زعم تناقض القرآن مع السنة


س257- يقول القرآن: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67] ثم يقول نبيكم: ((ما زالت أكلة خيبر تعاودنى كل عام حتى كان هذا أوان قطع أبهرى)) [صحيح الجامع:5629] فكيف يعصمه الله من الناس, ثم يموت مسموماً؟

ج257- إن الذى سأل هذا السؤال لم يفهم معنى الآية الكريمة, ففى هذه الآية يُطَمْئِنُ الله عز وجل رسوله r أنه سيمكِّنه من تبليغ رسالته, فلا يقدر أحد على منعه من تبليغها, والمنع إما يكون بالقتل أو الحبس أو النفى, والحمد لله لم يحدث أى شىء من هذا, حتى أتم تبليغ رسالة ربه جل وعلا, وكانت آخر آية نزلت عليه فى حجة الوداع, هى قول الله جل وعلا: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} [المائدة:3] وكان من خطبته r فى حجة الوداع فى يوم عرفة أن قال لهم: ((ألا هل بلَّغت.. اللهم اشهد)) قالها ثلاثاً, وهو يرفع إصبعه الشريفة نحو السماء, ثم يخفضها نحوهم. والدليل على عصمة الله له فى السؤال نفسه.. كيف؟ هم يقولون إن نبيكم مات مسموماً – وهذا حق – ولكنا نريد أن نسألهم: لماذا لم يَمُت فى حينها, وقد كان سُمّاً زُعافاً بمجرد أن أكل منه سيدنا بِشْر t مات فى حينها؟ فالحمد لله أن الحجة عليهم فى سؤالهم. أما بعد تبليغ الرسالة فقد انتهت مهمته, وأراد الله سبحانه وتعالى أن يجمع له بين أجر الشهادة, وأجر النبوة والرسالة, حتى لا يكون أى نبى أفضل منه, صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وقد وردت فى الكتاب المقدس تناقضات كثيرة بشأن صلب المسيح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – فمعظم رواياتهم تقول إنه صُلِب, فى حين أن الروايات الأخرى تقول إنه تنبأ بأنه سينجو من اليهود, وأنهم لن يستطيعوا الوصول إليه, ونحن لا نناقش مسألة صلبه, لأن هذا يطول شرحه, ولكن سنورد فقط بعض ما تنبأ به من نجاته, ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتب الشيخ (أحمد ديدات) رحمه الله تعالى:

سمع الفريسييون الجمع يتناجون بهذا من نحوه فأرسل الفريسييون ورؤساء الكهنة خدّاماً ليمسكوه. فقال لهم يسوع أنا معكم زماناً يسيراً بعد ثم أمضى إلى الذى أرسلنى. ستطلبوننى ولا تجدوننى وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا. (يوحنا7: 32-34) وحتى لا تقولوا ربما كان قصده أن هذا بعد موته, أى أنه فى الآخرة, يَرُدّ عليكم ما جاء فى الإصحاح نفسه: وكان قوم منهم يريدون أن يمسكوه ولكن لم يُلقِ أحد عليه الأيادى فجاء الخدّام إلى رؤساء الكهنة والفريسيين. فقال هؤلاء لهم لماذا لم تأتوا به. (يوحنا7: 44-45)

قال لهم يسوع أيضاً أنا أمضى وستطلبوننى وتموتون فى خطيِّتكم. حيث أمضى أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا. فقال اليهود ألَعَلَّه يقتل نفسه حتى يقول حيث أمضى أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا. فقال لهم أنتم من أسفل. أما أنا فمن فوق. أنتم من العالم. أما أنا فلست من العالم… فقال لهم يسوع متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون أنى أنا هو ولست أفعل شيئاً من نفسى بل أتكلم بهذا كما علمنى أبى. والذى أرسلنى هو معى ولم يتركنى الآب وحدى لأنى فى كل حين أفعل ما يرضيه (يوحنا8: 21-29) وحتى لا تقولوا – أيضاً – إن هذا يوم القيامة يقول آخر الإصحاح: فرفعوا حجارة ليرجموه. أما يسوع فاختفى وخرج من الهيكل مجتازاً فى وسطهم (يوحنا8: 59) ومما يدل على أن اليهود فهموا أن هذا فى الدنيا.. قولهم: (ألعله يقتل نفسه) وحتى لا تظنوا أن قوله: (أنتم من العالم. أما أنا فلست من العالم) خاص به, أى أنه ليس من عالم البشر – كما تزعمون – فقد قالها عن أتْباعه أيضاً: أنا قد أعطيتهم كلامك والعالم أبغضهم لأنهم ليسوا من العالم كما أنى لستُ من العالم. (يوحنا17: 14)

لأنى أقول لكم إنكم لا تروننى من الآن حتى تقولوا مبارك الآتى باسم الرب (متى23: 39) فى هذا النَّص يجزم لليهود أنهم لن يروه من هذه اللحظة حتى يأتى للعالم مرة أخرى, وهذا يتوافق مع عقيدتنا فى أنه نجا من اليهود, ولم يُصلَب, وأنه سينزل آخر الزمان.

هُوَذا تأتى ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوننى وحدى. وأنا لست وحدى لأن الآب معى. قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فىَّ سلام. فى العالم سيكون لكم ضيق. ولكن ثِقُوا. أنا قد غلبت العالم (يوحنا16: 32-33) إن هذا يعنى أن الله لن يتركه, وسوف ينجيه, ولكنه تركه (بزعمكم) وها هو يعاتبه: صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً إيلى إيلى لِمَا شبقتنى أى إلهى إلهى لماذا تركتنى. (متى27: 46)

 ألا ترَوْنَ معنا أن بعض عبارات هذه النصوص تتوافق مع عقيدتنا بأن المسيح لم يُصلَب, وأن الله رفعه إليه؟ وإلا- فماذ يعنى قوله: (ثم أمضى إلى الذى أرسلنى. ستطلبوننى ولا تجدوننى وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا)؟ وقوله: (حيث أمضى أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا)؟ وقوله: (أنتم من أسفل. أما أنا فمن فوق.)؟, والله أعلم.

س258- تقولون إن نبيكم كانت له معجزات مُشاهَدَة غير القرآن, مع أن القرآن ينفى ذلك, فيقول: {وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام:109] ويقول: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً{90} أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً{91} أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً{92} أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً{93} وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَراً رَّسُولاً{94} قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً} [الإسراء90-95] فكيف نفهم هذا التناقض؟

ج258- قد أوضحنا فى الرد على الشبهة رقم (452) أن الله لو أجاب المشركين فيما طلبوه من الآيات, ثم لم يؤمنوا بها, لأهلكهم, كما ورد فى قوله تعالى: {قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة:115] وقوله: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} [الإسراء:59] فالله سبحانه وتعالى لم يُجِبْهم فيما طلبوه, لأنه يعلم أنهم سيكذبونه, وببعثة الرسول r انقطع عذاب الاستئصال الذى كان يصيب الأمم السابقة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] ولكن الله عز وجل لم يحرم الرسول r من المعجزات الحسية, مثل حديث الذئب الذى رواه الإمام أحمد بإسناد جيد, والترمذى, والحاكم بإسناد صحيح, عن أبى سعيد الخدرى t قال: عدا ذئب على شاة, فطلبه الراعى فانتزعها منه, فأقعَى الذئب على ذَنَبِه (أى قعد) وقال: ألا تتقى الله؟ تنزع منى رزقاً ساقه الله إلىَّ؟ فقال الراعى: يا عجبا! ذئب مُقْعٍ على ذَنَبِهِ يكلمنى بكلام الإنس! فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق, يدعو الناس إلى الهدى والحق وهم يكذبونه, فأقبل الراعى يسوق غنمه حتى دخل المدينة, ثم أتى رسول الله r فسأله الرسول ماذا فعل الذئب؟ فتعجب الرجل وأخبره بما كان من شأنه, فأمر رسول الله r فنودى بالصلاة جامعة, فقال للأعرابى: ((أخبرهم بما شاهدته, يُسَرُّوا ويزداد إيمانهم)) فأخبرهم, وكان الرجل يهودياً فأسلم, ثم قال r: ((إنها أمارات بين يدى الساعة, قد أوشك الرجل أن يخرج, فلا يرجع حتى تحدثه نعلاه وسوطه بما أحدثه أهله من بعده)) وفى رواية عن أبى هريرة t قال الذئب للراعى: أنت أعجب منى, واقف على غنمك, وقد تركت نبياً لم يبعث الله نبياً قط أعظم منه قدراً عنده, وقد فتحت له أبواب الجنة, وأشرف أهلها على أصحابه ينظرون قتالهم, وما بينك وبينه إلا هذا الشِّعْب (أى الطريق) فتصير من جنود الله, قال الراعى: من لى بغنمى؟ قال الذئب: أنا أرعاها حتى ترجع, فأسلم الرجل إليه غنمه, ومضى إلى رسول الله r فقال له النبى: ((عُدْ إلى غنمك تجدها بوفرها)) (أى لم ينقص منها شىء) فعاد فوجدها على عددها وتمامها, فذبح للذئب شاة منها. وروى البيهقى والطبرانى, والحاكم وابن عدى, والدار قطنى, عن ابن عمر – رضى الله عنهما – أن النبى r كان فى مَحفل من أصحابه (أى جماعة) إذ جاء أعرابى من بنى سليم قد صاد ضبّاً (حيوان صغير أكبر من الفأر وأصغر من الأرنب) وجعله فى كُمِّه ليذهب به إلى رَحْلِهِ فيشويه ويأكله, فلما رأى الصحابة y قال لهم: من هذا؟ قالوا: نبى الله, فأتاه فقال: يا محمد.. مااشتملت النساء على ذى لهجة أكذب منك, فلولا أن تسمينى العرب عجولاً لقتلتك, وَلَسَرَرْتُ الناس أجمعين بقتلك, فقال عمر t: يا رسول الله دعنى أقتله, فقال r: ((أمَا علمت أن الحليم كاد أن يكون نبياً؟)) ثم أقبل الأعرابى على رسول الله r فأخرج الضب من كمه, وقال: واللات والعزى لا آمنتُ بك حتى يؤمن هذا الضب, وطرحه بين يدى رسول الله r فقال له: (( يا ضب )) فأجابه بلسان طلق فصيح عربى مبين, يفهمه القوم جميعاً: لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة, قال: ((مَن تعبد؟)) قال: أعبد الذى فى السماء عرشه, وفى الأرض سلطانه, وفى البحر سبيله, وفى الجنة رحمته, وفى النار عقابه, قال: ((فمن أنا؟)) قال: أنت رسول رب العالمين, وخاتم النبيين, وقد أفلح من صدَّقك, وخاب من كذَّبك, فقال الأعرابى: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله حقاً, ولقد جئتك وما على وجه الأرض أحد هو أبغض إلىَّ منك, ووالله لأنت الساعة أحب إلىَّ من نفسى وولدى, فقد آمن بك شعرى وبَشَرى وداخلى وخارجى وسرى وعلانيتى.

وهناك معجزات أخرى مثل شق القمر, وحَنِين الجذع إليه, وكلام الشاة المسمومة, وشكوى الناقة له ممن يجوِّعها, وتفجُّر الماء من بين أصابعه, بعدما وضعها فى كمية قليلة من الماء, وسقى الجيش, وتكثير الطعام الذى كان لا يكفى إلا لفردين أو ثلاثة, حتى أكل منه الجيش بأكمله, وإخباره r ببعض الغيبيات, مثل فتح مكة, والعراق, واليمن, وبلاد الشام, وهزيمة هرقل وكسرى, وتبشير سراقة بن مالك بأخذ تاج كسرى وأساوره ونطاقه (حزامه) وقد حدث هذا بالفعل فى عهد سيدنا عمر t ومعجزات غير ذلك كثيرة, وقد كانت هذه المعجزات تحدث أمام الصحابة y فيزدادون إيماناً مع إيمانهم. والإمام ابن تيمية – رحمه الله – له كتاب اسمه (الفارق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) به أكثر من 1000 معجزة حسية للرسول r.

مما سبق يتضح لنا أنه لا يوجد تناقض بين الآيات وما حدث للرسول r من معجزات, فالمعجزات التى طلبها الكفار, لم يستجب الله لهم فيها, لأنه – كما قلنا – لو استجاب لهم ثم لم يؤمنوا بها لأهلكهم, أما المعجزات المادية التى ذكرنا بعضاً منها, فلم يطلبها أحد, وكانت تحدث أمام عدد قليل – أغلبهم من الصحابة y – ولم يُعَوَّل عليها فى الإيمان مثل القرآن, ولكنها كانت تزيد المؤمنين إيماناً ويقيناً, أما الْمُعَوَّل عليه, الْمُتحَدَّى به, فهو القرآن العظيم, كما قال الله عز وجل: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ{50} أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت:50-51], والله أعلم.

س259- يقول القرآن: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] فى حين أن نبيكم يقول: ((والذى نفس محمد, بيده لا يسمع بى أحد من هذه الأمة لا يهودى ولا نصرانى, ثم يموت ولم يؤمن بالذى أُرسِلْتُ به, إلا كان من أصحاب النار)) [صحيح الجامع‌:7063] كيف يكون رحمة للعالمين, وقد أدخل اليهود والنصارى النار؟

ج259- هذا الحديث لا يتناقض مع الآية, لأنه ببعثة الرسول r انتهى عذاب الاستئصال, أما قبله فكانت الأمم المكذبة لرسلهم (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) يُجمَع عليهم عذابان.. عذاب الاستئصال فى الدنيا, بالخسف, أو القذف, أو الغرق… إلخ {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ} [الحجر:73] {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} [الأعراف:78] {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} [الحجر:74] {فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الزخرف:55] ثم يبقى لهم عذاب الآخرة, أما الذين كفروا بسيدنا محمد r فلم يستأصلهم الله عز وجل, ولكنه أمهلهم إلى يوم القيامة, لعلهم يتوبون إليه ويستغفرونه {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ} [المائدة:74] فبذلك يكون الرسول r رحمة للعالمين. ربما يقول قائل: إن الذين لم يؤمنوا بموسى وعيسى لم يهلكهم الله كما أهلك مَن قبلهم, فنقول له: إن قولك هذا صحيح, ولكنهما (على نبينا وعليهما الصلاة والسلام) لم يُرسَلا إلا لبنى إسرائيل, فعدم تعذيب قومهما لا يُعتبَر رحمة للعالمين, أما الرسول r فقد بعثه الله لجميع الأمم من الإنس والجن, إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, فبذلك تكون رسالته رحمة للعالمين, والله أعلم.

س260- يقول القرآن: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [النمل:80] ويعارضه نبيكم, فيقول: ((إن العبد إذا وضع فى قبره, وتولى عنه أصحابه, حتى إنه يسمع قرع نعالهم)) إلى آخر الحديث [صحيح الجامع:1675] وأنه كلم قتلى بدر من المشركين, وقال لعمر: ((ما أنت بأسمع منهم)) حين قال له: أتنادى على قوم قد جَيَّفوا؟ وكان إذا مر على قبور المسلمين ألقى عليهم السلام, فالقرآن نفى السمع عن الموتى, وأثبته لهم نبيكم, فما هذا التناقض؟

ج260- هناك سماع حِسِّى بالأذن, وهذا يشترك فيه كل الناس, المؤمن والكافر, وهناك سماع استجابة, وهو معنوى, أى السماع الذى ينفعهم, كالذى يقول لولده: اذهب إلى مدرستك, ذاكر دروسك.. اعمل كذا وكذا, وحين لا يستجيب له الولد, ماذا يقول له؟ يقول له: (اسمع الكلام) فهل هو غير سامع للكلام؟ إنه يسمع بأذنيه سمعا جيداً, ولكن سمعه هذا لا ينفعه, لأنه لا يستجيب لأوامر والده. وقوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} مَثَلٌ ضربه الله للمشركين بأنهم كالموتى الذين لا يمكنهم الاستجابة للرسول r مع أنهم يسمعون صوته, وذلك كقول الله عز وجل: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [البقرة:18] فهل كان الكافرون صماً بكماً عمياً بحواسهم؟ أم كانوا صماً عن سماع الحق, بكماً عن النطق به, عمياً عن رؤيته؟ وهذا يسمى فى اللغة تعبيراً مجازياً, وبهذا يتضح أنه لا يوجد تناقض بين الآيات التى نفت السمع عن المشركين, وبين أحاديث رسول الله r التى أثبتته لهم, فحين وقف الرسول r على مدافن أهل القليب من المشركين, وناداهم: يا أبا جهل, يا وليد بن عتبة, يا شيبة بن عتبة, يا فلان, يا فلان ((لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً, فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً)) فقال له سيدنا عمر t: أتنادى على قوم قد جيفوا؟ فقال له: ((ما أنت بأسمع منهم)) وفى رواية: ((ما أنتم بأسمع لما أقول منهم, غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علىَّ شيئاً)) [صحيح مسلم] والآية الكريمة التى وردت فى السؤال, فيها تشبيه للكفرة بالصُّم, وهنا قد يقول قائل: إن الصُّم لا يعوقهم الصَمَم عن الفهم, كما نشاهد فى عصرنا من يترجم للصُّم نشرة الأخبار أو أى برنامج بلغة الإشارة, ولكن انظر إلى الدقة فى التعبير {إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} أى أنهم ليسوا صماً فقط, ولكنهم يولون مدبرين, فأنَّى لهم الرؤية حتى يفهموا؟, والله أعلم.

س261- يقول القرآن: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} [النمل:89] وهذا يناقض قول نبيكم: ((خير ما قلت أنا والنبيون من قبلى لا إله إلا الله)) لأن من قال: لا إله إلا الله فسيجازى بخير منها, إذن هناك خير من لا إله إلا الله.

ج261- خير كلمة هى (لا إله إلا الله) كما قال الرسول r, والمسلم إذا قالها فسيجازى بخير منها, ولكن ليس معنى هذا أنه سيجازى بخير منها فى معناها, ولكنه سيجازى بأضعافها, فكلما قالها مرة, كتبت له كأنما قالها عشراً أو أكثر, فيكون هذا خيراً منها. وهناك تفسير آخر قاله الشيخ الشعراوى رحمه الله: وهو أنه سيجازى بخير منها, بمعنى أنه خيرٌ نابعٌ منها, أى أنها كانت سبباً فى الأعمال الصالحة, والخير الكثير الذى سيجازى به يوم القيامة, وذلك كمن يقول: محمد خير من ربه, وهو لا يقصد أن سيدنا محمداً r أفضل من ربه (أى المساوية لأفعل التفضيل) ولكنه يقصد أن محمداً خير جاء من عند ربه, وذلك كما تقول – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لإنسان جاءك من عند الوزير ليخدمك: أنت خير من الوزير, فهل تقصد أنه أفضل منه, أم أنك تقصد أنه خير جاء من عنده؟, والله أعلم.

س262- يقول القرآن: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف:72] ثم يناقض محمد القرآن, ويقول: ((لن يُدخِل أحداً عملُه الجنةَ ولا أنا, إلا أن يتغمدنى الله بفضل رحمته)) فهل تدخلون الجنة بعملكم, كما قال قرآنكم, أم برحمة ربكم, كما قال نبيكم؟

ج262- إن الرسول r ينفى أن عملنا سيدخلنا الجنة, ولكن لابد أن نعمل بنص بقية الحديث, فهو يقول: ((لن يُدخِل أحداً عمله الجنة)) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((لا ولا أنا, إلا أن يتغمدنى الله بفضل ورحمة, , فسددوا وقاربوا, ولا يتمنَّينَّ أحدُكم الموت, إمّا محسناً, فلعله أن يزداد خيراً, وإما مُسيئاً, فلعله أن يَسْتعتِب)) [صحيح البخارى] فكيف نفهم هذا؟ لنضرب مثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – بعض الكليات منذ عدة سنوات – وربما إلى الآن – كانوا يجهزون للطلبة وجبة يومية, مكونة من قطعة لحم, أو ربع دجاجة, ومعها خضار وفاكهة… إلخ, وكانوا يأخذون من الطلبة ثمناً زهيداً لهذه الوجبة – وهو ما يُسَمَّى بالسعر الرمزى – فى حين أن هذه الوجبة تكلفت أضعافاً مضاعفة لهذا السعر, ولكن لو أن الطالب لم يدفع هذا القدر القليل من المال, أكان يأخذ هذه الوجبة؟ إن دفعه لهذا السعر الرمزى شرط لأخذها, فكذلك الجنة (مع الفارق العظيم طبعاً) لا يدخلها المؤمنون, إلا إذا عملوا أعمال أهلها, وهذا هو المقصود بالآية الكريمة, وغيرها فى معناها كثير, أما حديث الرسول r فهو أيضاً حق, لأن أعمالنا مهما بلغت, فلن تكفى حتى لشكر نعم الله علينا, فضلاًً عن أن تدخلنا الجنة, والله أعلم.

س263- يقول القرآن: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر:17] مع أن نبيكم يقول: ((تعاهدوا القرآن, فوالذى نفسى بيده, لهو أشد تفصِّياً من قلوب الرجال من الإبل من عُقُلِها)) [صحيح الجامع:2956] فكيف يتيسر ثم يتفلت؟

ج263- ((تفصِّيا)) أى تفلتاً وخروجاً, وليس هناك تناقض بين الآية والحديث, فإن الله سبحانه وتعالى قد يسر القرآن للذكر, ولولا ذلك لَمَا فهمه أو حفظه أحد. ومن تيسيره أنك تجد الطفل الصغير, الذى يبلغ من العمر سبع سنين أو أقل, يحفظه عن ظهر قلب, ويحفظه الأمى, وغير العربى, عن طريق التلقِّى, وفى المسابقة التى أُجرِيَت عام 1423هجرية لِحَفَظَة القرآن الكريم بدولة الإمارات, لنيل جائزة (رأس الخيمة) تقدم طفل يبلغ من العمر سبع سنوات, يحفظ القرآن كاملاً, فى حين أنه لا يستطيع أن يتكلم بكلمة عربية واحدة! فهو الكتاب السماوى الوحيد الذى يتمكن الإنسان من حفظه كاملاً, بينما لا تجد أحداً – كائناً من كان – يحفظ التوراة أو الإنجيل عن ظهر قلب, سواء كان حاخاماً, أو قسيساً, أو راهباً… إلخ. ومن تيسير القرآن للذكر, توحيد طريقة النطق به, مهما كانت لغة القارئ أو جنسيته, فهل أحد منا يعرف جنسية القارئ أو لغته؟ فسواء كان القارئ مصرياً, أو سعودياً, أو سودانياً, أو باكستانياً, أو أوربياً… إلخ, فإنك لا تعرف جنسيته أو لغته, لأن الجميع مرتبط بنفس الأحكام, ومخارج الحروف وصفاتها, فى حين أنك لو سمعت أحداً يتلو شيئاً من التوراة أو الإنجيل, تدرك أهو عربى أم أعجمى. أما كونه يتفلت, فهذا لا ينافى تيسيره للذكر, فتيسيره للذكر يثبت تيسير دخوله إلى قلب الإنسان, وتفلته يثبت سهولة خروجه منه, وهذا فى حد ذاته نعمة, لأنه يضطرك لكثرة مراجعته, وعدم تركه, فلو أنه لا يتفلت, لَحَفِظَهُ الإنسان مرة واحدة, ثم تركه, ولكن كثرة مراجعته تزيد الحسنات, فتجعلها مثل الجبال, لأن قراءة كل حرف بعشر حسنات, كما جاء فى حديث الرسول r: ((من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة, والحسنة بعشر أمثالها, لا أقول {الم} حرف, ولكن: ألفٌ حرف, ولام حرف, وميم حرف)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:6469] وقال: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة, والذى يقرأ القرآن ويتتعتع فيه, وهو عليه شاقٌ, له أجران)) [صحيح مسلم] ((الذى يتتعتع فيه)) أى الذى يتعلمه, ويجد مشقة فى تعلمه، فيكون له أجر التلاوة, وأجر التعلُّم. ثم إن القرآن عزيز, إن تركته تركك, فلابد من مراجعته ليثبت فى صدرك, ولابد من العمل به, ليكون شاهداً لك لا عليك, ويكون فى ميزان حسناتك, بدلاً من أن يكون فى ميزان سيئاتك, قال رسول الله r: ((أتيتُ ليلة أُسْرِىَ بى على قوم تُقرَض شفاههم بمقاريض من نار, كلما قُرضت وفَّت, فقلتُ: يا جبريل مَن هؤلاء؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون, ويقرءون كتاب الله ولا يعملون به)) [صحيح الجامع:129], والله أعلم.

س264- يقول القرآن: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام:103] ثم ناقض نفسه, فقال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ{22} إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22-23] ويقول نبيكم: ((إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر, لا تضامون فى رؤيته, فإن استطعتم أن لا تُغْلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا)) [صحيح الجامع:2306] ما كل هذا التخبط والتناقض؟

ج264- إن الإدراك غير النظر, فالله سبحانه وتعالى نَفَى الإدراك, وأثبت النظر للمؤمنين يوم القيامة, فالإدراك هو معرفة كُنْه الشىء, فإننا نرى القمر – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – ولكننا لا نعرف كنهه, لأن ذلك يستلزم معرفة حجمه, ووزنه, ودرجة حرارته, ومادة تكوينه, وطول قطره, وسرعة دورانه… إلخ. فالإدراك هو تقييم الشىء, والإحاطة به إحاطة تامة, أما النظر إليه فهو يسير, بما أمدنا الله به من حاسة البصر, وهناك أشياء خلقها الله عز وجل فى الدنيا, ولكننا لا نستطيع رؤيتها, مثل الجن, والكهرباء, والإلكترونات… إلخ, ‌ونحن لا نستطيع أن نحيط بشىء من علم الله إلا بإذنه {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء} [البقرة:255] فكيف به سبحانه وتعالى؟ فكما قيل: كل ما خطر ببالِك فهو هالِك, والله خلافُ ذلك.

ونحن نسألكم.. هل يُرَى الرب أم لا يُرَى؟ فقد قال كتابكم المقدس:

ويكلم الرب موسى وجهاً لوجه كما يكلم الرجل صاحبه. (خروج33: 11) لأنى نظرتُ الله وجهاً لوجه (تكوين32: 30) ثم قال: وقال لا تقدر أن ترى وجهى. لأن الإنسان لا يرانى ويعيش. (خروج33: 20) الله لم يَرَهُ أحد قط (يوحنا1: 18) حقاً أنت إله محتجب يا إله إسرائيل المخلِّص. (إشعياء45: 15), والله أعلم.

س265- هناك تناقض واضح فى عدد خزنة النار, فيقول القرآن: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر:30] ويقول نبيكم: ((يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام, مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)) [صحيح الجامع:8001]

ج265- إن التسعة عشر الذين ذكروا فى سورة (المدثر) هم خزنتها, أما الذين ذكروا فى الحديث, فهم الذين يجرونها إلى أرض المحشر, فهناك فرق بين من يحرس الشىء, وبين من يَجُرّه, فالحراسة لا تحتاج لعدد كبير كالذى يحتاجه الجَرّ.

وقد جاء فى كتابكم المقدس تناقض بين عدد الملائكة الذين ذهبوا لسيدنا لوط على هيئة البشر, بعدما ذهبوا لسيدنا إبراهيم, على نبينا وعليهما الصلاة والسلام: وانصرف الرجال من هناك وذهبوا نحو سدوم (تكوين18: 22) ومن يقرأ الإصحاح من أوله يعلم أنهم كانوا ثلاثة, ثم يقول: فجاء الملاكان إلى سدوم (تكوين19: 1)

وهناك تناقض آخر بين عدد الموَكَّلين على أعمال سيدنا سليمان, على نبينا وعليه الصلاة والسلام:

هؤلاء رؤساء الموَكَّلين على أعمال سليمان خمس مئة وخمسون الذين كانوا يتسلطون على الشعب العاملين العمل (الملوك الأول9: 23) وهؤلاء رؤساء الموَكَّلين الذين للملك سليمان مئتان وخمسون المتسلطون على الشعب. (أخبار الأيام الثانى8: 10), والله أعلم.

س266- يقول نبيكم: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما, فقتل أحدهما صاحبه, فالقاتل والمقتول فى النار)) قيل: يا رسول الله.. هذا القاتل, فما بال المقتول؟ قال: ((إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)) [صحيح الجامع:387] فهل على بن أبى طالب, وأبو موسى الأشعرى, وعمار ابن ياسر, ومعاوية بن أبى سفيان, وعمرو بن العاص, وكل من اشتركوا فى المعركة حينئذٍ كفار؟ كما أن الحديث يتناقض مع الآية التى تقول: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات:9] فكيف يكونان مؤمنين, ثم يدخلان النار؟

ج266- إن الرسول r قال: ((المسلمان)) أى فردين مسلمَين, ولم يقل: {طَائِفَتَانِ} كما ورد فى الآية الكريمة, فالمفروض أنه لو حدث نزاع أو شِجار بين هذين المسلمَين, أن يتحاكما إلى ولى أمر المسلمين, فليس الأمر فى الإسلام فوضى, يتقاتل الناس مع بعضهم, دون الرجوع إلى وليّهم, ولكن هناك نظام دولة يسير عليه الجميع, وهناك علماء وقُضاة يحكمون بين الناس, فالمفروض أن يتحاكم الناس إليهم, فُرادَى وجماعات, ولا يجعلوا من أنفسهم دولة داخل الدولة. أما قوله تعالى: {طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} فينطبق على القتال الذى يدور بين دولتين منفصلتين, ولكل منهما حاكم منفصل عن الآخر (ولو كانا تحت إمْرَة الخليفة العام للمسلمين) وكل منهما لها فكر مختلف عن الآخر, وكل منهما تظن أنها على الحق, ولها من الحجج والبراهين ما يدفعها لقتال الطائفة الأخرى, فواجب المسلمين حينئذٍ أن يصلحوا بينهما, فإن بغت إحداهما على الأخرى, فليقاتلوها حتى ترجع إلى رشدها, وتكُفّ أذاها عن الطائفة الأخرى (كما حدث بين العراق والكويت) فالحديث يتكلم عن أفراد داخل مجتمع واحد, والآية تعنى مجتمعين مختلفين, والله أعلم.

س267- يقول القرآن إن جزاء الحسنة بعشر أمثالها: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام:160] ويناقض ذلك نبيكم, فيقول: ((رأيتُ ليلةَ أُسْرِىَ بى على باب الجنة مكتوباً الصدقة بعشرة, والقرض بثمانية عشر, فقلت: يا جبريل! ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده, والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة)) [سنن ابن ماجه]

ج267- إن الحديث ليس بينه وبين الآية أى تناقض, فإن مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها, فهذا هو الحد الأدنى لمضاعفة الحسنات, أما فضل الله سبحانه وتعالى فلا حرج عليه, فهو الذى قال: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:261] وقال رسوله r: ((إن الله تعالى كتب الحسنات والسيئات ثم بَيَّن ذلك, فمن هَمَّ بحسنة فلم يعملها, كتبها الله تعالى عنده حسنة كاملة, فإن هَمَّ بها فعملها, كتبها الله تعالى عنده عشر حسنات, إلى سبعمائة ضعف, إلى أضعاف كثيرة, وإن هَمَّ بسيئة فلم يعملها, كتبها الله عنده حسنة كاملة, فإن هَمَّ بها فعملها, كتبها الله تعالى سيئة واحدة, ولا يهلك على الله إلا هالك)) [صحيح الجامع:1796] فمن الآية الكريمة والحديث الشريف يتضح لنا أن الحسنات تُضاعف إلى سبعمائة أو أكثر, أما القرض فإن الله سبحانه وتعالى ذكر فى كتابه الكريم أنه يضاعف أجره, فقال: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة:245] وقال: {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} [التغابن:17] وقد قال الشيخ الشعراوى (رحمه الله) ما معناه: إن الإنسان إذا أقرض أخاه جنيهاً (مثلاً) فكأنه أقرضه عشرة جنيهات, وعندما يسترد هذا الجنيه, فكأنما أقرضه تسعة جنيهات, فعندما تُضاعف (حسب الآية) تصبح هذه التسعة ثمانية عشر, ويضاعف الله لمن يشاء.

ونحن نسألكم.. كم كان مقدار فداء الإنسان من (شواقل القدس) حتى لا يحدث له وباء؟ أهو خمسة شواقل؟ أم نصف شاقل؟ ثم إن (شاقل القدس) لم يكن على عهد سيدنا موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – ولكنه جاء بعده بزمن طويل, لأنه لم يكن قد قام (مُلك القدس) بعد, ولم يكن قد جرى صك (شاقل القدس) فهذا من الأخطاء الجسيمة التى يجب إزالتها من الكتاب المقدس. وها هو التناقض نطرحه بين أيديكم لتردوا علينا:

وفداؤه من ابن شهر تقبله حسب تقويمك فضة خمسة شواقل على شاقل القدس. هو عشرون جيرة. (عدد18: 16)

وكلم الرب موسى قائلاً إذا أخذت كمية بنى إسرائيل بحسب المعدودين منهم يعطون كل واحد فدية نفسه للرب عندما تعُدُّهم. لئلا يصير فيهم وبا عندما تعدهم. هذا ما يعطيه كل من اجتاز إلى المعدودين نصف الشاقل بشاقل القدس. الشاقل هو عشرون جيرة. نصف الشاقل تقدمة للرب. (خروج30: 11-13) وحتى لا تقولوا إن الغنى يدفع خمسة شواقل, والفقير يدفع نصف شاقل, نذكركم بهذا النَّص: الغنى لا يكثر والفقير لا يقلل عن نصف الشاقل حين تعطون تقدِمَة الرب للتكفير عن نفوسكم. (خروج30: 15) وأخيراً.. هل لكم أن تخبرونا ماذا سيفعل الرب بهذه الشواقل؟, والله أعلم.

س268- أين عدل الإسلام فى تعذيب الميت ببكاء أهله؟ فقد قال نبيكم: ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)) [صحيح الجامع:1970] وأين هذا من قول كتابكم: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}؟

ج268- إن ما جاء فى الحديث الشريف ينطبق على من اشتهى هذا الأمر, فبعض الناس يعجبهم أن يحزن الناس عليهم, ويكون ذلك – ظناً منهم – دليلاً على محبتهم, لدرجة أن بعضهم يوصى أهله بالنواح عليه, وعمل السرادقات الفخمة, وإحضار كبار المقرئين, وكتابة النعى فى الجرائد… إلخ. وكذلك من لم يوصِ أهله بعدم النياحة عليه, فهو داخل فى هذا الوعيد, قال رسول الله r: ((ما حق امرئ مسلم له شىء يريد أن يوصى فيه, يبيت ليلتين, إلا ووصيته مكتوبة عنده)) [صحيح الجامع:5614] فينبغى علينا أن نوصى أهلينا بعدم فعل أى شىء يغضب الله من بعدنا, فننهاهم عن لطم الخدود, وشق الجيوب, والنياحة, وغير ذلك, قال رسول الله r: ((أربع بقين فى أمتى من أمر الجاهلية ليسوا بتاركيها: الفخر بالأحساب, والطعن فى الأنساب, والاستسقاء بالنجوم, والنياحة على الميت, وإن النائحة إذا لم تتب قبل الموت, جاءت يوم القيامة عليها سِربال من قطران, ودرع من لهب النار)) [صحيح الجامع:875] وقال: ((ليس منا من لطم الخدود, وشق الجيوب, ودعا بدعوى الجاهلية)) [صحيح الجامع:5441] وقال: ((اثنتان فى الناس هما بهم كفر: الطعن فى النسب, والنياحة على الميت)) [صحيح مسلم] أما البكاء فلا حرج فيه, طالما أنه بغير سخط على قدر الله جل وعلا, قال رسول الله r: ((ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين, ولا بحزن القلب, ولكن يعذب بهذا – وأشار إلى لسانه – أو يرحم, وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه)) [صحيح الجامع:2647]

وهذا على عكس ما جاء فى الكتاب المقدس, الذى حرم مجرد البكاء على الميت, فقال: وكان إلىَّ كلام الرب قائلاً يا ابن آدم هَأنذا آخذ عنك شهوة عينيك بضربة فلا تَنُح ولا تبكِ ولا تنزل دموعك. تَنَهَّد ساكناً. لا تعمل مناحة على أموات. (حزقيال24: 15-17) راحيل تبكى على أولادها وتأبَى أن تتعزى عن أولادها لأنهم ليسوا بموجودين. هكذا قال الرب. امنعى صوتك عن البكاء وعينيك عن الدموع لأنه يوجد جزاء لعملك يقول الرب. (إرمياء31: 15-16)

وكيف تشفقون على الميت أن يعذب ببكاء أهله عليه, وقد جاء فى كتابكم المقدس أن الخطيئة تورَّث لعاشر جيل؟ واقرأوا إن شئتم: لا يدخل ابن زنى فى جماعة الرب. حتى الجيل العاشر لا يدخل منه أحد فى جماعة الرب. لا يدخل عمونى ولا موآبى فى جماعة الرب. حتى الجيل العاشر لا يدخل منهم أحد فى جماعة الرب إلى الأبد. (تثنية23: 2-3), والله أعلم.

س269- لقد قال نبيكم لمن سأله عن مصير أبيه الذى مات قبل بعثته: ((أبى وأبوك فى النار)) وعندما سُئِل عن الوائدة قال: ((الوائدة والموءودة فى النار)) [سنن أبى داود, مُسنَد أحمد, صحيح الجامع:7142] فما ذنب الموءودة؟ وما ذنب المشركين الذين كانوا قبل بعثته حتى يدخلوا النار؟ وما ذنب من لم تصله الدعوة, سواء فى زمننا هذا أو قبله أو بعده؟ ثم إن هذا يتناقض مع الآية: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء:15]

ج269- إن قول الرسول r: ((أبى وأبوك فى النار)) للرجل الذى سأله عن أبيه الذى مات فى الجاهلية, كان غالباً قبل نزول هذه الآية الكريمة, فظن الرسول r (والله أعلم) أن كل من مات مشركاً فهو فى النار, حتى ولو قبل الرسالة. أما الآية فهى توضح أن أهل الفترة (أى الفترة بين رسولين) لا يعذبون بسبب كفرهم, لأنه لم يُبعَث إليهم رسول, كحال المشركين قبل بعثة الرسول r أما مآلهم يوم القيامة, ومآل غيرهم ممن لم تصله الدعوة فى زمننا, أو قبله أو بعده, فقد وضحه حديث الرسول r الذى قال فيه: ((أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصَم لا يسمع شيئاً, ورجل أحمق, ورجل هَرِم, ورجل مات فى فترة, فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً, وأما الأحمق فيقول: رب جاء الإسلام وما أعقل شيئاً, والصبيان يحذفوننى بالبعر, وأما الْهَرِم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً, وأما الذى مات فى الفترة فيقول: رب ما أتانى لك رسول, فيأخذ مواثيقهم ليطيعنّه, فيرسل إليهم أن ادخلوا النار, فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً, ومن لم يدخلها سُحِبَ إليها)) [صحيح الجامع:881]

أما قوله r: ((الوائدة والموءودة فى النار)) فقد جاء فى كتاب (عَوْن المعبود) إن (الموءودة) معناها (الموءودة لها) أى الأم التى رضيت بهذا الفعل, ولكن حُذِفَت الصِّلَة. وجاء فى (السراج المنير) ما معناه إن سبب هذا الحديث أن النبى r سُئِلَ عن امرأة وأدت بنتاً لها, فقال قولته تلك, فلا يجوز الحكم على أطفال الكفار بأن يكونوا من أهل النار بهذا الحديث, لأن هذه الواقعة عَيْن فى شخص مُعيَّن. ومعنى هذا أن الرسول r قال هذا لعلمه بأن هذه البنت إذا كبرت قستكون كافرة, وذلك من العلم الذى علَّمَهُ الله إيّاه دون سواه, كما علَّم الله الخَضِر أن الولد الذى قتله لو كَبُرَ فسيكون كافراً {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً} [الكهف:80], والله أعلم.

س270- إن القرآن يكذب نبيكم فى شفاعته لكم, واقرءوا إن شئتم: {مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} [السجدة:4] وآيات أخرى كثيرة تنفى الشفاعة عن سائر البشر, مثل: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الإنفطار:19]

ج270- إن هذه الآيات تعنى أن الأمر بيد الله وحده لا ينازعه فيه منازع, ولكنها مقيَّدة فى آيات أخرى بمشيئة الله جل وعلا, كقوله تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة:255] و{مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس:3] و{وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28] و{لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} [مريم:87] فكل هذه الآيات تثبت الشفاعة, ولكنها تقيدها بإذن الله سبحانه وتعالى, والشفاعة ليست قاصرة على الرسول r فحسب, بل هى أيضاً لعباد الله الصالحين من الأنبياء والمرسلين – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – وللشهداء وغيرهم من المؤمنين, المهم أنها لا تتم إلا بإذن الله, قال رسول الله r: ((شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى)) [صحيح الجامع:3714] وقال: ((من صلى علىَّ حين يصبح عشراً, وحين يمسى عشراً, أدركته شفاعتى يوم القيامة)) [صحيح الجامع:6357] وقال: ((للشهيد عند الله سبع خصال: يُغفَر له فى أول دفعة من دمه, ويرى مقعده من الجنة, ويحلى حُلَّة الإيمان, ويُزوَّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين, ويُجار من عذاب القبر, ويأمن من الفزع الأكبر, ويوضع على رأسه تاج الوقار, الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها, ويشفع فى سبعين إنساناً من أهل بيته)) [صحيح الجامع:5182]‌ وغير ذلك من الأحاديث التى تثبت الشفاعة له r وللمؤمنين, أما الشفاعة العظمى فهى للرسول r دون غيره من الأنبياء, كما جاء فى الرد على الشبهة رقم (50), والله أعلم.

س271- مرة أخرى يتصادم القرآن مع كلام نبيكم, فمحمد يحرم ما أحله القرآن, فقد أحلَّ القرآن صناعة التماثيل, بدليل قوله: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ} [سبأ:13] بينما يقول محمد: ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصوِّرون, يقال لهم: أحيوا ما خلقتم)) [صحيح الجامع:999] ونحن نسأل: هل صناعة التماثيل حلال كما يقول القرآن؟ أم هى حرام كما يقول محمد؟

ج271- إن صناعة التماثيل كانت حلالاً فى شريعة سيدنا سليمان – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – وشريعة غيرنا ليست مُلزِمَة لنا, إلا ما وافق شرعنا. فمثلاً: كان السجود للبشر غير محرم فى شريعة سيدنا يعقوب, وسيدنا يوسف – على نبينا وعليهما الصلاة والسلام – كما أخبرنا الله عنهما: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً} [يوسف:100] أما نحن فلا نسجد إلا لله سبحانه وتعالى, وقد سجد رجل لرسول الله r لما رأى الأعاجم يسجدون لملوكهم, فنهاه الرسول r وقال له: ((لو كنتُ آمراً أحداً أن يسجد لأحدٍ, لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)) [صحيح الجامع:5294] فشريعتنا ناسخة لكل ما يخالفها من الشرائع الأخرى {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} [المائدة:48] وقد أمرنا ربنا تبارك وتعالى بطاعة نبينا r {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر:7] فطالما أن الرسول r حرم التماثيل, فما علينا إلا الامتثال لأمره, وفى هذا امتثال لأمر الله جل وعلا, فهو سبحانه الذى قال: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} [النساء:80] وليس كتابنا وحده الذى نسخ بعض ما قبله, بل حدث مثل هذا فى الإنجيل الذى نسخ بعض ما جاء فى التوراة, كما قال سيدنا عيسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – لليهود: {وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران:50] لأن الله حرم عليهم بعض النعم بذنوبهم {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً} [النساء:160] وهم إلى الآن لا يأكلون بعض الذبائح التى أحلها الله لنا, فلا يأكلون (مثلاً) الإبل والبط والأوز والأرنب, وغير ذلك مما حرمه الله عليهم جزاء ظلمهم. والقارئ للكتاب المقدس يجد الكثير من الأشياء التى نُسِخَت, وقد أشرنا إلى بعضها فى الرد على الشبهة رقم (31) وبالله التوفيق, والله أعلم.

س272- لقد حرم نبيكم ما أحله الله بنص القرآن, وهذا من الكبائر كما تقولون, واقرأوا إن شئتم: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم:1]

ج272- إن هذا لصالح نبينا r وليس ضده, فإنه لم يحرم ما أحله الله بالمعنى المفهوم, ولكنه كان يذهب إلى السيدة زينب بنت جحش – رضى الله عنها – فيأكل عندها عسلاً, فغارت منها السيدة عائشة والسيدة حفصة – رضى الله عنهما – فاتفقتا على أن تقولا له حين يقترب من إحداهما: ما هذه الرائحة يا رسول الله؟ أكَلْتَ مغافير؟ (وهو ما نسميه الصمغ) فيجيبهم بأنه قد شرب عسلاً, فلما أعادتا عليه القول, أقسم على نفسه ألا يأكل العسل مرة أخرى, خشية أن تكون رائحته مثل رائحة المغافير, وقد كان معروفاً بقبح رائحته, والرسول r يناجى ربه, ولا يريد أن يناجيه وفمه متغير الرائحة, فهو الذى كان يكثر من السواك, ويأمر به, وهو الذى كان لا يأكل البصل والثوم نيِّئين, ولا يأكل الفجل والجرجير والكُرّاث, وكان يكثر من التطهر والتطيّب, فهو r أطهر وأنظف خلق الله, وأطيبهم ريحاً, إذن فعزمه على ألا يأكله هو زيادة فى التقرب إلى ربه جل وعلا, لأنه قد حَرَم نفسه من الشىء الذى يحبه, ولكنه لم يقل إنه حرام كما ظن السائل, وعتاب الله له لم يكن عتاب غضب عليه, ولكنه كان عتاب رحمة به, فمثلاً {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} لو أنك رأيت ولدك يجتهد فى المذاكرة اجتهاداً شديداً, ويسهر الليالى حتى تحمر عيناه, ويحرم نفسه من أشياء كثيرة من أجلها, لأشفقت عليه وقلت له: (ما كل هذا التعب يا بنى؟ هَوِّن على نفسك, ولا تَشُق عليها) فهل هذا عتاب غضب, أم عتاب رحمة؟ فالله سبحانه وتعالى لم يغضب لتحريم الرسول r على نفسه العسل, ولكنه أشفق عليه, والله أعلم.

س273- موضوع الحلف عندكم غامض, وغير محدد الملامح, وفيه تلاعب, فالقرآن يقول: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة:225] ثم يأتى نبيكم فيقول: ((من أكبر الكبائر الشرك بالله, واليمين الغموس))‌ [صحيح الجامع:5900]‌

ج273- هناك نوع من الأَيْمان يعفو الله عنه, وهذا من رحمته سبحانه وتعالى بعباده, وهو ما ورد ذكره فى الآية السابقة, وهو يمين بغير نية صادقة, ولا عزم, ولا تأكيد, كمن يقابل صديقه فى الطريق, ويطلب منه أن يذهب معه إلى بيته, ويقول له: تعالَ والله, فيرد عليه: لا والله لا أستطيع, أو كمن يحلف على ضيفه أن يأكل, أو من يقول لولده فى لحظة غضب: والله لأقتلنك, والله لأقطِّعنك.. وهكذا. أمّا اليمين المنعقدة, أى التى يُصِرّ صاحبها على فعل ما أقسم عليه, فهى التى يُؤاخذ عليها, كأن يحلف بالله أن يفعل شيئاً أو ألا يفعله, فإن حنث فى يمينه (أى فعل غير ما أقسم عليه) فليُكَفِّر عن يمينه بإحدى الكفارات التى وردت فى سورة (المائدة) أما ((اليمين الغموس)) الذى ورد فى الحديث الشريف, فهو الحَلِف بالكذب المتعمَّد, أى أن صاحبه يقسم بالله على شىء, وهو يعلم تماماً أنه كذب, فهذا الحلف يغمس صاحبه فى الإثم, ثم يغمسه فى النار, إلا أن يتوب منه توبة نصوحاً, وهو من الكبائر كما قال رسول الله r. وبهذا يتضح لنا أن الأيمان ثلاثة أنواع: لغو, ومنعقدة, وغموس, فاليمين اللغو والمنعقدة تكونان على فعل شىء أو تركه (أى أنه لم يحدث بعد) أما الغموس فهو على شىء مضى, أما إذا أقسم الإنسان على شىء ناسياً, ثم تبين له خطؤه, فهذا لا يؤاخذ عليه, ولا يعتبر يميناً غموساً, لقول رسول الله r: ((إن الله تعالى تجاوز لى عن أمتى الخطأ, والنسيان, وما استُكرِهوا عليه)) [صحيح الجامع:1731]

وقد أحل لكم معبودكم الحلف بغير الله, ثم حرمه على الإطلاق, فقد قال فى كتابكم المقدس: فإن من حلف بالمذبح فقد حلف به وبكل ما عليه. ومن حلف بالهيكل فقد حلف به وبالساكن فيه. ومن حلف بالسماء فقد حلف بعرش الله وبالجالس عليه. (متى23: 20-22) ثم قال: أيضاً سمعتم أنه قيل للقدماء لا تحنث بل أوْفِ للرب أقسامك. وأما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتَّة. (متى5: 33-34), والله أعلم.

س274- يقول نبيكم: ((إنكم سترون ربكم)) [صحيح الجامع:2306] ولكن القرآن ينفى عن موسى النبى العظيم رؤية الله {قَالَ لَن تَرَانِي} [الأعراف:143] فهل أنتم أفضل من موسى؟

ج274- لا أحد من المسلمين يزعم أنه خير من موسى بن عمران – على نبينا وعليهما الصلاة والسلام – والمسلمون جميعاً يعلمون أن المقصود بهذا الحديث هو رؤية الله سبحانه وتعالى فى الجنة, وليست فى الدنيا, لأن رؤية الله عز وجل فى الدنيا مستحيلة, حتى للأنبياء, لأننا غير مؤهَّلين بِبِنْيَتنا الجسدية الحالية لرؤيته سبحانه وتعالى, أما فى الآخرة فسيجعلنا نتحمل هذه الرؤية, ونتنعم بها, حيث أنه سيُنْشِئُنا نشأة أخرى, والله أعلم.

س275- لقد أثبت القرآن أن نبيكم حاول الانتحار, فقال: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً} [الكهف:6] وقال: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:3] والغريب أنه يحرم الانتحار, كما جاء فى حديثه عن الله: ((عبدى بادرنى بنفسه, حرمت عليه الجنة)) [صحيح الجامع:2082]

ج275- إن السائل قد فهم الآيتين فهماً خاطئاً, فإن الرسول r لم يحاول الانتحار, ولكنه كان مغموماً أشد الغم, وحزيناً أشد الحزن على عدم إيمانهم, لحرصه عليهم, حتى كاد غمه وحزنه أن يقتله, فخفف الله عنه بهاتين الآيتين, وكأنه يقول له: هون عليك يا محمد, فإن حزنك عليهم سيقتلك, والأمر ليس بيدك {فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر:8] ولِمَ لا يحزن عليهم, وهو الذى أرسله ربه {رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} وقال عنه: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة:128]؟ فليس غريباً عليه أن يكون بمثل هذه الرحمة والشفقة, وخصوصاً أنه رأى النار على حقيقتها فى ليلة المعراج, فازداد وجْده عليهم, فقد رأى بعينيه مصيرهم لو ماتوا على ذلك, كما ثبت عنه أنه دعا أبا جهل للإسلام أكثر من مائة مرة, وأنه تخشَّع لعمه أبى طالب يقول له: ((يا عمِّ قل لا إله إلا الله, كلمة أشهد لك بها عند الله)) [متفق عليه] والحديث عن رحمته r لا ينتهى, فليس غريباً على صاحب هذه الرحمة العظيمة أن يكون حزنه عليهم عظيماً, حتى كاد حزنه أن يقتله. وليس أَدَلّ على شدة حرصه على هداية قومه مما نعرفه من سيرته المطهرة, من احتمال الأذى والضرب والسب, كما حدث عندما ذهب إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام, فأغروا به سفهاءهم وغلمانهم, فضربوه بالحجارة حتى أدْمَوا قدميه الشريفتين, قأرسل الله إليه جبريل u كما جاء ذلك فى حديثه r مع السيدة عائشة, رضى الله عنها: ((لقد لقيتُ من قومك, وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة, إذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل بن عبد كلال, فلم يجبنى إلى ما أردت, فانطلقت وأنا مهموم على وجهى, فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب, فرفعت رأسى, فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى, فنظرت فإذا فيها جبريل, فنادانى فقال: إن الله قد سمع كلام قومك لك وما ردُّوا عليك, وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم, فنادانى ملك الجبال فسلَّم علىَّ, ثم قال يا محمد! فقال ذلك فما شئتَ, إن شئتَ أطبق عليهم الأخشبَيْن, قلت: بل أرجو أن يُخرِجَ الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً)) [صحيح الجامع:5141]‌, والله أعلم.

س276- إن القرآن ينص على أن محمداً لم يكن أباً لأحد من الرجال, فيقول: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} [الأحزاب:40] ولكن السيرة تقطع بأنه أنجب ثلاثة ذكور.

ج276- إن هذه الآية نزلت لتنفى أبوة الرسول r لسيدنا زيد بن حارثة t أو غيره, ثم إنها صحيحة من وجه آخر, وهو أن هؤلاء الذكور الذين أنجبهم الرسول r لم يبلغ أحد منهم الحُلُم, فقد ماتوا جميعاً وهم أطفال, أى أنه لم يصل أحد منهم إلى سن الرجولة, ولو أن الله سبحانه وتعالى قال (ما كان محمد أبا أحد من أطفالكم) أو (أولادكم) لكان حجة لكم, والله أعلم.

س277- يزعم القرآن أن كل ما ينطق به نبيكم إنما هو من الوحى, فيقول: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى{3} إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3-4] فى حين أنه مر على قوم يلقِّحون النخل, فقال لهم: ((لو لم تفعلوا لصَلُحَ)) فخرج شيصاً, أى جافاً لا يصلح للطعام.

ج277- إن هذه الآية الكريمة تنطبق على الأمور الشرعية, وليست على الأمور الدنيوية, فهل يُعقل أن كل كلمة ينطقها الرسول r تكون وحياً, ويحرم عليه نطق غيرها؟ إن هذا لفهم قاصر, وهل قوله r: ((وارأساه)) حين شعر بالصداع كان وحياً؟ وهل ملاطفته لزوجاته – رضى الله عنهن – كما كان يقول للسيدة عائشة: ((يا عائِش)) كانت وحياً؟ وهل لو قال على سبيل المثال: أنا جائع, أو أنا عطشان, تكون وحياً؟ إن الرسول r حين مرّ على هؤلاء القوم, ووجدهم يلقحون النخل, فقال لهم مقالته تلك, كان ذلك مجرد رأى شخصى, وليس وحياً, بدليل أنه قال لهم بعدها: ((إذا كان شىء من أمر دنياكم فأنتم أعلم به, وإذا كان شىء من أمر دينكم فإلىَّ)) [صحيح الجامع:767]

أمّا عندكم فالأمر أشد, لأنكم تزعمون أن المسيح هو الله أو ابن الله, فى حين أنه لا يعلم متى تُخرِجُ شجرة التين ثمرها: وفى الغد لما خرجوا من بيت عِنيا جاع. فنظر شجرة تين من بعيد عليها ورق وجاء لعلَّه يجد فيها شيئاً فلما جاء إليها لم يجد شيئاً إلا ورقاً. لأنه لم يكن وقت التين. (مرقس11: 12-13) ونلاحظ أنه لم يعلم بحالها إلا بعد أن اقترب منها, فهل هذا علم الإله عندكم؟, والله أعلم.

س278- إن نبيكم كان يباشر زوجاته أثناء الحيض, مع أن هذا يتعارض مع قول كتابكم: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ} [البقرة:222] وكان يقرأ القرآن فى حجر عائشة وهى حائض.

ج278- ورد فى الصحيحين من حديث ميمونة بنت الحارث الهلالية – رضى الله عنها – قالت: كان النبى r إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه, أمرها فاتَّزرت وهى حائض. ولها عن عائشة نحوه. وروى الإمام أحمد وأبو داوود والترمذى وابن ماجه, عن عبد الله بن سعد الأنصارى t أنه سأل رسول الله r: ما يحل لى من امرأتى وهى حائض؟ فقال: ((ما فوق الإزار)) وروى ابن جرير أن مسروقاً ذهب إلى عائشة – رضى الله عنها – فقال: السلام على النبى وعلى أهله, فقالت عائشة: مرحباً مرحباً, فأذنوا له فدخل, فقال: إنى أريد أن أسألك عن شىء وأنا أستحى, فقالت: إنما أنا أمك وأنت ابنى, فقال: ما للرجل من امرأته وهى حائض؟ فقالت له: كل شىء إلا الجماع, وفى رواية: ما  فوق الإزار.

لقد فهم أعداء الإسلام أن المباشرة هى الجماع, مع أن هذا فيه مغالطة كبيرة, إذ كيف يتم الجماع مع الاتزار؟ إن المباشرة المنهى عنها فى الآية الكريمة هى الجماع, أما ما دون ذلك فهو حلال بالإجماع. أما قراءته القرآن فى حجر السيدة عائشة – رضى الله عنها – فقد روى البخارى عن عائشة أنها قالت: (كان رسول الله r يأمرنى فأغسل رأسه وأنا حائض, وكان يتكئ فى حجرى وأنا حائض فيقرأ القرأن) فأى عيب فى هذا؟ لقد كان الأوْلى أن يُعَد هذا من الفضائل, بدلاً من جعله من الرذائل.

إن المرأة فى الإسلام مُكرَّمَة, لا ينجسها حيضها, ولا نفاسها, لعموم قول الرسول r: ((إن المؤمن لا ينجُس)) [صحيح الجامع:1933] بعكس ما جاء فى الكتاب المقدس من اعتبار الحائض والمستحاضة نجسة, هى وكل ما تلمسه أو يلمسها, بدليل قوله: وإذا كانت امرأة لها سيل وكان سيلها دماً فى لحمها فسبعة أيام تكون فى طمثها وكل من مسها يكون نجساً إلى المساء. وكل ما تضطجع عليه فى طمثها يكون نجساً وكل ما تجلس عليه يكون نجساً. وكل من مس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء. وكل من مس متاعاً تجلس عليه يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً الى المساء. وإن كان على الفراش أو المتاع الذى هى جالسة عليه عندما يمسه يكون نجساً الى المساء. وإن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه يكون نجساً سبعة أيام. وكل فراش يضطجع عليه يكون نجساً. وإذا كانت امرأة يسيل دمها أياماً كثيرة فى غير وقت طمثها أو إذا سال بعد طمثها فتكون كل أيام سيلان نجاستها كما فى أيام طمثها. إنها نجسة. كل فراش تضطجع عليه كل أيام سيلها يكون لها كفراش طمثها. وكل الأمتعة التى تجلس عليها تكون نجسة كنجاسة طمثها. وكل من مسهن يكون نجساً فيغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً الى المساء (لاويين15: 19-27) وقد ذكرنا أن الحائض عندهم مذنبة, ولابد أن تكفر عن خطيئتها, فى الرد على الشبهة رقم (71)

ونَودّ هاهنا أن نذكِّر الذين يعيبون على نبينا r مباشرته لزوجاته (رضى الله عنهن) أثناء الحيض, بما جاء فى كتابهم المقدس عن نبى الله داود – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – وهو منه بَراء: وشاخ الملك داود. تقدم فى الأيام. وكانوا يدثرونه بالثياب فلم يدفأ. فقال له عبيده ليفتشوا لسيدنا الملك على فتاة عذراء فلتقف أمام الملك ولتكن له حاضنة ولتضطجع فى حضنك فيدفأ سيدنا الملك. ففتشوا على فتاة جميلة فى جميع تخوم إسرائيل فوجدوا أبيشج الشونمية فجاءوا بها إلى الملك. وكانت الفتاة جميلة جداً فكانت حاضنة الملك وكانت تخدمه ولكن الملك لم يعرفها (الملوك الأول1: 1-4) فهل التدفئة لا تتم إلا باحتضان الفتيات الجميلات الْمُحرَّمات؟, والله أعلم.

س279- لقد قاتل نبيكم فى الشهر الحرام, رغم نهى القرآن عن ذلك فى قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة:217]

ج279- إن المسلمين جميعاً, وعلى رأسهم إمامهم ورسولهم محمد r هم أحفظ الناس لحرمة الأشهر الحرم, وعدم القتال فيها, واعتبار القتال فيها حدثًا كبيراً, وكأنه كبيرة من الكبائر. ولكن ماذا يفعل المسلمون إذا ما وُوجِهُوا من المشركين بالقتال, والعدوان على الأنفس والأموال والأعراض؟ بل ماذا يفعلون إذا فوجئوا بمن يخرجهم من المسجد الحرام, وهم أهله, وأوْلى الناس به؟ إن قانون (الدفع الحضارى) الذى يقرّه القرآن الكريم لحماية الأرض من الفساد، ثم لحماية بيوت العبادة, سواء كانت للمسلمين, أو اليهود, أو النصارى، والذى عبر عنه القرآن بقوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ} [البقرة:251] وقوله: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} [الحج:40] هذا القانون هو الذى يحمى الأرض والناس – بأمر الله – من إفساد المتجبرين, وظلم الظالمين, وليس قانون (من ضربك على خدك الأيمن فأدِرْ له خدك الأيسر) وذلك على أساس أن من يمكِّن الله لهم فى الأرض – بما يمنحهم من القوة والثروة والعلم – يجب أن يكونوا صالحين ومصلحين. بمعنى ألا يستخدموا قوتهم وثروتهم وعلمهم فى الطغيان والظلم والإفساد, وإيثار ملذاتهم وشهواتهم, ولكن فى إقامة شرع الله, ورفع الظلم عن المظلومين, وإشاعة الحق والعدل بين العالمين {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج:41] ولأن إقرار حقوق عباد الله فى أرضه, وحماية المستضعفين من بطش المتجبرين, لا يقل حرمة عند الله من حرمة الأشهر الحرم, فقد أبيح القتال فيها لمن ظُلِموا من المسلمين, ومن فُتِنوا فى دينهم, وأُخرجوا من ديارهم ظلماً وعدواناً, وهذا ما تقرره الآية الكريمة التى ذكرت فى السؤال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ}, والله أعلم.

س280- يزعم القرآن أن الأنصار كانوا مثلاً أعلى يُحتَذَى, فيقول: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر:9] إذن فلماذا انقلبوا على نبيهم فى تقسيم غنائم حُنَيْن؟

ج280- إن الأنصار  yلم ينقلبوا على نبيهم r طرفة عين, وللإجابة على هذا السؤال, لابد أن نعرف مُلابسات الغزوة. إن سياسة الرسول r فى تقسيم الغنائم لم تُفهَم فى أول الأمر, فقد مكث بالْجُعْرانة بضع عشرة ليلة لا يقسمها, لعل أهل هوازن يأتون إليه تائبين, فيحرزوا ما فقدوا, ولكن لم يأته أحد منهم, فبدأ بقسمة المال, ليرضى المتطلِّعين من رؤساء القبائل وأشراف مكة, فكان المؤلفة قلوبهم أول من أعطى, وحظوا بالأنصبة الكبيرة, فأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومائة من الإبل, فقال: (وابنى يزيد) فأعطاه مثلها, فقال: (وابنى معاوية) فأعطاه مثلها, وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل, ثم سأله مائة أخرى فأعطاه إياها, وأعطى صفوان بن أمية مائة من الإبل, ثم مائة (كذا فى الشفاء للقاضى عِياض) وأعطى الحارث بن الحارث بن كِلدة مائة من الإبل, وكذا أعطى رجالاً من رؤساء قريش وغيرها مائة من الإبل, وأعطى آخرين خمسين وأربعين, حتى شاع فى الناس أن محمداً يعطى عطاء من لا يخشى الفقر, فازدحمت عليه الأعراب يطلبون المال, حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت رداءه, فقال: ((يا أيها الناس! ردوا علىَّ ردائى, فوالله لو أن لى بعدد شجر تِهامة نَعَماً لقسمته عليكم, ثم لا تلقَوْنى بخيلاً ولا جباناً ولا كذوباً, يا أيها الناس! ليس لى من هذا الفَىْء شىء, ولا هذه الوبرة, إلا الْخُمْس, والخمس مردود فيكم, فأدُّوا الخياط والمخيط, فإن الغلول يكون على أهله عاراً, وناراً, وشناراً يوم القيامة)) [صحيح الجامع:7883]‌ وبعد إعطاء المؤلفة قلوبهم, أمر الرسول r زيد بن ثابت t بإحضار الغنائم ثم فرقها عليهم, وكانت هذه القسمة مبنية على سياسة حكيمة, فإن البشر يحتاجون إلى فنون من الإغراء حتى تستأنس بالإيمان قلوبهم, وهناك أقوام كثيرون يقادون إلى الحق من بطونهم لا من عقولهم, ولم يكن الأنصار y يعلمون نيته r فعتبوا عليه, لأنهم حُرِمُوا جميعاً من هذه المغانم, وهم الذين نودوا وقت الشدة بعدما تفرق عنه الناس, فطاروا يقاتلون معه r حتى تبدل الفرار فى الغزوة انتصاراً بإذن الله, وهاهم يرون أيدى الفارّين مَلأى, وأيديهم خاوية.

وإليكم ما جاء فى مسند الإمام أحمد رحمه الله: عن أبى سعيد الخدرى t قال: لما أعطى رسول الله r ما أعطى من تلك العطايا فى قريش وقبائل العرب, ولم يكن فى الأنصار منها شىء, وجد هذا الحى من الأنصار فى أنفسهم (أى غضبوا) حتى كثرت فيهم القالَة, حتى قال قائلهم: لقى رسول الله r قومه, فدخل عليه سعد بن عبادة, فقال: يا رسول الله.. إن هذا الحى قد وجدوا عليك فى أنفسهم لما صنعت فى هذا الفىء الذى أصبت, قسَمْتَ فى قومك, وأعطيت عطايا فى قبائل العرب, ولم يكن فى هذا الحى من الأنصار شىء, قال: ((فأين أنت من ذلك يا سعد؟)) قال يا رسول الله ما أنا إلا امرؤ من قومى وما أنا, قال: ((فاجمع لى قومك فى هذه الحظيرة)) قال: فخرج سعد, فجمع الناس فى تلك الحظيرة, قال فجاء رجال من المهاجرين, فتركهم فدخلوا, وجاء آخرون, فلما اجتمعوا أتاه سعد فقال: قد اجتمع لك هذا الحى من الأنصار, قال: فأتاهم رسول الله r فحمد الله وأثنى عليه بالذى هو له, ثم قال: ((يا معشر الأنصار مَقالةٌ بلغتنى عنكم وَجْدَةٌ وجدتموها فى أنفسكم, ألم آتِكُم ضُلالاً فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله؟ وأعداء فألَّف الله بين قلوبكم؟)) قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ وأفضلُ, قال: ((ألا تجيبونى؟)) قالوا: وبما نجيبك يا رسول الله, ولله ولرسوله المنُّ والفضل؟ قال: ((أمَا والله لو شئتم لقلتم فلصَدَقْتُم وصُدِّقْتُم: أتيتَنا مكذوباً فصدَّقناك, ومخذولاً فنصرناك, وطريداً فآويناك, وعائلاً فأغنيناك, أوجدتم فى أنفسكم يا معشر الأنصار فى لُعاعَة من الدنيا, تألَّفتُ بها قوماً ليُسْلِموا, ووكلتكم إلى إسلامكم؟ أفَلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير, وترجعون برسول الله r فى رحالكم؟ فوالذى نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنتُ امرأً من الأنصار, ولو سلك الناس شِعباً, وسَلَكَت الأنصار شِعباً, لسلكتُ شِعب الأنصار, اللهم ارحم الأنصار, وأبناء الأنصار, وأبناء أبناء الأنصار)) قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم, وقالوا: رضينا بالله قِسْماً وحظاً, ثم انصرف رسول الله r وتفرقنا.   

يتضح مما سبق أن الأنصار y لم يتطاولوا على رسول الله r ولم يسيئوا معه الأدب, ولكن غاية ما ظنوه وقالوه, إنه لقى قومه بعد فراق دام لعدة سنوات, فأكرمهم بالعطايا, ولم يزيدوا على ذلك, فهم والمهاجرون خِيرَة خلق الله بعد نبيهم r, فرضى الله عنهم وأرضاهم.

وقد جاء فى الكتاب المقدس عن تلاميذ المسيح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – ما هو أشد بكثير من اعتراض الصحابة y على قِسْمَة نبيهم r, فقد انتهره بطرس (وهو أكبر تلاميذه) واستكثروا عليه الطِّيب الغالى, وأسلَمَه أحدهم (على حد قولهم) لليهود ليقتلوه, وكان أحدهم سارقاً, وحدثت مشاجرة بين برنابا وبولس:

فأخذه بطرس إليه وابتدأ ينتهره (متى16: 22)

وفيما كان يسوع فى بيت عِنيا فى بيت سمعان الأبرص تقدمت إليه امرأة معها قارورة طِيب كثير الثمن فسكبته على رأسه وهو متكئ. فلما رأى تلاميذه ذلك اغتاظوا قائلين لماذا هذا الإتلاف. لأنه كان يمكن أن يُباع هذا الطيب بكثير ويُعطى للفقراء. فعلم يسوع وقال لهم لماذا تزعجون المرأة فإنها قد عملت بى عملاً حسناً. لأن الفقراء معكم فى كل حين. وأما أنا فلستُ معكم فى كل حين. (متى26: 6-11)

وكان يهوذا مُسَلِّمُهُ يعرف الموضع. لأن يسوع اجتمع هناك كثيراً مع تلاميذه. فأخذ يهوذا الْجُنْد وخدّاماً من عند رؤساء الكهنة والفريسيين وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح. (يوحنا18: 2-3) رغم أن (يهوذا) كان من الاثنى عشر رسولاً الذين اختارهم المسيح ليكونوا وكلاء عنه فى تبليغ دعوته. وقد كان لِصّاً كما يتضح من النَّص التالى:

ثم قبل الفِصْح بستة أيام أتى يسوع إلى بيت عنيا… فأخذت مريم منا من طيب ناردين خالص كثير الثمن ودهنت قدمَى يسوع ومسحت قدميه بشعرها. فامتلأ البيت من رائحة الطيب. فقال واحد من تلاميذه وهو يهوذا سمعان الإسخريوطى الْمُزْمِعُ أن يُسَلَّمَهُ لماذا لم يُبَع هذا الطِّيب بثلاثمئة دينار ويُعْطَ للفقراء. قال هذا ليس لأنه كان يبالى بالفقراء بل لأنه كان سارقاً وكان الصندوق عنده وكان يحمل ما يُلْقَى فيه. (يوحنا12: 1-6)

ثم بعد أيام قال بولس لبرنابا لنرجع ونفتقد إخوتنا فى كل مدينة نادينا فيها بكلمة الرب كيف هم. فأشار برنابا أن يأخذا معهما أيضاً يوحنا الذى يُدعَى مرقس. وأما بولس فكان يستحسن أن الذى فارقهما من بمفيلية ولم يذهب معهما للعمل لا يأخذانه معهما. فحصل بينهما مشاجرة حتى فارق أحدهما الآخر. (أعمال الرسل15: 36-39), والله أعلم.

س281- كيف تقولون إن رسولكم أصيب بالسحر, رغم أن القرآن قال له: {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67]؟

ج281- إن الله سبحانه وتعالى يبتلى أنبياءه ورسله – عليهم الصلاة والسلام – بما يشاء من البلاء، فيزداد بذلك أجرهم، وترتفع درجاتهم, ومن ذلك ابتلاؤهم بتكذيب أقوامهم لهم, وإيذاؤهم لهم ولأتباعهم، كما ابتلى بعضهم بالمرض (كسيدنا أيوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام) ومن الابتلاء الذى وقع على الرسول r ما أصابه من ذلك السحر، روى البخارى فى صحيحه عن السيدة عائشة – رضى الله عنها – أن رجلاً من (بنى زريق) يقال له (لبيد بن الأعصم) سحر رسول الله r حتى كان رسول الله يُخيَّل إليه أنه يفعل الشىء وما فعله.

إن الرسول r بشر كسائر البشر {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} [الكهف:110] فيجوز أن يصيبه ما يصيبهم من الأوجاع والأمراض, وَتَعَدِّى الخَلْق عليه, وظلمهم إياه, كسائر البشر, إلى غير ذلك مما يتعلق بأمور الدنيا التى لم يُبعَث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها, فإنه r لم يُعصَم من هذه الأمور، وقد كان r يصيبه ما يصيب الرسل من أنواع البلاء, كما حدث فى غزوة أحد وغيرها، فغير بعيد أن يصاب بمرض, أو اعتداء أحد عليه بسحر ونحوه, يخيَّل إليه بسببه فى أمور الدنيا ما لا حقيقة له، كأن يخيل إليه أنه وَطِئ زوجاته وهو لم يطأهن. إن السحر مرض من الأمراض, وعارِض من العلل, يجوز عليه كأنواع الأمراض, مما لا ينكر ولا يقدح فى نبوته, وحدث أنه جاء للرسول r أحد الصحابه y يعوده فى مرضه, قائلاً له: إنك توعك يا رسول الله, فقال: ((إنى أُوعَكُ كما يُوعَك رجلان منكم)) [صحيح الجامع:2455] إلا أن الإصابة بالمرض أو السحر, لا يتجاوز ذلك إلى تلقِّى الوحى عن الله سبحانه وتعالى, ولا إلى البلاغ عن ربه إلى الناس, لقيام الأدلة من الكتاب والسنَّة, وإجماع سلف الأمة, على عصمته r فى تلقّى الوحى وإبلاغه, وسائر ما يتعلق بشئون الدين. ولقد ظن البعض أن ما أصاب الرسول r من السحر هو نقص وعيب, وليس الأمر كما يظنون, لأن ما وقع له هو من جنس ما كان يعتريه من الأعراض البشرية, كأنواع الأمراض والآلام ونحو ذلك، فالأنبياء – صلوات الله وسلامه عليهم – يعتريهم من ذلك ما يعترى البشر, كما قال الله سبحانه وتعالى: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم:11] ولا شك أن إصابة الشيطان للعبد الصالح فى بدنه لا ينفيه القرآن، وقد جاء فيه ما يدل على إمكان وقوعها، ومن ذلك ما دل عليه دعاء سيدنا أيوب, على نبينا وعليه الصلاة والسلام {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص:41] ومعلوم أن سيدنا موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – كان من أُولى العزم من الرسل، وقد خُيِّلَ إليه عندما ألقى السحرة عصيهم أنها تسعى {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه:66] فهذا التخيل الذى وقع لسيدنا موسى, يطابق التخيل الذى وقع للرسول r إلا أن تأثير السحر – كما ذكرنا – لا يمكن أن يصل إلى حد الإخلال فى تلقى الوحى, والعمل به, وتبليغه للناس، لأن النصوص قد دلت على عصمة الرسل من ذلك .

إن فى قصة سحر النبى r الكثير من أدلة نبوته طبقاً للآتى:

أولاً: كيف عرف النبى r أن الذى سحره هو (لبيد بن الأعصم) وأن السحر موجود فى مكان كذا وكذا لو لم يكن نبياً؟, فالنبى r هو الذى أرسل أصحابه y ليستخرجوا السحر من المكان الذى وُضِعَ فيه, ولكن السائل تعمد ألا يذكر قصة إخبار الملائكة للنبى r بموضع ومكان السحر.

ثانياً: لقد فك الرسول r السحر بقراءة المعوذتين, وهذا دليل على أن المعوذتين كلام الله عز وجل, وأن محمداً نبى مُوحىً إليه.

ثالثاً: هذه القصة دليل على كذب المستشرقين الذين قالوا: إن السنَّة النبوية قد وضعها أصحاب محمد ليثبتوا أنه نبى, وأنه كامل فى كل صفاته, فلو كان كلامهم صحيحاً, لكان هذا الحديث أول شىء يحذفونه من السنة, لأنه يُنْقِص من قدر النبى r (على حد زعمهم) غير أنه فى الحقيقة يدل على نبوته r كما ذكرنا.

والآن نريد أن نسألكم: إذا كنتم تعتقدون أن ما أصاب النبى r على أيدى اليهود من السحر قَدْح فى نبوته, وطعن فى رسالته, فهل يعنى ذلك أنكم أسقطتم نبوة أنبيائكم الذين اتهمهم كتابكم المقدس بالكفر, والزنى, وشرب الخمر, كما ذكرنا ذلك فى أكثر من موضع؟ وهل ما جاء فى كتابكم المقدس من أن الشيطان تَسَلَّط أربعين يوماً على المسيح قد أسقط نبوَّته؟ إنكم لم تسقطوا نبوَّته فحسب, بل زعمتم أنه الله, أو ابن الله, فهل الله سبحانه وتعالى فى حاجة إلى أن يُجَرَّب من إبليس أو غيره؟

ثم أُصعِدَ يسوع إلى البرية من الروح ليُجرَّب من إبليس. فبعدما صام أربعين نهاراً وأربعين ليلة جاع أخيراً… ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدسة وأوْقَفَه على جناح الهيكل… ثم أخذه أيضاً إبليس إلى جبل عالٍ جداً وأراهُ جميع ممالك العالم ومجدها (متى4: 1-8)

وكان هناك فى البرية أربعين يوماً يُجرَّب من الشيطان. (مرقس1: 13)

ولما أكمل إبليس كل تجربة فارقه إلى حين (لوقا4: 13), والله أعلم.

س282- إن نبيكم كان فظاً غليظاً, كما جاء ذلك فى قول النساء لعمر بن الخطاب: (أنت أفَظّ وأغلظ من رسول الله) مع أن هذا يتعارض مع القرآن الذى قال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159]

ج282- إن رسول الله r هو ألْيَن الناس, وأرفق الناس, وأرحم الناس, ولكن ما حدث هو ما جاء فى (صحيح البخارى) عن محمد بن سعد بن أبى وقاص, عن أبيه (رضى الله عنهما) قال: استأذن عمر على رسول الله r وعنده نساء من قريش يكلِّمنه, ويستكثرنَه, عالية أصواتهن, فلما استأذن عمر, قُمْنَ يبتدرن الحجاب, فأذن له رسول الله r ورسول الله r يضحك, فقال عمر: أضحَكَ اللهُ سِنَّكَ يا رسول الله! قال: ((عجبتُ من هؤلاء اللاتى كُنَّ عندى, فلما سَمِعْن صوتك ابتدرن الحجاب)) قال عمر: يا رسول الله.. كنتَ أحَقَّ أن يَهَبْنَ, ثم قال: أى عدّواتِ أنفسِهن, أتَهَبْننى ولا تَهَبْن رسول الله r؟ قُلْنَ: نعم, أنت أَفَظّ وأغلظ من رسول الله r.

(يستكثرْنَه) أى يطلبْنَ منه أن يحث الرجال على زيادة النفقة عليهن, و(قُمْنَ يبتدِرْنَ الحجاب) أى اختبأْن وراء حجاب, خوفاً من سيدنا عمر t لمعرفتهن بشدته فى الحق, لأنه من المتوَقَّع أن يزجرهن, لرفع أصواتهن عند رسول الله r.

إن الفظاظة والغِلْظة معناهما واحد, وهو القسوة أو الشدة, وكلاهما محمود أحياناً, ومذموم أحياناً أخرى, فإذا كانا فى نُصْرة الحق, ومجاهدة أعداء الله, فهما مطلوبان ومحمودان, قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة:73] و[التحريم:9] وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة:123] أما إذا كانا فى الدعوة إلى الله, ومعاملة خَلْق الله, فهما مذمومان, قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} فلا تعارُض إذن بين الآية الكريمة, وما جاء من قول النسوة لسيدنا عمر t, فالرسول r كان يجمع بين اللين والشدة, ولكن لكُلٍّ منهما مقامه, فهو رحيم بالمؤمنين, غليظ على الكافرين, قال تعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة:128] وقال: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} [الفتح:29] وربما قالت النسوة هذه المقولة لأن الرسول r كان يشتد أحياناً فى الزجر عن طلب الدنيا, وهُنَّ كُنَّ عنده يكلمنه, ويرفعن أصواتهن من أجلها, أما سيدنا عمر t فكان يبالغ فى الزَّجْر عن المنكرات, وكان لا يقبل أى تهاون فى حق رسول الله r ولو برَفْع الصوت, كما حدث من هؤلاء النسوة. والأرجح أن فى قولهن مَجَازاً عقلياً كما يقول علماء البلاغة, كأن يعبِّر أحدهم, ويبالغ فى التشبيه قائلاً: (هذه أكثر نعومة وليونة من الحرير) فهل الحرير خَشِن؟ وكما تبالغ فى وصف أمانة أحد تعرفه, فتقول: (إنى أثقُ فيه أكثر من نفسى) فهل يعنى ذلك أنك خائن؟, والله أعلم.

س283- يقول زكريا: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً{5} يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [مريم:5-6] ويقول القرآن عن سليمان: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل:16] مع أن هذا وذاك يتناقض مع قول نبيكم عن نفسه وجميع الأنبياء: ((لا نُورَث, ما تركنا صدقة)) [متفق عليه] أى أن أهليهم لا يرثونهم, وما تركوه يكون صدقة.    

ج283- إن الميراث الذى جاء ذكره فى الآيتين الكريمتين, ليس ميراثاً دنيوياً, أى أن سيدنا زكريا لم يتمنَّ أن يهبه الله من يَرِث ترِكَته, ولكنه تمنى أن يرزقه الله من يرث نبوَّته, وكذلك فإن سيدنا سليمان لم يرث متاع الدنيا عن أبيه, بل ورث عنه النبوة. أما حديث الرسول r فمعناه أن ما تركه الأنبياء – صلوات الله وسلامه عليهم – من متاع الدنيا, فلا يرثه أهليهم, بل يكون صدقة توزع على الفقراء من بعدهم, والله أعلم.

 

*   *   *

رد واحد to “زعم تناقض القرآن مع السنة”

  1. غير معروف Says:

    الله يوفقكم ياا رب ؛؛

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: