدول تقدماً واعتماداً على الإلكترونيات, وتحافظ الكليات الحربية على تدريب الفُرْسان والخيول, والاحتفال بعروضها ومسابقاتها إلى اليوم فى جميع الدول, لأن الخيل تستطيع أن تدخل الأماكن الضيقة الوعرة, ذات المنخفضات والمرتفعات, وأماكن البرَك والمستنقعات, التى لا تستطيع أن تدخلها المركبات الحديثة, كعربات الجيب, والهامر, وغيرها, ولا حتى الموتوسيكلات. وقد ظهرت أهمية الخيل بوضوح فى حرب 73 عندما حوصر الجيش, فكان لا يستطيع أن يدخل إليهم فى هذه الأماكن الوعرة إلا الخيل والجمال والحمير, وكانت أى مركبة سواء سيارة, أو دبابة, أو عربة مجنزرة, أو نصف مجنزرة, تظهر على رادار الأعداء, فيضربونها وهى لم تبرح مكانها, لأن لها ذبذبات ونبضات حرارية تظهرها, أما الخيل فليس لها ذبذبات ولا نبضات تظهرها, لا على الرادار, ولا المروحيات, وليس لها عادِم تُعرَف به, فكانت وسيلة جيدة لتوصيل المؤَن والمعدّات إلى الجيش فى الأماكن المحاصَرَة. إن الإنسان مهما بلغ من العلم فلن يستطيع أن يستغنى عن هذه المخلوقات, فالحمار الذى يُضرَب به المثل فى الغباء, عنده ملكات فطرية لا يستغنى عنها الإنسان, فبالإضافة إلى أنه يصل إلى الأماكن الضيقة الوعرة, فمن الممكن استخدامه بغير قائد, ففى القرى يُحمِّلون عليه الطعام وغيره, فيذهب به إلى الحقل ويرجع وحده, والكثير منا شاهد الفلاحين مُحمِّلين العربات التى نسميها (الكارُّو) بالخضر والفاكهة, ويسافرون بها إلى المدن البعيدة لبيعها, وهم نائمون عليها, والحمار يعرف الطريق, ويمشى وحده إلى أن يصل إلى ذلك المكان, فهل تستطيع أى سيارة, ولو كانت ما تسمى (الشَّبَح) أن تذهب وتجىء وحدها بغير قائد؟ سبحان الله {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل:8] إن هذه الآية سيستمر العمل بها إلى نهاية العالم, وحتى لا يأتى متفلسف ويقول: هناك مركبات ظهرت حديثاً ولم تُذكَر فى الآية, مثل السيارات, والموتوسيكلات, وغيرها, فنقول له: إن الله عز وجل بعدما ذكر هذه المخلوقات, قال: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}, والله أعلم.

س343- يقول القرآن: {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً} [الأنفال:69] أليس هذا تحريضاً على القتل, وأكل أموال الناس بالباطل؟

ج343- لقد دافعنا عن فِرْية التحريض على القتل, فى الرد على الشبهة رقم (81) وغيرها, والذى نَوَدُّ أن نضيفه, هو أن الغنائم جاء ذكرها فى الكتاب المقدس, حتى لا يظن السائل أن الإسلام قد ابتدعها. وعلى أيَّة حال فهى معاملة للمحاربين بالمثل, كما أنه لا يوجد فى العالم أجمع من ترك غنيمة أعدائه بعدما انتصر عليهم, فكيف تطالبون المسلمين بتركها؟ وها هى بعض الأدلة على ذكرها فى الكتاب المقدس:

فخرج سيحون للقائنا هو وجميع قومه للحرب إلى ياهص. فدفعه الرب إلهنا أمامنا فضربناه وبنيه وجميع قومه. وأخذنا كل مدنه فى ذلك الوقت وحرَّمنا من كل مدينة الرجال والنساء والأطفال. لم نُبْقِ شارداً. لكن البهائم نهبناها لأنفسنا وغنيمة المدن التى أخذنا… الجميع دفعه الرب إلهنا أمامنا. (تثنية2: 32-36)

لكن كل البهائم وغنيمة المدن نهبناها لأنفسنا. (تثنية3: 7)

بنيامين ذئب يفترس. فى الصباح يأكل غنيمة وعند المساء يُقسِّم نهباً (تكوين49: 27)

ثم انظروا ما أعظم هذا الذى أعطاه إبراهيم رئيس الآباء عُشْراً أيضاً من رأس الغنائم. (الرسالة إلى العبرانيين7: 4)

قد يقول قائل: ألم يقل نبيكم: ((أُحِلَّت لىَ الغنائم, ولم تحل لأحد قبلى)) [صحيح الجامع:4221]‌؟ فنقول: بلى.. ولكن لا يعنى هذا أنها لم تكن موجودة, بل كانت موجودة, ولكن كان أكْلُها مُحَرَّماً عليهم, ومن أكلها منهم فهو آثم, ولذلك قيل عن بنيامين حين أكلها إنه (ذئب يفترس) وقد كانت تنزل إليها نار من السماء فتأكلها, قال رسول الله :r ((لم تحل الغنائم لأحد سود الرءوس من قبلكم, كانت تُجْمَع وتنزل نار من السماء فتأكلها)) [صحيح الجامع:5196]‌ فإباحتها لنا من رحمة الله سبحانه وتعالى بنا. وقد ذكرنا الدليل من الكتاب المقدس على أن النار كانت تنزل من السماء لتأكل ما يُقدَّم لله من ذبائح وغيرها, فى الرد على الشبهة رقم (88) والغنائم مثلها, والله أعلم.

س344- يقول القرآن: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} [التوبة:5] وهذا معناه أن المشركين إن لم يسلموا, أو يخرجوا من جزيرة العرب فى المدة المحددة, فسوف يقتلون, أليس هذا إكراهاً فى الدين؟ ثم إن نبيكم يريد أن يحتكر جزيرة العرب على المسلمين وحدهم, فيقول: ((لا يَبْقَيَنَّ دينان بأرض العرب)) [صحيح الجامع:4617] فأين حرية العقيدة إذن؟

ج344- إن هذا الكلام خاص بجزيرة العرب, فالقرآن نزل للعرب أولاً, والْمُهلة التى منحها القرآن (أى الأشهر الأربعة) هى مُهلة لمشركى العرب دون غيرهم. إن أعلم الناس بلغة القرآن هم العرب, فلا يُعقل أن يكفر به العربى, لأنه يعلم أنه مُعجز, فمثلاً {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} لو عرضت ذهباً خالصاً على صائغ خبير فى صناعة الذهب, ويعلم الذهب النقى من المغشوش, ثم سألته: أهذا ذهب خالص أم لا, فأنكر مع علمه به, فماذا يكون حاله؟ إن هذا جحود منه لغرض فى نفسه, فكذلك العرب, لم يكذِّبوا رسول الله r إلا جحوداً وحسداً ألا يكون القرآن قد أُنزِل على واحد منهم, كما ذكر محمد بن اسحاق عن الزهرى, أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق ذهبوا ليلاً ليستمعوا قراءة الرسول r للقرآن, وفى عودتهم تقابلوا فى الطريق, فتلاوموا وتعاهدوا ألا يعودوا إلى سماعه r مرة أخرى, حتى لا يُفتن بهم شباب العرب, فلما كانت الليلة الثانية والليلة الثالثة حدث الشىء نفسه, فلما أصبحوا ذهب شريق بن الأخنس إلى أبى جهل, وسأله: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف, فأطعموا فأطعمنا, وحملوا فحملنا, وأعطوا فأعطينا, حتى إذا تجاثينا على الركب, وكنا كفَرَسَى رهان قالوا: منا نبى يأتيه الوحى من السماء, فمتى ندرك ذلك؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه. وقد تحدث القرآن عن هذا المعنى فى أكثر من آية, مثل: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام:33] {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31] {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} [ص:8] وقد تحداهم القرآن أن يأتوا بمثله فعجزوا {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} [الإسراء:88] ثم تحداهم بأن يأتوا بعشر سور {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [هود:13] ثم تحداهم أن يأتوا بسورة مثله {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [يونس:38] أو آية ليست مثله ولكن تشبهه {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:23] ولم يقف التحدى عند هذا فحسب, بل تحداهم بأن يجدوا به أى نقص أو عيب, فقال: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء:82] و{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24] إن صاحب أى بضاعة سيئة لا يريد أن يفتش أحد وراءه فى صنعته, لئلا يجد بها عيباً, ولكن الله عز وجل – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – قد تحداهم أن يجدوا به عيباً, لعلمه بعدم وجوده, فعجزوا رغم كل هذه التحديات, فلماذا لم يؤمنوا إذن؟ ومما زاد الطين بِلِّة (كما نقول) أنهم لم يكتفوا بكفرهم, بل خانوا عهودهم مع رسول الله r على التعايش فى سلام, فكانت عقوبتهم الطرد من بلد الله الحرام, وما جاورها من أرض العرب, وهذا المعنى يتضح فى السورة نفسها {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [13] ثم إن بيت الله الحرام لابد أن يُؤَمَّن, ويُؤَمَّن الطريق إليه, حتى يصل إليه الحجاج والمعتمرون وهم آمنون, والله أعلم.

س345- يتعارض القرآن مع العلم, فيقول: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة:37] مع أن النسىء الذى فى الأيام القبطية من الحساب الفلكى, وله علاقة وثيقة بالزراعة والخِصب.

ج345- إن النسىء المذكور فى الآية الكريمة هو ما كان يفعله المشركون من تأجيل الأشهر الحرم, وجعلها مكان الأشهر الحلال, ليستحلوا بذلك القتال, ولا علاقة له بالأيام التى تتحدثون عنها, والتى تضبط السنة القبطية للزراعة, بدليل قول الله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} وقد جاء فى كتابكم المقدس أن الله سبحانه وتعالى وضع (قوس قزح) ليذكِّرَهُ بألا يغرق الأرض مرة أخرى (كما ذكرنا ذلك فى صفات الرب فى الكتاب المقدس, فى الرد على الشبهة رقم 19) رغم أنه من الظواهر الطبيعة التى لها تفسير علمى لا علاقة له بإغراق الأرض, فضلاً عن أن الندم والنسيان مُحال على الله سبحانه وتعالى. وجاء فى الكتاب المقدس أيضاً أن الشمس نزلت عشر درجات, ثم رجعت فى هذه الدرجات مرة أخرى: هَأنذا أرجع ظل الدرجات الذى نزل فى درجات آحاز بالشمس عشر درجات إلى الوراء. فرجعت الشمس عشر درجات فى الدرجات التى نزلتها (إشعياء38: 8) فما هى هذه الدرجات؟ وكيف تنزل الشمس فيها ثم ترجع مرة أخرى؟, والله أعلم.

س346- يقول القرآن: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} [التوبة:40] إن أساليب الشرط فى اللغة العربية تقتضى جواباً لكل شرط, فهل يصح أن يكون الشرط حاضراً ومستقبلاً, والجواب ماضياً؟

ج346- إن السائل قد أخذ بظاهر اللغة العربية, وجَهِل بعمق أسرارها. ونقول له: إن كلامك عن الشرط وجوابه صحيح, فإن قلت: إن جاءك زيد فأكرمه, فالشرط هو مجىء زيد, وجواب الشرط هو إكرامك له, ولكن إن قلت: إن تذاكر تنجح, فالنجاح يأتى بعد المذاكرة, إذن فزمن الجواب متأخر عن زمن الشرط, ولكن حين نحقق فى الأمر نجد أن الجواب سبب فى الشرط, لأنك عندما تذاكر, فإنك تذاكر لكى تنجح, فلولا النجاح لَمَا ذاكرت. أما نُصْرة الله لرسوله r فلم تكن مترتبة على عدم نصرة قومه له, وبذلك لم تكن جواباً للشرط, وكأن الله سبحانه وتعالى يُعْلِمُهم بحبه لرسوله r وبنصرته له, وإن لم ينصروه, والدليل على ذلك أنه نصره على قومه وأخرجهم من بين أيديهم سالماً, رغم إعدادهم العُدَّة لقتله, والوقوف على بابه وهم مدججون بأسلحتهم, وفى نصرة الله له رفع لقدره, وتحفيز للمسلمين أن ينصروه كما نصره الله, ونَصْره باتِّباع سنته r, والله أعلم.

س347- يقول القرآن: {يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} [التوبة:62] وكان المفروض أن يقول (والله ورسوله أحق أن يرضوهما) بضمير المثنى, لأنه عائد على الله ورسوله.

ج347- إن الذى أنزل القرآن هو الله, فالمنهج منهجه, والشريعة شريعته, والثواب والعقاب بيده, فما يرضى الله سبحانه وتعالى يرضى رسوله r وما يرضى رسوله يرضيه, وكذلك فإن ما يسخطه يسخط رسوله, وما يسخط رسوله يسخطه, قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح:10] وقال: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} [النساء:80] وقال: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران:31] فالغاية واحدة, والهدف واحد, وهو رضا الله سبحانه وتعالى, فلا داعى إذن أن يقول (والله ورسوله أحق أن يرضوهما) لأن إرضاءهما واحد, وهذا تكريم لرسول الله r, والله أعلم.

س348- إن القرآن يأتى بالغرائب فى اللغة العربية, حيث أنه يأتى باسم الموصول العائد على الجمع فيجعله مفرداً, وذلك فى قوله: {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ} [التوبة:69] وكان المفروض أن يقول (وخضتم كالذين خاضوا)

ج348- الذى يرجع إلى الآية بتمامها, يجد أنها تتحدث عن المنافقين والكافرين, حيث إن الآية التى سبقتها تقول: {وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} فالآية مسوقة لتهديد المنافقين والكفار, لعلهم يقلعون عما هم فيه من نفاق وكفر {كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} وقد أُدِير الحديث فيها على تشبيه المخاطبين (المنافقين والكفار) بالأمم الغابرة, كانت أشد منهم قوة, وأكثر مالاً وولداً, وانغمسوا فى شهواتهم الفانية, فسار المنافقون والكفار سيرتهم, فركنوا إلى مُتَع الحياة الدنيا الفانية, ولم يبتغوا ما عند الله, وأن المنافقين والكفار فعلوا كل ما فعله مَن قبلَهم من المعاصى والسيئات. ثم بيَّن الله عز وجل أنهم الخاسرون فى الدنيا والآخرة. فمعنى الآية إذن: (وخضتم خوضاً مثل خوضهم) فالذى فى الآية اسم موصول مفرد, يعود على المصدر المفهوم من الفعل الماضى {خُضْتُمْ} فشبَّه الله عز وجل خوض المنافقين بخوض الذين من قبلهم. وهذا هو النَّسَق الذى دارت عليه المقارنة فى الآية, تشبيه سلوك اللاحقين بسلوك السابقين من الأمم الغابرة, التى عتت عن أمر ربها, وعصت رسله, صلوات الله وسلامه عليهم. واختار الشوكانى فى (فتح القدير) أن المعنى: (كالخوض الذى خاضوا) ومن قبله قال الزمخشرى فى (الكشاف): (وخاضوا فخضتم كالذى خاضوا), والله أعلم.  

س349- إن القرآن لم يَرُد على المشركين, حين قال: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي} [يونس:15] لقد أجاب القرآن على الشطر الثانى فقط, وهو تبديل الآيات, ولم يُجِب على الشطر الأول, وهو {ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا} وكان المفروض أن يقول (ما يكون لى أن آتى بقرآن غير هذا أو أبدله) ولكنه هرب.

ج349- إن الإتيان بقرآن جديد هو الأصعب, لأنه يتطلب تغيير كل ما فيه, ولكن التبديل أسهل من ذلك بكثير, فمن لا يقدر على اليسير, فمن باب أولى لا يقدر على العسير, وهذا من بلاغة القرآن, أن ينفى الأسهل, ليُعلَم استحالة الأصعب, فكأنه يقول لهم: إننى لا أستطيع أن أبدل شيئاً منه, فكيف آتى بغيره؟ ولكن يُفهم من الآية لكل ذى عقل أن أمر التبديل وارد, ولكنه من الله وحده, وليس من رسوله r, لأنه قال: {مِن تِلْقَاء نَفْسِي} أى أنه لم ينفِ التبديل كليَّة, ولكن نفى أن يكون التبديل من عنده, قال تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} [النحل:101], والله أعلم.

س350- يقول القرآن عن يوم القيامة: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} [يونس:24] فكيف يكون الله هو القائل, ولا يحدد متى تكون الساعة من ليل أو نهار؟

ج350- إن هذا السؤال – كغيره – يسلط الضوء على إعجاز القرآن, كالذى يكره المسك, فيحرقه لينتقم منه, فيفوح ريحه! إن العلم الحديث قد أثبت أن الأرض كروية, وأنها تدور حول الشمس مرة كل عام, وتدور حول محورها دورة كاملة كل 24 ساعة, فيكون نصفها المواجه للشمس نهاراً, ونصفها الآخر ليلاً, فهل عندما تُدَمَّر يوم القيامة يُدَمَّر نصفها أم كلها؟ بالتأكيد كلها, سواء الجزء الذى يكون نهاراً, أو الجزء الذى يكون ليلاً, فلو أن الله سبحانه وتعالى قال (أتاها أمرنا نهاراً) لكان نصفها المواجه للشمس هو الذى يُدَمَّر وحده, ولو قال (أتاها أمرنا ليلاً) لكان العكس, ولكن قوله تعالى: {لَيْلاً أَوْ نَهَاراً} يعنى تدميرها بالكامل. وهناك شىء آخر: أن يكون الإنسان على حذر دائم من بطش الله عز وجل, فلا يسرف فى المعاصى نهاراً وهو آمن, ويؤجل التوبة إلى الليل, أو العكس, وهو مُستفاد من المعنى المجازى للآية (يأتيها أمرنا فى أى وقت).

وقد ورد فى الكتاب المقدس أن المسيح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – تنبّأ بانتهاء العالم خلال القرن الأول الميلادى, بل وقبل موت تلاميذه الذين عاصروه, وها هى الأدلة:

ها أنا أرسلكم كغنم فى وسط ذئاب. فكونوا حكماء كالحيّات وبُسطاء كالحمام… ومتى طردوكم فى هذه المدينة فاهربوا إلى الأخرى. فإنى الحق أقول لكم لا تكمِّلون مدن إسرائيل حتى يأتى ابن الإنسان (متى10: 16-23) يتضح من هذا أن عودة المسيح – عليه السلام – إلى الأرض ستكون قبل أن يكمل تلاميذه التبشير فى مدن إسرائيل.

فإن ابن الإنسان سوف يأتى فى مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يُجازى كل واحد حسب عمله. الحق أقول لكم إن من القيام هاهنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتياً فى ملكوته (متى16: 27-28) يتضح من هذا أنه سيأتى للعالم مرة أخرى قبل موت بعض تلاميذه.

وللوقت بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطى ضوءه والنجوم تسقط من السماء وقوات السماوات تتزعزع. وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان فى السماء. وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض ويبصرون ابن الإنسان آتياً على سحاب السماء بقوة ومجد كثير… الحق أقول لكم لا يمضى هذا الجيل حتى يكون هذا كله. (متى24: 29-34) أى أن يوم القيامة سيأتى قبل انتهاء الجيل المعاصر له.. فهل جاء يوم القيامة؟, والله أعلم.

س351- إن القرآن عودنا دائماً على الغرابة, فعلى سبيل المثال ينتقل فجأة من ضمير الْمُخاطَب إلى ضمير الغائب, فيقول: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس:22]

ج351- إن قوله تعالى: {وَجَرَيْنَ بِهِم} على طريقة الالتفات أى (وجرين بكم) من بديع الأسلوب فى الآية, أنها عندما كانت بصدد ذكر النعمة, جاءت بضمائر الخطاب الصالحة لجميع السامعين, فلما تهيأت للانتقال لذكر الضراء, وقع الانتقال من ضمائر الخطاب إلى ضمائر الغيبة لتلوين الأسلوب, فقال: {وَجَرَيْنَ بِهِم} على طريقة الالتفات, وهكذا أجريت الضمائر جامعة للفريقين, والله أعلم. 

س352- يقول القرآن: {وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ} [يونس:43] بديهى أن العمى لا يبصرون, فما فائدة قوله: {وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ}؟

ج352- إن الله سبحانه وتعالى لم يقل (ولو كانوا لا ينظرون) أو (ولو كانوا لا يَرَوْن) حتى تكون لكم الحجَّة, ولكنه قال: {وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ} وقد ذكرنا فى أكثر من موضع أن العمى الذى يصف القرآن به الكفار ليس عمى الأعين, ولكنه عمى القلوب والبصيرة. أمّا فى هذه الآية فقد شبههم الله سبحانه وتعالى بعُمْى الأعين والبصيرة, فاجتمع عليهم العمى بنوعيه, وهذا أسوأ شىء, لأن عَمَى العين لا يمنع الإنسان من الهداية والتفقه فى الدين, أما عمى القلب فهو الذى يعميه عن قبول الحق, ولو كان صاحبه على أعلى الدرجات من الفهم والعلم والثقافة, فهؤلاء اليابانيون المتفوقون فى مجالات شتى من العلوم, يعبدون الأصنام التى يصنعونها بأيديهم, وكذلك الصينيون, وغيرهم من الأمم البوذية, وبهذا يتساوون مع الرجل المشرك البدوى الساذج, الذى لم يَحظَ بأى قدر من العلم, ولو أنهم فتحوا آذان قلوبهم لسماع كلام ربهم, لعلموا أن دين الله هو الحق, وأنهم على الباطل, وأن هذه الأصنام لا تضرهم ولا تنفعهم. فكذلك المشركون على عهد رسول الله r لو أنهم تدبروا أحواله ومَقَاله وفِعاله, وما يدعو إليه, لعلموا أنه صادق, وأن ما يدعو إليه هو الحق, وخصوصاً أنه كان مشهوراً بينهم بالصدق والأمانة, ورجاحة العقل, والمروءة والشهامة, وغير ذلك من الصفات الحميدة, كما قال عنه عبد الله بن سلام t عندما رآه: أول ما نظرت إلى رسول الله قلت: (إن صاحب هذا الوجه ليس بكذاب) فإن الدجال يستحيل عليه التظاهر بالاستقامة فى جميع أحواله, بل لابد أن يفتضح أمره, ولو بين أهله, والرسول r لم يُعرف عنه قط مخالفة حالِه لمقالِه, فمن لم يؤمن به فهو أعمى العين والقلب.

ولقد جاء فى الكتاب المقدس ما نصّه: يضربك الرب بجنون وعمى وحيرة قلب. فتتلمَّس فى الظُّهر كما يتلمَّس الأعمى فى الظلام (تثنية28: 28-29) فهل الأعمى يتلمَّس فى الظلام فقط, أم أنه يتلمَّس فى كل وقت؟ وهل تختلف عنده الرؤية فى الليل أو النهار؟, والله أعلم.

س353- يقول القرآن: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس:62] ويقول: {Ïيَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} [الزخرف:68] مع أننا نرى من تقولون إنهم أولياء الله قد عُذِّبوا وقتلوا, مثل عمّار, وبلال, وعمر, وعثمان, وعلىّ, وغيرهم ممن عذب فى السجون والمعتقلات!

ج353- إن ذلك يكون يوم القيامة, بدليل قول الله جل وعلا: {لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} فكلمة {الْيَوْمَ} تعنى يوم القيامة, وذلك مثل قوله تعالى: {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} [الأنبياء:103] وهو فزع يوم القيامة, لأن الله سبحانه وتعالى وصفه بأنه {الْأَكْبَرُ} وبديهى أنه لا فزع أكبر من فزع يوم القيامة, أما الدنيا فهى دار بلاء, قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ{2} وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:2-3] وقال رسوله r: ((أشد الناس بلاءً الأنبياء, ثم الأمثل فالأمثل, يُبتلَى الرجلُ على حسب دينه, فإن كان فى دينه صلباً اشتد بلاؤه, وإن كان فى دينه رِقّة ابتُلى على قدر دينه, فما يبرح البلاء بالعبد, حتى يتركه يمشى على الأرض وما عليه خطيئة)) [صحيح الجامع:992], والله أعلم.

س354- يقول القرآن: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ} [يونس:88] ثم يقول فى الآية التى بعدها: {قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} كيف يقول: {قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا} والداعى واحد, وليس اثنين؟

ج354- عندما كان سيدنا موسى يدعو, كان سيدنا هارون – على نبينا وعليهما الصلاة والسلام – يُؤمِّن على دعائه بقول: (آمين) أى يا رب استجب, والْمُؤمِّن أحد الداعِيَيْن, فعندما يدعو الإمام فى الصلاة, ويُؤَمِّن على دعائه المصَلُّون.. فماذا نقول؟ هل نقول إن الإمام يدعو؟ أم أن المصلين يدعون؟ إن تأمينهم يجعلهم مشاركين له فى دعائه, والله أعلم.

س355- يقول القرآن عن فرعون: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} [يونس:92] فلماذا نجى فرعون, ولم ينجِّ النمرود بن كنعان, وقدّار بن سالف, وأبا جهل, وغيرهم من الكفار, ليكونوا لمن خلفهم آية؟

ج355- إن سؤالكم حجة عليكم, فأنتم تزعمون أن سيدنا محمداً r هو الذى ألف القرآن, فلماذا أقحم نفسه فى هذه القضية؟ وهل كان يضمن بقاء جثة فرعون إلى وقتنا هذا؟ إن بقاءها شاهد على صدق القرآن, وأنه أنزل من عند الله (وهى بالمتحف المصرى بميدان التحرير) لقد احتلت انجلترا وفرنسا مصر أعواماً عديدة, وهم معادون للإسلام, وحريصون على هدمه, فلو كان الأمر بيدهم لفطنوا لذلك, ولهشَّموا جثته, ثم قالوا: أين هو بدن فرعون يا مسلمون؟ ولكن الله عز وجل أعماهم عن ذلك, كما أعمى أبا لهب عن النطق بالشهادتين – ولو نفاقاً – لتكذيب القرآن. بل إن الأعجب من ذلك أنه حين تظهر على مومياء فرعون أى إصابة بالفطريات, أو غيرها, يبعثها القائمون على شئون الآثار للخارج لمعالجتها, وكأنهم مسخَّرون للحفاظ على هذا البدن.. سبحان الله! أما لماذا لم يُبقِ الله جثة قدّار بن سالف الذى عقر ناقة سيدنا صالح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – أو أبى جهل ليكونا عبرة, فإنهما لم يدَّعيا الألوهية, ولكنهما كانا شقيَّيْن من الأشقياء, والنمرود قضيته واحدة, وهى أنه زعم أنه إله, ولكنه لم يَعِث فى الأرض فساداً كما عاث فرعون. أما فرعون فله قضيتان, كل واحدة أكبر من الأخرى, فبالإضافة إلى تسخير بنى إسرائيل واستعبادهم, وتذبيح الآلاف من أولادهم, حتى كان الطفل يُذبَح فى حِجْر أُمّة, فى مذبحة لم يعرف التاريخ لها مثيلاً, وذلك بعد الحلم الذى رآه فى منامه بأن زوال مُلكه سيكون على يد أحد أبناء هؤلاء الإسرائيليين, فإنه لم يكتفِ بذلك, بل ادَّعى الربوبية {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات:24] ثم ادَّعى الألوهية {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:38] ووافقه قومه على ذلك {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ} [الزخرف:54] ولذلك كان عقابه وأتْباعه أشد العقاب {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر:46] وكذلك فإنه لم يسمح لسيدنا موسى وسيدنا هارون بالخروج من مصر, فى حين أن النمرود سمح لسيدنا إبراهيم – على نبينا وعليهم الصلاة والسلام – ولكن فرعون وجنوده طاردوا سيدنا موسى حين خرج بقومه من مصر {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً} [يونس:90] ولكن الله أخزاهم وأغرقهم {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ} [القصص:40] ونجَّى الله سيدنا موسى وقومه {وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ} [الشعراء:65] وبفرض أن الله أبقى جسد أحد الكفرة ليكون عبرة, لقالوا إن قومه حنَّطوه, كما كان ذلك منتشراً بين قدماء المصريين, أما فرعون فقد هلك هو وقومه, فمن الذى حنَّطه؟ وكذلك فإن موته لم يكن عادياً, ولكنه كان بالإغراق, فالإعجاز فى إبقاء جثته أكبر من الإعجاز فى إبقاء أى جثة أخرى, لأن أى إنسان يموت – كأبى جهل أو غيره – فإن جثته تكون بأيدى الناس, أما فرعون فكان المفروض أن تغرق جثته فى البحر, ولا يستطيع أحد أن يحصل عليها. وشىء آخر هو أن بنى إسرائيل لم يصدقوا أن هذا الطاغية العاتى الجبار قد غرق, فأمر الله سبحانه وتعالى البحر فألقاه على الشاطئ, ليتأكدوا من هلاكه, وليكون عبرة على مر الأجيال, لكل طاغية متكبر جبار, والله أعلم.

س356- يقول القرآن: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} [يونس:94] إن القرآن يأمر نبيكم أن يسأل اليهود والنصارى ليتعلم منهم, فهل كان نبيكم يشك فى القرآن؟ وإن كان قد شك فيه, فأنتم أوْلى بالشك منه.

ج356- لقد قال العلماء: إن ما جاء فى الآية الكريمة خطاب للناس عن طريق سيدنا محمد r لأن الله عز وجل يعلم يقينه, وأنه لم ولن يشك. قال قتادة: بلغنا أن الرسول r قال: ((لا أشك ولا أسأل)) وقد ورد – فى أكثر من آية – توجيه الخطاب للناس عن طريق سيدنا محمد r مثل: {لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً} [الإسراء:22] وفى السورة نفسها: {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً} [39] وغيرها فى معناها كثير, فهل كان مُتوقَّعاً من الرسول r أن يشرك بالله؟ حاشا وكلا. وقد ضرب العلماء لهذا مثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – إذا أصدر الرئيس أمراً لقائد القوات المسلحة بالانتظام فى عمله, فإن هذا الأمر – بطريق الأَوْلى – يشمل جنوده, وإذا حذره من عقابه إن خالف أمره, ففى هذه الحالة يكون التحذير لمن هو دونه أشد. والآية فيها حجة على أهل الكتاب, لأنه قد وردت البشرى بنبوءته وصفاته الخِلْقية والخُلُقية فى كتبهم. وتفسير آخر يقول إنه خطاب له, ولكن معلوم رَدُّه, ليكون حجة على الناس, مثل ما ورد من سؤال الله عز وجل لسيدنا عيسى, على نبينا وعليه الصلاة والسلام: {وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ} [المائدة:116] ومثل سؤال الملائكة: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} [سبأ:40] فالله سبحانه وتعالى يعلم أن سيدنا عيسى لم يأمر الناس بعبادته, ولكن السؤال حجة على من اتخذوه وأمه إلاهَين من دون الله, وكذلك الحال فى سؤال الملائكة.

ثم إن الشك فى الوحى ليس عندنا.. بل عندكم, يقول بولس الرسول:

هكذا بحسب رأيى. وأظن أنى أنا أيضاً عندى روح الله (رسالة بولس الأولى  إلى كورنثوس7: 40) فهل الوحى والدِّين بالظن؟

ولكن أقول لغير المتزوجين وللأرامل إنه حَسَن لهم إذا لبثوا كما أنا. (رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس7: 8) أى أنه يفضل ألا يتزوجوا مثله, ثم يقول: وأما المتزوجون فأوصيهم لا أنا بل الرب أن لا تفارق المرأة رجلها. وإن فارقته فلتلبث غير متزوجة أو لتصالح رَجُلها. ولا يترك الرجل امرأته. وأما الباقون فأقول لهم أنا لا الرب إن كان أخ له امرأة غير مؤمنة وهى ترتضى أن تسكن معه فلا يتركها. والمرأة التى لها رجل غير مؤمن وهو يرتضى أن يسكن معها فلا تتركه. لأن الرجل غير المؤمن مقدس فى المرأة والمرأة غير المؤمنة مقدسة فى الرجل. وإلا فأولادكم نجسون. وأما الآن فهم مقدَّسون. (رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس7: 10-14) فنراه مرة يقول: (فأوصيهم لا أنا بل الرب) ومرة يقول: (فأقول لهم أنا لا الرب) أى أنه يسوِّى نفسه بالله سبحانه وتعالى, ونراه يبيح زواج المؤمن من غير المؤمنة, والمؤمنة من غير المؤمن, فى حين أنه يحرم ذلك فى مكان آخر, فيقول: لا تكونوا تحت نِير مع غير المؤمنين. لأنه أيَّة خُلطة للبِرّ والإثم. وأيَّة شركة للنور مع الظلمة. وأىّ اتفاق للمسيح مع بليعال. وأى نصيب للمؤمن مع غير المؤمن. وأية موافقة لهيكل الله مع الأوثان. فإنكم أنتم هيكل الله الحى كما قال الله إنى سأسكن فيهم وأسير بينهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لى شعباً. لذلك أخرجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الرب ولا تمسوا نجساً فأقبلكم وأكون لكم أباً وأنتم تكونون لى بنين وبنات يقول الرب القادر على كل شىء (رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس6: 14-18) فى هذه الفقرة يأمر بالخروج من وسط الكافرين واعتزالهم, بينما يقول فى الفقرة التى قبلها: (لأن الرجل غير المؤمن مقدس فى المرأة والمرأة غير المؤمنة مقدسة فى الرجل) فهل هذا التناقض يصدر عن الله سبحانه وتعالى؟, والله أعلم.

س357- إن القرآن كثيراً ما يكسر قواعد اللغة العربية, فتراه ينصب المضاف إليه فى قوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ} [هود:10] بفتح الهمزة من كلمة {ضَرَّاء} وكان المفروض أن يكسرها.

ج357- المضاف إليه فى الآية {ضَرَّاء} مجرور لا منصوب, وهو ممنوع من الصرف, والمانع من الصرف ألف التأنيث الممدودة, ومعلوم أن الممنوع من الصرف يُجَر بالفتحة نيابة عن الكسرة, ولذلك وُضِعَت الفتحة فوق الهمزة, فهذه الفتحة علامة جر لا علامة نصب. والممنوع من الصرف لا يُجَر بالكسرة إلا فى حالتين: أن يكون مضافاً, أو مُعَرَّفاً بالألف واللام, و{ضَرَّاء} فى الآية ليست مضافاً, ولا مُعَرَّفة بالألف واللام, والله أعلم.

س358- من الأخطاء اللغوية فى القرآن قوله: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ} [هود:67] وكان المفروض أن يقول (وأخذت الذين ظلموا الصيحة)

ج358- لقد رد الشيخ الشعراوى – رحمه الله – على هذا بقوله: إن الذى يتكلم هنا هو رب العباد سبحانه, ولا يصح أن تُفهم الصيحة على أنها جاءت لتعبر عن صيحة واحدة, فتاء التأنيث تعبر عن صيحة لمرة واحدة, أما إذا تكررت وصارت صياحاً كثيراً تأخذهم كل صيحة من الصياح, وهنا نلمح أن {الصَّيْحَةُ} فيها ضعف الأنوثة, أما الصياح ففيه عزيمة وقوة الرجولة, فأراد الحق سبحانه أن يجمع الأمرين فقال: {َأَخَذَ}  ولم يقل (أخذت)

كما أن الفعل يجوز تذكيره بدلاً من التأنيث فى حالات منها هذه الحالة, وهى إذا جاء الفعل (مجازى التأنيث والتذكير) قبل فاعله المؤنث لفظاً, ولكن اعترض بينهما كلمة فصلت بين الفعل وفاعله, هنا يجوز تذكيره مثل: جاء الساعةَ بائعاتُ اللبن, والله أعلم.

س359- يقول القرآن: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ{106} خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} [هود:106-107] كيف يكون الزفير قبل الشهيق؟ وهل هناك سموات وأرض يوم القيامة؟ ثم تأتى الآية التى تليها وتقول: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} فهل معنى هذا أن أهل النار سيخرجون منها, وأهل الجنة سيخرجون منها؟

ج359- الطبيعى أن الشهيق قبل الزفير, ولكن الله عز وجل قدَّم الزفير لأهميته ودلالته على التَوَجُّع, لأن الصراخ يأتى فى الزفير, فحينما يصرخ الإنسان ويقول: (آه) فإن هذا التأوُّه يحدث فى الزفير, وأهل النار غالِب أحوالهم الصراخ (والعياذ بالله) أما السؤال: هل توجد سموات وأرض فى الآخرة؟ فنقول وبالله التوفيق: إن من العلماء من فسر هذا بأنه ستكون هناك سموات وأرض, ولكنها مختلفة عن سموات وأرض الدنيا, بدليل قول الله عز وجل: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم:48] ومنهم من قال إن الجنة والنار لهما سموات وأرض يليقان بهما, لأن أهلهما لابد أن يقفوا على شىء, ويُظِلُّهم شىء, أم أنهم سيقفون فى فراغ؟ فما تحتهم يسمى أرضاً, وما فوقهم يسمى سماءً, كما نقول: (أرض الغرفة وسماء الغرفة) ونقصد أرضيتها وسقفها, فما تحتك فهو أرضك, وما عَلاك فهو سَماؤك, وأهل الجنة يقول الله عز وجل عنهم: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [الزمر:74] ومعلوم أن أهل النار من الكفار لن يخرجوا منها, أما الموحدون الذين عملوا الكبائر, وماتوا بغير توبة, ولم يغفر الله لهم, فإنهم سيدخلون النار على قدر أعمالهم, إلى ما شاء الله, ثم يخرجهم الله عز وجل منها, ويدخلهم الجنة, ولذلك قال: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} فهى للموحدين دون غيرهم, أما أهل الجنة فلن يخرجوا منها أبداً, بدليل قول الله عز وجل فى الآية نفسها: {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} أى غير مقطوع. فلماذا قال إذن: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ}؟ للعلماء فى هذا ثلاثة أقوال: أولها أن خلودهم فى الجنة ليس واجباً على الله عز وجل, ولكنه بمحض مشيئته وفضله سبحانه وتعالى, ولنضرب لذلك مثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لو أن أحداً كان له عبيد, فقال لهم: لو أطعتمونى فيما أمرتكم به, فسوف أسكنكم فى قصر صفته كذا وكذا, ولن أخرجكم منه, وهذا تفضُّل منى عليكم, وليس حقاً لكم تجبروننى عليه, فأنتم ملكى, ومن حقى أن تطيعونى شكراً لنعمى عليكم, فلو شئت لأخرجتكم منه, ولكنى لن أخرجكم. ففى هذه الحالة يدرك العبيد أن دخولهم هذا القصر, وعدم خروجهم منه, تفضُّل من سيدهم عليهم, ولا يتبجح أحد منهم ويقول: أنا أستحق أن أدخله, أو يقول: إنه يجب عليه أن يدخلنى هذا القصر, ولا يخرجنى منه. وثانى هذه الأقوال أن الاستثناء فى الخلود هو لمن عُذِّبُ فى النار قبل دخولها, أى أن خلودهم نَقَص بقدر ما عُذِّبوا به فى النار أولاً. وثالثها: أنه لَمّا كان الوعد على وجه التأبيد, فربما يتوهم أحد أن قدرة الله لا تسع غيره، وأن ذلك خارج عن إرادته سبحانه وتعالى, فجاء الاستثناء يبين أن التأبيد بمحض إرادته, ولا يعجزه خلافه, والله أعلم.

س360- يقول القرآن: {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [يوسف:15] أين جواب (لَمّا)  فى هذه الآية؟ أليس المفروض ألا يُذكَر حرف (الواو) قبل {أَوْحَيْنَا} حتى يستقيم المعنى, وتكون كلمة {أَوْحَيْنَا} هى جواب  (لَمّا)؟

ج360- قال الإمام عبد القادر الجرجانى – شيخ البلاغيين – فى وصف الحذف البلاغى, وروائع ثماره, وبديع آثاره: (هو بحث دقيق الْمَسْلَك, لطيف الْمَأخذ, عجيب الأمر, شبيه بالسحر, فإنك ترى به ترْك الذِّكر أفصح من الذِّكر, والصمت عن الإفادة أزْيَد للإفادة, وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق, وأتمّ ما تكون بياناً إذا لم تُبِن) ومعنى كلامه أن الحذف فى بعض الأحيان يكون أبلغ من التوضيح {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى}

كَمَن يُسأل عن شىء فيكون جوابه الصمت, فيقال: إن صمته أبلغ من جوابه. إن حذف جواب (لَمّا) هنا الْمُراد منه تهويل وتفظيع ما حدث من إخوة يوسف ليوسف – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – بعد أن أَذِنَ لهم أبوهم بالذهاب به إلى الصحراء, وقد رُوِىَ عنهم أنهم أخذوا يؤذونه بالقول والفعل وهم فى الطريق إلى المكان الذى قصدوه, حتى كادوا يقتلونه, لذلك حُذِفَ جواب (لَمّا) لتذهب النفس فى تصوّره كل مذهب, وحذف هذا الجواب فيه دلالة على طول ما حدث, وعلى غرابته وبشاعته, لذلك قدَّره الإمام الزمخشرى فقال: (فعلوا به ما فعلوا من الأذى, وأظهروا له العداوة, وأخذوا يهينونه ويضربونه, وإذا استغاث بواحد منهم لم يُغِثْه إلا بالإهانة والضرب) أمّا اقتراح حذف (الواو) قبل {أَوْحَيْنَا} فخطأ جسيم, لأن {أَوْحَيْنَا} ليس جواب (لَمّا) وإنما هو معطوف على الجواب الْمُقَدَّر, لأن جواب (لَمّا) هو ما حدث لسيدنا يوسف من إخوته بمجرد خروجهم به من عند أبيهم وبُعْدِهم عنه قليلاً, ودليل ذلك هو العطف بالفاء فى {فَلَمَّا} لأنها يفيد الفورية والترتيب, والله أعلم.   

س361- يقر القرآن بأن يوسف كاد يزنى بامرأة العزيز, فيقول: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف:24] ويوسف نفسه قد أقر بفعلته حين قال: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ} [يوسف:53] فكيف تنكرون على الكتاب المقدس أنه أقر بعدم عصمة الأنبياء, وأنهم كسائر البشر, يقعون فيما يقع فيه البشر من الذنوب؟

ج361- كيف تقولون عن سيدنا يوسف – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – إنه كاد يزنى, وقد كان أول ما رَدَّ به على امرأة العزيز حين دعته إليها ما جاء فى الآية التى قبلها {قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} فقوله جل وعلا: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} معناه أنها همت بالزنى, بدليل قوله تعالى فى الآية التى قبلها: {هَيْتَ لَكَ} أى (تهيأت لك) وتهيؤها لهذا الأمر كان بتزينها فى أحسن صورها لإغرائه, وتغليق جميع الأبواب عليهما حتى لا يراهما أحد, أمّا قوله تعالى: {وَهَمَّ بِهَا} فقد همَّ أن يضربها, وهذا يفهم من سياق الآيات, فهمّها بالزنى مفهوم من قوله جل وعلا: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ} أمّا همه بضربها فمفهوم من قوله تعالى: {قَالَ مَعَاذَ اللّهِ} فكيف يستعيذ بالله من الزنى ثم يَهِم به؟ وضربه لها كان رداً تلقائياً, لشرفه ورِفعة قَدْره, فهو من بيت نبوة, وقد أعده الله ليكون نبياً, فكيف تتجرأ عليه وتطلب منه هذا الأمر الشنيع؟ ولكن الله سبحانه وتعالى صرف عنه رغبته فى ضربها, لأن هذا أيضاً لا يليق بالأنبياء, فلو أنه ضربها فصرخت, وهو معها فى غرفة النوم المغلقة عليهما, أو لو ظهر عليها آثار الضرب, لقال من سمعها أو رآها إنه حاول الاعتداء عليها فأبَت فضربها, فأحياناً تصل حالات الاغتصاب لقتل المرأة, وليس ضربها فقط. وقد استعمل القرآن لفظ (الهم) بمعنى إيقاع الضرر بالغير, وخاصة فى حق الرجال, كقوله تعالى: {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} [غافر:5] فكل أمة همت بقتل رسولها أو ضربه. وهناك عدة أدلة تثبت براءته من هذه الفعلة الشنيعة, أولها استعاذته بالله – كما أسلفنا – وثانيها شهادة أحد أقاربها {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف:28] وثالثها اعتراف امرأة العزيز نفسها {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ} [يوسف:32] ورابعها أن الله عز وجل وَصَفَه بقوله: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} وهؤلاء ليس للشيطان عليهم سبيل {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ{82} إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص:82-83] فبراءته – عليه السلام – كبراءة الذئب من دمه, قال رسول الله r: ((الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)) [صحيح الجامع:4610] أما قوله تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ} فقد قال بعض العلماء إنه من تمام كلام امرأة العزيز, وقال بعضهم إنه من قول سيدنا يوسف, ولكنه من باب هضم النفس والتواضع لله عز وجل. وإرجاع الفضل لله وهضم النفس هو دأب الصالحين, كما قال رسول الله r: ((لن يُدخِلَ أحداً عملُه الجنة ولا أنا, إلا أن يتغمَّدنى الله بفضل رحمته)) [صحيح الجامع:5222] وكما قال سيدنا شعيب – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – لقومه: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ رَبُّنَا} [الأعراف:89] وذلك حين هددوه وتوعدوه بقولهم: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} أى أنه لم ينسب الفضل إلى نفسه فى ثباته على الدين, ولكن نسبه لله سبحانه وتعالى, والله أعلم.

س362- هناك خطأ لغوى فى الآية: {إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} [يوسف:29] والسياق يقتضى (إنك كنت من الخاطئات).

ج362- إن هذه حادثة اغتصاب, ومن المعلوم أن الذى يقوم بالاغتصاب هم الرجال, فغاية ما تعمله المرأة المبتذلة أن تتمايع, أو تتكشف, لتلفت نظر الرجل, فما سمعنا بامرأة قط حاولت اغتصاب رجل رغماً عنه إلا امرأة العزيز, ولذلك كان فعلها فعل الرجال, فنُسِبت إليهم, والله أعلم.

س363- يقول القرآن: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ} [يوسف:30] وكان المفروض أن يقول: (وقالت نسوة)

ج363- الآية الكريمة جاءت بلفظ {قَالَ} لأن الفاعل اسم مفرد لجمع المرأة وهو {نِسْوَةٌ} كما أن علم النحو  وُضِعَ بعد نزول القرآن وليس قبله, فالذى وضع علم النحو إنما وضعه باجتهاد على مُجمَل ما جاء به كلام العرب, والله أعلم. 

س364- يقول القرآن: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف:31] هل من المعقول أن تقطع النساء أيديهن من أجل رجل جميل؟

ج364- إن جمال سيدنا يوسف – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – لم يكن جمالاً عادياً, ولكنه كان جمالاً مُبهراً, فقد قال عنه النبى r: ((أُعطِىَ يوسفُ شِطْر الْحُسْن)) [صحيح الجامع:1062] فسيدنا يوسف كان أجمل رجل فى زمنه على وجه الأرض, فضلاً عما كان يعلوه من بهاء الإيمان وسَمْت الصالحين, أضف إلى ذلك أن امرأة العزيز هيأته لهذا اللقاء بأجمل ما يُلبَس من ثياب الملوك والأمراء, وجعلت الوصيفات يُرَجِّلن شعره كأجمل ما يكون الرجال, فخرج عليهن فى أُبَّهة وعظمة, ونور نبوة, وجمال ربانى يفوق الوصف والخيال, فأذهل كل الحاضرات. ومن مكر زليخة أنها أحضرت بعض أنواع الفاكهة التى لابد أن تقطع بالسكين (كالتفاح والكمثرى) فلما خرج عليهن لم يستطعن أن يتحكمن فى مشاعرهن, ونسين أن السكين فى أيديهن, فقطعنها دون أن يشعرن, وقلن جميعاً: {حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَراً إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} فانتصرت زليخة بهذه الحيلة على النسوة اللواتى كن يَلُمْنَ عليها حبها له, بل إنها عندما رأت ما حدث لهن, تبجحت وقالت: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ} [يوسف:32] ولم يقتصر الأمر على ذلك, بل إن النساء أنفسهن – من فرط إعجابهن به – راوَدْنَه عن نفسه مثلها, بدليل أن سيدنا يوسف دعا ربه بقوله: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف:33]. ولا يخفى على السائل أن السكاكين التى كانت بأيدى النساء كانت من متاع بيت العزيز, أى أنها كانت سكاكين جيدة, حادَّة, سريعة القطع, مثل الشفرة, ولا يخفى عليه أيضاً أن بعض النساء (وربما الرجال) يجرحن أيديهن أثناء تقطيع الخضروات وغيرها, رغم أنهن يعتنين بعدم مساسها بسوء, فما بالكم لو أنهن تشاغلن بشىء مُذْهِل أثناء التقطيع؟, والله أعلم.

س365- هل أرض مصر تُروَى بالأمطار كما قال القرآن: {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [يوسف:49] والمعروف أن الغَوث هو المطر, أو كما هو معلوم للعالم أجمع أن مصر تروى بمياه نهر النيل؟

ج365- على السائل أن يرجع إلى كتاب الجغرافيا الخاص بالمرحلة الابتدائية, ليعلم أن أصل مياه نهر النيل تأتى من الغيث – الذى هو ماء المطر – النازل على هضبة الحبشة, والبحيرات الاستوائية, فأصل كل الأنهار هى الأمطار. كما أن (غاث) معناه أيضاً: نَصَرَ, وأعان, وكشف الكرب, وهذا ما حدث.. فقد كشف الله شدتهم, وفرَّج كُربتهم, بعد هذه السنين العِجاف, والله أعلم.

س366- كيف تحدث يوسف مع عزيز مصر وامرأته والملك, وهو لا يتكلم اللغة المصرية القديمة (القبطية)؟ وإذا كان قد تعلمها وتكلم بها, لأنه عاش بينهم زمناً طويلاً, فكيف تكلم مع إخوته باللغة العبرية؟ وكيف تكلم موسى مع شعيب وابنتيه باللغة العبرية, وهى لغة أهل مدين حينها؟

ج366- عزيز مصر وملكها لم يكونا قبطيَّيْن (كلمة قبطى معناها مصرى, وليس كما يعتقد البعض أن معناها نصرانى) فلو كانا قبطيين لقيل (وقال فرعون ائتونى به) بدلاً من {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ} [يوسف:54] لأن حكام القبط كانوا يُلَقَّبون ويُدْعَون (فراعنة) أما حاكم مصر أيام سيدنا يوسف – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – فقد كان يُلَقَّب ملكاً, وذلك أيام حكم الهكسوس لمصر, وهم رُعاة الشمال من سوريا فى بلاد الشام (وقد أثبت التاريخ ذلك) وكانوا يتكلمون اللغة العبرية, ولغة سيدنا يوسف كانت أيضاً عبرية. أما سيدنا موسى فقد كان يتقن لغتين: لغة قومه من بنى إسرائيل, وهى اللغة العبرية (لغة دينية أو تعبدية) ولغة أهل مصر, وهى اللغة القبطية, مثل ما يتكلم النوبيّون عندنا بلغتين: العربية, والروطان. وقصة سيدنا موسى مع بنت شعيب نحب دائماً أن نذكِّر بها شبابنا, فحين جاءته وقالت له: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص:25] مشت أمامه فلفح الهواء ثوبها فبدا بعض من ساقها, فأمرها سيدنا موسى أن تمشى خلفه حتى لا يراها, وإذا أرادت أن يتجه يميناً أو شمالاً قذفت له بحجر ناحية اليمين أو الشمال حتى لا يسمع صوتها! ولذلك فقد صدقت حين قالت لأبيها: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص:26] {الْقَوِيُّ} لأنه رفع الصخرة التى لا يستطيع رفعها إلا عدة رجال, و{الْأَمِينُ} لتصرُّفه الذى ذكرناه معها, رغم أنه لم يكن رسولاً بعد, ولكن كانت عنده نخوة أهل الإيمان. وشعيب هذا لم يكن شعيب النبى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – ولكنه كان رجلاً صالحاً, بدليل قول الله جل وعلا: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى} [القصص:43] أى أن رسالة سيدنا موسى جاءت بعد هلاك الأمم التى لم تؤمن بأنبيائها, ومنهم قوم سيدنا شعيب, والله أعلم.

س367- كثيراً ما نجد الأخطاء اللغوية فى القرآن, مثل قوله: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً} [يوسف:83] لقد قال: {بِهِمْ جَمِيعاً} مع أن الموجود حينها فى مصر رجلان فقط, هما يوسف وبنيامين, فكان المفروض أن يقول (يأتينى بهما) بضمير المثنى, وليس الجمع.

ج367- ارجع إلى السورة, ودقق النظر, وحاول أن تفهم, إن الموجودين منهم فى مصر حينها كانوا ثلاثة, وهم يوسف, وبنيامين, وكبيرهم الذى قال: {فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي} [يوسف:80] واسمه (روبين) فهم ثلاثة, وليسوا اثنين كما فهمتَ, والله أعلم.

س368- يزعم القرآن أن قميص يوسف شفى يعقوب من العمى, فيقول: {اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً} [يوسف:93] ثم تأتى آية أخرى لتؤكد المعنى نفسه, فتقول: {فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً} [يوسف:96] ما هذا القميص السحرى الذى يشفى من العمى؟

ج368- إن هذا من المعجزات التى أيَّد الله بها أنبياءه ورسله, صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ولماذا تتعجب أيها السائل وعندك مثله فى كتابك المقدس, فقد جاء فيه ما معناه أن سيدنا يعقوب أصابه العمى, وأن سيدنا يوسف سيضع يده عليه فيبرأ, وها هو الدليل: وأما عينا إسرائيل فكانتا قد ثقلتا من الشيخوخة لا يقدر أن يبصر. (تكوين48: 10) فقال أنا الله إله أبيك. لا تَخَف من النزول إلى مصر. لأنى أجعلك أمة عظيمة هناك. أنا أنزل معك إلى مصر وأنا أُصْعِدَك أيضاً. ويضع يوسف يده على عينيك (تكوين46: 3-4) وقد جاء فى الكتاب المقدس ما هو أبعد من ذلك بكثير, إذ جاء فيه أن عظام النبى (اليشع) أحيت الميت بعد وضعه فى قبره, وقد ذكرنا ذلك فى الرد على الشبهة رقم (16) وبالله التوفيق, والله أعلم.

س369- يقول القرآن: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي} [يوسف:108] وكان المفروض أن يقول (هذا سبيلى) لأن السبيل مذكَّر.

ج369- ما هو سبيل رسول الله r؟ إنه الدعوة إلى الله, بدليل قول الله جل وعلا فى الآية نفسها: {أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي} ولذلك جاء معها اسم الإشارة المؤنث, أى هذه دعوتى, هذه طريقتى, والسبيل والطريق يذكَّران ويؤنَّثان مثل كلمات أخرى كثيرة, كسوق, وبلد, وبئر, وساق, وقدم, وعاقر, وعقيم… إلخ, والله أعلم.

س370- يقول القرآن: {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد:43] وتقول كتب التفسير إنه عبد الله بن سلام, والعجيب أنه أسلم فى المدينة, والسورة مكية.

ج370- من المعلوم لدى علماء التفسير أن هناك سُوَر أنزلت بمكة, ولكن بعض آياتها أنزلت بالمدينة, فكذلك هذه السورة الكريمة, نزلت بمكة, ولكن هذه الآية الخاصة بعبد الله بن سلام t أنزلت بالمدينة, كما قال بذلك عطاء, وقد ورد قوله فى تفسير (النسفى) وغيره من التفاسير, والله أعلم.

س371- يقول القرآن: {إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} [هود:34] ويقول: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي} [الحجر:39] فهل الله يغوى؟

ج371- لقد أجبنا عن مثل هذا السؤال فى أكثر من موضع (وبالله التوفيق) وقلنا: إن هذا ليس ظلماً من الله سبحانه وتعالى – وحاشاه – ولكن هذا بسبب أفعال العباد, فمثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لو أن هناك طالباً فاشلاً لا يستجيب لنصائح والده بالكَفّ عن مصاحبة أهل السوء, ولا يمتثل لأمره بالاهتمام بمذاكرته ودروسه ومستقبله مرات ومرات, فماذا يقول له والده؟ يقول له: أنا أريد منك أن ترسب فى الامتحان, وأريد أن تفشل فى حياتك, وأحياناً يقسم عليه – من شدة غضبه – ألا يذاكر, بل وربما قطَّع له كتبه حتى لا يمكِّنه من مطالعتها, فهل قول أبيه جعله يرسب, أم أنه كان فاشلاً أصلاً؟ وهل قوله محمول على حقيقته, أم أنه على وجه التهديد والوعيد؟  فلولا معصية ولده لَمَا قال له هذا القول, ولَمَا فعل هذا الفعل. فالله سبحانه وتعالى – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لا يغوى أحداً ظلماً, ولكن الإنسان هو السبب فى إغواء نفسه, لبُعْده عن طريق ربه {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آل عمران:117]

ولقد جاء فى الكتاب المقدس أدلة كثيرة على إغواء الله (بزعمهم) لعبيده, نذكر منها على سبيل المثال:

وقال فاسمع إذاً كلام الرب. قد رأيت الرب جالساً على كرسيه وكل جند السماء وُقُوف لديه عن يمينه وعن يساره. فقال الرب من يُغوى آخاب فيصعد ويسقط فى راموت جلعاد. فقال هذا هكذا وقال ذاك هكذا. ثم خرج الروح ووقف أمام الرب وقال أنا أغويه. وقال له الرب بماذا. فقال أخرج وأكون روح كذب فى أفواه جميع أنبيائه. فقال إنك تغويه وتقتدر. فاخرج وافعل هكذا. والآن هُوَذا قد جعل الرب روح كذب فى أفواه جميع أنبيائك هؤلاء والرب تكلم عليك بِشرّ. (الملوك الأول22: 19-23)

ثم قال الرب لموسى ادخل إلى فرعون. فإنى أغلظتُ قلبه وقلوب عبيده لكى أصنع آياتى بينهم (خروج10: 1)

بل اختار الله جُهّال العالم ليُخزى الحكماء. واختار الله ضعفاء العالم ليُخزى الأقوياء. (رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس1: 27)

لماذا أضللتنا يا رب عن طرقك. قسَّيْتَ قلوبنا عن مخافتك. ارجع من أجل عبيدك أسباط ميراثك. (إشعياء63: 17)

فقلتُ آه يا سيد الرب حقاً إنك خِداعاً خادَعتَ هذا الشعب (إرمياء4: 10)

فإذا ضل النبى وتكلم كلاماً فأنا الرب قد أضللتُ ذلك النبى وسأمُدُّ يدى عليه وأبيده من وسط شعبى إسرائيل. (حزقيال14: 9)

قد أعمى عيونهم وأغلظ قلوبهم لئلا يبصروا بعيونهم ويشعروا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم. (يوحنا12: 40)

ولأجل هذا سيرسل إليهم الله عمل الضلال حتى يصدقوا الكذب لكى يُدان جميع الذين لم يصدقوا الحق بل سُرُّوا بالإثم (رسالة بولس الثانية إلى تسالونيكى2: 11-12), والله أعلم.

س372- لقد جاء الحديث عن يوم القيامة فى أول سورة (النحل) بصيغة الماضى, فقال: {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} كيف يقول: {أَتَى} وهو لم يأتِ بعد؟ وكيف يقول: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} بعدما قال: {أَتَى}؟

ج372- معلوم أن الأزمنة ثلاثة: ماضٍ ومضارع ومستقبل, وهذا كله بالنسبة للبشر, أما بالنسبة لله سبحانه وتعالى فكلها كأنها ماضية, لأنها كانت فى علمه قبل خلق السموات والأرض, وقبل خلق الزمان والمكان, فكلمة {أَتَى} تعنى أنها واقعة لا محالة, لأنه أرادها, وكتبها فى سابق علمه وقَدَره, فلا داعى لاستعجالها, كما كان يستعجل وقوعها المشركون كفراً وعناداً وتحدياً للرسول r {وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال:32] ونحن أحياناً نتحدث عن المستقبل بصيغة الماضى.. كيف؟ فمثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لو ذهبت لإنسان وطلبت منه أن يتوسط لك فى قضاء حاجتك, كأن تريد أن تدخل ولدك مدرسة معينة, ولكن مديرها يرفض لعدم توفر الشروط, فإنك تذهب لصديق له, أو لمن له سُلطة عليه, وتطلب منه أن يتوسَّط لك عنده, فيقول لك: ابنك دخل المدرسة.. فهل ابنك دخلها فعلاً؟ أم أنه قالها لأنه متأكد من قبول وساطته؟ هذا وهو بشر, قد تَعْرِض له حاجة, من مرض, أو موت, أو غيره.. فما بالكم بالله سبحانه وتعالى؟, والله أعلم.

س373- يقول القرآن: {وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ} [النحل:51] لماذا قال: {اثْنَيْنِ}؟ ألا كان يكفى أن يقول: {إِلـهَيْنِ} وهى تعنى أنهما اثنان؟ وكذلك لماذا يقول: {إِلهٌ وَاحِدٌ}؟ ألا كان يكفى أن يقول: {إِلهٌ} وهى تعنى أنه واحد؟

ج373- كثيراً ما تبالغ العرب فى التأكيد بأن تضيف للموصوف صفة أخرى تناسب الصفة الأولى, فتقول مثلاً: فلان جميل وسيم, فلان عاقل ورزين, فلان جن معفرت. أو تضيف للفعل ما يؤكده, فتقول مثلاً: لأضربنك ضرباً, لأذبحنك ذبحاً, لأقطعنك تقطيعاً… إلخ. والأمر العقائدى لابد فيه من الوضوح التام, حتى لا يظن إنسان أن مع الله إلهاً آخر مهما كان, أباً, أو زوجة, أو ولداً, والناس فى معتقداتهم أنواع: فئة تقول: لا إله والكون خُلِق مُصادفة, وهم (الدهريون) وبلغتنا الحديثة (الوُجُوديُّون والملحدون) وطائفة تقول: الكون ملىء بالآلهة, مثل الإغريق.. عندهم إله الحرب, إله الخير, إله الشر, إله الريح, إله المطر, إله الزرع… إلخ, وكان المشركون قبل الإسلام يعبدون360 صنماً بعدد أيام السنة, ونوع آخر قالوا: إن الآلهة ثلاثة فى واحد: الآب والإبن والروح القدس, فالطائفة الأولى (الملحدون) دَحَضهم قول الله جل وعلا: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور:35] وطائفة التعدد دحضتهم أكثر من آية, مثل: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء:22] وطائفة التثليث قال الله عز وجل فيهم: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} [المائدة:73] فلم يبقَ غير احتمال وجود طائفة تدَّعى وجود إلهين (وهو أدنى التعدد) فأغلق الله سبحانه وتعالى هذا الباب, وجميع أبواب الشرك بقوله: {وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ} فلو قال (لا تتخذوا إلهين إنما هو إله) لقالوا: ممكن أن يكون معه ابن.. وهو وابنه واحد, أو يكون معه زوجة.. وهو وزوجته واحد, والله أعلم.

س374- يقول القرآن: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ{68} ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ} [النحل:68-69] أليس المفروض أن يأتى الكلام بصيغة المذكر فيقول (اتخذ من الجبال بيوتاً) و(كُلْ من كل الثمرات) و(يخرج من بطونه) وذلك لأن الخطاب للنحل كله؟

ج374- لقد ثبت علمياً أن الذكور تتنافس على تلقيح الملكة, فتطير خارج الخلية, ويطيرون وراءها, وفى هذا الطيران يموتون من التعب, إلا واحداً منهم – وهو أقواهم – فيلقحها, ثم يموت بعد تلقيحها مباشرة, فبذلك تخلو الخلية من الذكور, ولا يقوم على خدمة الملكة, وتنظيف الخلية, وإفراز العسل إلا الإناث. كما أن الخطاب فى الآية الكريمة لأُمَّة النحل فناسب أن يقال: {اتَّخِذِي} لأن النحل وغيره من المخلوقات الحية أمم أمثالنا {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} [الأنعام:38], والله أعلم.  

س375- يقول القرآن: {فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ} [النحل:69] إن هذا يخالف الواقع, فكثير من الحالات المرضية لا ينفع معها العسل, ولو كان هذا الكلام من عند الله, لشفى العسل جميع الأمراض, ولَمَا احتجنا لأى أدوية أو عمليات.

ج375- إن الآية الكريمة لم تقل (فيه الشفاء للناس) ولو كانت هكذا, لكان معناها أن العسل فيه الشفاء لجميع الأمراض, ولكنها قالت: {فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ} بصيغة النكرة, أى أن العسل فيه نوع من الشفاء, وليس كل الشفاء. وقد أثبتت الأبحاث العلمية أن به شفاء لأمراض كثيرة جداً لا يتسع المجال لذكرها, وأثبتت أنه يقوى الجهاز المناعى للإنسان, مما يجعله أقل عُرضة للإصابة بالأمراض, وأكثر مقاومة لها عند وقوعها.

وقد جاء فى كتابكم المقدس أن معبودكم قال لكم: من آمن واعتمد خُلِّصَ. ومن لم يؤمن يُدَنْ. وهذه الآيات تتبع المؤمنين… ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون (مرقس16: 16-18) فهل منكم من يضع يديه على المرضى فيبرأون؟ فلو كان هذا صحيحاً, لَمَا احتجنا إلى أى أدوية أو عمليات كما تقولون, والله أعلم.

س376- يقول القرآن: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل:97] أين هى هذه الحياة الطيبة التى يعيشها المؤمنون, وأغلبهم فقراء مستضعفون؟

ج376- لقد ظن السائل بفهمه السطحى للآية الكريمة أن الحياة الطيبة هى فى المال والجمال, ورغد العيش, والتمتع بملذات الحياة. إن الحياة الطيبة هى حياة الإيمان, فإن للإيمان حلاوة, لا يدركها إلا من تحقق فيه قول رسول الله r: ((ثلاث من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكونَ اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما, وأن يحبَّ المرءَ لا يحبُّه إلا لله, وأن يكرَهَ أن يعودَ فى الكفر بعد إذ أنقذه اللهُ منه كما يكرهُ أن يُلقَى فى النار)) [صحيح البخارى] وهى حياة الأُنس بالله, ومحبته, وطاعته, والتلذذ بمناجاته, والحرص على رضوانه, فالمؤمن الذى شغل قلبه وحياته كلها بالله, لا يجد راحته إلا فى ذكر ربه, ومناجاته, والتضرع إليه, والتذلل بين يديه {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28] فتجده صوّاماً قوّاماً, يناجى ربه, مستغفراً بالأسحار {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر:9] {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [آل عمران:17] وتجده راضياً بقضاء الله وقدره, وما السعادة إلا فى الرضا, فكم ممن عنده المليارات من الدولارات, ولا ينام إلا بالمهدئات, قلبه مهموم, فِكْرُه مشغول, تلاحقه المسئوليات بأعبائها ليل نهار, يحق عليه قول ربه القهار: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} [طه:124] نعم.. ضنكاً لأن قلبه بعيد عن ربه, أقل شىء يغضبه, إن أصابه مرض, أو أى مكروه, فى نفسه, أو ماله, أو ولده, سخط على قدر الله, ولم يصبر على بلواه, حتى إن منهم من ينتحر, وهو فى أوْج شهرته ومجده وغناه {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة:55] أما المؤمن (وأقول المؤمن وليس المسلم) فحاله كما قال فيه رسول الله r: ((عجباً لأمر المؤمن, إن أمرَه كلَّه له خير, وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن, إن أصابته سرّاءُ شكر, فكان خيراً له, وإن أصابته ضرّاءُ صبر, فكان خيراً له)) [صحيح الجامع:3980]‌ فتجده دائم الرضا عن ربه جل وعلا, إن أصابته سراء شكر نعمة الله عليه, يُصَرِّفها فى مرضاته, لا يخرجه سروره عن طاعة ربه, وإن أصابه مكروه حمد الله, لعلمه أن الله سبحانه وتعالى لا يُقَدِّر إلا الخير, فتجده صابراً محتسباً, لا يسخط على قدر مولاه جل فى علاه, فلينظر العاقل أيّتهما الحياة الطيبة, والله أعلم.

س377- إن القرآن يبيح الكفر أحياناً, ويبيح الشرك أحياناً, ويجيز النطق بكلمة الكفر حسب القاعدة عندكم (الضرورات تبيح المحظورات) فهل من الأمانة أن يُزوِّر الإنسان فى عقيدته؟ واقرءوا إن شئتم: {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:106]  

ج377- إن التزوير أو التزييف فى العقيدة لمجرد اللعب, أو جلب مصلحة دنيوية, جريمة كبرى, قال r: ((من بدَّل دينه فاقتلوه)) [صحيح البخارى] أما الذى أُكْرِهَ على الكفر- كما فىالآية الكريمة – وتعرض للتعذيب الوحشى, الذى لا طاقة له به, فله أن ينطق بكلمة الكفر, لينقذ نفسه من الهلاك, بشرط أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان, أى أنه لا يكفر حقيقة, ولكنه كفر ظاهرى باللسان لا بالْجَنان, فالإيمان محله القلب, وليس محله اللسان. وهذه الآية نزلت فى شأن عمار بن ياسر – رضى الله عنهما – فقد عُذِّبَ عذاباً شديداً لا يتحمله أحد, لدرجة أنهم كانوا يغطسون رأسه فى الماء حتى يكاد تزهق روحه, فاضطر t أن ينطق بكلمة الكفر لينجو منهم, فسمعه بعض الصحابة y فقالوا: يا رسول الله.. إن عمار قد فُتِن, فقال r: ((عمار مُلِئ إيماناً إلى مُشاشِه)) [صحيح ابن حِبّان, صحيح الجامع:4103] (الْمُشاش) هى رءوس العظام والمفاصل. أى أن الإيمان ملأ جوفه, واختلط بلحمه ودمه, إلى أن وصل إلى النخاع والعظام الظاهرة, وبعد قليل جاء عمار يعتذر للرسول r مما قال فى حقه, وهو يبكى وعليه آثار التعذيب, فسأله الرسول: ((كيف تجد قلبك؟)) قال: يا رسول الله قلبى مطمئن بالإيمان, فقال: ((إن عادوا فعُدْ)) وهذا من رحمته r, أى لا عليك أن تتحمل هذا العذاب, بل إن عادوا إليه فعُدْ إلى شتمى ومدح أصنامهم, طالما أن قلبك مطمئن بالإيمان, ثم نزلت الآية الكريمة المشار إليها فى السؤال, وهى رخصة من الله جل وعلا لمن تعرض للتعذيب الشديد, وليس للعبث والتزوير كما يظن السائل.

وقد جاء فى الكتاب المقدس (زوراً وبهتاناً) أن سيدنا داود – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – هرب من الملك شاول, وتظاهر بالجنون أمام أخيش لخوفه منه. وجاء فيه أيضاً أن (بطرس) وهو أكبر تلاميذ المسيح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – حلف كاذباً, وأنكر معرفته بالمسيح, ولَعَنَهُ لمجرد خوفه من اليهود, وليس من تعذيبه كما حدث لسيدنا عمّار:

وقام داود وهرب فى ذلك اليوم من أمام شاول وجاء إلى أخيش مَلِكِ جَتَّ. فقال عبيد أخيش له أليس هذا داود ملك الأرض. أليس لهذا كُنَّ يُغَنِّين فى الرقص قائلات ضرب شاول أُلُوفَهُ وداودُ رِبْواتِهِ. فوضع داود هذا الكلام فى قلبه وخاف جداً من أخيش ملك جَت. فغيَّر عقله فى أعينهم وتظاهر بالجنون بين أيديهم وأخذ يخربش على مصاريع الباب ويُسيل ريقه على لحيته. فقال أخيش لعبيده هُوَذا تَرَوْن الرجل مجنوناً فلماذا تأتون به إلىَّ. ألَعَلِّى محتاج إلى مجانين حتى أتيتم بهذا ليتجنن علىَّ. أهذا يدخل بيتى (صموئيل الأول21: 10-15)

قال الحاضرون لبطرس حقاً أنت منهم لأنك جليلىٌّ أيضاً ولُغتك تشبه لُغتهم. فابتدأ يلعن ويحلف إنى لا أعرف هذا الرجل الذى تقولون عنه. (مرقس14: 70-71) أتراه من كان يلعن؟ هل كان يلعن مخاطبيه وهو يخشاهم؟ حتماً إنه لعن المسيح, وقد فعل هذا بالرغم من إعطائه العهد للمسيح بألا ينكره: فقال له يسوع الحق أقول لك إنك اليوم فى هذه الليلة قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرنى ثلاث مرات. فقال بأكثر تشديد ولو اضطررتُ أن أموت معك لا أُنكرك. (مرقس14: 30-31), والله أعلم. 

س378- يقول القرآن: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا} [النحل:111] كيف يكون هذا؟ هل تنقسم النفس إلى نفسين, بحيث تدافع واحدة عن الأخرى؟

ج378- النفس فى الدنيا مخيَّرة.. إمّا طائعة وإمّا عاصية {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} [الإنسان:3] أما يوم القيامة فليس هناك اختيار, فكل النفوس خاضعة ذليلة لله جل وعلا, فالنفس المطيعة يوم القيامة تجادل عن نفسها حين كانت عاصية فى الدنيا, كما يدافع الإنسان عن نفسه عندما يُوَاجَه بشىء فعله يُؤَاخَذ عليه, فيقال عنه: إن فلاناً يدافع عن نفسه, فهل انفصم الإنسان عن نفسه فى هذه الحالة؟ إن النفوس يعتريها التغيير كما يعترى الأجساد, ولكن ليس معنى هذا أنها تتبدل بأخرى, ولكنها تتغير بتغير الحالة الدينية والنفسية والاجتماعية… إلخ, فترى الكثير من الناس يقولون: إننا فى الماضى كنا نفعل كذا وكذا من المعاصى, أما الآن فإن الله سبحانه وتعالى قد تاب علينا وهدانا, فنستغفر الله ونتوب إليه, أو تتغير شخصياتهم وأفكارهم وتصوراتهم للأحداث ومُجرَيات الأمور, وهذا يشعر به كل فرد منا مع تقدُّم سنّه, والله أعلم.

س379- يقول القرآن: {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل:112] فهل الجوع والخوف لباس؟ وهل الخوف يُذاق؟

ج379- الخوف يلف جسد الإنسان كما يلفه الثوب, فتظهر على ملامحه وكل جسده علامات تدل على خوفه, فتجد وجهه مصفراً, وجسده يرتعش, وتزيغ عيناه, ويتلجلج, وتصطك أسنانه, كما قالوا: (يكاد المريب أن يقول خذونى) وكما قال الله عز وجل: {فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [الأحزاب:19] وكما أنك تحكم على الإنسان بلبسه, فتقول مثلاً: هذا ضابط شرطة, أو بحرية, أو طيران… إلخ, فكذلك الخائف تحكم عليه عند رؤيته, وكأن الخوف قد غطى جسده كما يغطيه اللباس, وكذلك الجوع.. فإن آثاره تظهر على الإنسان كالثوب, بضمور وجهه, وشحوبه, وغَوْر عينيه, وهزال بدنه. أما ذَوْق الخوف.. فكما أن بعض الأطعمة تعمل ليونة فى الطبيعة (إسهالاً) فكذلك الخوف, حتى إنهم باللهجة العامِّية يقولون: (ده خايف بيترجف, دى بطنه ماشية) وكأنه أكل طعاماً دخل أمعاءه, ففعل فيها ما يفعله الطعام. وقد قالوا إن ثلاثة لا ينامون: البردان والجوعان والخائف, فكما أرَّقه البرد والجوع, أرَّقه الخوف, خاصة إن كان البرد أو الجوع أو الخوف شديداً وشاملاً, يلف الخائف كما يلفه الثوب ويشمله, وليس الخوف القليل, والله أعلم.

س380- يقول القرآن: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} [الإسراء:16] كيف يأمرهم بالفسق, ثم يدمرهم تدميراً؟

ج380- هل الله يأمر بالفسق؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً {قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف:28] إن من بلاغة القرآن ألا يذكر ما هو مفهوم بداهة, أو ما هو مفهوم من السياق, وهذه الطريقة فيها تشويق للقارئ والسامع, لأنها تترك له ما يفهمه بذكائه الفطرى, ولا تلقنه كل شىء وكأنه لا يفهم, وذلك مثل قوله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} [آل عمران:13] فلم تذكر الآية أن الفئة التى تقاتل فى سبيل الله هى الفئة المؤمنة, لأن هذا مفهوم من السياق, وكذلك لم تذكر أن الفئة الكافرة تقاتل فى سبيل الطاغوت, لأنه مفهوم أيضاً من السياق. ربما يتعجب أحد ويقول: ما الذى أدراك أن الفئة المؤمنة تقاتل فى سبيل الله, وأن الفئة الكافرة تقاتل فى سبيل الطاغوت؟ وأقول له: إن القرآن يفسِّر بعضه بعضاً, والرد على هذا السؤال فى قول الله جل وعلا: {الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} [النساء:76] فكذلك الآية التى نحن بصددها, بديهى أن الله حين يأمر فلا يأمر إلا بخير, ولذلك يُفهَم منها أنه أمر المترفين بتوحيده وطاعته, فلم يمتثلوا لأمره, بل فسقوا وأفسدوا, فدمرهم تدميراً. وهناك قراءة أخرى لهذه الآية تقول: {أمَّرْنا مترفيها} بتشديد الميم, أى جعلنا مترفيها أُمراء عليها فأفسدوا فيها, ولو كانوا مصلحين لَمَا دمرها {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص:59]

والآن نذكر لكم بعض ما جاء به الكتاب المقدس: ثم سمعت صوت السيد قائلاً من أُرسِلُ ومن يذهب من أجلنا. فقلت هَأنذا أَرْسِلْنى. فقال اذهب وقُل لهذا الشعب اسمعوا سمعاً ولا تفهموا وأبصروا إبصاراً ولا تعرفوا. غَلِّظ قلب هذا الشعب وثَقِّل أذنيه واطمس عينيه لئلا يبصر بعينيه ويسمع بأذنيه ويفهم بقلبه ويرجع فيُشفَى. فقلت إلى متى أيها السيد. فقال إلى أن تصير المدن خربة بلا ساكن والبيوت بلا إنسان وتخرب الأرض وتقفر ويُبعِدُ الربُّ الإنسان ويكثر الخراب فى وسط الأرض. (إشعياء6: 8-12)

وأعطيتهم أيضاً فرائض غير صالحة وأحكاماً لا يحيون بها ونجستهم بعطاياهم إذا أجازوا فى النار كل فاتح رحم لأبيدهم حتى يعلموا أنى أنا الرب (حزقيال20: 25-26) أى أن الله (بزعمهم) أمرهم بفرائض وأحكام غير صالحة حتى يبيدهم, والله أعلم.

س381- يقول القرآن: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} [الإسراء:25] ما صلة هذه الآية بما قبلها, وما دخلها ببر الوالدين؟

ج381- الآيتان السابقتان لهذه الآية يقول الله تبارك وتعالى فيهما: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً{23} وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} وهذا أمر ببر الوالدين, ونهى عن إيذائهما, ولو بكلمة {أُفٍّ} وقد قال العلماء: لو كان هناك أقل من كلمة {أُفٍّ} لذكرها الله عز وجل. ونلاحظ فى هاتين الآيتين أن الله عز وجل قال: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ} أى عندك.. ترعاهما, ولا تتركهما وحدهما ليس معهما من يرعاهما, ولا تدعهما فى دار مسنين مثلاً. وهنا قد يتلاعب بعض الأبناء بهذا الأمر, ويجعلهما عنده, ولكن ليس لوجه الله, ولكن لمصلحته الشخصية, كما نرى فى عصرنا من يتحايل على أمه لتبيع ذهبها, لينفقه على نفسه وأولاده مقابل خدمتها, أو يتحايل على أبيه ليأخذ منه أملاكه, ويجعله يوقِّع له على عقود بيع وشراء, حتى يضيِّع حق إخوته فى الميراث. فالله سبحانه وتعالى يعلم ما تخفيه النفوس من خير أو شر, وسيجازى كل واحد بعمله, ولذلك قال: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} والدليل على ذلك أنه قال بعد هذه الآية: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً} وهذا تأكيد على وجوب إعطاء كل ذى حق حقه, والله أعلم.

س382- يقول القرآن: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً} [الإسراء:45] كيف يقول القرآن: {حِجَاباً مَّسْتُوراً} والحجاب فى الأصل ساتر, فكيف يكون مستوراً؟

ج382- إن الحجاب المذكور فى الآية الكريمة حجاب معنوى مستور عن الأنظار, وليس حجاباً حِسِّياً كما فهم السائل, وهذا كما ورد فى قول الله جل وعلا: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} [الكهف:57] وقوله تعالى حكاية عن المشركين: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت:5] {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [البقرة:88] أى أنها مغلَّفة بغلاف لا يُرَى, وهذا الغلاف يمنع وصول الحق إليها. فكذلك الآية التى نحن بصددها, فهى تتحدث عن حجاب يمنع وصول الهداية إلى قلوب المشركين, ولكن هذا الحجاب مستور لا يُرَى. ولتقريب المعنى نضرب مثلاً بالمغناطيس الذى يجذب بُرادة الحديد إليه, فهل يرى هذه المغناطيسية أحد؟ وهل لو تنافر قطبه مع قطب مشابه له (أى سالب مع سالب, أو موجب مع موجب) هل يرى أحد ما الذى يجعلهما يتنافران, فى حين أنهما يتقاربان إذا كان القطبان مختلفين؟ فقلوب المشركين والكافرين والمنافقين تنفر من سماع آيات الله, أما المؤمنون الموحدون فتنشرح صدورهم لكلام ربهم, ويزدادون إيماناً مع إيمانهم {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ{124} وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة:124-125], والله أعلم.

س383- يقول القرآن: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء:52] هذا الكلام موجَّه إلى الكفار, فكيف يحمدونه وهم سَيُعذبون؟

ج383- لأن الله عز وجل قد أعذر لكل معتذر, فلا حجة لأحد على الله, فقد أرسل الرسل – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – وأنزل معهم الكتب, وأيدهم بالمعجزات, وبيَّن الحق من الباطل {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء:165] وهذا كما يقولون: (قد أعذر من أنذر) فمثلاً –  {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لو أن أباً قال لابنه: أنا سأعطيك كل ما تطلبه من كتب, أو دروس خصوصية, أو ملابس, أو هاتف محمول… إلخ, بشرط أن تنجح آخر العام, وإن لم تنجح فخُذ ملابسك, واترك البيت, ثم فى آخر العام رسب الولد, فقال له أبوه: ألم أفعل معك كذا وكذا؟ قال له: نعم يا أبى.. فقال له: اخرج من البيت إذن.. فماذا يكون رد الولد؟ سيقول له: شكراً لك يا أبى, إنك قد فعلت ما عليك, وأنا أستحق العقوبة, لأنى لم أفعل ما أمرتنى به. فالله سبحانه وتعالى قد أقام العدل فى ملكه, فجازى أهل الجنة بما يستحقون, وأهل النار بما يستحقون, فهو المحمود أوَّلاً, وهو المحمود آخراً, وهو المحمود على كل حال, والله أعلم.

س384- يقول القرآن عن حادثة الإسراء والمعراج إنها مجرد رؤيا منامية {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ} [الإسراء:60] فكل الضجة التى عملها محمد حول الإسراء والمعراج, هى ضجة حول رؤيا من الممكن أن يراها أى إنسان.

ج384- إن الإسراء والمعراج لم يكونا مجرد رؤيا منامية كما تدَّعون, والدليل على ذلك هو عدم تصديق الكفار لهذا الحدث, لدرجة أن بعض المسلمين ارتدوا عند سماع هذه القصة, ولذلك قال الله عنها إنها {فِتْنَةً} أى اختبار للإيمان, فلو لم تكن بالروح والجسد لَمَا كانت فتنة, فهل وجدتم أحداً رأى فى منامه ما رأى, ثم قصَّه على الناس, فلم يصدقوه؟ إن الإنسان يرى فى منامه أشياء عجيبة يستحيل وجودها فى الواقع, ولا يكذبه أحد, فلو قلتُ لكم مثلاً: إنى رأيت فى المنام أنى سافرت إلى الهند, وصعدت على الشجر, وركبت الفِيَلَة, فهل يكذبنى أحد؟ والكفار أنفسهم – وهم أعلم باللغة العربية – لم يوجهوا هذا الاتهام للرسول r بعد سماع هذه الآية. أما لماذا قال الله عنها إنها رؤيا؟ فربما يكون الرسول r رآها فى منامه قبل وقوعها, فقد كان كل ما يراه فى منامه يتحقق كما رآه تماماً, وقد ظل ستة أشهر قبل البعثة لا يرى مناماً إلا وقع كما رآه مثل فلق الصبح, وقد رأى مَصَارع الكفار قبل موقعة بدر, وأشار إلى الأماكن التى سيقتل فيها فلان وفلان. وربما لتشابه أحداثها بالرؤيا, وخاصة فى عنصر الزمن, فمعلوم أن الرؤيا المنامية لا تخضع للزمن, بدليل أن الإنسان يرى فى منامه أحداثاً كثيرة فى فترة وجيزة جداً, يحتاج فى سردها لمدة طويلة, فضلاً عن أن يقوم بفعلها كما رأى فى منامه, فالذى يرى مثلاً أنه ذهب للحج, وطاف بالبيت, وسعى بين الصفا والمروة, كم يحتاج من الزمن لفعل هذه الأشياء؟ كذلك فإن الإسراء والمعراج لم يخضعا للزمن, لأنهما كانا بقدرة الله جل وعلا, فلم يقل الله سبحانه وتعالى عن رسوله r إنه سار بنفسه إلى بيت المقدس, ولكن قال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء:1] أى أن الله هو الذى أسرى به, والله سبحانه وتعالى لا يحتاج لزمن ولا أسباب ولا وسائل {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس:82] وكلمة {بِعَبْدِهِ} لا تعنى الروح وحدها, ولكن تعنى الروح والجسد معاً, ونحن أحياناً نصف شيئاً بشىء آخر لشدة التشابه بينهما, فمثلاً: لو رأينا منطقة جميلة جداً, غنية بالخضرة, والجبال والأنهار, وغير ذلك من خلْق الله, فإننا نَصِفُها بأنها منطقة ساحرة, لدرجة أننا نقول لمن رآها: أرأيت السحر؟ فهل هو سحر حقاً, أم أنه تشبيه؟, والله أعلم.

س385- يقول القرآن: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} [الإسراء:64] كيف يأمر الله إبليس بهذه الأوامر المضللة, ثم يتوعده ومن اتبعه بالعذاب؟ فهل هذا عدل الإله عندكم؟

ج385- إن هذه الأوامر ليست على حقيقتها, ولكنها للتهديد, وقد جاءت فى سياق الرد على إبليس فى قوله: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء:62] فهى توضح عزة الله واستغناءه عن خلقه, وفيها إمهال لإبليس وتحدٍّ له أن يفعل كل ما فى وسعه, فإن هذا لن يضر الله شيئاً, كما تقول  لمن يهدد بفعل أمر خطير: اركب أعلى ما فى خيلك, أو: اعمل ما تقدر عليه, فهل أنت تأمره بالشر, أم هو شرير أصلاً؟ فالله سبحانه وتعالى – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لا يضره كفر الكافر, ولا ينفعه إيمان المؤمن {إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم:8] {إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر:7] ومع أن المفسرين قالوا إن كلمة {بِصَوْتِكَ} تعنى الغناء واللهو, وكل دعوة إلى ضلالة, إلا أن للشيطان صوتاً يُسمَع, كما حدث يوم أن ذهب إلى أبى هريرة t وحثا من مال الصدقة, وأراد أبو هريرة أن يرفعه إلى الرسول r (أى يذهب به إليه ليعاقبه) فاشتكى إليه من قِلَّة المال وكثرة العيال… إلى آخر القصة. أما {بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} أى بكل أعوانه وجنوده, الراكبين منهم والماشين. ربما يقول قائل: لماذا سمح الله لإبليس بإغواء بنى آدم؟ فنقول له: إن هذا مناط الاختبار, ليظهر المطيع من العاصى, ومن رحمة الله عز وجل أن حذرنا من إغوائه, فلم يتركنا سبحانه وتعالى فريسة له, بل وهبنا العقل الذى نميز به بين الخير والشر, وأرسل إلينا الرسل – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – فمن أطاعهم دخل الجنة, ومن عصاهم دخل النار, والله أعلم.

س386- يقول القرآن: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الإسراء:70] فلو كان القرآن معجزاً لكل العصور – كما تزعمون – لقال (ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر والجو)

 ج386- نعم.. إن القرآن معجز لكل العصور, وليس هذا ادِّعاءً باطلاً كما تقولون, وقد مر بنا توضيح ذلك بفضل الله عز وجل, فى الرد على الشبهة رقم (28) ولكنه أيضاً صالح لكل العقول والأفهام, فلو قال (فى الجو) لصَدَم العقول حين نزوله, ولَمَا صَدَّقه أحد, إذ كيف يقول لهم (فى الجو) والجزيرة العربية لا تعرف حينها إلا الوسائل البدائية للسفر البرى والبحرى؟ ثم إن التعبير القرآنى {فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} يشمل الطيران أيضاً, لأن هناك طيارات تُقلِع من البر وتهبط فى البحر, وأخرى تُقلِع من البحر وتهبط فى البر, أما الطيارات العادية التى تُقلع من البر وتهبط فى البر, ففى أثناء طيرانها يكون أسفل منها إما بر أو بحر, ولا ثالث لهما, والله أعلم.

س387- يقول القرآن: {وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً} [الإسراء:72] أليس هذا الظلم واقعاً عليكم يا مسلمون؟ فما ذنب الأعمى أن يدخل النار؟ إن معنى هذا أن عبد الله بن أم مكتوم, وغيره كثير من علمائكم (مثل الشيخ كشك) سيدخلون النار, أليس كذلك؟

ج387- إن سائل هذا السؤال ليست عنده مَلَكة اللغة العربية, ولكنه اتخذها صنعة. فهناك أبصار وبصائر, أما الأبصار فهى بالعين, وأما البصائر فهى بالقلب, قال تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46] فالمؤمن ولو كان أعمى العين (كعبد الله بن أم مكتوم t أو الشيخ كشك رحمه الله) فإنه مُستنير البصيرة, يرى بنور الله جل وعلا, كما جاء فى [سنن الترمذى] أن رسول الله r قال: ((اتقوا فِراسة المؤمن, فإنه ينظر بنور الله)) ثم قرأ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ} ‌فكم من المكفوفين قد حفظ القرآن الكريم وغيره من العلوم الشرعية, وتفوق فيها, وأصبح داعياً إلى الله سبحانه وتعالى, واهتدى على يديه الكثير والكثير, وكم من مبصر قد ضل عن صراط الله المستقيم – وربما أضل غيره – فلم ينفعه بصره, بل كان ضرراً عليه, لأنه استعمله فى معصية الله جل وعلا, قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف:179] فإن الكافرين لهم قلوب, ولكنهم {لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} أى لا يتدبرون بها الآيات, ولا الأحاديث, ولا المواعظ, ولا ما فيه صلاحهم وسعادتهم, ولهم أعين, ولكنهم {لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} أى لا يبصرون بصراً ينفعهم, ولهم آذان, ولكنهم {لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا} أى لا يسمعون سماعاً ينفعهم. أما المؤمن فإن قلبه وبصره وسمعه, وكل جوارحه, مسخرة لله جل وعلا, كما جاء فى الحديث القدسى: ((إن الله تعالى قال: من عادى لى ولياً فقد آذنتُه بالحرب, وما تقرب إلىَّ عبدى بشىء أحبُّ إلىَّ مما افترضتُه عليه, ولا يزال عبدى يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه, فإذا أحببته كنتُ سمعه الذى يسمع به, وبصره الذى يبصر به, ويده التى يبطش بها, ورجله التى يمشى بها, وإن سألنى لأُعطينَّه, وإن استعاذنى لأُعيذنَّه, وما ترددتُ عن شىء أنا فاعله ترددى عن قبض نفس المؤمن, يكره الموت وأنا أكره مَساءته)) [صحيح الجامع:1782] فالمؤمن كلما رأى شيئاً دلَّه على الله سبحانه وتعالى, فلو رأى – مثلاً – مناظر جميلة من خلق الله.. تفكر فيها بنور بصيرته, وعلم أنها بعض مظاهر قدرة الله جل وعلا, فقال: سبحان الله! {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ{190} الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:190-191] وأما الكافر, أو المنافق, أو الفاسق, فإنه يرى فى هذه المناظر الجميلة متعة تُشَد إليها الرِّحال لمعصية الله, فتجد الكثيرين يسافرون إلى الأماكن السياحية الغنية بمثل هذه اللوحات الربانية, ليعصوا الله فيها, ويسبح النساء والرجال – شِبْه عُراة – أمام بعضهم البعض, فهل هذا البصر ينفعهم؟ إنهم قد أبصروا الجمال بعيونهم, ولكنهم لم يدركوا دلالته على عظمة الله وقدرته بقلوبهم. فالآية الكريمة التى وردت فى السؤال تتحدث عن عمى البصائر, وليس عمى الأبصار, كما قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى{124} قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً{125} قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}  [طه:124-126], والله أعلم.

س388- يقول القرآن: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ} [الإسراء:97] كيف يُحشَر الكفار على وجوههم يوم القيامة؟

ج388- إن هذا السؤال قديم, وقد سُئِلَ عنه الرسول r فرَدَّ بقوله: ((إن الذى أمشاهم على أرجلهم فى الدنيا, قادر على أن يمشيهم على وجوههم يوم القيامة)) [صحيح الجامع:1687], والله أعلم.

س389- كيف يقول القرآن: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً} [الكهف:25] ويقول: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} [الكهف:18] ثم يقول فى الآية التى تليها: {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} كيف يقولون: {لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} ألم يروا التغيير الذى حدث فى هيئتهم, وأرعب الناس منهم, بعد مكثهم فى الكهف كل هذه السنين؟

ج389- السائل ساذج, لأنه ظن أن شعر رءوسهم ولحاهم وأظافرهم قد طالت, وأنه قد أصابهم الشيب والشيخوخة, وانحنت ظهورهم, ووهنت عظامهم. إن شيئاً من هذا لم يحدث, ولكنهم عندما استيقظوا من نومهم على حالتهم التى كانوا عليها, لم يشعروا بأى تغيير, لا فى هيئتهم, ولا قوتهم, ولا ملابسهم, بقدرة الله سبحانه وتعالى, ولذلك قالوا: {لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}. أما لماذا قال الله سبحانه وتعالى: {لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} فلأن عيونهم كانت مفتوحة, بدليل قوله تعالى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ} [الكهف:18] وهذا مما يبعث الرعب فى قلب من رآهم, ولذلك فإن من إكرام الميت تسبيل عينيه, لأنها لو تُرِكَت مفتوحة, لكان منظرها مرعباً. وليس معنى قوله تعالى: {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} أن شعورهم وأظافرهم طالت فأصبح منظرهم مرعباً, فنحن نشاهد أناساً فى الشوارع ملابسهم متسخة, وأظافرهم وشعورهم طويلة, ولا نخاف منهم. ربما قال قائل: لو أن عيونهم كانت مفتوحة لدخل فيها التراب, ولأصابها العمى. ونقول له: ألا يثير تعجبك أنهم مكثوا لا يأكلون ولا يشربون طيلة هذه السنوات؟ فإن الذى جعلهم يمكثون هذه المدة أحياء بلا طعام ولا شراب, قادر على أن يحفظ أعينهم من العمى. وهناك شىء آخر.. فربما جعل الله عز وجل منظرهم يرعب من يراهم فيفر منهم هارباً, حتى لا يدخل إليهم أحد فى كهفهم ويحاول أن يوقظهم. والاطلاع عليهم مجرد افتراض {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ} لأنهم بالتأكيد كانوا مختبئين عن أعين الناس. وقوله تعالى: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} [18] فيه إعجاز علمى, لأن الإنسان إذا نام فترة طويلة على مكان واحد, فإن هذا المكان يصاب بقُرَح الفراش التى يصعب علاجها, وكذلك قوله تعالى: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً} [25] به أيضاً إعجاز علمى, لأن كل ثلاث وثلاثين سنة شمسية, تعادل أربعاً وثلاثين سنة قمرية, فتكون المدة التى قضوها فى الكهف 309 بالسنة القمرية, و300 بالسنة الشمسية, فالآية  جمعت بين الحسابين, رغم عدم معرفة العرب للحساب الشمسى حينها, فهم أمّيون, ولا دراية لهم بعلم الفلك الحسابى حين نزول هذه الآية, والله أعلم.

س390- يقول القرآن: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف:50] إن الأمر بالسجود لآدم كان للملائكة, وإبليس لم يكن منهم (بنص الآية) بل كان من الجن, فما الذى جعله يُطرَد من الجنة, ويصبح ملعوناً إلى يوم القيامة, ويخلَّد فى النار؟

ج390- إن هذا استثناء منقطع, أى أن المستثنَى ليس من جنس المستثنَى منه, وإذا صدر الأمر للأعلى, فمن باب أولى أن يدخل فيه الأدنى, ولنضرب مثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – إذا زار وزير الدفاع مقراً عسكرياً به مجموعة من اللواءات وكبار الضباط, وكان فى القاعة جنود يقومون بخدمتهم, فعند دخوله أُصْدِرَ الأمرُ لهؤلاء اللواءات والضباط بالوقوف له, فهل يقف له اللواءات والضباط, ولا يقف له الجنود؟ هل يقولون: إن الأمر لم يصدر لنا, إنما صدر للواءات والضباط, ونحن لسنا منهم؟ أو لو صدر أمر من وكيل الوزارة للمديرين بالحضور إلى عملهم فى الساعة السابعة مثلاًً, فمن باب أولى أن يأتى العاملون من الساعة السادسة, وحين قال الله عز وجل لرسوله r: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ} [الأحزاب:1] فهل النبى r يتقى الله, ونحن لا نتقيه؟ وإبليس نفسه كان يعلم أن الأمر يشمله, بدليل أنه لم يقل حين سُئِل عن عدم السجود (لم أسجد لأنى من الجن, والأمر ليس لى) ولكنه اعترض على أمر الله جل وعلا, ولم يطعه استكباراً وعناداً, فأصبح من الكافرين, بدليل أنه قال: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف:12] ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه لم يطرده من الجنة بمجرد عصيان أمره, ولكنه سأله (وهو سبحانه أعلم) {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف:12] فكان رده ما ذكرناه فى الآية نفسها, والله أعلم.

س391- يقول القرآن: {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ} [الكهف:77] ثم نسى محمد وهو يؤلف القرآن, فقال: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ} [الكهف:82] فمرة يقول: {قَرْيَةٍ} ومرة يقول: {الْمَدِينَةِ} والمعروف أن القرية غير المدينة.

ج391- (النجع) عبارة عن بيت أو اثنين أو ثلاثة, وإذا كثرت البيوت إلى عشرة تقريباً سُمِّيت (كَفْراً) وإذا كثرت البيوت واتسعت الرقعة الأرضية التى تحتويها, ووجد أهلها احتياجاتهم سميت (قرية) وقرية مأخوذة من (القِرَى) أى الكرم, أو أنها تقر عينك, لأن ما تريده تجده, ومأخوذة أيضاً من الاستقرار, وإذا تعددت القرى أصبحت (مدينة) كبيت يحتوى على عدة شقق, فلو قال الإنسان إنه يسكن فى شقة كذا, لكان صادقاً, ولو قال إنه يسكن فى بيت كذا, لكان صادقاً, فليس هناك أى تناقض, لأن القرية جزء من المدينة. وهناك تفسير آخر يقول: إن أهل هذه القرية لما بخلوا بما عندهم, وأبَوا أن يطعموا سيدنا موسى والخضِر – على عكس ما يكون عليه أهل القرى من الجود والكرم – نفى عنهم صِفَة القِرَى, ووصفهم فى تعاملهم بأهل المدينة. وعلى أيَّة حال فقد ورد ذكر القرية والقرى كثيراً فى القرآن الكريم, وهى المكان المستقر فيه أهله, المتوافرة فيه حاجاتهم وطلباتهم, وأدوات حضارتهم, وإنها تشمل القرية والمدينة الصغيرة والكبيرة, أو المِصْر كله, والله أعلم.

س392- يقول القرآن: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} [الكهف:86] كيف تدَّعون أن القرآن نزل من عند الله, وهو يقول إن الشمس تغرب فى بركة من الطين؟ هل هذا يتناسب مع العلم الحديث كما تدَّعون أيها المسلمون؟

ج392- إن ما جاء بالآية الكريمة ليس وصفاً حقيقياً لغروب الشمس, ولكنه وصف من رآها, أى أن ذا القرنين رآها كأنها تغرب {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} كما يراها أحدنا عند الغروب وكأنها تسقط فى البحر, فيقول: لقد رأيت الشمس وهى تسقط فى البحر, ولا ينكر عليه أحد قوله هذا, ولا يتهمه بالجهل, لعلمه أنه وصف مجازى, وليس وصفاً حقيقياً. وكما يقول أحدنا حين يرى رجلاً فى أشد الغضب: لقد رأيته والشياطين تلعب فى وجهه, فهل الشياطين تلعب فى وجهه حقاً, أم أنه تعبير مجازى؟ وهل قال الله سبحانه وتعالى فى أى موضع من القرآن إن الشمس {تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} غير هذا الموضع؟ إن هذا مما يدل على أن هذا الوصف قاصر على رؤية ذى القرنين لها, بدليل قوله تعالى: {وَجَدَهَا} وهذا مثل من يرى السراب فى الصحراء وكأنه ماء. وهناك تفسير يقول إن ذا القرنين عند الغروب وجد قوماً مزارعين فى أرض زراعية, فيها التربة الطينية (الحمأ) فرأى الشمس وهى تغرب, وكأنها تسقط فى هذا الحمأ.

وكيف تتعجبون من هذا, ولا تتعجبون مما جاء فى كتابكم المقدس حيث يقول: وظهرت آية عظيمة فى السماء امرأة متسربلة بالشمس والقمر تحت رجليها وعلى رأسها إكليل من اثنى عشر كوكباً (رؤيا يوحنا12: 1), والله أعلم.

س393- كيف يُسمَّى (يحيى) بهذا الاسم, وهو يدل على طول عمره, ثم يموت شاباً صغيراً؟

ج393- إن الله سبحانه وتعالى هو الذى سماه (يحيى) {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} [مريم:7] أى لم يُسَمَّ أحد بهذا الاسم قبله, واسمه فى الكتاب المقدس (يوحنا المعمدان) وقد سماه الله (يحيى) ليحيا بين الأحياء فى الدنيا لنهاية عمره, ثم يحيا بين الشهداء فى الجنة, فقد رزقه الله الشهادة على يد الإمبراطور (هيرودس) الذى أراد أن يتزوج ببنت أخته, وقد كان ذلك محرماً فى شريعتهم, فذهبوا لأحبارهم ليستفتوهم, فأشاروا عليهم أن يذهبوا لسيدنا يحيى (على نبينا وعليه الصلاة والسلام) لأنه كان معروفاً بالعلم, والتقوى, والورع الشديد, فأفتى لهم بحرمة هذا الزواج, فغضبت بنت اخت الملك, وطلبت أن تُقطَع رأسه, وتقدم لها على صحفة من الذهب, لتكون مهرها, لرغبتها فى الزواج من خالها, فلبوا لها طلبها, وذبحوه وهو فى سن الخامسة والثلاثين, وقدموا رأسه هدية لها, ولذلك سُمِّىَ (يحيى) لأنه نال الشهادة, قال تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران:169] وقال رسوله r: ((إن أرواح الشهداء فى جوف طير خضر, لها قناديل مُعلَّقة تحت العرش, تسرح من الجنة حيث شاءت, ثم تأوى إلى تلك القناديل)) [صحيح الجامع:1558], والله أعلم.

س394- يقول القرآن عن مريم: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً} [مريم:16] فلماذا {انتَبَذَتْ}؟ هل كانت فى مشاجرة مع أهلها, وهم المشهورون بالتقوى والورع؟

ج394- إن السيدة مريم – رضى الله عنها – مُحرَّرَة أصلاً لخدمة بيت المقدس, كما قالت أمها: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [آل عمران:35] فهى معتكفة فى محراب المسجد, وليس لها أن تعود لبيتها, لأنها محررة من كل خدمة إلا خِدمتَه. أما مسألة (الانتباذ) أى الابتعاد عن بيت المقدس, فلأنها كانت – كأى أنثى – تأتيها الدورة الشهرية, فلا يجوز لها أن تمكث فيه أثناء حيضها, فكان لها خيمة شرق بيت المقدس لتقضى فيها أيام حيضتها, فإذا طهرت عادت إليه. أما كلمة {أَهْلِهَا} أى أهل دينها, كما قال الله تعالى عن ابن سيدنا نوح, على نبينا وعليه الصلاة والسلام: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود:46] فإنها لم تكن فى مشاجرة مع أهلها, ولكنها كانت منقطعة لخدمة ربها, فكلمة (مريم) باللغة الآرامية تعنى (خادمة الرب) والمتأمل للآية يجدها {انتَبَذَتْ} (بفتح التاء والباء) وليست (انتُبِذت) (بضم التاء وكسر الباء) أى أنها هى التى ابتعدت عنهم, ولم يبعدها أحد, كما بعدت عنهم لتضع ولدها الذى بشرها به سيدنا جبريل u {فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً} [مريم:22]

وقد جاء فى الكتاب المقدس عن سيدنا موسى, على نبينا وعليه الصلاة والسلام: وفى ذلك الوقت وُلِدَ موسى وكان جميلاً جداً. فَرُبِّىَ هذا ثلاثة أشهر فى بيت أبيه. ولما نُبِذَ اتخذته ابنة فرعون وربَّته لنفسها ابناً. (أعمال الرسل7: 20-21) فهل وضعته أمه فى التابوت عن كُرْه له, أو مشاجرة معه, حتى يقال عنه إنه نُبِذَ؟, والله أعلم.

س395- يقول القرآن عن مريم إنها قالت للرجل الذى أتاها فى خلوتها: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً} [مريم:18] فهل تستعيذ بالله منه إن كان تقياً فقط, أم أن المفروض أنها تستعيذ بالله منه على كل حال؟

ج395- مسكين هذا الذى فهم الآية بهذه الطريقة! ألم يسمع فى يوم من الأيام من يقول للمتهجم عليه ليضربه: لو كنت تخاف الله اتركنى ولا تضربنى؟ إن قول السيدة مريم – رضى الله عنها – لا يعنى أنها تستعيذ بالله منه إن كان تقياً فقط كما فهم هذا المسكين, فالتَّقِىّ من نفسه لن يدخل عليها فى خلوتها, ولن يؤذيها بأى أذى, ولكنها قالت له هذا لتذكِّره بالله سبحانه وتعالى, وتخوِّفه من عقابه. ونحن نعلم أن الرجل الذى دخل عليها كان سيدنا جبريل u, ولم يكن بهيئته الملائكية, ولكنه جاءها فى صورة رجل ليبشرها بولادة المسيح, على نبينا وعليه الصلاة والسلام, والله أعلم.

س396- لقد خلط القرآن بين هاجر ومريم, فقال: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} [مريم:24] و(السَّرِى) هو النهر الجارى, وهذا كان لهاجر, ولم يكن لمريم.

ج396- إن من المعانى المتعددة للسَّرِىّ أنه (السيَّد) وعلى هذا المعنى يكون المقصود بالسَّرِىّ هو المسيح نفسه – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – وسُمِّىَ (سَرِيّاً) لِتُسَرّ به أمه, ويسمى (السيد) بالسَّرِىّ لأنه يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر, ويعلمهم الخير, ويُسّرِّى عنهم {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} أى أنه سيكون سيداً, وتقر به عينها, ويدخل عليها االسرور, والمسيح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – لا زال اسمه عندهم (السيد المعلم). وعلى المعنى الآخر للسَّرِىّ أنه جدول ماء, فما المانع أن يكون تحت السيدة مريم كما كان للسيدة هاجر؟

وبمناسبة الخلط غير الحقيقى بين السيدة هاجر والسيدة مريم (رضى الله عنهما) فقد جاء فى الكتاب المقدس اختلافات كثيرة فى أنساب بنى إسرائيل يطول شرحها, ونذكر منها على سبيل المثال:

وبنو شمعون يموئيل ويامين وأوهد وياكين وصوحر وشاول (تكوين46: 10)

بنو شمعون حسب عشائرهم. لنومئيل عشيرة النموئيليين. ليامين عشيرة اليامينيين. لياكين عشيرة الياكينيين. لزارح عشيرة الزارحيين. لشاول عشيرة الشاوليين. هذه عشائر الشمعونيين (عدد26: 12-14), والله أعلم.

س397- يقول القرآن: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} [مريم:25] فيا مسلمون.. هل تستطيع امرأة نُفَساء أن تهز جذع نخلة, لا يستطيع أن يهزها أقوى الرجال, ولو كان بطل العالم فى رفع الأثقال؟

ج397- إن هذه الدنيا قامت بقَدَر الله على الأسباب, ونحن مطالبون بالسعى فى طلب الرزق الحلال, لنتعفف به عن السؤال, والله سبحانه وتعالى لا يُكلِّف نفساً إلا وُسْعها, وحين يأمر بشىء فإنه لا يأمر به عبثاً – حاشا وكلا – ولكنه يأمر به لعلمه بمقدرة عبده على تنفيذه, ولعلمه بحكمة هذا الأمر وأهميته, والعبد ما عليه إلا أن يمتثل لأمر مولاه, وليس عليه بلوغ مُناه, فحين أمر الله سبحانه وتعالى السيدة مريم – رضى الله عنها – بهز جذع النخلة, فإنه لم يأمرها إلا بما تطيقه من هذا العمل, وعليه سبحانه وتعالى بلوغ الأمل, فما دام هو الذى أمرها, فهو القادر أن يجعل النخلة تهتز بفعلها, وتُساقط الرطب الجنى لتغذيتها. فحين رمى رسول الله r التراب على الكفار فى موقعة (حُنَين) وقال: ((شاهَت الوجوه)) [صحيح مسلم] فما من كافر حينها إلا وقد مُلِئت عينيه بالتراب, أكان هذا من قوة سيدنا محمد r فى الرَّمْى؟ وهل يستطيع ذلك إنسان؟ إن الذى أوحى إليه ووفقه هو الله سبحانه وتعالى, أما هو فما كان عليه إلا اتخاذ الأسباب {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى} [الأنفال:17] فنحن ما علينا إلا اتخاذ الأسباب التى أُمِرنا بها, والله الموفق لنجاحها, ولا نجلس مكتوفى الأيدى ونقول: إن الله سيرزقنا, فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة.

والذين يتعجبون من أن السيدة مريم – رضى الله عنها – أُمِرَت بهز جذع النخلة, جاء فى كتابهم المقدس أن شمشون أمسك بعمودَىْ مَبْنَى, فوقع البيت على من فيه فقتلهم:

وقبض شمشون على العمودين المتوسطين اللذين كان البيت قائماً عليهما واستند عليهما الواحد بيمينه وآخر بيساره. وقال شمشون لِتَمُتْ نفسى مع الفلسطينيين. وانحنى بقوة فسقط البيت على الأقطاب وعلى كل الشعب الذى فيه فكان الموتى الذين أماتهم فى موتِهِ أكثر من الذين أماتهم فى حياته. (قضاة16: 29-30) مع أن هذا البيت كان به آلاف الرجال والنساء! وكان البيت مملؤاً رجالاً ونساءً وكان هناك جميع أقطاب الفلسطينيين وعلى السطح نحو ثلاثة آلاف رجل وامرأة ينظرون لعب شمشون. (قضاة16: 27), والله أعلم.

س398- يقول القرآن عن مريم: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً} [مريم:26] أين هو الصوم, وقد كانت آكلة وشاربة بنص الآية نفسها؟

ج398- أكمل الآية حتى تعلم الإجابة {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً} لقد نذرت لله صوماً عن  الكلام وليس عن الطعام, فالصيام فى اللغة هو (الانقطاع) يقولون: (صام الجمل) أى انقطع عن المشى, ولذلك أخبرنا القرآن أنها لم تتكلم مع قومها, بل أشارت إلى ولدها عندما سألوها عنه {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} وكان انقطاعها عن الكلام لحكمة عظيمة, فلو أنها تكلمت وقالت لهم إنها بريئة فلن يصدقوها, فمن أين لها بهذا الغلام؟ أمَا وإنه هو الذى تكلم فقد ألجمهم الحجة, إذ كيف يتكلم فى المهد؟ إن هذه المعجزة تجعلهم يتقبلون معجزة ولادته بغير أب, لأنه ليس كسائر الأطفال, والله أعلم.

س399- يقول القرآن: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} [مريم:28] كيف تكون مريم أخت هارون يا مسلمون, وبينهما مئات السنين؟

ج399- إن السيدة مريم – رضى الله عنها – لم تكن أخت سيدنا هارون – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – لأن بينهما أكثر من ثمانمائة سنة, ولكن هذا كلام تهكمى ساخر, لأنها كانت منقطعة للعبادة فى بيت المقدس (كلمة مريم تعنى أمَة الرب باللغة الآرامية) ثم جاءتهم حاملة ابنها الرضيع على يديها, وهى لم تتزوج بعد, فاستهزأوا بها, وقالوا: {يَا أُخْتَ هَارُونَ} أى أخته وشبيهته فى العبادة, لأنه كان كثير العبادة, وكان محبباً إلى قومه, وكان يُضرَب به المثل فى الحلم والتقوى والورع, والناس إذا رأوا متديناً قد عمل عملاً مُشيناً فى ظنهم, قالوا له: يا مولانا المعظم, يا فضيلة الإمام الأعظم, يا فضيلة المفتى.. فهل هو حقاً فضيلة الإمام الأعظم أو المفتى؟ أم أنهم يقولون هذا تهكماً؟ أو كما يقولون للبخيل: يا أبا الكرم, وللجبان: يا أبا الشجعان, وللقصير: يا نخلة… إلخ.

ثم إنه قد جاء فى الكتاب المقدس أن سيدنا هارون كانت له أخت اسمها مريم, وهى عندهم نبيَّة: فأخذت مريم النبيَّة أخت هَرُون الدُّف بيدها. وخرجت جميع النساء وراءها بدفوف ورقص. وأجابتهم مريم. رنِّموا للرب فإنه قد تعظَّم. الفرس وراكبه طرحهما فى البحر (خروج15: 20-21) وهذا يخالف الواقع, فالله سبحانه وتعالى لم يتخذ من النساء أنبياء, قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ} [النحل:43] ولكننا سنسلم أنه كانت له أخت صالحة اسمها مريم (مع أن هذا يتنافى مع رقصها وغنائها) فعلى هذا يكون معنى قوله تعالى: {يَا أُخْتَ هَارُونَ} أى يا من كنتِ مثل مريم أخت هارون, والله أعلم.

س400- يقول القرآن عن عيسى: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} [مريم:31] وأنتم تقولون إنه لم يمت, وإنه رُفِعَ عند ربه, فكيف يصلى ويزكى إذن؟

ج400- أوَّلاً: نجيب على هذا السؤال بسؤال: هل هناك نبى حى لا يصلى؟ ثانياً: لقد اتفق المسلمون والنصارى على أن المسيح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – حى عند الله, فهل يعلم أحد ماهِيَّة هذه الحياة؟ وما هى مقوِّمات حياته؟ إنه من الغيوب المطلقة التى لا يعلمها إلا الله, فما المانع أن تكون صلاته عند ربه كصلاة الملائكة الذين أخبرنا الله عنهم بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف:206] وأخبرنا عنهم رسوله r بقوله: ((أطَّت السماء, ويحق لها أن تئِط, والذى نفس محمد بيده, ما فيها موضع شبر, إلا وفيه جبهة مَلَك ساجد, يسبح لله بحمده)) [صحيح الجامع:1020]‌ أمّا الزكاة فهى لا تجب إلا على من يملك نصابها, ويجد من يتصدق عليهم بها, فأين هو النِّصاب الذى يمتلكه؟ وأين الذين سيتصدق عليهم, بفرض أنه يملك النصاب؟ ففى هذه الحالة يرتفع عنه التكليف بالزكاة, كما ترتفع بعض التكاليف عن بعض الناس فى بعض الحالات. ستقولون: إن هذا يناقض الآية, لأنها تأمره بالزكاة ما دام حياً. ونقول لكم: هل كل ما يؤمر به الإنسان يستطيع القيام به فى جميع أحواله؟ فمن المعلوم أن بعض الفروض لا يستطيع الإنسان القيام بها فى جميع أحواله, والزكاة مثال على ذلك, فربما افتقر الغنى الذى كان يؤديها وهو فى غناه, ثم يعجز عن أدائها فى حال فقره, ونحن مأمورون بأداء الصلاة وإيتاء الزكاة فى أكثر من آية, مثل: {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [الحج:78] ولكن لو فرضنا أن أحداً دخل فى غيبوبة, فهل يستطيع الصلاة؟ وكذلك فإننا مأمورون بالصيام, ولكن أحياناً لا نستطيع القيام به فيسقط عنا, المهم أن الإنسان يفعل ما يقدر عليه من التكاليف, أما ما لا يقدر عليه فيسقط عنه {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:286] فكَوْن سيدنا عيسى قد أُمِرَ بالزكاة, فمن البديهى أنه أُمِرَ بها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً, ولكن من بلاغة القرآن أنه لا يذكر كل شىء بالتفصيل, ولكنه يترك ما يُفهَم بداهة. ثم إنه سينزل فى آخر الزمان بإذن ربه جل وعلا, ويتبع هدى نبينا r ويصلى, ويزكى, ويصوم رمضان, ويحج بيت الله الحرام, ويجاهد فى سبيل الله, والله أعلم.

س401- لماذا يقول القرآن عن موسى وإسماعيل: {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} [مريم:51] و[مريم:54] ولم يكتفِ بقوله: {رَسُولاً} إذ أن كل رسول نبى؟

ج401- إن هذا تأكيد وبيان أن كُلاً منهما – على نبينا وعليهما الصلاة والسلام – لم يبلِّغ رسالة ربه فقط, بل إنه كان ملتزماً بها فى نفسه, أى أنه كان مستسلماً لربه جل وعلا, مؤتمراً بأمره, ومنتهياً عن نواهيه, فلم يكن ليأمر قومه بمعروف ثم لا يفعله, أو ينهاهم عن منكر ثم يأتيه. وبمعنى آخر.. أن كُلاً منهما بلَّغ رسالة ربه, وكان قدوة لقومه فى تطبيقها على نفسه, وهذا الكلام ينطبق على جميع المرسلين, صلوات الله وسلامه عليكم أجمعين, والله أعلم.

س402- يقر القرآن بأن فى سيناء وادياً اسمه {طُوًى} فيقول: {إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [طه:12] والمعروف أن هذا الاسم لا وجود له فى سيناء, فمن أين جاء به القرآن؟

ج402- معروف على مر الزمان أن أسماء البلاد والأماكن تتغير, فما بالكم بمكان مضى عليه أكثر من ثلاثة آلاف سنة؟ فعلى سبيل المثال: أسبانيا كانت تسمى الأندلس, والسعودية كانت بلاد العرب وأرض الحجاز, والصومال وإرتريا كانتا القرن الأفريقى, وألمانيا كانت بروسيا, وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا كانوا إفريقية والمغرب العربى, وأمريكا كانت القارة الجديدة, والمملكة المتحدة كانت بريطانيا, ومن هنا نعلم أن تغيير اسم أى مكان فى العالم وارد ومحتمل. وسيناء نفسها لها أربعة أسماء هى: سيناء, وطور سينين, وأرض الفيروز, وشبه جزيرة سيناء. ثم إن من أسماء الجبل الذى فى سفحه (زرع) فى اللغة المصرية القديمة لفظة تُرسَم فى الكتابة الهيروغليفية (ضُو) وتنطق فى القبطية (تُووَ) وهما قريبتان من طوى.

وقد جاء فى الكتاب المقدس أن مدينة (القدس) التى نعرفها اسمها (أورشليم) كما ورد فى (سِفْر حزقيال, الإصحاح 16) وغيره من الأسفار, فهل بقى اسمها هكذا إلى الآن؟ وقد جاء فى الكتاب المقدس – أيضاً – اختلاف فى موقع (شور) فيقول:

وسكنوا من حويله إلى شور التى أمام مصر حينما تجئ نحو أشور. (تكوين25: 18) وضرب شاول عماليق من حويلة حتى مجيئك إلى شور التى مقابل مصر. (صموئيل الأول15: 7) فى هذين النصَّين يجعل مكانها أمام مصر, ثم يجئ النَّص التالى فيجعلها من مصر:

ثم ارتحل موسى بإسرائيل من بحر سوف وخرجوا إلى برية شور. (خروج15: 22) ومن أراد التأكد من أن معنى هذا الكلام أنها من مصر فليقرأ الكلام الذى قبله والذى بعده من الإصحاح نفسه, والله أعلم.

س403- يقول ربكم لموسى وهارون {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى{43} فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه:43-44] كيف يقول لهما: {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} وكلمة {لَّعَلَّهُ} تفيد الترَجِّى, ألا كان الله يعلم بما سيكون عليه فرعون من الكفر أو الإيمان؟

ج403- إن الترَجِّى ليس فى حق الله جل وعلا, فهو سبحانه يعلم بما سيكون من أمر فرعون, وأنه لن يهتدى, وسيكون مصيره النار, ولكن هذا إشعار لسيدنا موسى وسيدنا هارون – على نبينا وعليهما الصلاة والسلام – بالأمل فى هدايته, حتى يبذلا أقصى ما فى وسعهما فى دعوته, ولا ييأسا من قبوله إياها, لأنهما لو عَلِما مُسبقاً أنه لن يهتدى, فما فائدة دعوتهما إذن؟ ولو لم يدعواه, فكيف تقوم عليه الحجَّة يوم القيامة؟ كما أن فى هذا تعليماً لكل الدُّعاة أن يدعوا إلى الله بالرفق واللين, وألا ييأسوا من هداية أحد, مهما بلغت معاصيه, فلن يكون أحد من الدُّعاة أفضل من سيدنا موسى وأخيه هارون, ولن يكون أحد أعتى من فرعون الذى ادَّعى الربوبية, فقال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات:24] وادَّعى الألوهية, فقال: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:38], والله أعلم.    

س404- يقول القرآن: {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى{51} قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} [طه:51-52] طالما أن الله لا ينسى, فما فائدة الكتاب؟

ج404- كل شىء موجود فى كتاب عند الله جل وعلا قبل خلق السموات والأرض, قال رسول الله r: ((إن أول ما خلق الله القلم, فقال له: اكتب, قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القَدَر ما كان وما هو كائن إلى الأبد)) [صحيح الجامع:2017] وهذا الكتاب لم يخلقه الله جل وعلا لئلا ينسى – كلا – فهو سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى أن يتذكر, بدليل قوله فى الآية نفسها: {لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} وقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} [مريم:64] ولكن ذلك من كمال قدرته سبحانه وتعالى وعلمه القديم, فهو ليس بحاجة لانتظار أعمال عباده ليكتبها, فكل ما حدث ويحدث فى الكون إلى قيام الساعة, فهو فى علم الله كأنه حدث وانتهى, أما ما تكتبه الملائكة من أعمالنا, فهو ليكون حجة لنا أو علينا, والله أعلم.

س405- يقول القرآن: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه:71] فهل الصلب يكون فى جذوع النخل أم عليها؟

ج405- إن الصلب الذى أراده فرعون لم يكن صلباً عادياً كالذى تخيله السائل, ولكن فرعون أراد أن يعذبهم عذاباً شديداً, بحيث يدقّهم فى النخل, فتتداخل فيه أجسادهم من شدة الصلب, ولو صلبهم على جذوعه لكان بإمكان أى أحد أن يفكهم, فهى إذن صيغة أبلغ فى التعبير عن شدة العذاب من الصيغة التى أردتموها, والله أعلم.

س406- إن القرآن ينسب العجل الذهبى إلى السامرى, بينما البلدة التى نُسِب إليها السامرى – وهى مدينة السامرة فى فلسطين- لم تكن موجودة بعد.

ج406- لا يوجد فى فلسطين مدينة تسمى (السامرة) وإنما كان للسامريين مملكة فى فلسطين عاصمتها (نابلس) المسماة قديماً (شكيم) وكانت هذه المملكة مكونة من عشرة أسباط, وكان للسبطين مملكة فى فلسطين عاصمتها (القدس) المسماة قديماً (أورشليم) ولما صعد سيدنا موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – إلى جبل الطور, وتلقى التوراة، نزل فوجد اليهود يعبدون {عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ} [طه:88] فلما سألهم عنه, دَلُّوه على من أغراهم بعبادته, فأمسك به, وسأله قائلاً: {فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ} [طه:95] أى ما هذا الذى فعلته أيها الْمُضِل؟ لأن كلمة (سامرى) تطلق على المضل الذى يرتاد أماكن اللهو والسَّمَر, ولا تطلق على شخص كعَلَم من الأعلام, وبهذا المعنى لا يكون الذى أضلهم رجل مسمى بالسامرى، وإلا- لكان السامرى من أسماء المسيح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – لأن اليهود قالوا له:  إنك سامِرِىّ وبِكَ شيطان (يوحنا8: 48), والله أعلم.

س407- يقول القرآن: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه:115] كيف يرفع ربكم عنكم الخطأ والنسيان, وقد آخذ به آدم؟ أأنتم أفضل منه عند ربكم؟

ج407- نحن لسنا بأفضل منه, ولكن سيدنا آدم (على نبينا وعليه الصلاة والسلام) ما كان ينبغى له أن ينسى, لأنه لم يتلقَّ من الله إلا أمراً واحداً, فلو أنه تلقى أوامر كثيرة, ثم نسى بعضها, لكان له العذر, ولكنه أمر واحد, وهو ألا يأكل من شجرة معينة, فمثلاً {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} لو أنك أمرت ولدك بأوامر كثيرة, ثم نسى بعضها.. لَعَذَرْته, ولكن لو أمرته بأمر واحد فنسيه, لغضبت منه, وقلت له: كيف تنسى, مع أنى لم أكلفك إلا بشىء واحد؟ فكيف بمن تلقى الأمر من الله؟ ولكن رغم ذلك فإن الله  سبحانه وتعالى تاب عليه {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة:37], والله أعلم.

س408- نحن نتعجب من القرآن الذى يأتى بفاعِلَيْن لفعلٍ واحد, فيقول: {لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} [الأنبياء:3] والشاهد فى هذه الآية هو الجمع بين {وَأَسَرُّواْ} و{الَّذِينَ ظَلَمُواْ} لأن (الواو) فى الأولى فاعل, و{الَّذِينَ} فى الثانية فاعل كذلك.

ج408- قال شيخ المفسرين البيانيين الإمام الزمخشرى: أبدل {الَّذِينَ ظَلَمُواْ} من (واو) {وَأَسَرُّواْ} إشعاراً بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسَرُّوا به. أو جاء على لغة من قال: أكلونى البراغيث. أو هو منصوب المحل على الذَّم. أو هو مبتدأ, خبره {وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى} قُدِّم عليه, والمعنى: هؤلاء أسروا النجوى.

وقد ذكر فى توجيه هذا التركيب أربعة آراء, كلها صحيح فصيح:

الأول: إن {الَّذِينَ ظَلَمُواْ} بدل كُلّ من كُلّ من معنى (الواو) فى {أَسَرُّواْ} لأنه (واو) جماعة, معناه الجمع.

الثانى: إنه جاء على لغة بعض القبائل العربية التى تجمع بين الضمير إذا وقع فاعلاً وبين ما يفسره. وعليه جاء الحديث الشريف: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل, وملائكة بالنهار)) [متفق عليه]

الثالث: أن يكون فى محل نصب على الذَّم, على تقدير فعل محذوف هو: أذُم أو أخُص {الَّذِينَ ظَلَمُواْ} بالذَّم.

الرابع: أن يكون هو المبتدأ, وما قبله خبر عنه, أى والذين ظلموا أسروا النجوى.

أما الذى اقتضى تقديم خبره عليه {أَسَرُّواْ النَّجْوَى} فهو التسجيل عليهم بقبح ظلمهم وفُحشه, وهذا كلام طيب فى غاية النفاسة.

ويردد الإمام الشوكانى ما قاله الزمخشرى, ويضيف إليه: إن {الَّذِينَ ظَلَمُواْ} فاعل لفعل محذوف, تقديره: يقول الذين ظلموا. ثم يورد على لغة (أكلونى البراغيث) آية أخرى من كتاب الله, هى قوله عز وجل: {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} [المائدة:71] فقد جمع فى الآية بين الضمير, وهو (الواو) فى {عَمُواْ} و{صَمُّواْ} وبين الاسم الظاهر {كَثِيرٌ}  كما ذكر قول الشاعر:

ولكن دياقى أبوه وأمه       بحوران يعصرن السليط أقاربه

والشاهد فى البيت حيث جمع الشاعر – وهو عربى فصيح يُحْتَجّ بكلامه – بين نون النسوة فى (يعصرن) وهو فاعل ل(يعصر) وبين الاسم الظاهر (أقاربه) وليس فى الكلام إلا فعل واحد, يكفى فيه فاعل واحد.

وفى المسألة مذاهب أخرى, منها: إن {الَّذِينَ ظَلَمُواْ} هى الفاعل, أما (الواو) فهى علامة جمع الفاعل لا غير. وأن العرب كانت تفعل ذلك حتى فى المثنَّى, فيقولون: (فأمّا أخواك) كما استشهد مَن ذهب هذا المذهب بقول الشاعر:

يلوموننى فى اشتراء النخيل         قومى, فكلهم يعزل

حيث جمع بين (الواو) فى (يلوموننى) وبين الاسم الظاهر فى (قومى)

ويضيف الدكتور (عبد العظيم المطعنى) فى كتاب (حقائق الإسلام فى مواجهة شبهات المشككين) إضافتين:

إحداهما: إن من أساليب علم المعانى وهو أحد علوم البلاغة الثلاثة (المعانى – البيان – البديع) أسلوباً لا يعرف عنه مثيرو هذه الشبهات شيئاً, هو ما يسميه البلاغيون ب(الاستئناف البيانى) وضابط هذا الأسلوب أن تتقدم جملة من الكلام تثير فى ذهن السامع تساؤلاً لطيفاً يَدُبُّ فى نفسه, أو يسرى سريان الماء فى العود الأخضر, فتأتى جملة أخرى تجيب على ذلك التساؤل, الذى ليس له صورة فى الكلام, بل هو يبرق كالشعاع فى ذهن السامع, ومن أمثلته فى القرآن: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ} [الحجر:66] فجملة {أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ} جواب على سؤال تقديره: ما هو ذلك الأمر الذى قضاه الله؟ ومثل قوله تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى} [طه:120] فجملة {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ} أثارت فى النفس تساؤلاً لطيفاً: ماذا قال الشيطان لآدم؟ فكان الجواب: {قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى} هذا هو الاستئناف البيانى عند البلاغيين, وهو (مره أخرى): تنزيل جملة مَنْزِلَة جوابٍ على سؤال تضمنته الجملة التى قبلها. والآية التى معنا: {وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ} جرت على نَسَق الاستئناف البيانى الذى عرفته, لأن جملة {وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى} تثير فى النفس التساؤل نفسه: من هم الذين {أَسَرُّواْ النَّجْوَى}؟ فكان الجواب: {الَّذِينَ ظَلَمُواْ}

لا يقال: إن هذا السؤال لا يقتضى المقام إثارته, لأن مرجع الضمير وهو (الواو) فى {أَسَرُّواْ} مذكور قبله فى قوله تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ{1} مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ{2} لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} لأنا نقول عن الوقائع المذكورة فى مطلع السورة وقائع عامة, هى أحوال الناس جميعاً, إلا من عَصَمَه الله. أما إسرار النجوى فهى واقعة خاصة وقعت من مشركى العرب, فليس (الناس) قبلها هم فاعليها, بل فاعلوها هم الذين قالوا: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} وعلى هذا فإن {الَّذِينَ ظَلَمُواْ} ليس فاعلاً ل{أَسَرُّواْ} وإنما فاعل {أَسَرُّواْ} الواو. أما {الَّذِينَ ظَلَمُواْ} فواقعة فى كلام جديد, هو خبر عن جملة السؤال: من هم الذين أسروا النجوى؟

أما الإضافة الثانية: فهى أسلوب آخر من أساليب البلاغة العربية, مفتاح الإعجاز المفْحِم. ذلك الأسلوب تحدث عنه شيخ البلاغيين بلا منازع, الإمام عبد القاهر الجرجانى, وأسماه: (الإضمار على شريطة التفسير) وضابط هذا الأسلوب هو أن تأتى بالضمير أولاً, ثم تفسره بعد ذلك بذكر مرجعه, ومن أمثلته قول الشاعر:

هى الدنيا تقول بملء فيها        حذار حذار من بطشى وفتكى

ولا يغرركم منى ابتسام             فقولى مضحك والفعل مُبْكِ

وتخريج الآية {وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ} على هذا الأسلوب سائغ رائع. فقد أتى بالضمير أولاً فى {وَأَسَرُّواْ} ثم فسره ثانياً هكذا {الَّذِينَ ظَلَمُواْ} وبلاغة هذا الأسلوب هى تحريك الشعور, وتشويق النفس إلى عقبى الكلام كيف تكون, فيتمكن المعنى المسوق من أجله الكلام فى النفوس كل التمكُّن, لأن النفس إذا ظفرت بالشىء بعد انتظاره استقر ذلك الشىء فيها, والله أعلم.

س409- إن القرآن يتناقض مع العلم فيقول: {وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:32] كيف يُعبِّر عن الفضاء اللانهائى بالسقف المحفوظ؟

ج409- المعروف فى اللغة العربية أن كل ما علاك فهو سَماك, كما يقال: (سماء الغرفة) أى سقفها, قال تعالى: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج:15] و{السَّمَاء} فى هذه الآية الكريمة معناها سقف الغرفة. وقد عبَّر الله سبحانه وتعالى عن الغلاف الجوى للأرض تعبيراً علمياً مبهراً, إذ ثبت علمياً أن سماء الأرض (الغلاف الجوى) سقف محفوظ, أى أنه ليس فراغاً كما يظن البعض, ولكنه ممتلئ بأجسام دقيقة لا نراها, وهذا الغلاف الذى يُسمَّى بطبقة (الأوزون) لا يُختَرق من قِبَل الإشعاعات القاتلة والحارقة التى تأتى من الشمس, ويحفظ مقوِّمات الحياة على الأرض, فلولا هذا السقف المحفوظ لتفلَّتت أبخرة الماء الصاعدة من البحار والمحيطات والأنهار إلى غير رجعة, ولعُدِمَت المياه على سطح الكوكب تماماً, ولتفلَّت الهواء بما فيه من الأكسجين, ولدُمِّرت مظاهر الحياة على الأرض. وقد ذكرنا فى الرد على الشبهة رقم (28) فوائد أخرى لهذا الغلاف.

وقد جاء فى الكتاب المقدس قول المسيح, على نبينا وعليه الصلاة والسلام: لا تحلفوا البتة. لا بالسماء لأنها كرسِىّ الله. ولا بالأرض لأنها مَوطئ قدميه. (متى5: 34-35) فهل السماء كرسيّه, والأرض موطئ قدميه؟, والله أعلم.

س410- يقول القرآن: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ{98} لَوْ كَانَ هَؤُلَاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأنبياء:98-99] معنى هذا أن عُزَيراً وعيسى والملائكة فى النار, لأن اليهود عبدوا العُزَير, والنصارى عبدوا المسيح, والمشركين عبدوا الملائكة, كما ورد ذلك فى قرآنكم.

ج410- إن هذه الشبهة قديمة من أيام الرسول r فقد كان النضر بن الحارث بن كِلدَة قصّاصاً (أى ماهراً فى نسج القصص, والتعبير, وسرد الأحداث التاريخية) وكان يحقد على سيدنا محمد r لأن الناس كانوا لا يستمعون لحديثه مثل استماعهم لحديث النبى, وذات مرة قعد معه الرسول r هو وبعض المشركين, وتلا عليهم الرسول هذه الآية التى وردت فى السؤال, فلم يستطع أحد منهم أن يرد عليه بشىء, فلما قام الرسول r جاء عبد الله بن الزبعرى المشرك, وكان من أهل الجدل.. فقالوا له: والله ما قام النضر ابن الحارث لابن عبد المطلب وما قعد, وقد زعم محمد أنّا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم, فقال عبد الله بن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته, سَلُوا محمداً: أكُلَّ ما يُعبَد من دون الله فى جهنم مع مَن عَبَده؟ فنحن نعبد الملائكة, واليهود تعبد عُزَيراً, والنصارى تعبد عيسى بن مريم, فعجبوا من قوله, ورأوا أنه قد احتجَّ وخاصَم, فَذُكِرَ ذلك لرسول الله r فقال: ((كل من أحب أن يُعبد من دون الله فهو مع من عبده, فإنهم إنما يعبدون الشيطان مَن أمرهم بعبادته)) [ذكره ابن هشام فى السيرة] فأنزل الله عز وجل فى السورة نفسها: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [101] أى إن هؤلاء الصالحين ليسوا داخلين فى الوعيد, فإنهم لا ذنب لهم, ولم يأمروا أحداً بعبادتهم. وكلمة {مَا} فى الآية الكريمة لغير العاقل, فلا تشمل الملائكة, ولا عُزَيراً, ولا سيدنا عيسى, وهذا بديهى, وتعرفه العرب, ويعرفه المشركون جيداً, ولكنه العناد والجدال بالباطل, فإذا طرق علينا الباب طارق.. هل نقول له: ما بالباب؟ أم نقول له: من بالباب؟ وهناك آية توضح أنهم ما قالوا ذلك للرسول r إلا جدلاً بالباطل, وهى قول الله عز وجل: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ{57} وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ{58} إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ} [الزخرف:57-59], والله أعلم.

س411- يقول القرآن: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} [الأنبياء:96] أنتم تقولون إن هناك نوعاً من البشر يُسمَّوْن (يأجوج ومأجوج) من ولد يافث بن نوح, يخرجون فى آخر الزمن على الناس بأعداد رهيبة, وأنهم موجودون الآن, ولكن بينهم وبين الناس جداراً, أين هؤلاء الناس, وأين هذا الجدار, وقد أصبح العالم كله مُصَوَّرا بالأقمار الصناعية تصويراً دقيقاً بحيث لا يخفى منه شىء؟   

ج411- لقد اغتر قائل هذا القول بالعلوم الحديثة, وظن أنها لا تخفى عليها خافية, ونسى قول الله جل وعلا فى آية الكرسى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء} فإن حكمة الله سبحانه وتعالى اقتضت أن يُخرِج العلوم لعباده حينما يشاء, فى حين أنها موجودة أصلاً. فمثلاً: هل كانت المضادات الحيوية, والكهرباء, والذرَّة, والإلكترونات… إلخ, غير موجودة قبل اكتشافها؟ إنها كانت موجودة, ولكن الإنسان لم يكتشفها إلا حينما أراد الله سبحانه وتعالى, حتى إنهم يقولون إن معظم الاكتشافات كانت بالمصادفة, أى أن الإنسان لم يبذل جهداً فى معرفتها, ولكن انتباهه لها جاء بمحض المصادفة, ثم بدأ يفكر فى كيفية استخدامها, وأخضعها للتجربة والخطأ, إلى أن وصل لاستخدامها على الوجه الصحيح (هم يقولون: اكتشفها بالمصادفة, أما نحن فنقول: اكتشفها بقَدَر الله) وأخبرونى يا من تقولون إن الكرة الأرضية لا تخفى منها خافية.. ماذا تعرفون عن مثلث بارامودا؟ إن العلم الحديث بكل تقنيّاته وأجهزته الدقيقة لم يستطع إلى الآن حل لُغزه, وهناك تحذير دولى من المرور به بحراً أو جواً, وهو عبارة عن منطقة مجهولة تقع فى المحيط الهادى على شكل مثلث, لا تستطيع أى طائرة مهما بلغت قوتها أو سرعتها أن تحلِّق فوق سمائه, ولا أى سفينة أو بارجة حربية أن تُبحر فى مياهه, الطائرات تدَمَّر بمن فيها, والسفن تغرق بمن عليها, وتنقطع أخبارهم نهائياً, ولا أحد يعرف ماذا حدث لهم, رغم أنهم مزوَّدون بأحدث وسائل الإتصال التى أُعِدَّت لإرسال إشارات الاستغاثة عند الضرورة, ولا يعرف أحد إلى الآن سر هذا المكان, حتى إنهم قالوا إن أمريكا وانجلترا أرسلتا سفناً علمية مزودة بأحدث الأجهزة لدراسة هذا المكان, فى حراسة بوارج حربية, فلم يرجع منها واحدة, ولم تصدر منها أى إشارة, فلجأت أمريكا إلى إرسال الإيواكس المزود بمعدات التصوير ذات التقنية العالية, وأجهزة التنصُّت والرصد, فدُمِّرَت ولم ترسل إشارة واحدة, ثم أرسلوا طائرات إف 16 بحيث تمر عليه بسرعة مذهلة تضاعف سرعة الصوت, فاختفت هى أيضاً, فأصابت العالَم المتقدم الحيرة والدهشة من سِرّ هذا المكان, هل به براكين؟ أم عواصف؟ أم مغناطيسية جبارة؟ أم ماذا؟ لا أحد يعرف, فقدوا الكثير من أمهر الطيارين والبحّارة بغير فائدة, فقالوا إن أسلم طريقة أن يصوروه عن طريق الأقمار الصناعية, فكانت المفاجأة الكبرى أن الأقمار الصناعية تكذب – ولأول مرة – وتصور هذه المنطقة على أنها منطقة يابسة! فعلموا أنهم غيرُ مُعجزى الله. فكذلك (يأجوج ومأجوج) موجودون, ولكن الله لم يأذن بعد برؤيتهم, أو الاتصال بهم, إلى أن يأتى اليوم المحدد لخروجهم بإذنه سبحانه وتعالى. وقد أُذِيع بنشرة الأخبار التلفزيونية على القناة الأولى المصرية خلال شهر فبراير لعام 2006 ميلادية أنه قد تم اكتشاف جزيرة بالقرب من الجزر الإندونيسية ليس بها وجود لأى إنسان, ولم يكتشفها أحد من قبل, وليس بها إلا أنواع غريبة من الطيور والفَراش والحشرات وغير ذلك, فأين هو العلم الذى تدَّعون أنه لا تخفى عليه خافية؟ ولِمَ لم يكتشفها حتى هذا الوقت؟ ولا أقول إن هذه الجزيرة بها قوم يأجوج ومأجوج, ولكنى ذكرت هذا الخبر لأثبت لكم أنه ما زالت هناك أماكن لم تُكتشَف إلى وقتنا هذا, رغم كل ما وصل إليه العلم والعلماء, والله أعلم.

‌س412- يقول القرآن فى سُوَر كثيرة إن الإنسان خلق من التراب, مثل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ} [الحج:5] ففى هذه الآية يزعم أن النطفة أصلها من التراب, مع أن الواقع يكذِّب ذلك, فإنها لم تأتِ من التراب, ولكنها جاءت من أصلاب الآباء, كما أن العالم (داروين) يقول إن الإنسان أصله قرد, فى نظريته المعروفة بالنشوء والارتقاء, وليس أصله من التراب كما تزعمون.

ج412- نحن نعلم جيداً أن النطفة أصلها أصلاب الآباء, وقد أقر القرآن بذلك فى أكثر من آية, ولكن الآيات الكريمات التى ذكرت أن الإنسان خلق من تراب أو طين, فإن هذا باعتبار بداية خَلْقِه, أى خلق سيدنا آدم – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – وقد أثبتت البحوث العلمية أن الستَّة عشر عنصراً التى فى بنى آدم, هى مثل التى فى الأرض تماماً, وهى الحديد, والصوديوم, والبوتاسيوم, والكالسيوم, والماغنسيوم… إلخ. كما أن الإنسان (مثله كمثل أى كائن حى) له مُدخلات ومُخرجات, فالْمُدخلات هى غذاؤه, والْمُخرجات هى ما نتج عن هذا الغذاء, وهذه المدخلات تختلف من كائن إلى آخر, ولكنها فى مُجملها تخرج من الأرض (أى من التراب) فالطعام الذى نأكله, ثم يتحول جزء منه بعد ذلك إلى مَنِىّ (نطفة) من أين جاء؟ إنه جاء من التراب, فالخضروات والحبوب والفاكهة وكل شىء أصله من التراب, حتى الأسماك والطيور والحيوانات فمنشؤها من التراب, يتغذى الإنسان من الطعام الذى خرج من التراب, ثم يخرج هذا الطعام على هيئة مُخرجات, كالبول والغائط والعرق… إلخ, ومن هذه المخرجات المنىّ والبويضة. ثم إن داروين هذا الذى تتحدثون عنه, لم يَبْنِ نظريته على حقيقة علمية, ولكنها افتراض بناه على الوهم والخيال, ولم يستطع أن يبرهن عليها, فقد قال (ما معناه) إن الحياة بدأت بخلية واحدة, ثم تطورت هذه الخلية إلى خلية نباتية, ثم إلى خلية حيوانية, ثم ترقَّت هذه الخلية فى المملكة الحيوانية من حيوانات صغيرة لأخرى أكبر وأذكى منها.. وهكذا حتى تحولت إلى قرد, ثم ترقَّى القرد فى الذكاء, والتركيب التشريحى, والوظائف الحيوية, إلى أن وصل إلى الإنسان. وهذه النظرية لا يخفى سُخفها على أحد ممن أُوتىَ (ولو قدراً قليلاً) من العلم, فإن العلم يقر بأن الشريط الجينى للقرد مختلف تماماً عن الشريط الجينى للإنسان, كما أن الواقع يكذِّب ذلك أيضاً, فلم يحدثنا أحد على مر التاريخ أنه رأى قرداً تحول إلى إنسان, أو أن ملامحه وصفاته الخِلْقية بدأت تتغير – ولو تغيراً بسيطاً – لتكون قريبة من الإنسان, فالغابات وحدائق الحيوان فى العالم كله تعجّ بالقرود على مر الأزمان, ولم يتحول واحد من تلك القرود إلى إنسان, ولو كان كلامه صحيحاً لانقرضت القرود ولم يصبح لها أى وجود, إذ كيف تتطور إلى إنسان وهى ما زالت على شكلها كقرود؟ ونظريته خاطئة من وجه آخر.. فإن جميع مظاهر الحياة موجودة إلى الآن, ولم ينقرض منها شىء يقول عنه (داروين) إنه تحول لشىء آخر, فالخلية البدائية موجودة, والخلية النباتية موجودة, والخلية الحيوانية موجودة, والكائنات الصغيرة موجودة, وكل من هذه الخلايا والكائنات الحية لها صفاتها ومقومات حياتها التى تختلف عن غيرها من المخلوقات, فسبحان الذى قال: {مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} [الكهف:51] فوجود هؤلاء المضلِّين دليل على صدق القرآن العظيم, فقد أخبرنا سبحانه وتعالى فى هذه الآية أن هناك من يتشدق (بغير علم) عن خلق السموات والأرض, وعن خلق الإنسان, وسماهم {الْمُضِلِّينَ} وأخبرنا سبحانه وتعالى أنه لم يُشهدهم خلق السموات والأرض, ولا خلق أنفسهم, وأنه لم يتخذ منهم {عَضُداً} أى مساعداً.

ونقول للسائل: إن إيمانك بنظرية (داروين) يناقض إيمانك بما جاء فى كتابك المقدس حيث يقول: بعرق وجهك تأكل خبزاً حتى تعود إلى الأرض التى أُخِذتَ منها. لأنك تراب وإلى تراب تعود (تكوين3: 19)

لأن آدم جُبِلَ أوَّلاً ثم حوّاء. (رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس2: 13) فهل جُبِلَ آدم من القرد, ثم جُبِلَتْ بعده حواء؟ سبحان الله!, والله أعلم.

س413- يقول القرآن: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج:19] وكان صحيح اللغة أن يقال (هذان خصمان اختصما) وليس {اخْتَصَمُوا} لأنهما مُثنَّى, أليس كذلك يا دُعاة البلاغة والبيان؟

ج413- لقد قال العلماء إنها نزلت فى قتلى بدر من المؤمنين والكافرين, فاسْم الإشارة فى {هَذَانِ خَصْمَانِ} يعود على الفريقين المتقاتلين, المؤمنين والكافرين, وكل فريق مكون من عدد كبير من المقاتلين, فناسب أن يكون الضمير بالجمع بعد المثنى, كما أنه توجد فى لغتنا العربية, ولغات أعجمية غير قليلة, بعض ألفاظ يصح أن نأتى عنها بالضمير أو إسم الإشارة أو إسم الموصول مُفرداً أو جمعاً, مثل: جيش – طائفة – حزب – وَفْد – جماعة – شِرذمة – كوكبة – فريق – فوج… إلخ, تُعامل كمفرد, وتُعامل كجمع سواءً بسواء, والله أعلم.

س414- يقول القرآن: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} [الحج:40] فهذا إقرار من القرآن بأن بِيَعَ النصارى وكنائسهم أفضل من المساجد, لأنها ذُكِرَت قبلها, وكذلك يقر بأن الصوامع والبيع والصلوات يذكر الله فيها كثيراً.

ج414- ليس معنى ذكر الصوامع والبيع والصلوات قبل المساجد أنها أفضل منها, بدليل قول الله جل وعلا: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [الأحزاب:7] ففى هذه الآية جاء ذكر سيدنا نوح قبل سيدنا إبراهيم, ومعلوم أن سيدنا إبراهيم أفضل من سيدنا نوح – على نبينا وعليهما الصلاة والسلام – وغالباً ما يأتى الترتيب تصاعدياً فى تفاضل الأمور, فيقال مثلاً: إن البلد الفلانى ينتج كل شىء من الإبرة إلى القنبلة الذرية, ولا يقال العكس. ويقال مثلاً: أنا مستعد أن أعطيك من جنيه لألف.. وهكذا. وحماية الصوامع والبيع والصلوات (وهى معابد اليهود) كانت قبل مجىء الإسلام ومساجده, فلذلك جاء ذكرها حسب أقدميتها أولاً. أما ذكر اسم الله كثيراً فهو خاص بالمساجد, لأن الصفة تعود على أقرب مذكور, وأقرب مذكور هو المساجد, وربما تأخر ذكرها لاختصاصها بكثرة الذكر فيها دون غيرها. ثم إن هذه الأماكن معطوف بعضها على بعض بحرف الواو, والواو لا تدل على الترتيب الزمنى, ولا الترتيب حسب الأفضلية, ولكنها تربط المعطوفات التى بينها عوامل مشتركة, كأماكن العبادة, والله أعلم.

س415- يعترف القرآن بأن الشيطان يوحى لنبيكم, بل ويزعم أنه يوحى لجميع الأنبياء والمرسلين, فيقول: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{52} لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [الحج:52-53]

ج415- التمنى معناه (الرغبة) ومن معناه القراءة أو التلاوة, كما قال الشاعر عن سيدنا عثمان بن عفان t:

تمنى كتاب الله أول ليله          وآخرها لاقى حِمامَ المقادِرِ

وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى: {إِلَّا إِذَا تَمَنَّى} أى (إلا إذا قرأ) وقد وردت فى بعض التفاسير روايات كلها ضعيفة ومنقطعة عن رسول الله r أنه كان يقرأ سورة (النجم) فى المسجد الحرام, على مَسمَع من المسلمين والمشركين, فلما وصل إلى قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى{19} وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} ألقى الشيطان فى قراءته (تلك الغرانيق العُلَى التى شفاعتهن تُرْتَجَى) فرأى المشركون أنه مدح أصنامهم لأول مرة, فسجدوا مع المسلمين حين تلا قوله تعالى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} والحقيقة أن الشيطان هو الذى ألقى فى مسامعهم هذا القول, كما يحدث أحياناً من سماع كلمة بطريقة خطأ, فتجد اثنين يستمعان لحديث واحد, ثم يقول أحدهما: لقد قال فلان كذا, فيرد عليه صاحبه بقوله: إنه لم يقل كذا, ولكنه قال كذا. والقارئ المنصف يدرك بفهمه الفِطْرى استحالة مدح الرسول r لتلك الأصنام, إذ كيف يمدحها الرسول ويثبت لها الشفاعة, والله سبحانه وتعالى يذمها فى السورة نفسها {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى{21} تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى{22} إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ} [النجم:21-23]؟ ثم إنه r لم يعترف بها, ولم يحترمها قبل بعثته, فكيف يوقرها بعدها؟ أما قوله تعالى: {فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} فعندما يسمع المؤمنون هذه الافتراءات, يدافعون عن الرسول r ويشهدون أنهم لم يسمعوا ذلك منه, فتزول عنه الشبهة, وكأنها نُسِخَت. والدليل على أن هذه الروايات مكذوبة عليه (بالإضافة لما سبق) هو قوله وتعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ{221} تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء:221-222] وقوله: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ} [الأنعام:121] فالشياطين توحى إلى أوليائها بنص القرآن, فكيف توحى لأولياء الرحمن؟, والله أعلم.

س416- يتعارض القرآن مع العلم فيقول: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [الحج:65] ومعلوم أن السماء لا تقع على الأرض, لأنها محكومة بنظرية الطرد المركزى.

ج416- إن أى جسم متحرك لابد له من الثبوت ولو بعد حين, وحركة الكرة الأرضية منضبطة, فلو زادت لتطاير كل ما عليها, ولو نقصت لاحترق نصفها المواجه للشمس, ولتجمد نصفها الآخر {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} [فاطر:41] وأى جسم ملتهب لابد أن ينطفئ طبقاً لنظرية التسرب الحرارى, ولكن لماذا لم تبرد الشمس ولم تنطفئ؟ مَن نظَّم درجة حرارتها بحيث لا تزيد فتحرق الأرض, أو تقل فتجمدها؟ ولماذا لم يصغر حجمها, مع أن ألْسنة اللهب تخرج منها بكميات هائلة؟ وكذلك فإن حجم الأجسام يتناقص مع دورانها, فلماذا لم ينقص حجمها على مر العصور؟ ومن الذى ضبط المسافة بينها وبين الأرض, فلو اقتربت لاحترقنا, ولو بعدت لتجمدنا؟ فمن السهل أن تضبط المسافة بين شيئين ثابتين, ولكن من الصعب أن تضبط المسافة بين شيئين متحركين. ونظرية الطرد المركزى التى تتحدثون عنها, تثبت أنه بمرور الوقت لابد من توقُّف المتحرك عن الحركة, فلو وقفت هذه الأجرام السماوية عن الحركة, لاصطدمت بالأرض ولدمرتها, فمن الذى جعل هذه الأجرام مستمرة فى حركتها دون توقّف {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس:40]؟

وقد جاء فى الكتاب المقدس بعض المخالفات العلمية التى ذكرنا بعضاً منها فى إجابات عن أسئلة أخرى, ونذكر منها هاهنا: وأعطى عجائب فى السماء من فوق وآيات على الأرض من أسفل دماً وناراً وبخار دخان. تتحول الشمس إلى ظُلمة والقمر إلى دم قبل أن يجىء يوم الرب العظيم الشهير. (أعمال الرسل2: 19-20) فهل سيتحول القمر إلى دم قبل يوم القيامة؟, والله أعلم.

س417- يقول القرآن: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:14] فهل هناك خالقون غير الله؟

ج417- ما هو الخَلْق؟ هو الإيجاد من عدم, وهذا فى حق الله سبحانه وتعالى, أما الإنسان فيطلق عليه مجازاً بمعنى الصُّنع, وقد ورد فى القرآن الكريم مرتين منسوباً إلى الإنسان {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} [آل عمران:49] و{إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} [العنكبوت:17] فالإنسان يخلق.. أى يحول الشىء إلى شىء آخر, كأن يصب الذهب على هيئة حُلِىّ, أو يصنع الزجاج من رمال السليكون, أو غير ذلك من الاختراعات, ولكن ما يخلقه الله عز وجل يختلف تماماً عمّا يخلقه الإنسان, فكما قلنا إن خَلْق الله ينشأ من العدم, أما خَلْق الإنسان فلابد له من مواد موجودة أصلاً, خَلْق الله ينمو ويتكاثر, أما خَلْق الإنسان فلا ينمو ولا يتكاثر, فلو وضعنا – مثلاً – قدحين كبيرين من الزجاج بجوار بعضهما.. هل ينجبان أكواباً صغيرة؟ ولو أتينا بسيارة (سيات) ووضعناها فى أى ظروف بيئية.. هل تكبر وتصبح بعد ذلك (هونداى)؟ إن أعلى الاختراعات ذكاءً, كالحاسب الآلى (الكمبيوتر) أو ما هو أحدث منه, ويسمى (السوبر كمبيوتر) أو الرجل الآلى (الريبوت) لا يستطيع أن ينمو أو يتكاثر, هذا بالإضافة إلى ما فى خلق الله من مميزات أخرى لا تخفى على أحد, مثل الروح, والعقل, والإحساس, والعاطفة… إلخ, والله أعلم.

س418- يقول القرآن: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور:33] إن هذا معناه أن الأمَة إذا رغبت فى الزنى فلا حرج عليها, أليس هذا تحريض على الدعارة؟

ج418- إن هذا سؤال ساذج, ولولا ظنكم أننا حِرْنا فيه جواباً لَمَا أجبنا عليه. إن الأمر – بمنتهى البساطة – أن الله سبحانه وتعالى نهى مَن كان عنده أمَة أن يقهرها على البغاء لتدر عليه الأموال الوفيرة, أو ليجامل بها ضيوفه, كما كان يصنع أهل الجاهلية, ولكنه فى الوقت نفسه أزال الخوف عن الإماء من العقوبة فى الآخرة, طالما أنهن مقهورات غير راضيات, وليس معنى الآية أنه يغفر لمن قهرهن, أو أن يُفرِّطن فى أعراضهن معتمدات على أن الله غفور رحيم. أما قوله تعالى: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} فليس معناه أنها لو لم تُرِد التحصُّن فلا جناح عليها, وإلا- لَمَا فرض على الزانيات منهن حد الزنى. وقد قال العلماء: إنما قيَّد الله الإكراه بهذا الشرط لأن الإكراه لا يكون إلا مع إرادة التحصن, فآمِر الْمُريدة للبغاء لا يُسَمَّى مُكْرِهاً, ولا يسمى أمره إكراهاً, ولأنها نزلت بسبب إكراه رأس المنافقين عبد الله بن أُبَىّ بن سلول لإمائه على البغاء, فوقع النهى على تلك الصفة.

وعلى أيَّة حال, فالْمُكْرَه على شىء لا يؤاخذه الله سبحانه وتعالى – ذكراً كان أم أنثى – كما جاء فى الحديث الذى ذكرناه فى الرد على الشبهة رقم (273).

وقد ورد فى كتابكم المقدس عفو الله عن الزانيات والفاسقات, وعفو معبودكم عن الزانية: لا أعاقب بناتكم لأنهن يزنين ولا كنّاتكم لأنهن يفسُقن. (هوشع4: 14) وقد ذكرنا من قبل أن (الكَنَّة) معناها زوجة الابن.

وسأله واحد من الفريسيين أن يأكل معه فدخل بيت الفريسى واتكأ. وإذا امرأة فى المدينة كانت خاطئة إذ علمت أنه متكئ فى بيت الفريسى جاءت بقارورة طيب ووقفت عند قدميه من ورائه باكية وابتدأت تبُل قدميه بالدموع وكانت تمسحهما بشعر رأسها وتُقبِّل قدميه وتدهنهما بالطِّيب. فلما رأى الفريسى الذى دعاه ذلك تكلم فى نفسه قائلاً لو كان هذا نبيّاً لعلم من هذه الامرأة التى تلمسه وما هى. إنها خاطئة… ثم التفت إلى المرأة وقال لسمعان أتنظر هذه المرأة. إنى دخلت بيتك وماء لأجل رجلى لم تُعطِ. وأما هى فقد غسلت رجلى بالدموع ومسحتهما بشعر رأسها. قُبْلة لم تُقبِّلنى. وأما هى فمنذ دخلت لم تَكُفّ عن تقبيل رجلى. بزيت لم تدهن رأسى. وأما هى فقد دهنت بالطِّيب رجلىّ. من أجل ذلك أقول لك قد غفرتُ خطاياها الكثيرة… ثم قال لها مغفورة لكِ خطاياك… إيمانك قد خلَّصك. اذهبى بسلام (لوقا7: 36-50)

وقدَّم إليه الكتبة والفريسييون امرأة أُمسِكَت فى زنا. ولما أقاموها فى الوسط قالوا له يا مُعلِّم هذه المرأة أُمسِكَت وهى تزنى فى ذات الفعل. وموسى فى الناموس أوصانا أن مثل هذه تُرجَم. فماذا تقول أنت… ولما استمروا يسألونه انتصب وقال لهم من كان منكم بلا خَطِيَّة فليرمها أوَّلاً بحجر… وبقىَ يسوع وحده والمرأة واقفة فى الوسط… فقال لها يسوع ولا أنا أُدِينك. اذهبى ولا تخطئى أيضاً (يوحنا8: 3-11) أليس هذا تحريض على الزنى؟ فما أسهل هذه العقوبة.. أن تأتيه الزانية فيقول لها: (اذهبى ولا تخطئى أيضاً) وفى النَّص الذى قبله يغفر لها لأنها قبَّلت رجليه, ومسحتهما بشعرها, وطيَّبتهما بالطِّيب, والله أعلم. 

س419- يقول القرآن: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:16] كان السياق يقتضى أن يقول {إِنَّا رَسُولَا} لأنهما اثنان, كما جاء فى قوله: {فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ} [طه:47]

ج419- فى الآية الأولى جاء الخطاب بقول: {رَسُولُ} لأن رسالتهما واحدة, وهى التوراة التى أنزلت على سيدنا موسى, أما سيدنا هارون فلم تنزل عليه رسالة خاصة به, ولكنه كان عوناً لأخيه – على نبينا وعليهما الصلاة والسلام – أما الآية الثانية فقالت: {رَسُولَا} لأنها خاصة بطلب إرسال بنى إسرائيل معهما, وهنا سيكون دورهما مختلفاً بالنسبة لبنى إسرائيل, وليس بالنسبة لفرعون, فهما اثنان فى الوظيفة, وليس فى الرسالة, لأن سيدنا موسى كان فى طبعه حِدَّة, فكان كالأب الحازم, أما سيدنا هارون فكان ليِّن الجانب, حتى إنهم كانوا يحبونه أكثر من سيدنا موسى, فكان بالنسبة لهم كالأم الحنون, والاثنان مطلوبان, ويكملان بعضهما, كأبى بكر وعمر, رضى الله عنهما. وهناك شىء آخر: أنهما بعد أن يخرجا ببنى إسرائيل من مصر, سيتركهم سيدنا موسى مع أخيه, ويذهب للقاء ربه {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف:142] فحين يتركهم مع أخيه, يكون قد تركهم مع نبى له عليهم حق الطاعة, فلا يعصون أمره, ويقولون لم يأمرنا نبينا بذلك, ولكنهم رغم هذا عصوا أمره فى عبادة العجل, لأن من صفاتهم الغدر والخيانة ونقض العهود {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي{90} قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} [طه:90-91], والله أعلم.

س420-يقول القرآن: {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء:59] فهل ورث بنو إسرائيل مصر كما يقول القرآن؟

ج420- من هم بنو إسرائيل؟ المعروف أنهم اليهود والنصارى, ولقد جاء فى أقوال بعض المؤرخين أن سيدنا عيسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – وأمه ويوسف النجار جاءوا إلى مصر, ومكثوا فيها فترة ليست بالقصيرة, حتى إن بعض كتب التاريخ تسميها (رحلة العائلة المقدسة) وقد اعتنق الكثير من أهل مصر الديانة النصرانية, وفى هذا الوقت كانت مصر واقعة تحت الاحتلال الرومانى, الذى اعتنق الديانة نفسها بعد مدة, ولكن مع اختلاف المذهب الملكانى والأرذوزوكسى, فعاشت مصر زهاء ستمائة عام تحت راية النصارى الذين هم بنو إسرائيل, واختلطوا وتزاوجوا مع القِبط (أى المصريين) ثم دخل كثير منهم فى الإسلام بعد فتح مصر, والله أعلم.  

س421- يقول القرآن: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:105] رغم أنهم لم يُرسَل إليهم إلا نوح, وفى السورة نفسها: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} [123] {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ} [141] وكذلك الحال فى قوم لوط وقوم شعيب, رغم أن كل قوم من هؤلاء لم يُرسَل إليهم إلا نبى واحد.

ج421- جميع الأنبياء والمرسلين – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – على ملة واحدة, وهى التوحيد, والإيمان بالبعث والنشور, والجنة والنار… إلخ, فمن كذب واحداً منهم, فكأنما كذب الكُلّ, قال رسول الله r: ((خير ما قلت أنا والنبيون من قبلى: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير)) [صحيح الجامع:3274] وقال: ((أنا أوْلى الناس بعيسى بن مريم فى الدنيا والآخرة, ليس بينى وبينه نبى, والأنبياء أولاد عَلات, أمهاتهم شتَّى, ودينهم واحد)) [صحيح الجامع:1452] ((أمهاتهم شتَّى)) قيل إن معناها أن شرائعهم مختلفة, ولكنهم ينتمون جميعاً إلى دين واحد وهو الإسلام {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران:19] لأن الإسلام معناه الاستسلام والخضوع لله رب العالمين, وهو ليس خاصاً برسالة سيدنا محمد r ولكنه دين جميع الرسالات, فعلى سبيل المثال: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{127} رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة:127-128] {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة:133] {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة:111] {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ{71} فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس:71-72] {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} [يونس:84] {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ{29} إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ{30} أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل:29-31] ومن شروط الإيمان بالله الإيمان بجميع أنبيائه ورسله, فلا يُقبل من أحد إيمان برسول وكفر برسول آخر {قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ{84} وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:84-85] فمن كفر برسول واحد, فهو كافر بجميع الأنبياء والمرسلين, صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, والله أعلم.

س422- يقول القرآن فى سورة (الشعراء): {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ} [106] {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ} [124] {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ} [142] {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ} [161] فقال محمد عن كل نبى: {أَخُوهُمْ} ما عدا شعيباً, نسى أن يقول عنه: {أَخُوهُمْ} فقال: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ{176} إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ} [176-177]

ج422- كل نبى من الذين ذُكِرُوا – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – نُسِبُوا إلى قومهم عامة, مؤمنهم وكافرهم, فقيل عنهم: {أَخُوهُمْ} لأنهم إخوان وطن واحد, كما يُنسَب أحدنا إلى قبيلته أو قريته, فيقال مثلاً: فلان البحيرى, فلان المنفلوطى, فلان المنشاوى… إلخ, مع أن ديانات أهل قريته ربما تكون مختلفة, أمّا سيدنا شعيب فلم يُذكَر قومه عامة, ولكن ذُكِرتَ طائفة منهم, وهم عُبّاد الشجرة {أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ} فلو قيل: {أَخُوهُمْ} فى هذه الحالة, لكان معناها أنه أخوهم فى عبادتها, أمّا حين ذُكِرَ قومه عامَّة (وهم أهل مدين) فقد قيل عنه إنه {أَخَاهُمْ} وذلك فى قوله تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} [الأعراف:85] لأن (مدين) أهل بلدته كلهم, والله أعلم.

س423- يقول القرآن: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} [النمل:45] كيف يقال يختصمون وهم فريقان؟ المفروض أن يقال (فريقان يختصمان) أليس كذلك؟

ج423- لو قيل (يختصمان) لكان خطأ.. لماذا؟ لأنهما فريقان, وكل فريق مكون من عدة أفراد, فهى خصومة جماعية, كل فرد من كلا الفريقين يعادى كل أفراد الفريق الآخر, وأى واحد من الفريقين من الممكن أن يقتل أى أحد من الفريق الآخر, مثل أن يكون فريق من المؤمنين وفريق من الكافرين, وليسوا فردين أحدهما مؤمن والآخر كافر, وانظر الإجابة على الشبهة رقم (413), والله أعلم.

س424- يقول القرآن: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} [النمل:48] ألا كان يكفى قول: {يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} وهل المفسد يُتَوَقَّع منه أن يصلح؟

ج424- نعم.. أحياناً يعمل المفسد أعمالاً صالحة, كأن يبنى مسجداً, أو داراً للأيتام, أو يطعم الفقراء والمساكين, أو يعمل أى خير, ليوازن بين أعماله السيئة والصالحة, قال الله عز وجل: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة:102] أما الذين ذكروا فى الآية الكريمة فلم يُصلحوا قط, ولكن كانت كل أعمالهم فساداً وإفساداً, والله أعلم.

س425- يقول القرآن: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [النمل:49] كيف يكونون صادقين, مع أنهم دبروا لقتله مع سبق الإصرار والترصد؟ وهل لا يرى القاتل قتيله؟

ج425- لقد دبروا لقتله بطريقة هدم جدار البيت عليه هو وأهله (مع أن هذا لم يحدث) فقالوا: نختبئ له خلف الجدار, حتى إذا أطبق عليه الليل, ونام هو وأهله, أوقعنا عليهم الجدار, وفى هذه الحالة لا نراهم وهم يموتون, ونقول لوليه (شيخ قبيلته): {مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ} فلو وقع حائط على إنسان, فإن الذى أوقعه عليه لا يراه, والله أعلم.

س426- يقول القرآن: {وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل:50] ويقول: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران:54] فهل الله ماكر أو مكّار يا مسلمون؟

ج426- كلمة (المكر) فى اللغة معناها التبييت بالليل, وهى مأخوذة من مكر الشجر, فهناك شجر قصير تتداخل فروعه, بحيث لا يُعرَف أولها من آخرها. ثم إن المكر ليس كله سيّئاًَ, قال تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر:43] فطالما أن هناك مكر سيِّئ, إذن فهناك مكر حسن. فمثلاً: لو أن أخاً وجد إخوته يشاهدون فى التلفاز أشياءً قبيحة, فلو أغلقه لغضبوا عليه, ولتشاجروا معه, فماذا يفعل؟ يحتال عليهم فيقطع التيار الكهربائى عنه, وكأنه قد انقطع بنفسه, ففى هذه الحالة يكون قد مكر, ولكنه مكر حسن. ومثالاً آخر: لو أن طالباً كان راجعاً إلى بيته فلمح أصدقاءه من بعيد, فخاف أن يستوقفوه معهم ويعطلوه عن الاستذكار, فمشى من طريق آخر حتى وصل إلى بيته, فى هذه الحالة يكون الطالب قد مكر, ولكن هل ضر أصدقاءه فى شىء؟ إذن.. فالمكر لا يُعرَف إلا بعواقبه, والله سبحانه وتعالى – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} – لا يمكر إلا بالخير, ولكن هذا المكر ليس عن ضعف ولا خوف, تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً, قال تعالى: {وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} ولكن هذا وأمثاله يسمى فى اللغة (مشاكلة لفظية) وهى ذكر رد الفعل بصفة الفعل, كيف هذا؟ يقول الله عز وجل: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة:194] فهل رد الاعتداء يكون اعتداءً؟ إن هذا (كما قلنا) من قبيل المشاكلة اللفظية, ومثل قوله تعالى: {اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة:15] وذلك عقوبة قولهم فى الآية التى قبلها {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} ومثل قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء:142] ولا ينبغى لأحد أن يعتقد أن من أسماء الله سبحانه وتعالى (الماكر), والله أعلم.

س427- يقول القرآن: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل:88] كيف تمر الجبال مر السحاب, وهى ثابتة على الأرض؟

ج427- قال علماء السلف رحمهم الله: إن ذلك يوم القيامة, لأن الآية جاءت بعد قول الله جل وعلا: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} فهى كقوله تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ} [الكهف:47] فالجبال يوم القيامة تزول عن أماكنها, حتى تصبح لا وجود لها, كما جاء فى قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً{105} فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً{106} لَا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلَا أَمْتاً} [طه:105-107] وهذا القول صحيح. وهناك معنى آخر قاله العلماء المحدثون, وهو إن هذا يحدث فى الدنيا, لأن الأرض تدور حول الشمس, وتدور حول محورها بكل ما عليها, ولكن هذا السير مع شدة سرعته لا يُرَى, لأننا منجذبون إلى الأرض مثل الجبال, فلو صعدنا فى الفضاء لرأيناها تجرى بما عليها بسرعة رهيبة, وهذا الأمر يحدث فى حياتنا: فحين نركب قطاراً – مثلاً – ويجرى بنا, نظن أن الناس الواقفين على جانبى الطريق هم الذين يجرون, وكذلك الأشجار وأعمدة الكهرباء, أما لو نزلنا منه, ووقفنا بعيداً عنه, فسندرك أننا ثابتون, وهو الذى يتحرك. ولكن لماذا شُبِّهَت الجبال بالسحاب؟ قيل لأن السحاب لا يتحرك بذاته, ولكن الرياح هى التى تحركه, وكذلك الجبال لا تتحرك بذاتها, ولكن دورة الأرض هى التى تحركها وغيرها بقدرة الله جل وعلا.

وقد جاء فى الكتاب المقدس أن من كان له إيمان مثل حَبَّة خردل يستطيع أن ينقل الجبل من مكانه.. فهل وُجِدَ منكم من استطاع ذلك؟ وها هو النَّص:

فالحق أقول لكم لو كان لكم إيمان مثل حبَّة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل ولا يكون شىء غير ممكن لديكم. (متى17: 20) هذه المعجزة لمن كان عنده أدنى قَدْر من الإيمان (حَبَّة خردل) فكيف بمن هم أكثر منه إيماناً؟, والله أعلم.

س428- لقد جاء ذكر (هامان) فى سورة (القصص) وسورة (غافر) وتقطع التفاسير بأن هامان كان وزيراً لفرعون, وهذا خطأ تاريخى, لأن هامان كان وزيراً لأحشويرش ملك الفرس فى مدينة بابل, وبين فرعون وأحشويرش أكثر من ألف سنة.

ج428- إن هامان ليس اسماً لشخص, ولكنه لقب يعنى بلغتنا (الوزير) كما أن كل من كان يحكم الفرس يلقَّب بكسرى, وكل من يحكم الروم يلقَّب بقيصر, وكل من يحكم مصر يلقَّب بفرعون, وكل من يحكم الحبشة يلقَّب بالنجاشى. وفى عصرنا الحاضر يسمون الذى يقوم بشنق الناس (عشماوى) بغض النظر عن اسمه, والتى تقوم على سجن النساء (قرشانة) بغض النظر أيضاً عن اسمها. ففرعون اسمه (رمسيس) أو (امنمحتب) والنجاشى اسمه (أصحمه) وقيصر اسمه (هرقل) وكسرى اسمه (أنوشروان), والله أعلم.

س429- لا توجد فى القرآن البلاغة التى يطنطن بها المسلمون, فنجده يقول مثلاً: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [العنكبوت:5] معروف أن وسائل الإحاطة بالعلم تشمل السمع والبصر والإدراك, وبهذه الوسائل يصبح الإنسان عليماً, فما فائدة ذكر {السَّمِيعُ} فإن كلمة {الْعَلِيمُ} تعنى السمع والبصر والإدراك كما قلنا؟

ج429- إن الإنسان قد يقول كلاماً لا يوافق ما فى قلبه, كالمنافقين الذين يظهرون غير ما يبطنون, فهم يظهرون الإسلام, وينطقون بالشهادتين, مع إنكار ذلك بقلوبهم, كما قال الله عنهم: {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون:1] والإنسان الضعيف لا يعلم من الأمر إلا ظاهره, فحين يسمع هؤلاء المنافقين يصدقهم, بل ويعجبه كلامهم {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} [المنافقون:4] أما الله سبحانه وتعالى فهو عليم بما تبطنه قلوبهم وضمائرهم, فلذلك ناسب أن يقول: {السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} أى {السَّمِيعُ} للصوت {الْعَلِيمُ} بما فى القلب, والله أعلم.

س430- يقول القرآن: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:41] كيف يقول محمد عن العنكبوت المذكر {اتَّخَذَتْ} وهى للتأنيث؟

ج430- علماء السلف – رحمهم الله – قالوا: لعل الله أراد السلالة, أى أن سلالة العنكبوت اتخذت بيتاً, ويأتى العلم الحديث ويؤكد أن بيت العنكبوت تبنيه الأنثى, وليس الذكر. ويأتى إعجاز آخر: وهو أن الوَهن الذى ذُكِر فى الآية الكريمة ليس وَهناً ظاهرياً فقط – كما هو مشاهد من وَهن بيت العنكبوت – ولكن هناك وَهناً آخر, وهو وَهن معنوى, وذلك أن أنثى العنكبوت (الأرملة السوداء) تقتل زوجها بعد تلقيحها, ولذلك نرى الزوج يفر هارباً بعد التلقيح مباشرة, وعندما يفقس البيض, يفر صغار الذكور خارج العش, لكيلا تقتلهم أمهم, وهذا الوَهن والتفكك الأُسَرِى لا يوجد إلا فى بيت العنكبوت, والله أعلم.

س431- يقول القرآن: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت:45] ونحن نرى كثيراً من المصلِّين يأتون الفواحش والمنكرات.

ج431- ما قولكم فى المنافقين الذين كانوا يصلون مع الرسول r وربما كانوا يصلون فى الصف الأول؟ هل كانت صلاتهم تنهاهم عن الفحشاء والمنكر؟ وهل كان الله راضياً عنهم؟ وما رأيكم لو أن أحداً من أعداء الإسلام دخل فيه نفاقاً ليمكر بالمسلمين, وصلى معهم فى مساجدهم, هل صلاته تنهاه عن الفحشاء والمنكر؟ إن الصلاة التى تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر, هى الصلاة المقبولة, التى يرتضيها الله سبحانه وتعالى, وليست صلاة المنافقين أو الفاسقين. إن الله سبحانه وتعالى حين أمرنا بالصلاة, لم يَقُلْ لنا ولو فى آية واحدة (صَلُّوا) ولكنه أمرنا بها بقوله: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} أى إنها صلاة لها صفات معينة, وليست أى صلاة, حتى إن الآية التى استشهد بها السائل قالت: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} وكذلك فإنه سبحانه وتعالى لم يمدح المصَلِّين فى أى آية, إلا وقد قَرَنَ صلاتهم بصفة أخرى, مثل: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ{1} الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:1-2] و{إِلَّا الْمُصَلِّينَ{22} الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج:22-23] و{وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ} [الحج:35] ولو كانت أى صلاة ترضى الله سبحانه وتعالى لَمَا قال: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ{4} الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون:4-5] ولَمَا قال الرسول الله r ثلاث مرات للمُسِىء صلاتَه: ((ارجِع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ)) [متفق عليه] ولَمَا قال: ((من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر, لم يزدد من الله إلا بُعداً)) [المعجم الكبير للطبرانى], والله أعلم. 

س432- يزعم القرآن أن الحياة الدنيا كلها لعب ولهو, كما جاء فى أكثر من آية, مثل: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ} [العنكبوت:64] كيف تكون الدنيا {لَهْوٌ وَلَعِبٌ} وفيها أشياء معتبرة محترمة, مثل دور العبادة, والجامعات, والمستشفيات, والملاجئ, وغيرها, بل وفيها الأنبياء والمرسلون, فهل كانوا يلعبون؟

ج432- ماهو اللعب واللهو؟ إن اللعب قد يأتى بخير, أمّا اللهو فلا يأتى بخير. فمثلأ: لو لعبت رياضة من الرياضات, ككرة القدم, أو السلَّة, أو الكاراتيه, أو الجودو, أو رفع الأثقال… إلخ, فإن هذا يعود عليك بالمنفعة, كتقوية العضلات, وإذابة الدهون الزائدة, وزيادة القدرة على طول التنفس, وغير ذلك. والإسلام لا يمنع الإنسان من ممارسة الرياضة المفيدة التى لا تضره, طالما أنها لا تصده عن عبادة ربه, ولا تصبح شغله الشاغل, فيضيع فيها معظم وقته الذى هو رأس ماله, فقوى البنيان أصلح وأقوى فى الدفاع عن نفسه, وفى مجاهدة أعداء الله. وأحياناً يكون اللعب ضرورياً, مثل بعض الرياضات التى يأمر بها الأطباء للمساهمة فى علاج بعض الأمراض, كالانزلاق الغضروفى, أو السِّمنة, أو ضعف العضلات… إلخ, ويكون اللعب أحياناً مهماً جداً, وخصوصاً للأطفال, لأنه دليل على الصحة الجسدية والنفسية عند الطفل. أما اللهو فهو ما لا طائل من ورائه, مثل الكوتشينة, والطاولة, والشطرنج, والدومينو, ومشاهدة الأفلام والمسرحيات والمسلسلات… إلخ, فهى لا تعود على الإنسان بأى منفعة, مهما أنفق فيها من الساعات, فضلاً عما فيها وما يعقبها من المحرمات, وأحياناً يُقال عن اللعب إنه لهو إذا كان فى وقت حَرِج, مثل أيام الامتحانات, أو أيام العبادات, مثل الحج والعمرة, أو فى آخر العمر حين يقرب أجل الإنسان, كالرجل الشيخ الكبير الذى يضيع وقته فى اللعب الْمُجهِد بالنادى, وكان الأوْلى به أن يستثمر ما تبقى من عمره فى طاعة ربه. وإذا انشغل الإنسان بالمهم عن الأهم فهو يلعب, حتى لو كان ما يفعله ليس من اللعب فى شىء, فمثلاً: لو قلت لابنك: ذاكر دروسك لأن الامتحان قد قرب وقته, فانشغل بتجليد الكراريس وتسطيرها, فماذا تقول له؟ حتماً ستقول له: ما هذا اللعب؟ ولو أن رَجُلاً بطنه مفتوح وأصبعه مجروح, فالبديهى أن نعالج بطنه أولاً, ثم نعالج أصبعه, أمّا لو فعلنا العكس, لكان هذا لعباً. فإذا انشغل الناس بالدنيا عن الآخرة فهو عين اللعب, حتى لو كان فى المباحات, فلو تركت الدين للسعى على الرزق – مثلاً – فإن هذا يكون لعباً, وكان المفروض أن تجمع بينهما, أما لو تركته لشىء تافه لا يأتى بمنفعة فهو لهو, فمهما كانت الدنيا بما فيها من جامعات, ومستشفيات, وملاجئ, وغير ذلك, فإنه لا ينبغى أن تشغل الإنسان عن آخرته, وعن المهمة التى خلقه الله من أجلها {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] ولا يعنى هذا أننا نترك هذه الأشياء وننقطع للعبادة, ولكن المهم أن يكون تعاملنا معها لله, وألا تصدنا عن عبادة أخرى أمرنا الله بها, كالصلاة مثلاً, فينبغى لنا أن تكون كل علاقاتنا بما حولنا من مظاهر الحياة مبنية على ابتغاء وجه الله والدار الآخرة {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162-163] ثم إن الذى يقرأ كلام الله ليتدبره, غير الذى يقرؤه ليطعن فيه (بغير حق) فالمقصود باللعب واللهو لا يدخل فيه أى أمر من أمور الدين أو أعمال الخير, فليس كما يظن السائل أن اللعب واللهو يتضمن ما فى الدنيا من دور عبادة, وأنبياء ومرسلين – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – وأعمال الخير, من ملاجئ, ومستشفيات, وغير ذلك, إذ أن الآية فى نهايتها تثنى على الدار الآخرة, وتصفها بأنها {الْحَيَوَانُ} أى الحياة الحقيقية الباقية, وليست الحياة الدنيا الفانية {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} فكما عظَّم الله سبحانه وتعالى شأنها, فإن كل ما يُقرِّب إليها مُعَظَّم أيضاً, وبناءً على ذلك.. فإن الأنبياء والمرسلين معظَّمون, أولاً: لأنهم استقاموا على أمر الله, ولم تشغلهم الدنيا عن الآخرة. وثانياً: لأنهم أرشدونا إلى كل ما يقربنا من الله جل وعلا. وكذلك أعمال الخير, لأن الله يحبها, ويثيب عليها من ابتغى بها وجهه سبحانه وتعالى, فالذى يفهمه الإنسان السَّوِىّ المحايد بفطرته السليمة أن الانشغال بالدنيا وزخارفها عمّا يقرب من الدار الآخرة ونعيمها فهو {لَهْوٌ وَلَعِبٌ} أما ما يقرب إليها فليس بلعب ولا لهو, قال رسول الله r: ((الدنيا ملعونة, ملعون ما فيها, إلا ذِكْرَ الله, وما والاه, وعالِماً, أو متعلِّماً)) [صحيح الجامع:3414]‌

وقد جاء فى كتابكم المقدس النهى عن حب الدنيا والانشغال بها, فقال:

لا تحبوا العالم ولا الأشياء التى فى العالم. إن أحبَّ أحد العالم فليست فيه محبة الآب. لأن كل ما فى العالم شهوة الجسد وشهوة العين وتعَظُّم المشيئة ليس من الآب بل من العالم. والعالم يمشى وشهوته وأما الذى يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد (رسالة يوحنا الأولى2: 15-17) وهناك نصوص أخرى ذكرناها فى الرد على الشبهة رقم (461), والله أعلم.

س433- يقول القرآن: {إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان:19] لماذا الحمار بالذات, رغم أن هناك أصواتاً مرعبة, مثل زئير الأسد والنمر, وعواء الذئب, وفحيح الحية, وغير ذلك؟

ج433- إن الله عز وجل لم يشبِّه صوت الإنسان بالأصوات المرعبة, فإنه لا يوجد وجه شَبَه بينهما, لأن صوت الإنسان مهما ارتفع فلن يكون مثلها, فلم يقل سبحانه وتعالى (إن أرعب الأصوات لصوت الحمير) ولكنه قال: {إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ} وبالفعل فإن صوته تنكره جميع النفوس وتكرهه, أما بقية الأصوات فهى مخيفة, وكذلك فإن الإنسان إذا رفع صوته (كما نسمع فى المشاجرات) فإن صوته يكون مزعجاً منكراً, ولكنه ليس مخيفاً. وشىء آخر فى الحمار بالذات غير بقية المملكة الحيوانية, وهو أنه إذا ضربته يظل صامتاً, ثم يُنهِّق بغير سبب, والله أعلم.

س434- يقول القرآن: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ} [السجدة:23] كيف يَلْقَى محمد موسى, وقد مات قبله بمئات السنين؟

ج434- نسى من سأل هذا السؤال أن الرسول r قابل سيدنا موسى وجميع الأنبياء ليلة الإسراء والمعراج, حين جمعهم الله تبارك وتعالى فى بيت المقدس, وصلى بهم الرسول, صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, قال رسول الله r: ((رأيتُ ليلة أُسْرِىَ بى موسى رجلاً آدم طوالاً جَعْداً كأنه من رجال شنوءة, ورأيتُ عيسى رجلاً مربوع الخلْق إلى الْحُمرة والبياض سبط الرأس, ورأيت مالكاً خازن النار, والدجال)) إلى آخر الحديث [صحيح الجامع:3477] ربما يقول قائل: أنتم تقولون إن نبيكم قد قابل جميع الأنبياء والمرسلين, فلماذا خص القرآن موسى بالذكر؟ فنقول وبالله التوفيق: نعم إن الرسول قابلهم جميعاً – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – ولكن سيدنا موسى كانت له القصة المعلومة مع الرسول r عند فرض الصلاة, والتى ذكرناها فى الرد على الشبهة رقم (173) وبذلك يكون الرسول r قابله مرتين: مرة فى بيت المقدس, ومرة فى المعراج فى السموات العلى.

وقد جاء فى الكتاب المقدس اختلاف فى زمن وفاة سيدنا هارون – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – بالنسبة لرحلات بنى إسرائيل:

ثم ارتحلوا من بنى يعقان ونزلوا فى حور الجدجاد. ثم ارتحلوا من حور الجدجاد ونزلوا فى يطبات. ثم ارتحلوا من يطبات ونزلوا فى عبرونة. ثم ارتحلوا من عبرونة ونزلوا فى عصيون جابر. ثم ارتحلوا من عصيون جابر ونزلوا فى برية صين وهى قادش. ثم ارتحلوا من قادش ونزلوا فى جبل هور فى طرف أرض أدوم فصعد هَرُون الكاهن إلى جبل هور حسب قول الرب ومات هناك (عدد33: 32-38) إن معنى هذا الكلام أن سيدنا هارون مات بعد رحيلهم إلى (اليطبات) بل بعد رحيلهم إلى أماكن كثيرة غيرها, ثم يأتى النَّص التالى فيقرر أن موته كان قبل رحيلهم إلى هذه الأماكن:

وبنو إسرائيل ارتحلوا من آبار بنى يعقان إلى موسير. هناك مات هَرُون وهناك دُفِن. فكهن العازار ابنه عوضاً عنه. من هناك ارتحلوا إلى الجدجود ومن الجدجود إلى يطبات أرض أنهار ماء (تثنية10: 6-7), والله أعلم.

س435- يقول القرآن: {مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب:4] مع أن هناك من الأطفال من يولد بقلبين.

ج435- إن معنى الآية الكريمة ليس المعنى التشريحى الذى تتحدثون عنه, ولكنه معنى معنوى, ومَثَل ضربه الله تعالى لما تَلاهُ من الظِّهار والتبنِّى, فكما لا يجتمع فى قلب امرئ عقيدتان, أو فِكْرَتان, لشىء واحد, مثل الإيمان والكفر, أو اليقين والشَّك, أو التصديق والتكذيب, أو العلم والجهل, أو الحب والبغض… إلخ, فكذلك يستحيل أن تكون الزوجة مثل الأم {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ} ويستحيل أن يكون الدَّعِىّ (الابن بالتبنِّى) مثل الابن من الصُّلب {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ} لأن البنوَّة أصالة فى النسب, والدُّعُوَّة إلصاق عارض بالتسمية, ولا يجتمع فى الشىء الواحد أن يكون أصيلاً وغير أصيل.

وعلى أيَّة حال فإن الآية لم تَقُل (ما جعل الله لطفل, أو لولد, أو لإنسان, من قلبين فى جوفه) ولكنها قالت: {لِرَجُلٍ} والثابت علمياً أنه لا يجتمع قلبان فى صدر رجل بالغ, وأن من يولد بقلبين يموت فى صغره, ولا يبلغ سن الرجولة.

وقد جاءت فى الكتاب المقدس مخالفات عديدة للعلم, ذكرنا بعضاً منها فى الإجابة على شبهات أخرى, ونذكر منها ها هنا:  

وكان إلىَّ كلام الرب قائلاً وأنت يا ابن آدم فهكذا قال السيد الرب لأرض إسرائيل. نهاية. قد جاءت النهاية على زوايا الأرض الأربع. (حزقيال7: 1-2) فهل الأرض لها زوايا أربع, أم أنها – كما نعلم – كُرَويَّة؟, والله أعلم.

س436- يقول القرآن: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب:30] وفى الآية التى تليها: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} ففى هاتين الآيتين ذكَّر المؤنث بقوله: {مَن يَأْتِ} و{مَن يَقْنُتْ} وكان المفروض أن يقول (من تأتِ) و(من تقنت)

ج436- (نساء) جمع تكسير, وجمع التكسير يجوز فى الفعل الْمُسْنَد له التذكير والتأنيث, فيصح أن يقال: {مَن يَأْتِ} كما هو فى الآية الكريمة, ويصح أيضاً (من تأتِ), وكذلك الحال فى: {وَمَن يَقْنُتْ} يصح أن يقال (ومن تقنت), والله أعلم.

س437- يقول القرآن: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الاحزاب:40] إن معنى هذا أن محمداً خاتم النبيين فقط, أما أنتم فتزعمون أنه خاتم المرسلين أيضاً.

ج437- إن الرد على هذا السؤال الساذج يتلخص فى كلمتين, أن كل رسول نبى, وليس كل نبى رسولاً, فطالما أن الرسول r هو {خَاتَمَ النَّبِيِّينَ} فمعنى ذلك أنه خاتم المرسلين أيضاً, أما لو قال الله (وخاتم المرسلين) لم يمنع هذا مجىء نبى بعده, والله أعلم.

س438- يقول القرآن: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} [يس:30] فهل الله يتحسر على أحد؟

ج438- هل قال الله (يا حسرتاه) أو (يا حسرتى على العباد)؟ أم قال: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ}؟ فالله سبحانه وتعالى لا يتحسر على أحد, ولكن جاءت الحسرة على العباد من أنفسهم, ندماً على ما فعلوه فى الدنيا من تكذيب الرسل – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – ومن التقصير فى حق ربهم جل وعلا, وكأن المعنى: يا لها من حسرة ستصيب العباد, كما جاء فى الآية الكريمة: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} [الزمر:56] ففى هذه الآية المتكلم هو الذى يتحسر, ولهذا جاءت بلفظ {يَا حَسْرَتَى} وبذلك يتضح الفرق بينها وبين الآية التى فى سورة (يس) ويوم القيامة الكل يتحسر, إن كان محسناً تحسر على أن لم يكن قد ازداد إحساناً, وإن كان مسيئاً تحسر على أنه لم يرجع إلى ربه ويَتُبْ إليه, قال رسول الله r: ((ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها, إلا حسر عليها يوم القيامة)) [صحيح الجامع:5720] ولكن حسرة أهل الجنة تكون قبل دخولها, لأن الجنة ليس بها أى كدر, ولكنهم عند علمهم بثواب أعمالهم, يندمون على أنهم لم يزدادوا. أما الحسرة العظمى والمصيبة الكبرى فهى على الكفار, كما جاء فى نهاية الآية الكريمة: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون}

ربما يقول قائل: لماذا قال الله: {مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} فى حين أن الذين آمنوا كثير جداً لا يحصيهم العد؟ فنقول وبالله التوفيق: هذا الحكم على الغالبية العظمى من العباد, فالذين آمنوا فى ظاهرهم كثير جداً, ولكنهم بالنسبة للذين لم يؤمنوا قليل جداً {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} [الأنعام:116] قال رسول الله r: ((يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك والخير فى يديك, فيقول: أخرِج بَعْث النار, قال: وما بعث النار؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين, فعندها يشيب الصغير {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ})) [الحج:2] قالوا: يا رسول الله.. وأيُّنا ذلك الواحد؟ قال: ((أبشروا فإن منكم رجلاً, ومن يأجوج ومأجوج ألفاً, والذى نفسى بيده أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة, أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة, أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة, ما أنتم فى الناس إلا كالشعرة السوداء فى جلد ثور أبيض, أو كشعرة بيضاء فى جلد ثور أسود, أو كالرقمة فى ذراع الحمار)) [صحيح الجامع:8142], والله أعلم.

س439- يقول القرآن: {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ{41} وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ{42} وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ} [يس:41-43] أنتم تقولون إن القرآن يصلح لكل زمان ومكان, وهذا الكلام لا يصلح الآن, لأن هناك صفارات استغاثة تطلقها السفن المنكوبة, وهى صفارات مسموعة, وتنقل عبر الأقمار الصناعية, وأيضاً المشرفين على الغرق يُسمَع صوتهم, وتأتيهم فرق الإنقاذ القريبة منهم, أو المحمولة على الطائرات المروحية, أو السفن…  إلخ.

ج439- يبدو أن سائل هذا السؤال لا علم له بالأحوال الجوية التى تطرأ على بعض البُلدان, لأن كلامه محصور فى حالات الإنقاذ المعلومة, والله سبحانه وتعالىلم ينفِِ عنهم الصريخ والإنقاذ مطلقاً, بدليل أنه قال بعدها: {إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ} فهذا الاستثناء يشمل ما ذُكِرَ من حالات الإنقاذ التى وردت فى السؤال. ولكن هل الإنقاذ يحدث دائماً؟ لو كان هذا صحيحاً, لَمَا وُجدَ غرقى على الإطلاق. إن من أعظم السفن التى اخترعوها, هى السفينة المشهورة (تَيتانِك) وبعدما انتهوا من صنعها تعاظموا فى أنفسهم وقالوا: إنها السفينة التى لن تغرق أبداً, وسبحان الله.. غرقت من أول رحلة لها! فأين كانت صفارات الإنذار وفرق الإنقاذ حينها؟ قال الله عز وجل: {وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} [الرعد:11] وأحياناً تصيب السيول والفياضانات والأعاصير المدمرة بعض البلدان, ومن هذه الأعاصير إعصار (كاترينا) الذى أصاب بعض الولايات الأمريكية مؤخَّراً, وخاصة ولاية (نيوأورليانز) وقد قدروا عدد الذين هلكوا فى هذا الإعصار بحوالى عشرة آلاف على الأقل, معظمهم من الغرقى, وليس هذا فى أمريكا فحسب, بل إن السيول والأعاصير منتشرة فى كثير من دول العالم, وهذه السيول والأعاصير المهلكة تدمر شبكات الكهرباء, وتقطع جميع الاتصالات السلكية واللاسلكية, وتَحُول دون سماع صفارات الإنذار التى يتحدثون عنها, حتى إنها تحجب الرؤية تماماً, فلا تستطيع المروحيات ولا فِرَق الإنقاذ أن تصل إلى هذه القرى المنكوبة, ونسمع فى النشرة الجوية: لقد حالت الظروف الجوية السيئة, والضباب الكثيف, والأمواج العالية, دون وصول فرق الإنقاذ, وانقطع الإتصال بهم… إلخ. وبالإضافة إلى هذا, فقد قال بعض المفسرين المحدثين, مثل الشيخ الشعراوى, رحمه الله: إن المقصود بهذه الآية هى سفن الفضاء, لأن الله عز وجل قال: {وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} ولم يقل (وخلقنا لهم مثله) بل قال: {مِّن مِّثْلِهِ} حتى إننا نلاحظ أنهم سموها سفناً لوجود التشابه بينهما, والغرق عبارة عن ماذا؟ عبارة عن منع الأكسُجين عن الإنسان, وهذا ما يحدث من الاختناق فى السفن الفضائية, عندما ينفذ الأكسُجين الذى يحملونه, فكأنه غرق ولكن من نوع آخر, فلا يستطيع أحد أن ينقذهم, ورجل الفضاء لا يسمع من بجواره إلا عن طريق الأجهزة, لأنه لا يوجد هواء خارج نطاق الغلاف الجوى للأرض, والهواء هو وسيلة السماع, لأن الذبذبات الصوتية تنتقل إلى الأذن عن طريقه, والله أعلم.

س440- يقول القرآن: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} [يس:52] أنتم تزعمون أن هناك عذاباً فى القبر, ولو كان هذا صحيحاً لَمَا قالوا: {مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} لأنها تعنى أنهم كانوا راقدين, ثم فوجئوا بالبعث.

ج440- إن عذاب القبر لا يساوى شيئاً بالنسبة لعذاب جهنم, قال الله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر:46] فالكفار يعلمون وهم معذبون فى قبورهم أن عذاب يوم القيامة أشد بكثير مما هم فيه, ولذلك حين يبعثهم الله عز وجل يقولون قولتهم هذه, وكأنهم تمنوا بقاء عذاب القبر, والله أعلم.

س441- يقول القرآن: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ{22} مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافت:22-23] معنى هذا أن نوحاً, ولوطاً, وامرأة فرعون فى النار, لأن أزواجهم فى النار.

ج441- إن كلمة {أَزْوَاجَهُم} فى هذه الآية تعنى أشباههم, أى أن المشركين مع المشركين, والكافرين مع الكافرين, والملحدين مع الملحدين, والزُّناة مع الزُّناة, وشاربى الخمر مع شاربى الخمر… إلخ, وليس بمعنى زوجاتهم. قال الله عز وجل: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى} [طه:53] أى أخرجنا أنواعاً: حلواً, وحامضاً, ومُرّاً .. إلخ, وقال رسول الله r: ((من أنفق زوجين فى سبيل الله نودى فى الجنة: يا عبد الله هذا خير)) إلى آخر الحديث [متفق عليه] قال العلماء: (( أنفق زوجين )) أى نوعين مختلفين, كأن ينفق ذهباً وفضة – مثلاً – أو أىّ نوعين آخرين, والله أعلم.

س442- يقول القرآن: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ{64} طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ} [الصافات:64-65] معلوم أنه من البلاغة أن يُشبَّه المجهول بالمعلوم ليُعرَف, ولكن أين البلاغة حين يُشبَّه المجهول بمجهول؟

ج442- إن هذه الصيغة متناهية فى البلاغة, لماذا؟ نقول وبالله التوفيق: لو أنه أقيمت مسابقة لرسم صورة للشيطان, لحاول كل رسام أن يرسم أبشع صورة يتخيلها, ولجاءت الصور مختلفة عن بعضها, ولكن يجمع بينها كلها أنها مخيفة.. أليس كذلك؟ فحين شبه الله سبحانه وتعالى شجرة الزقوم برءوس الشياطين, فإن خيال العباد يذهب كل مذهب فى أبشع صورة يتصورونها, فيكون هذا أبلغ فى التخويف منها, ولكن لو شُبِّهت بشكل معين, فربما أخاف البعض دون البعض, وحتى الذين يخافون منها, فإنهم بعد فترة سيألفونها. فمثلاً: لو أن أحداً رأى ثعباناً لخاف وارتجف, ولكنه لو رآه كل يوم, لأصبح منظره مألوفاً, أما لو ظل مجهولاً, لظل خائفاً مرعوباً, وهذا هو المطلوب.. أن يكون العبد خائفاً باستمرار من النار, ورءوس الشياطين كانت – وما زالت – أخوف شىء للإنسان, ولذلك شُبِّهَت شجرة الزقوم بها, والله أعلم.

س443- من الأخطاء اللغوية للقرآن أنه جمع اسم العَلم, وهو الذى لا يُجمَع أبداً, فقال: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ{123} إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ{124} أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ{125} اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ{126} فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ{127} إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ{128} وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ{129} سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} [الصافات:123-130] فقد جمع اسم العَلم وهو {إِلْيَاسَ} فجعله {إِلْ يَاسِينَ} 

ج443- إن {إِلْ يَاسِينَ} ليست جمعاً, ولكن قيل إنها لغة أخرى لإلياس, كما نقول (موسى) وتقول اليهود (موشى) وكما نقول (مريم) ويقول الأجانب (مارى) وكما نقول (محمد) وتقول الأجانب (مُهمَّد). وقيل إن معناها (آل ياسين) أى أتباعه, كما ورد فى قراءة نافع وابن عامر {آل ياسين} وذلك نسبة إليه, كما نقول عن أتباع المسيح – على نبينا وعليهما الصلاة والسلام – إنهم (المسيحيون) ومثل (البهائيين) أتباع (البَهاء), والله أعلم.

س444- يقول القرآن: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات:147] كيف يكون قائل هذا الكلام إلهاً, وهو لا يعلم العدد بالتحديد, بل قاله بالتقريب؟

ج444- لا يمكن قول عدد محدد فى أى إحصائية تعداد سكانى فى العالم, ولكن يقال بالتقريب, لأن الناس فى زيادة مطردة, فهناك وفيات ومواليد, ولكن عدد المواليد يفوق عدد الوفيات, ولذلك قال الله عز وجل: {أَوْ يَزِيدُونَ} ولم يقل (أو ينقصون) وبديهى أن أتباع الرسل – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – يتناسلون فيكثر عددهم, والدعوة تشملهم وذرياتهم, فيتزايد أتباعهم يوماً بعد يوم, فلو ذكر عدداً محدداً لكانت الدعوة قاصرة عليهم, وليست لذرياتهم, وهذا ما لا يقوله عاقل.

والآن نسألكم: كم كان عدد المغنِّين والمغنيّات الذين صعدوا من تل ملح وتل حرشا, بحسب ما جاء فى كتابكم المقدس؟

وهؤلاء هم الذين صعدوا من تل ملح وتل حرشا كروب أدان إمير… ولهم من المغنِّين والمغنيّات مئتان0 (عزرا2: 59-65) وهؤلاء هم الذين صعدوا من تل ملح وتل حرشا كروب وأدون وإمير… ولهم من المغنِّين والمغنيات مئتان وخمسة وأربعون. (نحميا7: 61-67)

وهناك تناقضات فى أعداد العائدين من السَّبْى كثيرة جداً وردت فى سِفْر (عزرا: الإصحاح2) وسِفْر (نحميا: الإصحاح7) يضيق المقام عن ذكرها, ونكتفى بذكر مواطنها من هذين السفرين:

التناقض بين عدد بنى آرح ما بين (775) فى (عزرا2: 5) و(652) فى (نحميا7: 10)

التناقض بين عدد بنى فحث موآب من بنى يشوع ويوآب ما بين (2812) فى (عزرا2: 6) و(2818) فى (نحميا7: 11)

التناقض بين عدد بنى زتو ما بين (945) فى (عزرا2: 8) و(845) فى (نحميا7: 13)

التناقض بين عدد بنى بانى ما بين (642) فى (عزرا2: 10) و(648) فى (نحميا7: 15)

التناقض بين عدد بنى باباى ما بين (623) فى (عزرا2: 11) و(628) فى (نحميا7: 16)

التناقض بين عدد بنى عرجد ما بين (1222) فى (عزرا2: 12) و(2322) فى (نحميا7: 17)

التناقض بين عدد أدونيقام ما بين (666) فى (عزرا2: 13) و(667) فى (نحميا7: 18)

التناقض بين عدد بنى بغواى ما بين (2056) فى (عزرا2: 14) و(2067) فى (نحميا7: 19)

التناقض بين عدد بنى عادين ما بين (454) فى (عزرا2: 15) و(655) فى (نحميا7: 20)

التناقض بين عدد بنى بيصاى ما بين (323) فى (عزرا2: 17) و(324) فى (نحميا7: 23)  

التناقض بين عدد بنى حشوم ما بين (223) فى (عزرا2: 19) و(328) فى (نحميا7: 22)

التناقض بين عدد رجال بيت إيل وعاى ما بين (223) فى (عزرا2: 28) و(123) فى (نحميا7: 32)

التناقض بين عدد بنى لود بنو حاديد وأونو ما بين (725) فى (عزرا2: 33) و(721) فى (نحميا7: 37)

التناقض بين عدد بنى سناءة ما بين (3630) فى (عزرا2: 35) و(3930) فى (نحميا7: 38)

التناقض بين عدد الْمُغنّين من بنى آساف ما بين (128) فى (عزرا2: 41) و(148) فى (نحميا7: 44)

التناقض بين عدد بنى البوابين ما بين (139) فى (عزرا2: 42) و(138) فى (نحميا7: 45)

التناقض بين عدد بنى دلايا بنى طوبيا بنى نقودا ما بين (652) فى (عزرا2: 60) و(642) فى (نحميا7: 62)

فهل كل هذه التناقضات وحى من عند الله يا عباد الله؟, والله أعلم.

س445- يقول القرآن: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ{31} فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ{32} رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاق} [ص:31-33] إن القرآن نسب الظلم إلى سليمان, لأنه قتل الخيل بغير حق, علماً بأن سليمان عندكم نبى معصوم.

ج445- لقد ذهب بالفعل بعض المفسرين إلى أن المقصود بالآية الكريمة أن سيدنا سليمان – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – قتل الخيل عقاباً لنفسه, لأنها شغلته عن صلاة العصر حتى غربت الشمس {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} وهذا القول ليس بصحيح, لأن القتل لا يُعَبَّر عنه بالمسح. وذهب آخرون إلى أنه أمر بإرجاعها إليه, فمسح بسوقها وأعناقها, وهذا الفعل تحبه الخيول, وهو مألوف عند من يقومون بتربيتها, ولكن هذا القول مرجوح أيضاً, لأن الخيل عطلته عن الصلاة, وهو نادم على ذلك, فهل يأمر بردَّها إليه ليمسحها, فتؤخره أكثر؟ وهناك تفسير آخر تطمئن إليه النفس.. وهو أن الآية بها تأخير ما حقُّه التقديم, بمعنى أن الذى عطله عن الصلاة هو قوله: {رُدُّوهَا عَلَيَّ} ومسحه على سوقها وأعناقها, وهذه الخيل كانت موقوفة لله, وليست خيلاً للتباهى, وكلمة {رُدُّوهَا عَلَيَّ} ليتفقد أحوالها أكثر من مرة, ذهاباً وإياباً, كما يفعل أصحاب الخيول. و{الصَّافِنَاتُ} هى الخيل التى تقف على ثلاثة أرجل, وترفع الرجل الأمامية الرابعة. وسيدنا سليمان لا يُتصَوَّر منه أنه قتلها بغير ذنب, لأن جميع الأنبياء والمرسلين – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – كاملو الخَلْق والخُلُق, فلا يصح أن يُنسَب إليهم أى عيب, كما هو مُشاع عن سيدنا أيوب أن جسده كان به دود, وحاشا لله أن يصيب أحداً من أنبيائه بمرض مُعْدٍ, أو مرض يجعل الناس تنفر منه, إن الذى أصاب سيدنا أيوب هو مرض ألزمه الفراشَ, بغير دود ولا غيره, كما أن زوجته – رضى الله عنها – لم يكن اسمها (نَعسَة) ولم تَبِِع شعرها كما يظن البعض, ولكن كان اسمها (رحمة) وهى بنت سيدنا يونس, على نبينا وعليه الصلاة والسلام. وسيدنا موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – لم يكن ألثغ, كما هو موجود فى بعض التفاسير, وذلك من الإسرائيليات, ولكن الأرجح أنه كان يتلعثم فى الكلام لأنه عاش بعيداً عن أهله, ولم يتكلم بلغتهم عشر سنوات, هى مدة مكثه فى مدين, ولنتخيل أن أحدنا سافر إلى بلد أجنبى, وانقطع تماماً عن الكلام بلغته الأصلية, فلا جاليات معه من بلده, ولا يتحدث مع أى أحد, ولو بالتليفون, ثم رجع إلى موطنه الأصلى, فكيف تكون طريقة كلامه؟ لابد أنه سيتلعثم, ولا يكون بالفصاحة نفسها كغيره من أهل بلدته, وسيدنا موسى قال: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً} [القصص:34] ولم يقل (هو أسلم منى لساناً) فلو قال (أسلم) لقلنا إن بلسانه عجزاً. وهنا يتجلى سؤال: من الذى علم سيدنا موسى اللغة العبرية التى كان يتكلم بها مع أهل مدين؟ فنقول وبالله التوفيق: إن اللغة العبرية كانت لغة قومه الموحدين من بنى إسرائيل, قبل أن يأتوا إلى مصر زمن سيدنا يوسف (على نبينا وعليهما الصلاة والسلام) وحين جاءوا إلى مصر تعلموا منهم اللغة القبطية, فأصبح عندهم لغتان: واحدة يتحدثون بها مع بعضهم (وهى لغة دينهم) وواحدة يتحدثون بها مع أهل مصر, كما نجد فى بلدنا أن أهل النوبة يتحدثون فيما بينهم بلغة لا نعرفها, وهى (الروطان) ويتحدثون معنا بلغتنا.

ولقد جاء فى الكتاب المقدس نسبة الكفر لسيدنا سليمان – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – وها هو الدليل:

وأحب الملك سليمان نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون موآبيات وعمونيات وأدوميات وصيدونيات وحثيات من الأمم الذين قال عنهم الرب لبنى إسرائيل لا تدخلون إليهم وهم لا يدخلون إليكم لأنهم يميلون قلوبكم وراء آلهتهم. فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة… وكان فى زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أمَلْنَ قلبه وراء آلهة أخرى ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب إلهه كقلب داود أبيه. فذهب سليمان وراء عشتروث إلاهة الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين. وعمل سليمان الشر فى عينى الرب ولم يتبع الرب تماماً كداود أبيه… فغضب الرب على سليمان لأن قلبه مال عن الرب إله إسرائيل الذى تراءَى له مرتين وأوصاه فى هذا الأمر أن لا يتبع آلهة أخرى. فلم يحفظ ما أوصى به الرب. فقال الرب لسليمان من أجل أن ذلك عندك ولم تحفظ عهدى وفرائضى التى أوصيتك بها فإنى أمزق المملكة عنك تمزيقاً وأعطيها لعبدك. (الملوك الأول11: 1-11) وقد برَّأه الله سبحانه وتعالى مما نسبوه إليه بقوله: {وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة:102], والله أعلم.

س446- يقول القرآن: {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر:24] إن هذا مخالف للفطرة, لأن الإنسان يدافع عن وجهه بيديه, فكيف يتقى بوجهه العذاب؟

ج446- إنهم لا يستطيعون تقديم أيديهم أمام وجوههم كما يفعل من يُؤتى من قِبَل وجهه, لأن أيديهم مغلولة, لا يستطيعون استخدامها {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ} [إبراهيم:49] فهم يسحبون على وجوههم فى النار, والعياذ بالله {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} [القمر:48], والله أعلم.

س447- يقول القرآن: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ{6} الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت:6-7] كيف يؤتى المشركون الزكاة, وهم غير مؤمنين أصلاً؟

ج447- المراد بالزكاة هاهنا طهارة النفس من الشرك, ومن سائر المعتقدات الباطلة, والأخلاق الرذيلة, وليست زكاة الأموال المفروضة على المسلمين, فإن الزكاة معناها (التطهير) فالمسلم يطهر ماله بإخراج ما فرضه الله عليه من هذا المال, أما هؤلاء فلم يؤتوا زكاة نفوسهم, أى أنهم لم يطهروها بالإيمان. ولقد جاء فى تفسير (ابن كثير) لهذه الآية: قال علىّ بن أبى طلحة عن ابن عباس y: يعنى لا يشهدون أن لا إله إلا الله, وكذا قال عكرمة, وهذا كقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا{9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس:9-10] وكقوله جلَّت عظمته: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى{14} وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى:14-15] وقوله عز وجل: {فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى} [النازعات:18] وزكاة المال إنما سُمِّيَت زكاة, لأنها تطهره من الحرام, وتكون سبباً لزيادته, وبركته, وكثرة نفعه, وتوفيقاً إلى استعماله فى الطاعات… إلخ, والله أعلم.    

س448- يقول القرآن عن السفن: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ{32} إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ} [الشورى:32-33] وقد كان ذلك فى الماضى, أما الآن فإنها تسير بالطاقة, ولا دخل للريح بسيرها أو وقوفها, ومع ذلك تصرون على أن القرآن يصلح لكل زمان ومكان.

ج448- قال الشيخ الشعراوى (رحمه الله): إن الريح تأتى فى القرآن مرة بمعنى الرياح, ومرة بمعنى القوة, كما جاء فى الآية الكريمة: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال:46] أى تذهب قوتكم, فعلى هذا يكون معنى {يُسْكِنِ الرِّيحَ} أى يُسكن القوة التى تحركها, سواء مواتير, أو ذرَّة, أو غيرها. وهناك تفسير آخر وضحته الآية التى بعدها {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا} فإن لم يكن الهلاك بإسكان الريح, فيكون بالريح الشديدة العاتية التى تعصف بها, فلا تثبت أمامها قوة مواتير أو غيرها, فتغرق ولا منقذ لها, وإنما يكون ذلك بسبب ذنوبهم {بِمَا كَسَبُوا}

وقد جاء فى كتابكم المقدس قول معبودكم:

وفى اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادى قائلاً إن عطش أحد فليُقبل إلىَّ ويشرب. من آمن بى كما قال الكتاب تجرى من بطنه أنهار ماء حى. (يوحنا7: 37-38) فأين هذه الأنهار التى تجرى من بطونكم؟, والله أعلم.

س449- يقول القرآن: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} [الزخرف:32] إن هذا يشجع ويقر بالفوارق الطبقية بين الأغنياء والفقراء, ويقر بالتفرقة العنصرية.

ج449- نريد أن نسألكم: من المرفوع؟ ومن المرفوع عليه؟ هل قال القرآن: ورفعنا الأغنياء فوق الفقراء؟ أم قال: {بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ}؟ إن الكل محتاج للكل, فأنت يوماً مرفوع, ويوماً مرفوع عليك, ولقد ضرب الشيخ الشعراوى – رحمه الله – مثلاً لتوضيح هذا الأمر بالرجل الغنى ذى المنصب والجاه, الذى يحتاج للفقير ذى المهنة المحتَقَرة, كأن تنسد عنده البالوعة, ويكاد بيته أو قصره يغرق فى القاذورات, فيهرع إلى الرجل المسكين الذى يصلح البالوعات ليأتيه وينقذه مما هو فيه, أو يحتاج لولد صغير يصلح له سيارته الفارهة إذا تعطلت, ومعه زوجته وأولاده, وهم مسافرون لا يدرون ماذا يفعلون, فكلهم فى هذه الحالة ينتظرون هذا الصبى الصغير, ويتمنون أن يصلح سيارتهم ليواصلوا رحلتهم, كما أن الطبيب يحتاج للنجار, وهو أيضاً يحتاج له, والمهندس يحتاج للسباك, والصيدلى يحتاج للسمكرى, وكلهم يحتاجون للعالِم, والعالِم يحتاج لهم.. وهكذا, فالكل محتاج للكل, ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى, قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13] وقال رسوله r: ((يا أيها الناس! ألا إن ربكم واحد, وإن أباكم واحد, ألا لا فضل لعربى على أعجمى, ولا لعجمى على عربى, ولا لأحمر على أسود, ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى)) [مسند أحمد] وقد كرم الإسلام الإنسان, ولو كان عبداً حبشياً, كما ذكرنا الأدلة على ذلك فى الرد على الشبهة رقم (68).

أمّا الكتاب المقدس فقد جاء فيه: فقالت لإبراهيم اطرد هذه الجارية وابنها. لأن ابن هذه الجارية لا يَرِث مع ابنى إسحَق. (تكوين21: 10) وجاء فيه أيضاً: لكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرَّة. إذاً أيها الإخوة لسنا أولاد جارية بل أولاد الحرَّة (الرسالة إلى غلاطية4: 30-31), والله أعلم.

س450- يقول القرآن لمحمد: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف:45] كيف يسألهم وقد ماتوا؟

ج450- كما قلنا فى الرد على الشبهة رقم (356) إن هذا خطاب للناس فى شخصه r وكأن الله عز وجل يلقِّنه الْحُجَّة على المشركين, وهى أن جميع الرسل (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) قد جاءوا بالتوحيد الخالص, فكيف أتى هؤلاء المشركون بآلهتهم المزعومة؟ وهؤلاء المشركون كانوا يثقون بأهل الكتاب, وكثيراً ما كانوا يسألونهم عن أشياء ليختبروا بها صدق الرسول r, فليسألوهم: هل فى كتبهم أن الله جعل من دونه آلهة يُعبَدون؟ وسواء كان الخطاب له, أو للناس عن طريقه, فما زال السؤال مطروحاً, وهو: كيف يسألون الرسل قبله؟ رد العلماء على هذا بأنهم يسألون علماءهم, والعلماء ورثة الأنبياء. وعلى أيَّة حال فقد قابل الرسول جميع الأنبياء والرسل (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) ليلة الإسراء والمعراج, ولكنه لم يسألهم, لأنه على يقين بأن الله لم يجعل معه إلهاً آخر يُعبَد من دونه سبحانه وتعالى, والله أعلم.

س451- يقول القرآن: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} [الزخرف:61] أى أن المسيح سينزل فى آخر الزمان, ويكون كما قال نبيكم حكما عدلاً مقسطاً, يكسر الصليب, ويقتل الخنزير, ويضع الجزية, فلماذا المسيح بالذات؟ ولِمَ لا يكون أى نبى آخر كنوح, أو إبراهيم, أو موسى, أو نبيكم؟

ج451- لم تأخذ أى شخصية فى التاريخ على الإطلاق من الاختلاف والجدل ما أخذته شخصية سيدنا عيسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – وذلك لغرابة مولده, وغرابة رفعه عن سائر البشر, فجميع الأنبياء (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) سواء الذين ذُكِروا فى السؤال, أو غيرهم, ليس عليهم خلاف إلى يومنا هذا, إلا اثنين.. وهما: سيدنا محمد, وسيدنا عيسى, ولكن الخلاف فى سيدنا عيسى أكبر من الخلاف فى سيدنا محمد, فسيدنا عيسى اختلف عليه اليهود والنصارى والمسلمون, اليهود لم يؤمنوا به, واعتبروه وُلِدَ من سفاح, وهم ينتظرون مسيحاً آخر ينزل فى آخر الزمان, ليناصرهم, ويشد أزرهم, والنصارى غالَوْا فيه, وعبدوه وأمَّه من دون الله, فمنهم من قال إنه ابن الله, ومنهم من قال هو ثالث ثلاثة, ومنهم من قال إنه الله {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً} [الإسراء:43] والمسلمون آمنوا به أنه بشر رسول كسائر الرسل. أما سيدنا محمد r فقد آمن به المسلمون, وكفر به اليهود والنصارى, فكان لابد أن يتضح أمر سيدنا عيسى, وليكون حجة على اليهود, وإنه ليس بناصرهم, بل إنه سيقاتلهم, وليكون حجة على الذين عبدوه من دون الله, فيكسر الصليب, ويقتل الخنزير, ويضع الجزية, ويناصر دين سيدنا محمد r, بل ويصلى خلف أحد المسلمين, وهو المهدى المنتظر الذى يأتى فى آخر الزمان, فتعلم جميع الأمم أن الإسلام هو الحق, وما سواه هو الباطل, قال رسول الله r: ((ليس بينى وبين عيسى نبى, وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه, رجل مربوع إلى الحمرة والبياض, ينزل بين ممصرتين, كأن رأسه يقطر, وإن لم يصبه بلل, فيقاتل الناس على الإسلام, فيدق الصليب, ويقتل الخنزير, ويضع الجزية, ويُهلِك الله فى زمانه الملل كلها إلا الإسلام, ويُهلِك المسيحُ الدجال, فيمكث فى الأرض أربعين سنة, ثم يتوفى فيصلى عليه المسلمون)) [صحيح الجامع:5389] وقال ((والذى نفسى بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مُقسطاً, وإماماً عدلاً, فيكسر الصليب, ويقتل الخنزير, ويضع الجزية, ويفيض المال حتى لا يقبله أحد, وحتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها)) [صحيح الجامع:7077] وهناك شىء آخر لا يقل أهمية.. وهو أن جميع الأنبياء – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – قد ماتوا, فكيف يحيون مرة أخرى قبل يوم القيامة؟ أما سيدنا عيسى فلم يمت {بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ} [النساء:158] فلابد أن يموت كسائر البشر, وإلا- لكانت الفتنة به أعظم {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء:34] ولابد أن يعلم الناس بموته, فينزله الله سبحانه وتعالى قبل القيامة ليكون – كما قلنا – حجة على المختلفين فيه, نُصْرَة للمؤمنين به, ويتزوج وينجب, ثم يموت كسائر البشر, والله أعلم.

س452- يقول القرآن: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الجاثية:25] فلِمَ لم يُحْىِ الله لهم الموتى حتى يؤمنوا, كما أحياهم لعيسى, وكما أخرج الناقة لصالح؟

ج452- صحيح أن الله سبحانه وتعالى أحيا الموتى لسيدنا عيسى, وأخرج الناقة لسيدنا صالح – على نبينا وعليهما الصلاة والسلام – ولكن هل آمن قومهما؟ فبرغم هذه المعجزات لم يؤمن منهم إلا القليل, فقوم سيدنا عيسى هَمُّوا بصلبه, لولا أن الله نجّاه منهم, وألقى شَبَهَهُ على غيره, وقوم صالح عقروا ناقته, والذين كفروا بالرسول r لم يختلفوا عنهم, فإنهم لم يطلبوا إحياء الموتى ليؤمنوا, ولكنهم طلبوه جحوداً وعناداً وتعجيزاً, فلو أحيا الله لهم الموتى, لظلوا على كفرهم كأسلافهم, والدليل على ذلك قول الله عز وجل: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} [الإسراء:59] وقوله: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ{14} لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} [الحجر:14-15] إن سُنَّة الله فى كَونه أنه إذا أرسل آية طلبها الناس لكى يؤمنوا, ثم لم يؤمنوا, أن يدمرهم, كما قال عز وجل عندما طلب قوم سيدنا عيسى أن ينزل عليهم مائدة من السماء: {قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة:115] فلو أنزل الله للمشركين ما طلبوه, ثم لم يؤمنوا, لدمَّرهم, ولم يُبْقِ منهم أحداً, ولكن من رحمته سبحانه وتعالى أنه أمهلهم, وقد آمن منهم الكثير, وخرج من أصلابهم مَن عَبَدَ الله وحده ولم يشرك به شيئاً, فلله الحمد والمنَّة, وله الحمد أولاً وآخراً. ثم إن الرسول r قد جاءهم بما يعجزهم وهو القرآن الكريم, وغيره من الآيات الدالة على صدقه, والتى كانت سبباً فى إسلام الكثير من قومه, فلماذا لم يؤمن به هؤلاء الجاحدون كما آمن غيرهم؟ {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} [البقرة:13] إن كل نبى من الأنبياء (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) قد آتاه الله من البينات ما يثبت صدقه, فلا حاجة لما طلبه هؤلاء المتعنتون, قال رسول الله r: ((ما من الأنبياء من نبى إلا وقد أُعطِىَ من الآيات ما مثله آمن عليه البشر, وإنما كان الذى أوتيتُه وحياً أوحاه الله إلىَّ, فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعاً يوم القيامة)) [صحيح الجامع:5681], والله أعلم.

س453- يقول القرآن: {فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} [الأحقاف:20] فهل هناك استكبار بحق؟

ج453- إن الكِبْر من المهلكات (أعاذنا الله والمسلمين منه) قال الله عز وجل فى الحديث القدسى: ((الكبرياء ردائى, والعظمة إزارى, فمن نازعنى واحداً منهما قذفته فى النار)) [سنن أبى داود, صحيح الجامع:4311] وقال رسول الله r: ((لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال ذرة من كِبْر)) قيل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة, قال: ((إن الله جميل يحب الجمال, الكبر بَطَر الحق, وغَمْط الناس)) [صحيح مسلم] ولكن هناك كبراً بحق, وهو فى الحرب على أعداء الله, ففى غزوة أحد لبس سيدنا سَمّاك بن خَرَشَه t (وكنيته أبو دُجانة) عصابته الحمراء, وكان يُعرف بأنه إذا لبسها فسيقاتل قتالاً مريراً لا يقف أمامه أحد, ثم حمل سيفه, وركب فرسه, ومشى به أمام المسلمين والمشركين مشية فيها زهو وخُيَلاء, فامتعض بعض الصحابة y من مشيته هذه التى لا تناسب المؤمنين الذين قال الله فيهم: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً} [الفرقان:63] ولكن الرسول r حين رآه قال ما معناه: ((إن هذه المِشية يبغَضُها اللهُ ورسولُه إلا فى هذا الموْطِن)) لأن فيها إرهاباً للأعداء, وهو ما نسميه بالحرب النفسية, قال تعالى واصفاً أحِبّاءَهُ: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ} [المائدة:54] وقال: {أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} [الفتح:29], والله أعلم.

س454- لقد نسى محمد حين ألَّف القرآن ذكر عيسى والإنجيل, فزعم أن القرآن أنزل بعد التوراة, فقال: {قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأحقاف:30]

ج454- إن من المعلومات البدائية التى لا يغفل عنها الصغير, فضلاً عن الكبير, أن سيدنا عيسى جاء بعد سيدنا موسى – على نبينا وعليهما الصلاة والسلام – وأن الإنجيل كان بين التوراة والقرآن, فلو فرضنا جدلاً أن القرآن ألفه سيدنا محمد كما تزعمون, فمن الصعب أن ينسى هذا الأمر, ولكن الجن الذين استمعوا للرسول r كانوا من اليهود, واليهود لا يعترفون بسيدنا عيسى, كما هو حالهم إلى الآن. كما أن التوراة كتاب دين وشريعة مثل القرآن, أما الإنجيل فهو كتاب عبادات وأخلاقيات, وليس كتاب تشريع, ولكنه يعتمد على التوراة فى التشريع, ولذلك نجد كتاب النصارى – وهو ما يسمى بالكتاب المقدس – يشمل التوراة (العهد القديم) والإنجيل (العهد الجديد) ولا نجد كتاباً للإنجيل وحده, أما التوراة فهى مستقلة بذاتها, إذن فليس بين التوراة والقرآن كتاب سماوى يشابههما, والله أعلم.

س455- توجد آيات فى القرآن مضطربة المعنى وغير مفهومة, مثل قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً{8} لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفتح:8-9] فلو كانت كلمتا {تُعَزِّرُوهُ} و{تُوَقِّرُوهُ} عائدتين على الله لكان كفراً, لأن الله لا يحتاج لمن يعزره (أى يقويه) أو يوقره (أى يحترمه) ولو كانتا عائدتين على محمد فتكون كلمة {تُسَبِّحُوهُ} عائدة على محمد, وبذلك تكون أيضاً كفراً, لأن التسبيح لا يكون إلا لله, والغالب أن كل هذه الكلمات عائدة على محمد, لأن قواعد اللغة عندكم تقتضى رجوع الكلام إلى أقرب ضمير, وهو محمد.

ج455- إن هذه الكلمات الثلاث عائدة على الله سبحانه وتعالى, ولكنها ليست بهذا المعنى السطحى الساذج الذى فهمه السائل, ولكنها تعبيرات مجازية من قبيل قول الله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد:7] وقوله: {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} [التغابن:17] فهل الله سبحانه وتعالى يطلب منا النصر والقرض على المعنى الحقيقى؟ إن هذا يُعرف فى اللغة العربية بالتعبير المجازى, ففى الآية الأولى يأمرنا الله سبحانه وتعالى بنصره.. أى بنصر دينه, والذوْد عن حياضه, وحماية بيضته, وفى الآية الثانية يحثنا على الإنفاق فى سبيله, ويسمى هذا قرضاً, وينسبه إليه سبحانه وتعالى, ليكون ذلك أقوى لعزيمتنا فى البذل والعطاء, وأرغبَ فى الأجر والثواب, فكذلك الأمر فى الآية التى نحن بصددها, أى قوله تعالى: {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} أى نعزِّر دينه ونوقره, باتباع أوامره واجتناب نواهيه, وتحكيم شرعه فى كل كبيرة وصغيرة, وبذل الغالى والرخيص فى سبيل إعلاء كلمته… إلخ, وهذه الآية مشابهة لقوله جل وعلا على لسان سيدنا نوح, على نبينا وعليه الصلاة والسلام: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} [نوح:13] ففى هذه الآية ينكر سيدنا نوح على قومه عدم توقير الله جل وعلا, أى توقير ما أنزله الله إليه من إفراده بالعبودية, وتعظيم أوامره ونواهيه, وخوفه ورجائه… إلخ, ومشابهة أيضاً (من حيث التعبير المجازى) لما ورد فى الحديث القدسى عن رب العزة سبحانه وتعالى: ((إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضتُ فلم تعُدْنى, قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمتَ أن عبدى فلاناً مَرِض فلم تعُدْه؟ أما علمتَ أنك لو عُدْتَه لوجدتنى عنده؟ يا ابن آدم استطعمتُك فلم تُطْعِمنى, فقال: يا رب وكيف أطعمكَ وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمتَ أنه استطعمَكَ عبدى فلان فلم تُطعِمْه, أما علمتَ أنك لو أطعمتَه لوجدتَ ذلك عندى؟ يا ابن آدم استسقيتُكَ فلم تسقِنى, قال: يا رب كيف أسقيكَ وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدى فلان فلم تَسْقِه, أمَا إنك لو سقَيْتَه لوجدتَ ذلك عندى)) [صحيح الجامع:1916] ففى هذا الحديث الشريف ينسب ربنا تبارك وتعالى مرض الإنسان وإطعامه وسقايته لنفسه, على سبيل المجاز, وليس الحقيقة, وإلا- فهو سبحانه وتعالى الغنى عمَّن سواه, والكل ذليل ومفتقر إليه. ثم إن المتأمل لهذه الآية الكريمة يجد أن أقرب ضمير عائد على الله سبحانه وتعالى, كيف ذلك؟ لأن الله سبحانه وتعالى قال: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} فأقرب ضمير هو حرف (الهاء) فى قوله: {رَسُولِهِ} وهو عائد على الله سبحانه وتعالى, والله أعلم.

س456- يقول القرآن: {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} [الفتح:10] كيف يقول: {عَلَيْهُ} بضم الهاء, المفروض أن يقول (عليهِ) بكسر الهاء, وكذلك يقول: {لَّـكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النساء:162] والمفروض أن يقول (الراسخين) و(المؤتين الزكاة) و(المؤمنين)

ج456- ذكر فى كتاب التبيان فى إعراب القرآن ص324 {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ} قراءة الجمهور بالياء وفيه عدة أوجه, أحدها: أنه منصوب على المدح, وأعنى {وَالْمُقِيمِينَ} وهو مذهب البصريين, وإنما يأتى ذلك بعد تمام الكلام, والثانى أنه معطوف على (ما) أى يؤمنون (بما) أنزل إليك وبالمقيمين, والمراد بهم الملائكة. وقيل التقدير: وبدين المقيمين, فيكون المراد بهم المسلمين. والثالث أنه معطوف على (قبل) تقديره: ومن قبل المقيمين, فحذف (قبل) وأقيم المضاف إليه مقامه. والرابع: أنه معطوف على الكاف فى {قَبْلِكَ} والخامس: أنه معطوف على الكاف فى {إِلَيكَ} والسادس: أنه معطوف على الهاء والميم فى {مِنْهُمْ} وهذه الأوجه الثلاثة الأخيرة لأن فيها عطف الظاهر على المضمر من غير إعادة الجارّ. قال القرطبى: وقرأ الحسن ومالك بن دينار وجماعة {والمقيمون} على العطف, وكذا هو فى مصحف عبد الله بن مسعود (من القراءات الشاذة) ومن كتاب الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها ص280 سورة الفتح لمكى بن أبى طالب, قوله تعالى: {عَلَيْهُ اللَّهَ} قرأه حفص بضم الهاء أتى به على الأصل لصلة الهاء بواو, ثم حذف الواو لسكونها وسكون اللام بعدها, فبقيت الضمة, وقرأ الباقون بالكسر, لأنهم أبدلوا من الهاء كسرة للياء التى قبلها, لأن الكسرة بالياء أشبه وهى أخف بعد الياء, فانقلبت الواو ياء, وحذفت لسكونها وسكون اللام بعدها, والله أعلم.

س457- يزعم القرآن أن الله قد رضى عن أصحاب محمد الذين بايعوه تحت الشجرة {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح:18] ولكن هؤلاء الصحابة أنفسهم عصوا نبيهم فى مسألة الحلق والنحر, فحزن وقال لأم سلمة: ((لقد هلك الناس)) وهو يقصد هؤلاء الْمَرْضِىَّ عنهم.

ج457- إن الصحابة y هم الذين اصطفاهم الله لنُصرة دينه, وهم وزراء نبيه r وهم أفضل خلق الله بعد أنبيائه ورسله – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – ولكن هذا كان من شدة غمهم وهمهم, ولم يكن عصياناً لأمر نبيهم, وقد حدث ذلك بعد أن وَقَّع الرسول r صلح الحديبية مع المشركين, وكانت شروط هذا الصلح (فى ظاهر الأمر) مجحفة بالمؤمنين, ولكن الرسول r وَقَّع عليها لثقته بنصر الله سبحانه وتعالى, وقد كان وَقْعُها سيئاً على أصحابه y, وما زاد الأمرَ سوءاً أنهم مُنعوا من دخول الحرم, فقد جاءوا مُحْرِمين من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة – أى حوالى خمسمائة كيلو متراً – على أمل الطواف وأداء العمرة التى حُرِموا منها لسنوات عديدة, وقد جاءوا بناءً على رؤيا رآها الرسول r, ومعلوم أن رؤيا الأنبياء حق, فكيف يُصَدُّون عن الحرم وهم على مرمى حجر منه؟ وهذا البيت لا يُصَد عنه من قصده لابساً الإحرام, ولو كان مشركاً, فكيف يُصَدُ عنه أهل الإيمان؟ فنزل بالصحابة y من الهم والغم ما لا يعلمه إلا الله, فلما وقع الصلح أمرهم الرسول r بحلق رءوسهم ونحر هَدْيِهم, فلم يقم أحد منهم من شدة حزنهم, لا عِصياناً منهم, إذ كيف يرجعون كل هذه المسافة دون أن يؤدوا العمرة التى جاءوا من أجلها؟ فهم بشر يحزنون كما يحزن البشر, فتباطأوا فى تنفيذ الأمر, فلما دخل الرسول r على أم سلمة – رضى الله عنها –  وقال لها مقالته, أشارت عليه قائلة: يا رسول الله.. إن القوم نزل بهم من الغم ما نزل, فاخرج عليهم ولا تكلم أحداً منهم, ثم انحر هديك, واحلق رأسك, وسيفعلون إن شاء الله ما أمرتَهم به, فلما فعل الرسول r ما أشارت عليه به, قام القوم على الفور – مع ما بهم من الغم – فنحروا هديهم, وحلقوا رءوسهم, وقد بشرهم ربهم بأنه سيحقق لهم رؤيا نبيهم, فقال جل وعلا: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً} [الفتح:27] وقد صدقهم الله وعده, فحجوا واعتمروا, آمنين غير خائفين, والحمد لله رب العالمين.

وقد جاء فى كتابكم المقدس أن معبودكم وعد تلاميذه الاثنى عشر بالجلوس على الكراسى فى الآخرة, يُدِينون أسباط إسرائيل, رغم أن واحداً منهم سلَّمه لليهود (على حَدِّ زعمكم) ليقتلوه, فلو كان المسيح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – إلهاً أو ابن إله (كما تدَّعون) فكيف يجعل يهوذا الإسخريوطى من المبَشَّرين بهذه المنزلة الرفيعة, وقد خانه, وباعه بثلاثين من الفضة على حَدِّ قولكم؟ وكيف يعتبره – أصلاً – من جملة الاثنى عشر الذين اختارهم ليكونوا أنبياء يحملون رسالته للناس؟

حينئذ ذهب واحد من الاثنى عشر الذى يُدْعَى يهوذا الإسخريوطى إلى رؤساء الكهنة وقال ماذا تريدون أن تعطونى وأنا أسلِّمه إليكم. فجعلوا له ثلاثين من الفضة. ومن ذلك الوقت كان يطلب فرصة ليسلِّمه (متى26: 14-16)

فدخل الشيطان فى يهوذا الذى يُدْعَىَ الإسخريوطى وهو من جملة الاثنى عشر. فمضى وتكلم مع رؤساء الكهنة وقوّاد الجند كيف يُسلِّمُهُ إليهم. ففرحوا وعاهدوه أن يعطوه فضة. (لوقا22: 3-5) 

فأجاب بطرس حينئذ وقال له ها نحن قد تركنا كل شىء وتبعناك. فماذا يكون لنا. فقال له يسوع الحق أقول لكم إنكم أنتم الذين تبعتمونى فى التجديد متى جلس ابن الإنسان على كرسى مجده تجلسون أنتم أيضاً على اثنى عشر كُرْسِيّاً تدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر. (متى19: 27-28) ثم كيف يُدينون أسباط إسرائيل يوم القيامة؟ أليس المفروض أن الأنبياء عليهم البلاغ, أما الحساب فعلى الله جل وعلا, كما قال سبحانه لسيدنا محمد r: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد:40]؟, والله أعلم.

س458- يقول القرآن: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات:9] وكان المفروض أن يقول (اقتتلا) وفى الآية نفسها: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} وكان المفروض أن يقول (فأصلحوا بينهم) لأنهما طائفتان وكل طائفة مكونة من أفراد كثيرة, وليسوا فردين.

ج458- قال الشيخ الشعراوى (رحمه الله): عندما تتقاتل طائفتان يحدث اشتباك وتلاحم, وتقاتل كل طائفة الأخرى, فهى مجموعة تقاتل مجموعة, وليسوا فردين يقتتلان, فناسب أن يقال: {اقْتَتَلُوا} أما عند المصالحة فليس كل فرد من هذه الطائفة يصالح كل فرد من الطائفة الأخرى, ولكن يكفى أن نأتى برئيس أو زعيم كل طائفة فنصلحه مع الزعيم الآخر, وكل زعيم يتكلم بلسان طائفته ويعبر عن رأيهم, ولذلك ناسب أن يقال: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}, والله أعلم.

س459- يقول القرآن: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا} [الحجرات:14] وكان المفروض أن يقول: (قال الأعراب)

ج459- {الْأَعْرَابُ} جمع تكسير يعامل معاملة المفرد المؤنث جوازاً, أو المفرد المذكَّر, والله أعلم.

س460- يقول القرآن: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [ق:29] إن هذه الآية لا تنفى الظلم عن الله, ولكنها تنفى كثرة الظلم, لأنها قالت: {وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ} ولم تقل (وما ربك بظالم) و(الظلام) صيغة مبالغة تعنى كثرة الظلم.

ج460- صيغة المبالغة تأتى إمّا للمبالغة فى الحدث, أو لتكرار وقوعه, فمثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} – لو قلنا عن إنسان إنه أكول, أو بلهجتنا العاميَّة (أكِّيل) فإن ذلك يعنى أحد أمرين: إمّا أنه يأكل وجبات بعدد الوجبات الطبيعية نفسه, ولكنه فى كل مرة يأكل كميات كبيرة من الطعام, فذلك هو المبالغة فى الحدث, أو أنه يأكل كميات عادية من الطعام, ولكنه يأكل سبع مرات فى اليوم مثلاً, وذلك هو تكرار الحدث. فالله سبحانه وتعالى لم يقل (وما ربك بظلام للعبد) حتى يكون لهم حينها حجة, ولكنه قال: {بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} فمَعَ كثرة العبيد لو أنه – فرضاً – ظلم كل عبد ظلماً قليلاً جداً (وحاشاه أن يفعل ذلك) لكان مجموع الظلم القليل يعطى معنى الظلم الكثير, والله أعلم.

س461- يقول القرآن: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] معنى هذا أن الإنسان ينقطع للعبادة فى المساجد, ويترك الانشغال بالحياة وأعمالها, أليست هذه هى الرهبانية التى تنكرونها؟ فنحن نرى أن القرآن هو سبب تخلف المسلمين, لأنه حصر حياتهم فى العبادة فقط.

ج461- ما هو مفهوم العبادة؟ إن العبادة هى الانقياد والطاعة والاستسلام, مع كمال الحب والتعظيم لله رب العالمين,  فمعنى كلمة {لِيَعْبُدُونِ} أى ليطيعون, وعمارة الكون طاعة لله جل وعلا, فهو سبحانه الذى قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30] ومن ضمن أوامر الله عز وجل: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك:15] {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة:10] حتى الحج, الذى هو من أركان الإسلام, لم يحرِّم الله فيه البيع والشراء, طالما أن النية فى الحج خالصة له سبحانه وتعالى, وجاءت التجارة كأمر عارض, فقال جل وعلا: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة:198] فلو أنه أمرنا بالعبادة بمفهوم الانقطاع فى المساجد كما تقولون, فلِمَ فرض علينا الزكاة, وصِلَة الأرحام, والإحسان إلى الفقراء واليتامى والمساكين… إلخ؟ وكيف نزكى أو نتصدق ونحن منقطعون للعبادة فى المساجد؟ فلابد من العمل لكى نتكسب ونعطى العباد حقهم, ولكن بشرط أن يكون السعى حلالاً, والرزق من الحلال, وإنفاقه فى الحلال, طاعة لله سبحانه وتعالى. ومن حرص الإسلام على العمل لنفع الناس, قول رسول الله r: ((إن قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة, فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها, فليغرسها)) [صحيح الجامع:1424] ((الفسيلة)) هى الشَّتْلة والنخلة الصغيرة, وقيل معنى ((إذا قامت الساعة)) أى ظهرت أماراتها فلم يبقَ من عمرها إلا القليل, أو هو مبالغة فى الحث على غرس الأشجار, وحفر الأنهار, لعمارة هذه الدار.

ثم إنكم تتهموننا بالانقطاع للعبادة وترك العمل, وهو ما جاء به كتابكم المقدس, وها نحن نسوق إليكم بعضاً منه:

وإذ كان يسوع ماشياً عند البحر الجليل أبصر أخوَين سمعان الذى يقال له بطرس وأندراوس أخاه يُلقيان شبكة فى البحر فإنهما كانا صيّادَين. فقال لهما هَلمَّ ورائى فأجعلكما صيّادى الناس. فللوقت تركا الشِّباك وتبِعاه. ثم اجتاز من هناك فرأى أخوَين آخرين يعقوب بن زبدى ويوحنا أخاه فى السفينة مع زبدى أبيهما يُصلحان شِباكهما فدعاهما. فللوقت تركا السفينة وأباهما وتبِعاه (متى4: 18-22)

فقال بطرس ها نحن قد تركنا كل شىء وتبِعناك. فقال لهم الحق أقول لكم إن ليس أحد ترك بيتاً أو الوالدين أو إخوة أو امرأة أو أولاداً من أجل ملكوت الله إلا ويأخذ فى هذا الزمان أضعافاً كثيرة وفى الدهر الآتى الحياة الأبدية (لوقا18: 28-30)

فلا تهتموا قائلين ماذا نأكل أو ماذا نشرب أو ماذا نلبس. فإن هذه كلها تطلبها الأمم. لأن أباكم السماوى يعلم أنكم محتاجون إلى هذه كلها. لكن اطلبوا أولاً ملكوت الله وبِرَّه وهذه كلها تُزاد لكم. فلا تهتموا للغد. لأن الغد يهتم بما لنفسه. يكفى اليوم شرّه (متى6: 31-34)

وأرسلهم ليكرزوا بملكوت الله ويشفوا المرضى. وقال لهم لا تحملوا شيئاً للطريق لا عَصاً ولا مِزوَداً ولا خُبزاً ولا فضة ولا يكون للواحد ثوبان. (لوقا9: 2-3) مع أن هذا يتناقض مع: وأوصاهم أن لا يحملوا شيئاً للطريق غير عصا فقط. [مرقس6: 8] ففى النَّص الأول لم يسمح لهم بأخذ أى شىء حتى العصا, وفى النَّص الثانى سمح لهم بأخذها.

وقال له آخر من تلاميذه يا سيّد ائذن لى أن أمضى أوَّلاً وأدفن أبى. فقال له يسوع اتبعنى ودَعْ الموتى يدفنون موتاهم (متى8: 21-22) لقد نهاه حتى عن دفن أبيه حتى لا ينشغل عن العبادة.

ولكن أقول لغير المتزوجين وللأرامل إنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا. (رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس7: 8) (كما أنا: أى غير متزوجين) غير المتزوج يهتم فى ما للرب كيف يرضى الرب. وأما المتزوج فيهتم فى ما للعالم كيف يرضى امرأته. إن بين الزوجة والعذراء فرقاً. غير المتزوجة تهتم فى ما للرب لتكون مقدسة جسداً وروحاً. وأما المتزوجة فتهتم فى ما للعالم كيف ترضى رَجُلها (رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس7: 32-34) أين هذا من قول الله عز وجل: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور:32] وقول رسوله r: ((يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج, فإنه أغَض للبصر, وأحصن للفرج, ومن لم يستطع فعليه بالصوم, فإنه له وِجاء)) [صحيح مسلم]؟

بِعْ كل مالك ووزِّع على الفقراء فيكون لك كنز فى السماء وتعالَ اتبعنى. (لوقا18: 22) أين هذا من قول رسولنا r لسعد بن أبى وقاص t حين أراد أن يوصى بثلثى ماله أو بنصفه: ((الثلُث والثلُث كثير, إنك إن تذر ورثتك أغنياء, خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس, وإنك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله إلا أُجِرْتَ بها, حتى ما تجعل فى فِىِّ امرأتك)) [صحيح الجامع:3082] وقوله: ((لأن يأخذ أحدكم حبله, ثم يغدو إلى الجبل فيحتطب, فيبيع فيأكل ويتصدق, خير له من أن يسأل الناس)) [صحيح الجامع:5040], والله أعلم.

س462- هناك تكرار لبعض الآيات فى سورة (القمر) مثل: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} ومثل: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} فلِمَ كل هذا التكرار؟

ج462- لقد جاء تكرار الآية الكريمة: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أربع مرات, والقرآن عربى, والأمم التى كانت تتكلم اللغة العربية هى أربع أمم, فقوم سيدنا نوح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – كانوا فى اليمن, وهم أصل العرب (العرب العاربة) وعاد كانوا بالأحقاف فى جنوب الجزيرة العربية (منطقة الربع الخالى حالياً) وثمود كانوا فى شمال الجزيرة العربية, وقوم سيدنا محمد r فى وسطها. وقد تكلمنا من قبل على موضوع تيسير القرآن للذكر فى الرد على الشبهة رقم (263) وأنه الكتاب الوحيد فى العالم الذى يحفظه المتعلم والأمى, والكبير والصغير, والعربى والأعجمى, بينما لا يوجد حَبْر, ولا كاهن, ولا قسيس, ولا أى رجل دين كائناً من كان, يحفظ التوراة أو الإنجيل عن ظهر قلب, أما قوله تعالى: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} فقد جاء ذكرها فى السورة ست مرات, مثل عدد من ذُكِرُوا من الأمم المكذِّبة برسلهم, وهم قوم نوح, وهود, وصالح, ولوط, وموسى, ومحمد – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – ولقد جاء التكرار فى الكتاب المقدس كثيراً جداً, وقد أشرنا لبعضه فى الرد على الشبهة رقم (57) وبالله التوفيق, والله أعلم.

س463- يقول القرآن فى أول سورة (الرحمن): {الرَّحْمَنُ{1} عَلَّمَ الْقُرْآنَ{2} خَلَقَ الْإِنسَانَ{3} عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} ففى هذه الآيات يقول إنه علَّم القرآن ثم خلق الإنسان, فلمن علَّمه إذن؟ ألا كان المفروض أن يذكر خلق الإنسان أولاً, ثم يذكر تعليمه القرآن؟

ج463- لقد عدد الله سبحانه وتعالى فى هذه السورة الكريمة نِعَمَه على عباده, وأعظم النعم هى نعمة الدين, وأعظم شىء فى الدين هو تعليم القرآن, كما قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر:17] فقدَّم نعمة تعليم القرآن على نعمة خلق الإنسان, لأنها أعظم نعم الله عليه, فبغير القرآن ماذا يستفيد الإنسان؟ {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] والعبادة لا تكون إلا باتباع القرآن, ومعلوم فى اللغة العربية أن الأهم يذكر قبل المهم. قد يقول قائل: كيف لا يكون للإنسان قيمة بغير القرآن, وهو لم ينزل إلا فى آخر الزمان؟ فنقول وبالله التوفيق: إن أتباع الرسل قبل سيدنا محمد – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – كانت أعظم نعمة بالنسبة لهم هى هدايتهم لدينهم الذى أنزل عليهم, أما هذه الآية فإن الخطاب فيها مُوَجَّه لنا نحن أتباع سيدنا محمد r فأعظم نعم الله علينا هى تعليمنا القرآن, وهى أيضاً أعظم من نعمة تعليم الكتب السابقة لأتباعها, لأن القرآن أعظم كتب الله جل وعلا, والله سبحانه وتعالى لم يعلِّم القرآن لنا وحدنا, بل علَّمه للملائكة قبلنا, فقبل أن يَعْلَمَه الإنسان عَلِمَتهُ ملائكة الرحمن, والله أعلم.

س464- يقول القرآن: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ{33} فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ{34} يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ} [الرحمن:33-35] أنتم تقولون إن الآلاء هى النعم, فأى نعم فى النار والنحاس؟ وكذلك أى آلاء فيما ذكر بعدها من آيات انشقاق السماء والعذاب؟

ج464- إن هذا تحذير وتعجيز من الله جل وعلا للثقَلَين (الإنس والجن) أن يحاولوا أن ينفذوا من أقطار السموات والأرض, لأنهم لو حاولوا, لأرسل عليهم شواظاً من نار ونحاس (والعياذ بالله) فمثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} – إذا حذرك إنسان من المشى فى طريق به مخاطر, وقال لك: إنك لن تستطيع أن تمشى فى هذا الطريق, ولو حاولت المشى فيه لانقلبت سيارتك, لأن به حُفَراً أو كذا أو كذا, أو أن فى هذا الطريق مشاجرة كبيرة فيها إطلاق رصاص, ولو ذهبت إلى هناك لقتلوك, هل يكون فى هذه الحالة أساء إليك, أم أنعم عليك؟ أما ما تلاها من آيات العذاب فذِكْرُها هى أيضاً من نعم الله علينا, كيف ذاك؟ لأنها تحذرنا من أن نسلك مسالك الغواية والضلال, حتى لا يكون مصيرنا الهلاك والدمار, ثم أتبعها الله جل وعلا بمصير عباد الرحمن, فقال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن:46] فمن أول هذه الآية إلى آخر السورة وصف الجِنان دار عباد الرحمن, اللهم اجعلنا منهم يا حنّان يا منّان يا ذا الجلال والإكرام, والله أعلم.

س465- يقول القرآن: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر:21] كيف تخشع الجبال وتتصدع من خشية الله عند وضع القرآن أو قراءته عليها, ونحن نرى سكان الجبال من المسلمين يضعون المصحف عليها, ويقرأونه, ولا يحدث لها أى شىء؟

ج465- إن هذا السؤال فيه من الجهل ما فيه, فهل قال الله سبحانه وتعالى (لو وضعنا هذا القرآن على جبل) أم قال: {لَوْ أَنزَلْنَا}؟ وهل وُضِعَ القرآن على رأس رسول الله r؟ وبمعنى آخر: هل لو وضعنا المصحف على رأس أحد من المسلمين, يرتجف قلبه, ويقشعر جلده, ويبكى من خشية الله؟ إن الله سبحانه وتعالى قال لنبيه r: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ{192} نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ{193} عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ} [الشعراء:192-194] فنزول القرآن على القلب, وليس على البدن كما ظن السائل. والقرآن يشتمل على أوامر ونواهٍ, ومواعظ وأخبار, وترغيب وترهيب, فلو نزل على جبل, وكلِّف بالأوامر والنواهى, ووُعِظَ بالموت, وبالجنة والنار, لخشع وتصدع من خشية الله, قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} [الأحزاب:72] فحين عرض الله عليها الأمانة (وهى التكليف) أبَتْ واختارت العبودية الجبرية, أما الإنسان فقد اختار العبودية الاختيارية, بمعنى أن السموات والأرض والجبال أبَيْنَ أن يكونوا مُخيَّرين بين الطاعة والمعصية, لخوفهم ألا يقوموا بحق العبودية لربهم, فيستحقوا بذلك عقابه, واختاروا أن يكونوا عبيداً لله, كالملائكة المجبولة على الطاعة, وليس لها اختيار بين الطاعة والمعصية, أما الإنسان فقد اغتر بعقله, ورضى أن يكون مُخيَّراً بين الطاعة والمعصية, فوقع فيما وقع فيه, ولم يؤدِّ حق الله عليه, إلا ما رحم ربى, وبذلك ظلم نفسه, وهو جاهل بهذه المسئولية الشائكة.

والذين ثارت دهشتهم من تصدُّع الجبل لو أُنزِل القرآن عليه, جاء فى كتابهم المقدس أنهم يستطيعون أن ينقلوا الجبل من مكانه, ويطرحوه فى البحر, وأن الحجارة تصرخ بالتسبيح:

لأنى الحق أقول لكم إن من قال لهذا الجبل انتقل وانطرح فى البحر ولا يشك فى قلبه بل يؤمن أن ما يقوله يكون فمهما قال يكون له. (مرقس11: 23)

ولما قرب عند منحدر جبل الزيتون ابتدأ كل جمهور التلاميذ يفرحون ويسبحون الله بصوت عظيم لأجل جميع القوّات التى نظروا. قائلين مبارك الملك الآتى باسم الرب. سلام فى السماء ومجد فى الأعالى. وأما بعض الفريسيين من الجمع فقالوا له يا معلِّم انتهر تلاميذك. فأجاب وقال لهم أقول لكم إنه إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ (لوقا19: 37-40), والله أعلم.

س466- يقول القرآن: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة:5] فهل اليهود كذبوا بالتوراة؟

ج466- إن اليهود لم يكذبوا بالتوراة بألسنتهم, ولكن كذبوها بعملهم, لأنهم لم يقيموا التوراة كما أمرهم الله, أى أنهم لم يأتمروا بأمرها وينتهوا بنهيها {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} [البقرة:93] ليس هذا فحسب, بل إنهم حرَّفوها, مع أن الله عز وجل قد وكَّل إليهم حفظها {بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء} [المائدة:44] والله سبحانه وتعالى خاطبهم بقوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة:85] وقد قال لهم هذا القول لأنهم امتثلوا لبعض أوامره, ولم يمتثلوا للبعض الآخر, فكأنما آمنوا بما فعلوه, وكفروا بما تركوه, والله أعلم.

س467- إن القرآن يكسر القاعدة فى العطف, ويجزم الفعل المعطوف على المنصوب فى قوله: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون:10] وكان يجب أن يكون السياق كالآتى (فأصدق وأكون) وليس كما جاء فى الآية: {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن}

ج467- إن هذه الشبهة جاءت فى قوله تعالى: {وَأَكُن} لأنه محذوف الواو وساكن النون, وهو فعل معتل الوسط بالواو أجْوَف, ولا يحذف الواو منه إلا إذا سُكِّن آخره, ولا يسكَّن آخره إلا إذا كان مجزوماً, ويجزم المضارع إذا دخل عليه جازم, أو عطف على مجزوم, ولما لم يدخل على الفعل هنا جازم, ولم يتقدم عليه مجزوم يصح جَزْمُه بالعطف عليه. ولقد وجَّه الإمام الزمخشرى الفعل {وَأَكُن} مجزوماً مردوفاً على الفعل المنصوب {فَأَصَّدَّقَ} بأن قوله تعالى: {لَوْلَا أَخَّرْتَنِي} فى محل جزم لتضَمُّنِه معنى الشرط, فكأنه قيل (إن أخرتنى أصدق وأكن من الصالحين) وكذلك قال ابن عطية وأبو على الفارسى, لم تكن هذه القراءة الوحيدة فى جزم الفعل {أَكُن} فقد قرأه أبو عمرو {وأكون} بالنصب عطفاً على {فَأَصَّدَّقَ} ونرى أن التوجيه بهذا الفعل مجزوم على تضمن عبارة التمنى {لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} أو على الشرط المقدر ب(إن أخرتنى) وقد سبق إلى القول به عَلَمان من أئمة النحو هما الخليل وسيبويه, والذى سوَّغ إيثار عبارة التمنى {لَوْلَا أَخَّرْتَنِي} على الشرط الصريح (إن أخرتنى) أن قائل هذه العبارة يقولها فى ساعة يملكه فيها اليأس من التأخير, وهى ساعة حضور الموت, والتمنى كما نعلم يستعمل فى طلب المحال أو المتعذر, أما الشرط فيستعمل فى الأمور التى لا استحالة فيها ولا تعَذُّر, وقرينة جواب الشرط من عبارة التمنى هو جزم الفعل {أَكُن} وسره البلاغى أن من حضرته الوفاة وهو مقصر فى طاعة الله تدفعه شدة الحاجة التى نزلت به إلى طمعٍ من نوعٍ ما مما هو مستحيل أو متعذر الوقوع, ومما تقدم يظهر لنا استقامة العبارة القرآنية وبُعْدُها عن كل خلل, ووفاؤها بالمعنى المراد نحواً وبياناً, والله أعلم.

س468- يزعم القرآن أن  الأزواج والأولاد أعداء, فى حين أنهم أحب الناس, فكيف يكونون أعداء؟ واقرأوا إن شئتم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن:14] {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} [الأنفال:28]

ج468- هل قال الله سبحانه وتعالى (إن أزواجكم وأولادكم عدو لكم) أم قال: {إِنَّ مِنْ}؟ أى أن بعضهم أعداء, وليسوا كلهم أعداء. وهذه الآية نزلت فى قوم آمنوا بمكة, ولكنهم لم يهاجروا إلى المدينة المنورة كما هاجر غيرهم إلا بعد وقت طويل, وكان السبب فى تعطيلهم عن الهجرة هم أزواجهم وأولادهم, فلمّا هاجروا وجدوا أن إخوانهم قد سبقوهم, وتفوقوا عليهم فى العلم, والجهاد, وغير ذلك, فهمُّوا بمعاقبة أهليهم الذين كانوا السبب فى تخلُّفهم عن إخوانهم, فأنزل الله الرحيم على رسوله الكريم {وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فعفوا عنهم. أما الآية الأخرى فمعناها أن الأموال والأولاد فتنة, والفتنة هى الاختبار أو الامتحان, وتكون بالشر والخير, كما ورد فى قوله جل وعلا: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:35] والاختبار لا يُحكَم عليه بذم أو مدح إلا بنتيجته, فمن اختُبِرَ بفتنة المال, فعرف حق الله فيه, وصَرَّفه فيما يرضيه, ولم يستعن به على معصيته, كان له أجر, وإن أخرجه غناه عن طاعة مولاه, وصرَّف النعمة فيما يُغضِب الله, كان عليه وِزْر, وكذلك الفقر, والصحة, والمرض, والتوفيق, والنجاح, والأولاد (وُجوداً أو عَدَماً) وغير ذلك مما يُبتلى به المرء من خير أو شر, إن اتقى الله فيه كان له أجر, وإن لم يتقه كان عليه وزر, قال رسول الله r: ((عجباً لأمر المؤمن, إن أمرَه كلَّه له خير, وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن, إن أصابته سرّاءُ شكر, فكان خيراً له, وإن أصابته ضرّاءُ صبر, فكان خيراً له)) [صحيح الجامع:3980]‌ والمال والأولاد من أعظم الفتن, فكم ممن ابتلاه الله بالغنى, فأشِر وبطِر, وطغى وتكبر, ولم يراعِ حق الله فيه, وكم ممن ابتلاه الله بالفقر فسخط وتضجر, واشتكى لغير الله, ولم يصبر على بلواه {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ{15} وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} [الفجر:15-16] وهل ضيَّع الناس – بعد الكفر – إلا الحِرص على المال والأولاد والشهوات؟ قال رسول الله r: ((أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قَدِمَ بشىء من البحرين, فأبشرو, وأمِّلوا ما يسرُّكم, فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم, ولكن أخشى عليكم أن تُبسَط عليكم الدنيا كما بُسِطَت على من كان قبلكم, فتنافسوها كما تنافسوها, فتُهلِكَكم كما أهلكتهم)) [صحيح الجامع:1036] وقال: ((إن الولد مَبْخلة, مَجْبنة, مَجْهلة, مَحْزنة)) [صحيح الجامع:1990] ((مبخلة)) أى يجعلون آباءهم يبخلون بأموالهم, فإذا دُعوا إلى الإنفاق فى سبيل الله, كالتبرع للمساجد, أو كفالة الأيتام, أو مساعدة الفقراء والمساكين, تذكروا احتياجات أولادهم من الأطعمة, والملابس والأحذية, والكتب والكراريس, وغير ذلك.. فبخلوا بأموالهم. ((مجبنة)) أى يجعلونهم جبناء يتقاعسون عن الجهاد فى سبيل الله, أو لا يقولون كلمة الحق, لخوفهم على رزقهم, فمثلاً: لو دُعِىَ أحدهم للشهادة فى مشاجرة بين مديره وأحد السُّعاة, وكان الحق مع الساعى, فيخشى أن يقول الحق, خوفاً من مديره أن يطرده من عمله, أو ينقله إلى مكان أقل فى الحوافز أو العمل الإضافى… إلخ. ((مجهلة)) أى لا يُمَكِّن الإنسان من الاجتهاد فى طلب العلم وتحصيله, لانشغاله بالسعى على أرزاقهم أيضاً. ((محزنة)) لكثرة مشاكلهم من مرض, أو رسوب, أو انحراف, أو كثرة احتياجات, أو غير ذلك, والْمُوَفَّق من وفقه الله جل وعلا {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:24] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ{9} وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ{10} وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقين:9-11]

ثم إنكم تنكرون علينا اعتبار بعض الأزواج والأولاد أعداء, فى حين أن كتابكم المقدس يأمركم بعداوتهم مع الآباء والأقارب ذَوِى الرَّحِم, إذ يقول:

وكان جموع كثيرة سائرين معه فالتفت وقال لهم إن كان أحد يأتى إلىَّ ولا يُبغض أباه وأمّه وأولاده وإخوته وأخواته حتى نفسه أيضاً فلا يقدر أن يكون لى تلميذاً. (لوقا14: 25-26)

فإنى جئتُ لأفرِّق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمّها والكنَّة ضد حماتها. وأعداءُ الإنسان أهلُ بيته (متى10: 35-36)

لأنه يكون من الآن خمسة فى بيت واحد منقسمين ثلاثة على اثنين. واثنان على ثلاثة. ينقسم الأب على الابن والابن على الأب. والأم على البنت والبنت على الأم. والحماة على كنَّتها والكنَّة على حماتها. (لوقا12: 52-53), والله أعلم.

س469- يقول القرآن: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق:4] هل يبيح الإسلام للرجل أن يتزوج طفلة لم تحِض بعد؟

ج469- من قال لكم إن التى لم تحِض هى الطفلة فقط؟ إن أطباء النساء, على مستوى العالم أجمع, يُقِرُّون بأن هناك حالات كثيرة جداً من النساء اللائى لا يحضن, إمّا لضمور أو تليُّف فى المبيضين, أو اختلال فى هرمونات التبويض, أو اختلال فى وظائف الرحم, أو إصابتهن بأمراض تمنع عنهن الحيض, أو تعرضهن للإشعاع كعلاج للأورام… إلخ, مع أنهن كاملات الأنوثة كغيرهن, إلا أنهن لا ينجبن. وأحياناً يتأخر مجىء الحيض إلى سن السادسة عشرة, والسابعة عشرة, رغم أن البنت تكون فى كامل أنوثتها كمثيلاتها من البنات اللاتى يحضن, ففى هذه الحالات الاستثنائية تكون عدتهن مثل اللاتى انقطع الطمث عنهن, أى ثلاثة أشهر. أما العقد على الطفلة (وليس البناء بها) فقد أحله بعض الفقهاء فى بعض الحالات, مثل الخوف على البنات والأولاد من الانحراف, فى الأُسَر أو الجاليات المسلمة التى تعيش فى البلاد الكافرة, لضمان جعلها فى عصمة رجل, بدلاً من أن تقع فى حبائل الغواية والرذيلة فى تلك البلاد الكافرة, والله أعلم.

س470- يجمع القرآن المثنى مرة أخرى, فيقول: {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم:4] وكان المفروض أن يقول (قلباكما)

ج470- لقد جُمِعَ (القلب) لأنه ما سُمِّىَ (القلب) قلباً إلا لأنه يتقلَّب, قال رسول الله r: ((إنما سُمِّىَ القلب من تقلّبه, إنما مثل القلب مثل ريشة بالفلاة تعلقت فى أصل شجرة, يقلبها الريح ظهراً لبطن)) [صحيح الجامع:2365] فتجده يوماً فرحاً ويوماً حزيناً, يحب يوماً ويبغض يوماً, ينشرح يوماً وينقبض آخر… وهكذا, ولذلك كان الرسول r يكثر من قول: ((يا مُقلِّب القلوب ثبِّت قلبى على دينِك)) فلما سُئِلَ عن ذلك قال: ((إنه ليس آدمى إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله, فمن شاء أقام, ومن شاء أزاغ)) ‌[سنن الترمذى, صحيح الجامع:4801]‌ وتقلُّب قلب المرأة أكثر من الرجل, لأنها عاطفية أكثر منه, فكأن لها أكثر من قلب, وقد قال الرسول r للسيدة عائشة رضى الله عنها: ((إنى لأعلم إذا كنتِ عنى راضية, وإذا كنت علىَّ غَضْبَى)) فقالت: ومن أين تعرف ذلك؟ فقال: ((أمّا إذا كنتِ عنى راضية, فإنك تقولين: لا وربِّ محمد, وإذا كنتِ علىَّ غضبى, قلتِ: لا ورب إبراهيم)) فقالت: أجل يا رسول الله, ما أهجُر إلا اسمك [متفق عليه]‌ ولذلك قال تعالى: {قُلُوبُكُمَا} ولم يقل (قلباكما), والله أعلم.

س471- يقول القرآن عن امرأة نوح وامرأة لوط: {وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} [التحريم:10] هنا خطأ لغوى, لأن المفروض أن يقال (ادخلا النار مع الداخلات)

ج471- امرأة سيدنا نوح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – كانت تسخر منه كما يسخر الرجال من قومه {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ} [هود:38] فهى التى أشاعت عنه أنه مجنون, رغم ما كانت تراه من ورعه وتقواه, فناسب أنها تدخل النار معهم. وكذلك امرأة سيدنا لوط (على نبينا وعليه الصلاة والسلام) عندما جاءت الملائكة إليه على هيئة رجال حِسان, صعدت فوق سطح بيتها ولوَّحت لقومها بدِرْعِها أن هَلُمَّ إلى حاجتكم, وهذا فعل الذكور.. فما شأنها به؟ ولكنه مجرد حب وولاء لقومها, ولو على حساب زوجها ودعوته, فناسب أن تدخل النار معهم. كما أن فى لغة العرب يُعامَل الجمع المختلط من الرجال والنساء معاملة جمع المذكَّر السالم, فيُلْقَى السلام عليهم جميعاً بصيغة المذكر, وليس المؤنث, ولذلك ناسب أن يقال: {وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} طالما أن فيهم رجال. وجدير بالذكر أن ننبه على أن خيانة امرأتى نوح ولوط لم تكن خيانة زوجية – كما يظن البعض – ولكنها كانت خيانة عقائدية, والله أعلم.

س472- يقول القرآن عن مريم: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم:12] أليس المفروض أن يقال (وكانت من القانتات)؟

ج472- لقد قيل فى هذا تفسيران, وكلاهما صحيح إن شاء الله: الأول إن كثرة عبادتها لربها وتضرعها وقنوتها لم يكن له مثيل فى النساء إلا القليل, فنُسِبَت للقانتين, لأنهم كثير جداً لا يحصيهم العد.. مثل الأنبياء والمرسلين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) وأتباعهم من عباد الله الصالحين, قال رسول الله r: ((كَمُلَ من الرجال كثير, ولم يكْمُل من النساء إلا آسية امرأة فرعون, ومريم بنت عمران)) [صحيح البخارى] والقول الثانى هو أنها كانت تتعبد فى بيت المقدس الذى لم يكن فيه نساء غيرها, والباقى كلهم رجال, ولذلك نُسِبَت إليهم, كأن يكون هناك مسجد ليس فيه امرأة إلا خادمته, ولها غرفة منفصلة عن الرجال, ولكنها تتعبد معهم, فحين يُذكَر أهله بالصلاح يُقال: (إن فى هذا المسجد صالحين) بما فيهم هذه المرأة, والله أعلم.

س473- يقول القرآن: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك:2] فهل الموت خلق أولاً أم الحياة؟

ج473- إن الموت خلق أولاً, بدليل قول الله جل وعلا: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة:28] وقوله تعالى عن الكافرين: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} [غافر:11] فنحن كنا مُقدَّرين فى علم الله قبل أن نُخلَق, وكنا فى أصلاب آبائنا كالأموات. ثم إنَّ ذِكْرَ الموت قبل الحياة فى الآية الكريمة التى وردت فى السؤال يناسب ما ذُكِرَ بعدها, فإن الله سبحانه وتعالى قال: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} ولكن لماذا خلقهما؟ الإجابة فى بقية الآية {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} فنحن مخلوقون للابتلاء (أى الاختبار أو الامتحان) فذِكْر الموت أولاً يعيننا على ما خُلِقْنا له, لأن الإنسان حين يُذكَّر بالموت فإن ذلك يعينه على الاستعداد له, لأنه سيلقى نتيجة اختباره وامتحانه, إمّا إلى جنة أو إلى نار, ولذلك حثنا رسول الله r على كثرة ذكر الموت, فقال: ((أكثروا ذكر هادِم اللذات: الموت, فإنه لم يذكره أحد فى ضيق من العيش إلا وسَّعه عليه, ولا ذكره فى سَعَة إلا ضيقها عليه)) ‌[صحيح الجامع:1211] أى إن الإنسان إذا ذكر الموت وهو فى ضيق, فإن هذا يُهوِّن عليه ضيقه, لعلمه أن هذا البلاء سينتهى, وأن الدنيا كلها ستنتهى, فلِمَ كل هذا الحزن؟ كما أن الموت يذكّره بثواب صبره بعد موته على ما هو فيه من الضيق. وكذلك إن ذكره فى سَعَة, فإنه يضيقها عليه, حتى لا يخرجه فرحه عن طاعة ربه, ويعلم أن كل شىء سينتهى, فلِمَ كل هذا الفرح؟, والله أعلم.

س474- يقول القرآن: {لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ} [القلم:49] كان المفروض أن يقال (لولا أن تداركته نعمة من ربه) لأن النعمة مؤنثة, وكيف يكون النبى مذموماً؟

ج474- إن قواعد اللغة العربية تجوِّز تذكير الفعل إذا فُصِلَ بينه وبين فاعله المؤنث بفاصل, ففى الآية المذكورة فى السؤال فصل بين الفعل (تدارك) وفاعله المؤنث بفاصل وهو (الهاء) ومثال ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} [الممتحنة:10] وفى السورة نفسها: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} [12] فالفعل (جاء) فى الآيتين ورد مذكراً, والفاعل مؤنث, وهو {الْمُؤْمِنَاتُ} وذلك لأنه فصل بالضمير (الكاف) المتصلة بميم الجمع فى الآية رقم 10 و(الكاف) المفردة فى الآية رقم 12, ومِن ثَمَّ جاز تذكير الفعل. كما أن كلمة (نعمة) تطلق على النعم, سواء المؤنث منها أو المذكر, فيقال مثلاً: الهداية نعمة, والصحة نعمة, والزوجة نعمة… إلخ, وهذه كلها أشياء مؤنثة. أما المذكر فيقال مثلاً: العقل نعمة, والذكاء نعمة, والتفوق نعمة, والمال نعمة, والولد نعمة… إلخ, فما الذى أدرك سيدنا يونس, على نبينا وعليه الصلاة والسلام؟ لقد أدركه ذِكْر الله, فكان سبباً فى نجاته, قال الله عز وجل: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ{143} لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات:143-144] وفى موضع آخر: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ{87} فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء:87-88] فلولا ذِكْر الله ما نجا, ولذلك جاء فى الآية: {لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ} فالذى تداركه هو الذِّكْر الذى كان سبباً فى نجاته كما قلنا, والذكر نعمة. أما كونه لولا نعمة ربه لكان مذموماً.. أى مُعاتَباً, فإن ذلك بسبب زلَّته التى وقع فيها حين خرج من بين قومه غاضباً بغير إذن ربه, فالله سبحانه وتعالى يأمر نبينا ألا يتعجل على قومه كما تعجل أخوه يونس. ولكن لا ينبغى لأى مسلم أن ينتقص من قدر سيدنا يونس, أو يتكلم عليه بسوء, فإن الله سبحانه وتعالى قد غفر له, وقد قال رسول الله r: ((ما ينبغى لنبى أن يقول: إنى خير من يونس بن متى)) [سنن أبى داود, مُسنَد أحمد, صحيح الجامع:5821]‌ وهذا من تواضعه r وإلا.. فهو سيد الأولين والآخرين, وسيد الأنبياء والمرسلين, صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, والله أعلم.

س475- يزعم القرآن أن نوحاً يدعو للضلال, فيقول: {وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالاً} [نوح:24] فكيف يدعو نبى على قومه بالضلال؟

ج475- واضح من الآية الكريمة أن سيدنا نوحاً (على نبينا وعليه الصلاة والسلام) لم يدعُ على قومه, ولكنه دعا على الظالمين منهم, و{الظَّالِمِينَ} معناها المشركون, بدليل قول الله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] ثم إن سيدنا نوحاً لم يدعُ عليهم إلا بعد أن مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم ليلاً ونهاراً, فلم يستجب منهم إلا القليل {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} [هود:40] لدرجة أن الآباء كانوا يوصون أبناءهم بعدم الإيمان به, وكل جيل يوصى الذى بعده, فاشتكى إلى ربه {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً{5} فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً} [نوح:5-6] فهذه الدعوة كانت بسبب تمردهم, وعُتُوّهم, وتجبّرهم, كل هذه السنين الطوال, فاستنفدوا صبره فدعا عليهم, لعلمه باستحالة هدايتهم, بعد أن أخبره الله بذلك {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} [هود:36], والله أعلم.

س476- هل كان نوح من القسوة بحيث يدعو على قومه, ليس هذا فقط, بل يدعو على الذرية أيضاً, كما حكى عنه القرآن فى قوله: {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً} [نوح:26]؟ وهل من عدل الإله أن يستجيب له؟

ج476- إن مثل هذا السائل كمن يقرأ: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} [الماعون:4] ولا يقرأ الآية التى تليها: {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} ويقول إن القرآن قد توعد المصلين بالويل, ومثل من يقرأ: {لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ} [النساء:43] ولا يكمل الآية. إن سيدنا نوحاً (على نبينا وعليه الصلاة والسلام) لم يدعُ على قومه إلا بعد علمه أنه لن يؤمن منهم إلا من قد آمن {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} [هود:36] ولم يدعُ عليهم إلا بعد أن أتعبوه أشد التعب, فقد لبث فيهم {أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً} [العنكبوت:14] يدعوهم {لَيْلاً وَنَهَاراً} [نوح:5] فلم يزدهم دعاؤه {إِلَّا فِرَاراً} [نوح:6] وكان كل جيل يوصى الجيل الذى بعده بعدم الإيمان به, فكان الرجل يأخذ ولده ويذهب به ليريه سيدنا نوحاً, ويقول له: لا تؤمن بهذا الرجل.. إنه كذاب, وعندما يكبر هذا الولد ويتزوج ويصيح أبَاً, يقول لابنه الكلام نفسه, فدعا عليهم لعلمه أنه لن يؤمن منهم أحد, ولن يؤمن من ذرياتهم أحد, فكل من سيأتى من أصلابهم فسيكون كافراُ {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً} [نوح:27] فهل موت الأطفال وهم صغار قبل أن يكتب عليهم القلم أفضل؟ أم بعد أن يبلغوا الحُلُمَ, فيكفروا, فيدخلوا النار؟

وقد جاء فى الكتاب المقدس أن النبى (اليَشَع) دعا على الأطفال: ثم صعد من هناك إلى بيت إيل. وفيما هو صاعد فى الطريق إذا بصبيان صغار خرجوا من المدينة وسخروا منه وقالوا له اصعد يا أقرع. اصعد يا أقرع. فالتفت إلى ورائه ونظر إليهم ولعنهم باسم الرب. فخرجت دُبَّتان من الوعر وافترستا منهم اثنين وأربعين ولداً. (الملوك الثانى2: 23-24), والله أعلم.

س477- يقول القرآن عن كفرة الجِن: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً} [الجن:15] وهم مخلوقون من النار بنص القرآن, فكيف يُعَذبون بما خلقوا منه؟

ج477- ذُكِرَ لنا أن الإمام أبا حنيفة (رحمه الله تعالى) سُئِلَ هذا السؤال, فأجاب إجابة عملية بأن ضرب الذى سأله بحجر فأوجعه, ليثبت له أن الإنسان الذى خُلِقَ من الأرض, فإنه يعذب بشىء من جنس ما خُلِقَ منه, كأن يضرب بحجر, أو تقع عليه صخرة, أو… إلخ, فكذلك الجن يعذبون بجنس ما خُلِقُوا منه, والله أعلم.

س478- إن القرآن يُصِرِّف الممنوع من الصرف فى قوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالاً وَسَعِيراً} [الإنسان:4] وقوله: {وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا} [الإنسان:15] ففى الآية الأولى جاءت كلمة {سَلَاسِلَا} بالتنوين, مع أنها لا تنوَّن لمنعها من الصرف, وكذلك جاءت كلمة {قَوَارِيرَا} منوَّنة, وهى ممنوعة من الصرف أيضاً.

ج478- قولهم إن الكلمتين {سَلَاسِلَا} و{قَوَارِيرَا} تقرآن بالتنوين فيه مغالطة, لأن التنوين نون ساكنة فى آخر الكلمة بعد فتحتين أو كسرتين أو ضمتين على آخرها, تُنطق فى الوصل دون الوقف, ولا تُكتب, يعنى لا صورة لها فى الكتابة والخط. وفى هذا افتراء لأن الكلمتين فى قراءة حفص عن عاصم وغيرهما لا تنوَّنان, وإنما يوقف عليهما بالفتح لا غير, ولا يُلتفت إلى حرف (الألف) الذى فى آخر كل منهما, لأن عليها صفراً مستطيلاً, فتثبُت الألف رسماً ولا تُنطَق, ولأنها كذلك ليست حرف مَدّ هنا, فإذا كان الوقف عليهما فيكون نطقهما سلاسلَ وقواريرَ بالفتح, كذلك حين الوصل, وللقراء فى هاتين الكلمتين مذاهب, وبها نزل القرآن, فقد قرأ نافع وابن كثير والكسائى وأبو جعفر {قَوَارِيرَا} بالتنوين مصروفة منوَّنة فى الموضعين, وقرأ الباقون ومنهم (حفص عن عاصم) {سَلَاسِلَا} و{قَوَارِيرَا} بدون تنوين على المنع من الصرف, وعلة المنع من الصرف هى صيغة منتهى الجموع. والذين قرأوهما مصروفتين لهم سند فى ذلك. ووجه صرف الكلمتين أن بعض العرب كانت تصرف كل الكلام, وليس فى لهجتهم كلام مصروف وكلام غير مصروف, بل كله مصروف, والقرآن نزل أصلاً بلغة قريش, ثم بلهجات القبائل العربية الأخرى, والله أعلم.  

س479- جاءت الآية: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} عدة مرات فى سورة (المرسلات) أليس هذا تكراراً مُمِلاً؟

ج479- إن تكذيب الأمم لأنبيائهم – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – لم يكن قليلاً, بل إن معظمهم كذَّبهم, فناسب ذلك تكرار الوعيد لهم, فإن التكرير يفيد التقرير, وهو أيضاً تخويف لجميع الأمم التى خوطبت بالقرآن إلى يوم القيامة أن تحذو حذوهم, فيكون مصيرها مصيرهم, فما قلناه عن تكرار قصص الأنبياء فى الرد على الشبهة رقم (57) نقوله عن تكرار هذه الآية, وذلك لخطورة عاقبة التكذيب, ولبيان غضب الله عز وجل على المكذبين, فلو ذُكِرَ الويل لهم مرة أو مرتين, لم يكن فى ذلك بيان لخطورة أمرهم, وما إليه مآلهم, والله أعلم.

س480- يقول القرآن: {عَمَّ يَتَسَاءلُونَ{1} عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ{2} الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} [النبأ:1-3] ولم يكن المشركون مختلفين فى أمر القيامة, فقد كانوا جميعاً كافرين به.

ج480- إن أمر القيامة مُختَلف فيه بين أهل الشرك والكفر, فطائفة تنكره تماماً, وتقول عن الدنيا إنها أرحام تدفع وقبور تبلع, وهؤلاء هم الدهريون, ويُسَمَّون فى عصرنا (الوجوديين والملحدين) وطائفة أخرى تقر بالبعث, ولكنها لا تقر بالجنة والنار, حتى إنهم يضعون بجانب الميت طعامه وشرابه وملابسه وزينته, حتى إذا قام من موته وجد هذه الأشياء بجواره فيتنعم بها, وهؤلاء مثل قدماء المصريين. ولا تُطلَق كلمة (النبأ) إلا لبيان أن الخبر جِدّ عظيم يؤبَه له, ثم مَن هُم؟ هم الناس بين مصدِّق ومكذِّب, وبينهم اختلاف فى التقدير والتقييم والتصديق, ودرجة كل منها عندهم, فهم فى تساؤل مستمر, وجدل وأخذ ورَدّ, وخشية وتوَجُّس, أو لا مُبالاة وغفلة, وهذا كله من الاختلاف بينهم فى أمر الآخرة, والله أعلم.

س481- يقول القرآن: {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا{27} رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا{28} وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا{29} وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات:27-30] هذه الآيات تذكر خلق الأرض بعد السماء, عكس جميع الآيات التى تتحدث عن خلق الأرض قبل السماء.

ج481- هل قالت الآية (والأرض بعد ذلك خلقها) حتى تكون لكم الحجة؟ لقد قالت: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} أى إن الأرض كانت مخلوقة قبل السموات, ولكن دَحْوَها كان بعد خلق السموات, والدَّحْو جاء تفسيره فى الآية التى بعدها: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا} وهذا ما أثبته العلم الحديث, والله أعلم.

س482- لماذا عاتب ربُّكم نبيَّكم على أنه عبس فى وجه عبد الله بن أم مكتوم, مع أنه كان هو المخطئ لقطع الكلام عليه؟ أليس من حقه أن يؤدب أصحابه؟ والغريب فى السورة أن القرآن أعز عبد الله بن أم مكتوم حين عاتب فيه محمداً, ثم أهانه حينما قال عنه: {الْأَعْمَى}

ج482- لقد عاتب ربنا نبينا r لأن العبوس كان أمام المشركين, مما يوحى للمشاهد أن هؤلاء المشركين أفضل من عبد الله بن أم مكتوم t فهو مأذون له فى تأديب أصحابه, ولكن ليس أمام المشركين, حتى لا يشمتوا ويظنوا أنهم أفضل منه. والقرآن لم يُهِن عبد الله حين سماه {الْأَعْمَى} ولكن هذا تشريف له, وكأن الله يقول للرسول r هذا الرجل أفضل عندى من المشركين, برغم أنه أعمى. وهذا العتاب يدل على أن القرآن منزَّل من عند الله جل وعلا, فلو كان من قول سيدنا محمد r لَمَا ذكر هذه الآيات التى تعاتبه, والله أعلم. 

س483- يقول القرآن: {قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} [عبس:17] ويقول: {قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة:30] فهل الله يدعو على أحد بالقتل؟

ج483- {قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} ليست دعاء, ولكنها صيغة تعجب من الإنسان الذى مَنَّ الله عليه بوجوده من العدم, وأنعم عليه بكل النعم, وبعد ذلك يجحد وجوده, ويُضيِّع حقوقه, ويعصى أوامره, فموته أوْلى به, كمن – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} – يربى أولاده, وينفق عليهم, ولا يقصِّر فى حقهم, ثم يجحدون فضله, ولا يؤدون له حقه, فيقول: أنا الذى ربيتهم, وفعلت كذا وكذا, ثم لم يحفظوا جميلى عليهم, وإحسانى إليهم, فموتهم عندى أفضل من حياتهم. أمّا {قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} أى أنهم كذبوا على الله جل وعلا, وادَّعَوْا أن له ابناً, لأن الإفك معناه الكذب, والآية تقول: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} فكلمة {قَاتَلَهُمُ اللّهُ} إذا جاءت من العبد فهى دعاء, وربما يستجيب الله, أو لا يستجيب, أمَا وقائلها هو الله عز وجل, فإن ذلك يعنى أن هلاكهم حَتمِىّ, لأنها من القادر على كل شىء, فهى ليست دعاء من الله عليهم, ولكنها إيذان منه بهلاكهم, بسبب اجترائهم عليه بنسبة الولد إليه, والله أعلم.

س484- إن القرآن يُقحم نفسه فى أمور علمية لا دخل له بها, فيقول فى سورة (الطارق) عن الإنسان إنه: {خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ{6} يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} مع أن هذا مخالف لما أثبته العلم الحديث.

ج484- الله أكبر.. نحن نشكركم لأن أسئلتكم تلقى الضوء على الإعجاز العلمى للقرآن, الذى ربما يغفل عنه كثير من المسلمين, إن قوله تعالى: {مَّاء دَافِقٍ} يشير إلى منى الرجل, لأنه هو الذى يخرج بتدفق, وقد أثبت علم الأجنَّة أن بداية تكوين الخصية (التى هى مصنع الحيوانات المنوية عند الرجل) يبدأ فى مكان فى أعلى البطن (من الخلف) فى الزاوية الحادة التى بين العمود الفقرى (الصلب) وآخر ضلع من القفص الصدرى (الترائب) وتسمى (الزاوية البولية أو الكُلَويَّة) نسبة لتكوين الكُلْيَة فى هذا المكان, ثم تنزل الخصية بعد ذلك فى الكيس الخاص بها, لأن الحيوانات المنوية لا تتحمل درجة حرارة الجسم الداخلية.

وقد جاءت فى الكتاب المقدس مخالفة علمية صريحة فى قوله: وفى وقت ولادتها إذا فى بطنها توأمان. وكان فى ولادتها أن أحدهما أخرج يداً فأخذت القابلة وربطت على يده قِرمِزاً قائلة هذا خرج أولاً. ولكن حين ردَّ يده إذا أخوه قد خرج. فقالت لماذا اقتحمت. عليك اقتحام. فدُعِىَ اسمه فارص. وبعد ذلك خرج أخوه الذى على يده القِرمِز. فدُعِىَ اسمه زارح (تكوين38: 27-30) إن نزول يد طفل من رَحِم أمه, ثم رفعها, ثم نزول الطفل الآخر, لأَمْر مستحيل, لأن الطفل الذى ينزل ذراعه يكون هو المتصدِّر فى مقدمة الرَّحِم, ويستحيل صعوده ثم نزول أخيه لضيق المكان, واسألوا أساتذة علم الولادة إن كنتم لا تعلمون, والله أعلم.

س485- يقول القرآن: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً{15} وَأَكِيدُ كَيْداً} [الطارق:15-16] فهل الله كائد أو كياد؟

ج485- حاشا لله سبحانه وتعالى أن يوصف بهذا الوصف, ولكن ما قلناه فى الرد على الشبهة رقم (426) من أن قول الله جل وعلا: {وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل:50] يعتبر من باب المشاكلة اللفظية, نقوله أيضاً عن هذه الآية التى نحن بصددها, فالكفار يكيدون للإسلام والمسلمين, والله سبحانه وتعالى يعاقبهم على هذا الكيد, ولكنه ذكر العقاب بلفظ (الكيد) ليكون الجزاء من جنس العمل. ولنضرب مثلاً {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} لرد الكيد بكيد أكبر منه, بحشرة صغيرة سارت على كتابك وأنت تقرؤه, فحركتها بقلمك, فسكنت مكانها لِتُوهِمَك أنها ماتت, ولكنك تعرف مكرها, ولا يخفى عليك فعلها, فقتلتها, أو استدرجتها لمكان آخر, حتى تهلك دون أن تلوِّث كتابك. إن الله سبحانه وتعالى يعلم كيد الكائدين, ولا يخفى عليه شىء من أمرهم, ولكنه يمهلهم حتى يتمادوا فى طغيانهم, ثم يأخذهم {أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر:42] قال تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ{44} وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [القلم:44-45] وقال رسوله r: ((إن الله لَيُمْلى للظالم, حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه, ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ})) [صحيح البخارى] فمثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} – لو أنك أردت أن تكسر أحداً.. فهل تلقى به من فوق السجادة, أم أنك ترفعه إلى أعلى, ثم تلقى به من شاهق؟ فهل رفعك إياه كان لمصلحته, أم أنك أردت أن تكون إصابته أشد؟ ومثال ذلك أيضاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} – كالجزار الذى يريد أن يصعد بثور ضخم إلى سطح منزل عالٍ ليذبحه, فيجوِّعه ثم يستدرجه بحزمة من البرسيم ليصعد به ثم يذبحه, ومثل انسحاب جيش أمام الآخر ليوهمه أنه مغلوب, فى حين أنه يعد له كميناً. ومن أمثلة مكر الله بالكافرين أن يجعل كيدهم فى نحورهم, ويَكُف شرهم عن المسلمين, ويجعل ما فعلوه من الكيد والمكر فى مصلحة الإسلام والمسلمين, فالله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل من الضر نفعاً, ومن النفع ضراً, والله أعلم.

س486- كيف يعيب القرآن على الإنسان اعترافه بنعمة ربه {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ} [الفجر:15]؟ وكيف يسمى (الإكرام) بلاء؟ ثم يقول: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} [الفجر:16] وهذه حقيقة أن الفقر بلاء, وأنه يهين الإنسان, قال على بن أبى طالب: لو كان الفقر رجلاً لقتلته, ثم يساوى القرآن بعد ذلك فى الذم بين الإكرام والتضييق.

ج486- إنّ بَسْطَ الرزق وتضييقه ابتلاء للعبد, فإذا بسط الله له رزقه, فقد اختبره أيشكر أم يكفر, وإذا ضيق عليه, فقد اختبره أيصبر أم يجزع, فساوى بينهما لأنهما بلاء, كما قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:35] ولكن بسط الرزق أو تضييقه ليس مقياساً لتكريم الله الحقيقى لعبده أو إهانته, وإن كان البَسْط تكريماً له فى الدنيا {فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ} فكم ممن بسط الله لهم الأرزاق, وهم لا يساوون عند الله جناح بعوضة, وكم ممن ضُيِّق عليه رزقه, وهو كريم على الله سبحانه وتعالى, ذلك بأن تفاضُل الناس عند الله بالتقوى, قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13] وقال رسوله r: ((إنه ليأتى الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يَزِن عند الله جناح بعوضة, اقرءوا {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً})) [متفق عليه]‌ وقال: ((كم من أشعث أغبر ذى طِمْرين, لا يؤبَه له, لو أقسم على الله لأبرَّه))‌ [سنن الترمذى, صحيح الجامع:4573] ‌((طِمْرين)) تثنية (طمر) وهو الثوب الخَلِق.. أى القديم. وقال: ((إن الله تعالى لا ينظر إلى صُوَركم وأموالكم, ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) [صحيح الجامع:1862]‌ ولكن رغم هذه الآيات والأحاديث وغيرها, فإن كثيراً من المسلمين (وللأسف) يعتبرون الذى وسَّع الله عليه فى المال والأولاد, والمسكن والْمَركب, وغير ذلك من مظاهر النعيم, أنه راضٍ عنه, والذى ابتلاه بالفقر والمرض, وقلة الأولاد أو عدمهم, وضيق المسكن, أنه ساخط عليه, ولذلك ختم الله سبحانه وتعالى الآيتين بقوله: {كَلَّا} أى ليس الأمر كما تظنون بالنسبة للإكرام والإهانة, والله أعلم.

س487- يقول القرآن: {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} [البلد:3] والمقصود هما إسماعيل ومحمد حسب بعض التفاسير عندكم, ولأن المولود عاقل فكان الصحيح أن يقول (ومن ولد) لأن (من) تدخل على العاقل.

ج487- إن المولود وإن كان من البشر العقلاء, إلا أنه لا يعقل وهو رضيع, فليس عند أى رضيع عقل بالمرة, فلذلك جاء بما يناسبه وهو حرف (ما). ثم إن (ما) بمعنى (الذى) يتضمن ويشمل العاقل وغيره, قال تعالى: {مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} [الأحقاف:3] أى جميع المخلوقات, فلو قال تعالى (ومن بينهما) لدلَّ فقط على العاقلين, والله أعلم.

س488- بقول القرآن: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا{7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس7-8] كيف يلهمها فجورها, ثم يعذبها؟

ج488- ولماذا لم تسألوا أيضاً وتقولوا: كيف يلهمها تقواها ثم ينعِّمها؟ إن إلهام الله سبحانه وتعالى للنفس بالفجور أو التقوى ليس قهراً لها, ولكنه إيحاء وشعور داخلى يميز به الإنسان بين الحق والباطل, وبين الخير والشر. وكما قلنا فى الرد على الشبهة رقم (53) إن النفس البشرية السَّويَّة تستطيع بفطرتها التى فطرها الله عليها أن تفرق بين الخير والشر, بدليل أن أعْتَى العُصاة لو سألته عن أفعاله القبيحة أهى حلال أم حرام, لقال لك إنها حرام, دون أن يعلم الدليل على حُرْمَتها, وإذا سألته هل يعتبر أفعاله صالحة أم قبيحة, لقال إنها قبيحة, وبدليل أن الدول الكافرة والمشركة تتفق فى كثير من الأحيان فى تحريم ما حرمه الإسلام وجميع المِلَل, كالقتل, والسرقة, والزنى, وغير ذلك من المحرَّمات. فالنفس البشرية مهيَّأة لأن تكون صالحة أو فاسدة, والإنسان هو الذى يقوِّى أحد الأمرين فى نفسه, ولذلك قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا{9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس:9-10]

وإلهام الله تعالى للنفس بالتمييز بين الفجور والتقوى من رحمة الله سبحانه وتعالى, أما الكتاب المقدس فقد زعم أن الله لا يريد لبنى آدم أن يميزوا بين الخير والشر, فقال:

وأخذ الرب الإله آدم ووضعه فى جنة عدن ليعملها ويحفظها. وأوصى الرب الإله آدم قائلاً من جميع شجر الجنة تأكل أكْلاً. وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها. (تكوين2: 15-17) فهل الله لا يريد للبشر أن يعرفوا الخير من الشر؟ فكيف يُوَفَّقون فى دنياهم وآخرتهم إذن؟ وكيف يُحاسَبون على أفعالهم يوم القيامة, وهم لا يدرون أهى خير أم شر؟, والله أعلم. 

س489- يقول القرآن: {وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا{5} وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا{6} وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس:5-7] أليس من المفروض أن يقال (ومن بناها) (ومن طحاها)… إلخ, لأن (ما) لغير العاقل, و(من) للعاقل؟

ج489- إن {مَا} فى الآيات الكريمة مصدرية, أى أنها تُؤَوَّل مع فعلها إلى مصدر صريح (وبنائها, وطحوها) وليست لضمير المتكلم, فلا تعنى عاقلاً أو غير عاقل, كما جاء فى قوله تعالى: {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس:27] ومثل: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء:22], والله أعلم.

س490- إن القرآن ينص على أن نبيكم كان ضالاً, فيقول: {وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى} [الضحى:7]  

ج490- ما معنى كلمة (ضال)؟ إن معناها (تائِه) أو (حائِر) كما نقول: (فلان ضلَّ الطريق) قال رسول الله r: ((يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدى بى, وأنا معه حين يذكرنى, واللهِ للهُ أفرحُ بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة, ومن تقرب إلىَّ شبراً تقربتُ إليه ذراعاً, ومن تقرب إلىَّ ذراعاً تقربتُ إليه باعاً, وإن أقبل إلىَّ يمشى أقبلتُ إليه أهرول)) [صحيح الجامع:8138] والشاهد من هذا الحديث قوله r: ((ضالته)) أى التى تاهت منه, والرسول r كان قبل بعثته حائراً لا يعرف الحقيقة, فهو يرى قومه يعبدون الأصنام, ويئدون البنات, ويشربون الخمر, ويقطعون الرحم, ويسيئون الجوار, وغير ذلك من الشمائل والخصال التى لا يرضاها عاقل, وكان أثقل شىء عليه هو عبادتهم لهذه الأصنام التى لا تنفع ولا تضر, يصنعونها بأيديهم, ثم يسجدون لها, ويقدمون لها القرابين, فكان يدرك بفطرته السليمة أنه لابد لهذا الكون من خالق عظيم, خلق كل شىء, ولم يخلقه شىء, ولكنه كان لا يعرف الطريق إلى هذا الخالق العظيم جل جلاله, ولا صفاته, ولا أوامره ونواهيه, ولا ثوابه وعقابه, فكان يذهب إلى غار حراء, وينقطع فيه الليالى ذوات العدد, ليتفكر فى هذا الكون الهائل المحيط به, ويُقلِّب وجهه فى السماء, يتفكر فى خالقها الذى أبدعها بهذا الجمال والكمال, إلى أن منَّ الله عليه وهداه, وجعله هداية ورحمة للعالمين, ففتح به أعيناً عُمياً, وآذاناً صُمّاً, وقلوباً غُلفاً, فصلوات ربى وسلامه عليه وعلى جميع أنبياء الله ورسله. فلا قياس إذن بين حيرته r قبل هدايته, وبين ضلال الكافرين الذى رماه به المبطلون, والله أعلم.

س491- إن القرآن قد خالف ترتيب الرسل فقال: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ{1} وَطُورِ سِينِينَ{2} وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} [التين:1-3] لقد بدأ بمكان رسالة عيسى, ثم موسى, ثم محمد.

ج491- إن ترتيب الرسل تعرفه الأطفال, ولا يحتاج لنبوغ هؤلاء الأعداء. إن الله عز وجل لم يُقسِم بالتوراة التى أنزلها على سيدنا موسى, ثم بالإنجيل الذى أنزله على سيدنا عيسى, ثم بالقرآن الذى أنزله على سيدنا محمد, حتى يكون الترتيب حسب إرسالهم, ولكن {التِّينِ وَالزَّيْتُونِ} إشارة لمكان رسالة سيدنا عيسى فى فلسطين, فهى إشارة للمكان وليست للرسول, و{طُورِ سِينِينَ} هو المكان الذى كلم الله عنده سيدنا موسى, وهو فى سيناء بمصر, و{هَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} إشارة لمكان رسالة سيدنا محمد – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – وهو أفضل الأماكن على الإطلاق, لأنه مهبط آخر وحى السماء لأهل الأرض, وبه الكعبة المشرفة قِبلة المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها. ولقد قال العلماء: إن هذا قَسَم, والله سبحانه وتعالى لا يقسم إلا على أمر خطير, فهذا الترتيب يشير إلى خطورة فلسطين, لأنها البوابة الشمالية للحجاز, وهى البوابة الشرقية لمصر, وهذه هى المواقع الرئيسية التى من الممكن أن يقصدها أعداء الإسلام, ليقتلعوا الدين ويهدموا الكعبة, ولكن هيهات هيهات, فلن يمكنهم الله عز وجل من ذلك إن شاء الله تعالى. فالترتيب فى الآيات الكريمة كأنه ترتيب استراتيجى أو عسكرى, لِلَفْت الانتباه إلى ما يؤدى لبلد الله الحرام, فإذا ضاعت فلسطين ضاعت سيناء, وهذا ما حدث, فقد احتلتها إسرائيل عام 56 ثم خرجت منها بقرار من الأمم المتحدة, ثم احتلتها مرة أخرى عام 67, ثم أُخرِجَت منها فى رمضان عام 73. فمصر هى قلب العرب, وذراعهم اليمنى, ولو قُطِعَت الذراع اليمنى لوقع العرب.

ونريد أن نسألكم بمناسبة ذكر التين: هل لعن معبودكم شجرة التين ثم طهَّر الهيكل, أم طهر الهيكل ثم لعن الشجرة؟ وها هو التناقض نطرحه بين أيديكم:

ودخل يسوع إلى هيكل الله وأخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون فى الهيكل وقَلَب موائد الصيارِفة وكراسى باعَة الحمام وقال لهم. مكتوب بيتى بيت الصلاة يُدعَى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص… ثم تركهم وخرج خارج المدينة الى بيت عِنيا وبات هناك وفى الصبح إذ كان راجعاً إلى المدينة جاع. فنظر شجرة تين على الطريق وجاء إليها فلم يجد فيها شيئاً إلا ورقاً فقط. فقال لها لا يكن منكِ ثمر بعد إلى الأبد. فيبست التينة فى الحال. فلما رأى التلاميذ ذلك تعجبوا قائلين كيف يبست التينة فى الحال. فأجاب يسوع وقال لهم. الحق أقول لكم إن كان لكم إيمان ولا تشُكُّون فلا تفعلون أمر التينة فقط بل إن قلتم أيضاً لهذا الجبل انتقل وانطرح فى البحر فيكون. (متى21: 12-21)

وفى الغد لما خرجوا من بيت عنيا جاع. فنظر شجرة تين من بعيد عليها ورق وجاء لعله يجد فيها شيئاً فلما جاء إليها لم يجد شيئاً إلا ورقاًً. لأنه لم يكن وقت التين. فأجاب يسوع وقال لها لا يأكل أحد منكِ ثمراً بعد إلى الأبد. وكان تلاميذه يسمعون وجاءوا إلى أورشليم. ولما دخل يسوع الهيكل ابتدا يُخْرِج الذين كانوا يبيعون ويشترون فى الهيكل وقَلَب موائد الصيارِفة وكراسى باعَة الحمام. ولم يَدَعْ أحداً يجتاز الهيكل بمتاع… ولما صار المساء خرج إلى خارج المدينة وفى الصباح إذ كانوا مجتازين رأوا التينة قد يبست من الأصول. فتذكر بطرس وقال له يا سيدى انظر. التينة التى لعنتَها قد يبست. فأجاب يسوع وقال لهم ليكن لكم إيمان بالله. لأنى الحق أقول لكم إن من قال لهذا الجبل انتقل وانطرح فى البحر ولا يَشُكّ فى قلبه بل يؤمن أن ما يقوله يكون فمهما قال يكون له. لذلك أقول لكم كل ما تطلبونه حينما تصلُّون فآمنوا إن تنالوه فيكون لكم. (مرقس11: 12-24)

إن النَّص الأول يوضح أن الدعاء على شجرة التين كان بعد تطهير الهيكل, بعكس ما جاء فى النَّص الثانى من أن الدعاء عليها كان قبل تطهيره, كما أن النَّص الأول ذكر أن التينة يبست فى الحال بعد الدعاء عليها, أمّا النص الثانى فيقول إنها يبست فى اليوم التالى.

ونحن نسألكم: ما ذنب شجرة التين إذ لم تثمر؟ ولو كان إلهاً – كما تدَّعون – ألم يكن يعلم أنه ليس وقت ثمرها؟ وهل كان فى حاجة إلى أن يصل إليها (بعدما رآها من بعيد) حتى يعلم أن بها تيناً أم لا؟ وهل جاء أحد بعده – أو فى زمنه – ممن آمنوا به أمر أى جبل أن ينطرح فى البحر فانطرح, أو نال كل ما يطلبه فى صلاته, وكأنه يقول للشىء كن فيكون؟, والله أعلم.

س492- جاء فى سورة (التين) جمع (سيناء) فقال عنها محمد: {سِينِينَ} مع أنها لا تُجْمَع, وقد فعل محمد ذلك تكلفاً للسجع فى هذه السورة {وَطُورِ سِينِينَ{2} وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ}

ج492- إن {سِينِينَ} ليست جمعاً لسيناء, ولكنها اسم مرادف من أسمائها الأربعة, فهى {سَيْنَاء} [المؤمنون:20] بفتح السين, و(سِيناء) بكسرها, و(سَيْنا) و{سِينِينَ} [التين:2] كما أن مكة لها أكثر من اسم, فهى {مَكَّةَ} [الفتح:24] و(بَكَّه) {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} [آل عمران:96] و{الْبَلَدِ الْأَمِينِ} [التين:3] و{أُمَّ الْقُرَى} [الشورى:7] و{الْبَلَدِ} [البلد:1] و{الْبَلْدَةِ} [النمل:91], والله أعلم.

س493- كيف يقول القرآن لنبيكم: {اقْرَأْ} [العلق:1] وهو لا يعرف القراءة؟

ج493- من الذى قال له: {اقْرَأْ}؟ إنه الله سبحانه وتعالى عن طريق سيدنا جبريل u, أليس كذلك؟ فإذا قال الله الخالق القادر لأى شىء {اقْرَأْ} لقرأ ولو كان جماداً {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس:82] وقد قال الرسول r مرتين: ((ما أنا بقارئ)) فقال له سيدنا جبريل فى الثالثة: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ{2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ{3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ{4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:1-5] والرسول r لم يقرأ فى كتاب, فقد عاش أمياً ومات أمياً, ولكن قراءته كانت تلقيناً من سيدنا جبريل u. وهنا قد يتساءل أحد ويقول: ما دامت قراءة الرسول كانت تلقيناً وليست من كتاب, فما وجه الإعجاز إذن؟ ونقول له: لو أن الرسول r تعلم القراءة لَمَا كان فى حفظه للقرآن إعجاز, لأنه سيراجعه مراراً وتكراراً حتى يثبت, كما يفعل أحدنا إذا أراد أن يحفظ شيئاً, فلابد أن يراجعه عدة مرات, ولو كان متعلماً تعليماً عالياً, أما الرسول r النبى الأمى فكان يحفظه بمجرد السماع مرة واحدة, والدليل على ذلك أنه حين أراد أن يردد خلف سيدنا جبريل u قال الله له: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ{16} إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ{17} فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ{18} ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة:16-19] ليس هذا فحسب, بل كان من شدة حفظه r أنه إذا نزلت عليه الآية يقول: ضعوها فى سورة كذا بعد آية كذا, ثم حين يصلى بأصحابه y يقرأ السورة بالإضافة الجديدة التى أمرهم بكتابتها, دون أن يختلط عليه الأمر, فمن منا يستطيع ذلك؟ لقد كان r يردده على مر السنين كما هو, فى حين أن أحدنا – ولو كان أمهر خطيب – لو قلت له بعد خطبته مباشرة: أعِدْ ما قلته تماماً, بحيث لا تُنقِص منه ولا تزيد عليه لَمَا استطاع. وشىء آخر: من علَّم الرسولَ r الفرق بين نطق {الم} التى فى أول سورة (البقرة) وغيرها, و{أَلَمْ} التى فى سورة (الشرح) وغيرها؟ إن الأمى يمكنه أن يحفظ الآية, ولكن لا يعرف حروفها, فإذا قلت له: (تهجَّى) كلمة كذا لَمَا استطاع, أما الرسول r لأن الله سبحانه وتعالى هو الذى علمه فكان ينطق {الم} فى أول سورة (البقرة) وغيرها: ألِف لام ميم, أما الأخرى فينطقها {أَلَمْ}. وأميَّة الرسول r يلتبس أمرها على بعض الناس, وربما تفاخر الأمى بأميته وقال: أنا مثل الرسول. ونقول له: إن أمية أى أحد منا تعتبر عيباً, أما فى حقه r فهى شرف.. لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذى علمه, أما نحن فعلمنا البشر, وهذه نعمة من الله الكريم علينا, أما تعليم الرسول فكان من الله, ولذلك فهى من {الْأَكْرَمُ} [العلق:3], والله أعلم.

س494- يقول القرآن: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ{7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة:7-8] طالما أن كل إنسان يرى ما عمله من خير أو شر, فما فائدة التوبة؟ وإذا كان الحساب يوم القيامة على الشر بمثقال الذرة, فأين كرم الكريم, ورحمة الرحيم؟

ج494- إن للتوبة فوائد عظيمة لا ينكرها إلا جاحد, وهناك من الآيات والأحاديث التى تثبت فضلها ما لا يخفى على الكبير ولا الصغير, أما رؤية الإنسان لذنوبه يوم القيامة فلا تنفى مغفرة هذه الذنوب, فإن الله سبحانه وتعالى يقرر العبد المؤمن بذنبه ثم يغفره له, كما جاء فى الحديث الشريف: ((إن الله تعالى يُدنى المؤمن فيضع عليه كَنَفه وسِتره من الناس, ويُقرره بذنوبه, فيقول:  أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟  فيقول: نعم أى ربِّ, حتى إذا قرره بذنوبه, ورأى فى نفسه أنه قد هلك, قال:  فإنى قد سترتها عليك فى الدنيا, وأنا أغفرها لك اليوم, ثم يُعطَى كتابَ حسناته بيمينه, وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد {هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ})) [صحيح الجامع:1894] أما الحساب بمثقال الذرة فهو عين الكرم, لأنه بعد إحقاق الحق كاملاً, يُدخِلُ الله المؤمنين الجنة برحمته, وليس بعدله, ولو أدخلهم الجنة قبل أن يريهم سيئاتهم, لظنوا أنهم دخلوها بعملهم, قال رسول الله r: ((لن يُدخِل أحداً عملُه الجنةَ, ولا أنا, إلا أن يتغمدنى الله بفضل رحمته, فسدِّدوا وقاربوا, ولا يتمنَّ أحدكُم الموت, إمّا محسن فلعله يزداد خيراً, وإمّا مُسىء فلعله أن يستعتب)) [صحيح الجامع:5222]‌ فالله يعطى المؤمن على الحسنة عشرة أمثالها, وقد يزيد, أما السيئات فلا تُضاعف, وقد يغفرها الله جل وعلا. والحساب بمثقال الذرة يجعل المؤمن يراقب الله جل وعلا فى كل صغيرة وكبيرة, فلا يستهين بالصغائر معتمداً على أن الله سيغفرها له, كما أن الذنب – وإن كان صغيراً – فقد يدل على الاستهانة بجلال الله وعظمته, والإصرار على الصغائر قد يحوِّلها إلى كبائر, وقد قال العلماء: (لا تنظر إلا صِغَر المعصية, ولكن انظر إلى مَن عَصَيْتَ) والحسنات والسيئات قد تبدو – أحياناً – فى أعين الناس صغيرة, ولكنها عند الله كبيرة, قال تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور:15] وقد أخبرنا رسول الله r أنه دخل الجنة رجل فى ذُباب, ودخل النار رجل فى ذباب، قالوا: وكيف كان ذلك يارسول الله؟ قال: ((مَرَّ رجلان على قوم لهم صنم, لا يجاوزه أحد حتى يُقرِّب له شيئاً, قالوا لأحدهما قرِّب, قال ليس عندى ما أقرِّب, قالوا قرِّب ولو ذباباً, فقرَّب ذباباً, فخلُّوا سبيله, فدخل النار, وقالوا للآخر قرِّب, فقال ما كنتُ لأقرَّب لأحد دون الله عز وجل, فضربوا عنقه, فدخل الجنة)) [رواه الإمام أحمد] وقال r: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى, ما يظن أن تبلغ ما بلغت, فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة, وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى, ما يظن أن تبلغ ما بلغت, فيكتب الله عليه بها سَخَطه إلى يوم القيامة)) [صحيح الجامع:1619]‌, والله أعلم.

س495- كيف يقول ربكم لنبيكم: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل:1] وكان عمره حينئذ خمسين يوماً؟

ج495- إن حواس الإنسان قد لا تَصْدُقه, كأن ترى إنساناً يأتى من بعيد فتقول إنه فلان, وعندما يقترب منك تجده إنساناً آخر, أو تسمع صوتاً فتحسبه صوت أحد تعرفه, ثم يتبين لك خطؤك, وفى بعض حالات المرض يرى الإنسان أو يسمع أشياء لا وجود لها, وأحياناً يرى عدة أشخاص مشهداً واحداً, وكل منهم يصفه بطريقة مختلفة, أما رؤية الله عز وجل فهى أعظم وأكمل وأتم من أى رؤية, ولو للرسول r نفسه, وكذلك فإن الله سبحانه وتعالى مُحال عليه الكذب {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً} [النساء:87] {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً} [النساء:122] فلا أحد أصْدَق من الله تبارك وتعالى, فحين يقص علينا قصصاً نصدقه أكثر من أنفسنا, لأنه – كما ذكرنا – أن حواسنا ربما تخوننا, وكذلك فإن ذاكرتنا ربما تخوننا, أما هذا فمُحال أيضاً على الله سبحانه وتعالى {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} [مريم:64] ولهذا كان تصديق الرسول r لربه أعظم مما لو رأى الحدث بنفسه, فلذلك خاطبه ربه بقوله: {أَلَمْ تَرَ}, والله أعلم.

س496- كيف تعربون {فَعَلَ} فى هذه الآية: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل:1]

ج496- قال الزجاج: {كَيْفَ} فى موضع نصب ب{فَعَلَ} لا بقوله: {أَلَمْ تَرَ} لأن {كَيْفَ} من حروف الاستفهام, والله أعلم.

س497- لماذا يقول القرآن: {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ} [الفيل:2] والكيد هو التبييت بليل, أى فى الخفاء, وأبرهة أعلن عن عزمه على هدم البيت جهاراً نهاراً؟

ج497- نعم.. لقد أعلن أبرهة عن عزمه على هدم البيت, ولكن الذى كان فى قلبه أكثر شرّاً مما أظهر, فقد كان يضمر الحسد والبغضاء لقريش على تعظيم العرب للكعبة, وما كان يجلبه عليهم هذا التعظيم من الخير والثراء, وخصوصاً فى أيام الحج من كل عام, فضلاً عما فيه من مخالفة دينه وعدم الاهتمام به, فأراد أن يجعل هذا الشرف العظيم لبلده وكنيسته (القُلَيْس) التى بناها على أفخم طراز, وجمَّلها وزخرفها ليصرف وجوه الناس إليها, فما كان منهم إلا أنهم احتقروها, ولم يأبهوا لها, حتى إن فَتَيَيْن من فِتيان قريش تسرَّبا إليها ليلاً, وتبرَّزا فيها, ولطَّخا حيطانها المزخرفة بهذا البراز, مما زاد فى حَنَقِه على بيت الله الحرام, فصمم على هدمه, ولكن الله سبحانه وتعالى حال بينه وبين مراده. ثم إن أى إنسان يعلن عن عزمه على فعل جريمته, فلابد أن ينوى ويخطط لها قبل أن يفعلها, أم إنه يعلن عن عزمه عليها بغير تخطيط؟ فهذا التخطيط فى حد ذاته يعتبر كيداً, والله أعلم.  

س498- إن الحجّاج ضرب الكعبة بالمنجنيق, فلماذا لم يحدث له كما حدث لأبرهة؟ وكذلك القرامطة الذين سرقوا الحجر الأسود لمدة سبع سنين, ولم يحدث لهم شىء, إن هذا يدل على أن هذه القصة لم تكن لتعظيم الكعبة, ولكن لأمر غير ذلك.

ج498- إن القضاء على جيش أبرهة كان إرهاصاً لميلاد الرسول r والإرهاص إنما يُحتاج إليه قبل قدومه, أما بعد قدومه, والتأكد من نبوته بدلالة قاطعة, فلا حاجة لشىء من ذلك, ولأن الكعبة قبل الإسلام لم يكن لها حامٍ إلا الله, ولم يكن للعرب قِبَلٌ بقوة أبرهه, وخصوصاً أنه استعمل الفِيَلَة التى لم تكن بأرض العرب, ولا دراية لهم بها, فقد كانوا يعتمدون فى حروبهم على الخيول والجِمال, ولذلك خافوا وهربوا إلى الجبال عندما رأوا هذه الفِيَلَة. أما بعد مجىء الرسول r فقد عَهِدَ الله تعالى حماية بيته الحرام وكل مقدساته – كالمسجد الأقصى وغيره – إلى المسلمين, ولو أنه أهلك كل من يتعرض لها بسوء, فأين جهاد المسلمين إذن؟ وكيف يظهر إخلاصهم ومحبتهم لدينهم؟ وما هى فائدتهم إن لم يدافعوا عن مقدَّساتهم بأنفسهم؟, والله أعلم.

س499- هل أهلك الله أصحاب الفيل لإيلاف قريش, أى لتبقى الرحلة, أم لأنهم كفروا؟ هذا إذا كانت السورتان سورة واحدة كما يعتقد الشيعة, وهى كذلك فى مصحف أُبَىّ بن كعب, وقرأها عمر بن الخطاب بغير بسملة بين السورتين.

ج499- نحن لا نقول إن الله تعالى أهلك أصحاب الفيل بسبب كفرهم, ولكن بسبب اعتدائهم على بيت ربهم, فإن الجزاء على الكفر مؤخَّر إلى يوم القيامة, قال تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [غافر:17] ولو أنه فعل بهم ذلك لكفرهم, لفعل ذلك بجميع الكفار, فقد كان أهل الحجاز أنفسهم كفاراً, قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} [فاطر:45] ولكنه فعل ذلك بهم, لاعتدائهم على بيته كما قلنا. وقد قال الشيخ الشعراوى (رحمه الله): إن قوله تعالى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} [قريش:1] أى لتعظيم منصبهم, وإظهار قَدْرِهم, ولنفرض أن زجرهم عن الكفر مقصود, فإن هذا لا ينافى كون شىء آخر مقصوداً, حتى يكون الحكم واقعاً بمجموع الأمرين معاً, ثم هَبْ أنهم أُهلِكوا لكفرهم فقط, إلا أن ذلك الإهلاك لَمّا أدى إلى إيلاف قريش, جاز أن يُقال: أُهلِكوا {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} وذلك كقوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [القصص:8] وهم لم يلتقطوه ليكون {عَدُوّاً وَحَزَناً} لكن لَمّا آل الأمر إليه, حَسُنَ أن يُمَهَّد إليه بالالتقاط, وكأنه قال (إن التقاطهم له عاد عليهم بأن كان لهم عدوّاً وحَزَناً) ولا شك أن مكة كانت خالية من الزرع والضرع, كما قال تعالى: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} [إبراهيم:37] فلا غنى بها عن رحلة الشتاء والصيف, وقد كان ملوك النواحى يعظمون أهلها, ويقولون: هؤلاء جيران بيت الله, وسكان حَرِمِه, وَوُلاة الكعبة, فلو تم لأبرهة ما عزم عليه من هدم الكعبة, لزال عنهم هذا العِزّ والاحترام, ولصار سكانها كسائر القبائل, يُتخطَّفون من كل جانب, ويُتعرَّض لهم فى نفوسهم وأموالهم, فلما أهلك الله أصحاب الفيل, ازداد احترام أهل مكة فى القلوب, ولم يتعرض لتجارتها فى هاتين الرحلتين أحد. والأهم من ذلك أن الله سبحانه وتعالى كان قد أعدَّها لأعظم رسالة, ولأعظم رسول r كما ذكرنا فى الرد على الشبهة السابقة, والله أعلم.

س500- إن التكرار فى سورة الكافرون لا طائل من ورائه, فقد كان يكفى أن يقال: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ{1} لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ{2} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}

ج500- إن سبب نزول هذه السورة الكريمة, أن الكفار قالوا لسيدنا محمد r عندما رأوا ثباته وثبات أصحابه y: نعبد إلهك عاماً وتعبد آلهتنا عاماً, فإن كان العام الذى نعبد فيه إلهك عام رخاء وخِصْب, وكثرة المواليد الذكور, عبدناه بعد ذلك معك, وإن كان عام آلهتنا عام نماءٍ وخير, وثمار وأمطار, فتعبدهم معنا وتترك إلهك, فأنزل الله عز وجل هذه السورة, فقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ{1} لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ{2} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} [الكافرون:1-3] أى فى الوقت الحاضر يستحيل أن أعبد آلهتكم, وأنتم على ما أنتم عليه من الكفر لا تعبدون ما أعبد, لأن عبادة الله ليس فيها تفاوض, ولا أرض محايدة, ولا أنصاف حلول. وهذه الآيات فيها تخلِيَة وتحلِيَة كما فى شهادة أن لا إله إلا الله, نتبرأ من عبودية غير الله أولاً, ثم نثبت عبوديتنا له وحده سبحانه وتعالى. وبمعنى آخر: نتخلى عن الشرك, ونتحلَّى بالإيمان. وقوله سبحانه: {وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ{4} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} [الكافرون:4-5] أى فى المستقبل, فلا تحلموا, ولا تتصوروا, ولا يكن عندكم أدنى أمل أننى فى يوم من الأيام سأعبدها, وأنتم على استمراركم على كفركم فلن تعبدوا إلهى, فهذا حسم للقضية, حتى لا تكون هناك أى محاولة للتفاوض بعد ذلك, فلن نمسك العصا من الوسط, ولن نجلس على الموائد المستديرة, فالعقيدة ليس فيها تنازلات, ولا مفاوضات, ولا صُلْح كما يحدث بين المتخاصمين, كأمريكا التى ضربت اليابان بالقنبلة الذرية مرتين, ثم أقامت معها صلحاً, أو كصلح بعض العرب مع إسرائيل, والله أعلم.

*   *   *

10 تعليقات to “شبهات زائفة حول سُوَر القرآن”

  1. متدبر Says:

    القرآن قوت القلوب

    http://tadabbor.com/nzekra/media/36/?p=3

    منقول من موقع الهيئة العالمية لتدبر القرآن الكريم

  2. ilham othmany Says:

    السلام عليكم
    يا سيدي,عندي مشكلة كما يلي….
    إن قيل لنا “أنتم المسلمون تقولون بتحريف الكتاب المقدس التوراة والإنجيل.فما بال القرءان ينطق بصحتها في بعض الأماكن منها يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والانجيل . فالقرآن يحث اهل الكتاب على اقامة شرائعهم واتباع عقائدهم التي جاءت في التوراة والانجيل.ومنها”وكيف يحكمونك وعندهم التوراة , فيها حكم الله ؟”فهذا يقتضي بصحة الكتاب المقدس الذي في ايدي اليهود والنصارى الأن…فكيف الجواب عن ذلك؟جزاكم الله خير الجزاء.

  3. islamdefence Says:

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    هذا السؤال مردود عليه (بحمد الله) فى الشبهة رقم 48 من الشبهات المُغرضة حول القرآن
    مع رجاء قراءة تفسير هذه الآيات وأسباب نزولها فى كتب التفسير

  4. أبوسهيل Says:

    جزاكم الله كل خير على هذا العمل الدعوي من جهة ، والمدحض للأقاويل الملحدين ، وميتي القلوب، من أهل الجهل والسّفه . جعل الله عملكم هذا في ميزان حسناتكم ، وزادكم علمًا إلى علمكم ، وألهمكم الحجة الدامغة ، والقول الفصل في دحض الآراء الواهية التي لا تنطلي إلا على ضعاف الإيمان، وقللي العلم والمعرفة، الذين لا هم لهم إلا البحث عما يتوهمونه من ترهات وسفاسف الأمورز فزادكم الله نصرا وتوفيقا في إخراس هذه الألسن التي تعوي في بيداء الضلال

    • islamdefence Says:

      جزاك الله كل خير أبا سهيل
      أسأل الله سبحانه وتعالى أن يستجيب لدعائك , وأن يعطيك مثلما دعوت لى وزيادة
      وأن يجعل أعمالنا كلها صالحة ولوجهه الكريم خالصة

  5. ماجد Says:

    جزاك الله خيرا اخي الكريم لقد اجبتني على سؤالي اجابة واضحة شافية

    • islamdefence Says:

      وأنت يا أخى جزاك الله خيراً
      وبارك فى عمرك وعملك وأهلك ومالك
      وجعلنا وإياك والمسلمين من أهل طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم

  6. ×××× Says:

    ماشاء الله ..

    بوركت على الموضوع ..

    جعله الله في ميزان حسناتك .

    • islamdefence Says:

      جزاك الله خيراً يا أخى وبارك فيك وفى جميع المسلمين
      وآسف على تأخر ردى , فسامحنى

  7. بلال Says:

    ما شاء الله
    ساعات وانا بقرا .. الله واكبر عليك
    كل كلمه تزيدني ايمان
    والله الذي لا اله الا هو ان هذا القران يهدي للتي هي اقوم
    ويتربص المبلسون المجرمون
    فيا ايها المسلمون لا ترتابوا .. فلا تكونوا في ريب فيدخل الشيطان اجسادكم والعياذ بالله
    ولكن امنوا وفليكن ايمانكم قويا فان الانسان خلق ضعيفا كما قال الله سبحانه

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 27 other followers

%d مدونون معجبون بهذه: