شبهات ظالمة حول الإسلام


س64- لماذا سمح الإسلام للرجل بتعدد الزوجات, رغم أن هذا يضر بالمرأة؟ ولماذا لم يسمح للمرأة بتعدد الأزواج؟ أليست هذه عنصرية ظالمة؟

ج64- لقد جاء الإسلام والتعدد موجود, وليس محدوداً بعدد معيَّن, بل كما يشاء الرجل, ولو مائة امرأة, ففى هذه الحالة أيكون الإسلام عدّد أم حدّد؟ وبعد نزول آية التعدد فى سورة (النساء) أمر الرسول r من كان معه أكثر من أربع أن يطلق الزيادة, أى أن تنفيذ الأمر – بلغتنا الحديثة – كان بأثر رجعى, وفى هذه الحالة يبيح الإسلام للمطلقات أن يتزوجن, على نقيض ما جاء فى الكتاب المقدس:

فقال لهم من طلق امرأته وتزوج بأخرى يزنى عليها. وإن طلقت امرأة زوجها وتزوجت بآخر تزنى (مرقس10: 11-12)

إن التعدد فى الإسلام ليس فرضاً, ولكنه مباح, وله من الحِكَم ما لا يُعَد, فمن المعلوم أن عدد الذكور فى كل المخلوقات – أو معظمها – أقل بكثير من عدد الإناث, وليس فى بنى الإنسان فقط, بل فى المملكة الحيوانية وغيرها, كما هو مُشاهد – مثلاً – بين الدجاج, فتجد أن المائة بيضة يخرج منها تقريباً خمسة, أو ستة ديوك, والباقى إناث, وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى, فلو كان العكس لحدثت كارثة, ولتضارب الذكور على الإناث, ولَخُطِفَت النساء من أزواجهن فى الشوارع. ومعلوم أيضاً أن عدد الوفيات بين الرجال أكثر من النساء, لتعرضهم للأمراض والحوادث الناجمة عن الأعمال الشاقة التى يقومون بها دون النساء, مثل العمل فى المناجم, وحفر الآبار, وأفران الحديد والصلب, وكسح الألغام, والتعامل مع الكهرباء عالية القوة, والغوص فى أعماق البحار, والطيران, وغير ذلك. وفى حالات الحروب تحصد العديد من الرجال, فيزداد عدد النساء, كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية, عندما ازداد عدد النساء فى ألمانيا زيادة رهيبة, وأصبحت النساء بغير أزواج, فكنَّ يسافرنَ فى العطلة الأسبوعية لإشباع رغباتهنَّ فى الدول الأخرى, وتداخلت الأعراق والأنساب, وكثُر اللقطاء بصورة لا مثيل لها, حتى إنهم قُُدِّروا بحوالى خمسين مليوناً فى أرجاء أوربا الشرقية والغربية, فلو أنهم كانوا يدينون بالإسلام لَمَا لجأوا إلى الزنى, ولَمَا اختلطت أنسابهم, ولَمَا ظهر اللقطاء وأطفال الشوارع الذين لا يعرفون آباءهم. وهذا فى حد ذاته رد على السؤال الثانى.. وهو لماذا لم يُبِح الإسلام للنساء التعدد كما سمح للرجال؟ فلو سمح لهن بذلك.. فكيف يعرف كل طفل أباه؟ بالإضافة إلى أسباب أخرى كثيرة, فإن هذا الأمر تأباه الفطرة السليمة, ليس من جانب الرجال فحسب, بل من جانب النساء أيضاً. ودعونا نتساءل.. لو أن هذا الأمر حدث, ماذا ستكون النتيجة؟ كيف يعرف كل زوج أبناءه؟ سيحدث حتماً اختلاط فى الأنساب, وتنازُع على الأبناء, فكل زوج يريد الولد الأجمل, والأذكى, والأقوى, وهذا يريد الذكور, وآخر يريد الإناث… وهكذا. ومعلوم أن الذكر الواحد بإمكانه تلقيح عدد كبير من الإناث, وبهذا يزداد النسل, بعكس النساء, لو حملت إحداهنَّ فإن خصوبتها تُعَطَّل طوال مدة حملها, وربما مدة الرضاعة أيضاً. وبالإضافة لما سبق.. فقد أثبتت التحاليل والفحوص الطبية أن معاشرة المرأة لأكثر من رجل يعرضها لأمراض كثيرة, أهمها سرطان عنق الرحم, وهو من أخطر السرطانات. وقد أثبتت أحدث الفحوص والدراسات العلمية أن مَنِىّ الرجل له بصمة داخل رحم الأنثى, لا تتركه إلا بعد ثلاث حيضات, كيف هذا؟ يقولون إن أول حيضة يسقط معها ما يعادل ثلث البصمة تقريباً, والحيضة الثانية كذلك, والحيضة الثالثة كذلك, سبحان الله {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة:228] وقد فسر العلماء الثلاثة قروء بثلاث حيضات, أو ثلاث طُهرات. أما الْمُتَوفَّى عنها زوجها فيقولون إن حالة الاكتئاب التى تمر بها تجعل البصمة لا تزول إلا بعد 118 يوماً {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة:234]

ومن حِكَم التعدد أيضاً حالات مرض الزوجة, أو عقمها, أو وجود عذر يمنعها من المعاشرة الزوجية لمدة طويلة لا يطيقها الزوج, فبعض النساء تستمر دورتهن الشهرية أياماً كثيرة, وبعضهن يُمنَعن من المعاشرة الزوجية أثناء الحمل (مثل حالات الإجهاض الْمُنذِر) وكذلك أيام النفاس. ومن الأسباب أيضاً وجود أرامل (وهن كثيرات لِمَا ذكرناه من كثرة الوفيات بين الرجال) ومطلقات ليس لهن عائل, ويتامى لا يجدون من يقوم على رعايتهم. ولا يقول أحد إنه يكفى رعاية كل هؤلاء بمساعدتهم مادياً, فإن المال ليس كل شىء, فالمرأة تحتاج لمن يعفها, وخصوصاً لو طُلِّقَت, أو مات عنها زوجها, وهى فى سن مبكرة, وكذلك فإن الأطفال يحتاجون للتربية, والتوجيه, والقيام على مصالحهم, وهذا لا تكفى فيه المرأة وحدها. وكذلك وجود بنات عوانس تجاوزنَّ سن الزواج.. مَن لهن؟ أيُترَكنَ للضياع والانحراف؟ أليس لهن الحق كبقية النسوة؟ ونقول للمستغربين قلباً وقالباً (أى الذين يعشقون الغرب بِقَضِّه وقضيضه): إن التعدد ضرورة اجتماعية, وقد كان منتشراً فى أوربا إلى عهد الملك (شارل مان) كما جاء فى مقال الكاتب المصرى (محمد التابعى) فى مجلة (آخر ساعة) الصادرة بتاريخ 3يونيو1945, إذ كان هذا الملك متزوجاً بعدة نساء, وبعد ذلك جاء أمر من القساوسة بمنع التعدد, فأصبح مباحاً للرجل أن يتخذ أكثر من عشيقة فى الحرام, ولا يتزوج على امرأته فى الحلال, لدرجة أنهم حين ظهر مرض الإيدز, وأرادوا عمل دراسات على الرجال الذين لم يعاشروا إلا زوجاتهم لمدة خمس سنين, لم يجدوا ولا رجلاً واحداً! وفى تركيا عندما أنهى (مصطفى كمال أتاتورك) الخلافة الإسلامية, وجعلها عِلمانية, وألغى التعدد (عليه من الله ما يستحقه) انتشر الزواج العرفى والزنى, وكثر اللقطاء مثلما حدث فى أوربا.

ولقد ورد التعدد فى الكتاب المقدس فى أكثر من موضع, وإليكم بعض الأدلة:

إذا كان لرجل امرأتان إحداهما محبوبة والأخرى مكروهة فولدتا له بنين المحبوبة والمكروهة. (تثنية21: 15)

ثم أخذ عيسو نساءه وبنيه وبناته وجميع نفوس بيته (تكوين36: 6)

فتمسك سبع نساء برجل واحد فى ذلك اليوم قائلات نأكل خبزنا ونلبس ثيابنا. لِيُدْعَ فقط اسمك علينا. انزع عارنا (إشعياء3: العددالأخير)

وعندهم أن سيدنا يعقوب – على نبينا وعليه الصلاة والسلام- تزوج راحيل واختها ليئة ابنتى خاله لابان (تكوين29: 21-30) وتزوج أخوه عيسو مَحْلَة بنت إسماعيل بن إبراهيم على نسائه (تكوين28: 9), والله أعلم.

س65- لماذا يبيح الإسلام الطلاق, مع أنه يخرب البيوت, ويشرد الأطفال؟

ج65- إن العلاقة الزوجية فى الإسلام تقوم على المودَّة والرحمة, قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:21] ولكن إذا فُقِدَت هذه المودة والرحمة, وَحَلَّت مكانها الشحناء والبغضاء, فماذا يكون الحل؟ هل يبقى الاثنان مرتبطَيْن ببعضهما رغم أنفهما, وكأنهما قد حُكِمَ عليهما بالسجن مدى الحياة؟ إن الإسلام لا يحث على الطلاق, ولكنه يبيحه للضرورة, عندما تستحيل الحياة بين الزوجين, قال رسول الله r: ((أبغضُ الحلالِ إلى اللهِ الطلاق)) [سنن أبى داود وابن ماجه, والسنن الكبرى للبيهقى] وقد وضع الإسلام للزواج ضوابط شرعية, لو اتبعها المسلمون لكان الطلاق نادراً. ومن هذه الضوابط أنه حث على الارتباط بين الزوجين على أساس الدين, قال رسول الله r: ((تُنْكَحُ المرأة لأربع, لمالها, ولحسبها, ولجمالها, ولدينها, فاظفر بذات الدين تَرِبَت يداك)) [متفق عليه] وقال: ((إذا أتاكم من ترضون خُلُقه ودينه فزوجوه, إلا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد عريض)) [صحيح الجامع:270] وأمر الله الرجال بحسن المعاشرة, فقال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19] وأمر النساء أيضاً بحسن المعاشرة, فقال: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ} [النساء:34] ورغَّب الرجال فى عدم التسرع فى الطلاق, فقال: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} [النساء:19] وقد شرع خطوات للإصلاح يتخذها الأزواج قبل أن يصل الأمر بهم إلى الطلاق, ومن هذه الخطوات ما جاء فى قوله تعالى: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء:34] فأول خطوة للإصلاح هى وعظ الزوج لزوجته, وتخويفها من عقاب الله, وهذه الخطوة كافية لمن تتقى الله جل وعلا, فإن لم تنزجر بالوعظ, لجأ إلى الخطوة التى تليها, وهى أن يهجرها فى المضجع, وهذا الهجر كناية عن عدم الجماع, ويُلاحظ أن الله سبحانه وتعالى قال: {فِي الْمَضَاجِعِ} أى أن الزوج لا يترك بيته, بل يهجرها وهو مقيم معها. ومما يؤيد ذلك قول رسول الله r: ((حق المرأة على الزوج أن يُطعمها إذا طَعِم, ويكسُوَها إذا اكتسى, ولا يضرب الوجه, ولا يُقَبِّح, ولا يهجر إلا فى البيت)) [صحيح الجامع:3149] وقد قال عبد الله بن عباس (رضى الله عنهما) وغيْرَه: الهجر هو ألا يجامعها, ويضاجعها على فراشها, ويولّيها ظهره (تفسير ابن كثير) فإن استقامت, ورجعت عن معصيتها له فَبِها ونِعْمَتْ, وإلا- فالخطوة الثالثة, وهى الضرب غير الْمُبَرِّح, قال رسول الله r: ((فاتقوا الله فى النساء, فإنكم أخذتموهن بأمانة الله, واستحللتم فروجهن بكلمة الله, ولكم عليهن أن لا يُوطِئن فُرُشكم أحداً تكرهونه, فإن فعلنَ فاضربوهن ضرباً غير مُبَرِّح, ولهنَّ عليكم رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف)) [صحيح مسلم] وقد قال العلماء: يضربها ضرباً لا يُسيل دماً, ولا يكسر عظماً, ولا يترك أثراً, كأن يضربها بالثوب وَنَحْوِه (أى مثله) والسواك ونحوه.‌ وقد توعَّد الله الرجال إذا تمادوا فى إيذاء نسائهن بقوله: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} [النساء:34] وقد صَحَّ عن رسول الله r أنه لم يضرب امرأة قط, ولا خادماً, ولا شيئاً, إلا أن يجاهد فى سبيل الله, كما جاء ذلك فى (صحيح مسلم) من قول السيدة عائشة, رضى الله عنها. وعندما اشتكت النساء لزوجاته – رضى الله عنهن – من ضرب أزواجهن لهن, قال: ((لقد طاف الليلة بآل محمد نساء كثير, كلهن تشكو زوجها من الضرب, وأَيْم الله لا تجدون أولئك خياركم)) [صحيح الجامع:5137] وإذا فعل الزوج كل هذه الأشياء, وعالج بكل هذه الأدوية, ولم تنجع فى نُشوز زوجته, يأتى الحل قبل الأخير, وهو الذى ورد فى قوله جل وعلا: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} [النساء:35] فإن لم تفلح كل هذه الحلول, لم يكن بُدّ من الطلاق {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ} [النساء:130] وهنا يعطى الإسلام للرجال فرصتين ليراجعوا زوجاتهم, ولم يجعلها طلقة واحدة أو اثنتين وينتهى الأمر, بل جعل الطلاق ثلاث مرات. وفى كُلّ من الطلقتين الأُولَيَيْن تمكث المرأة فى بيت زوجها, وتؤاكله وتشاربه, وتتزين له, إلا أنه لا يجامعها إلا إذا راجعها, ومن العلماء من قال: إن جامعها فقد راجعها. وهنا نُذَكِّر بأمر هام جداً لا يفطن له كثير من المسلمين, حيث أنهم يخرجون المرأة من بيت زوجها بعد الطلقة الأولى والثانية, وهذا مخالف لشرع الله جل وعلا, فسبحانه له الحكمة فى بقائها فى بيت زوجها, لعله يَحِنّ إليها, وتَحِنّ إليه, ويصلح الله بينهما, ويزيل العداوة من قلبيهما, قال تعالى: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} [الطلاق:1] وقد أباح الله للزوج والزوجة أن يتصالحا على أمر مُعَيَّن حتى لا يطلقها, فبعض الرجال تكون له أكثر من زوجة, وليس بوسعه أن يعدل بينهما – أو بينهن – فينوى أن يطلق واحدة, ففى هذه الحالة (بدلاً من الطلاق) يتصالحان – مثلاً – على ألا يُسوِّى بينهما فى النفقة أو المبيت, بشرط أن يكون ذلك برضاها, وبغير إعضال لها, حتى لا ينهدم ذلك البيت المسلم, ويتشرد الأطفال, إن كان بينهما أطفال, يقول الله تبارك وتعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء:128] ولم يُعْطِ الإسلام الحق للرجل دون المرأة فى الطلاق, فلها الحق أن تنخلع من زوجها إن كان يؤذيها, أو لا يقوم بحقها. ولكن – رغم إباحة الطلاق والْخُلْع – فقد حَثَّ الإسلام كُلاً من الزوجين على الصبر, واحتمال الأذى, ورد السيئة بالحسنة, لدرجة أنه أَحَلَّ الكذب بينهما فى أمور العاطفة, حتى تدوم العِشرة, وينصلح حال الأسرة.

وقد كان الطلاق مباحاً فى العهد القديم (التوراة) ثم جاء العهد الجديد (الإنجيل) فنسخه, كما ذكرنا ذلك فى الإجابة على الشبهة رقم (31) ثم جرت محاولات فى بعض تشريعات أوربية حديثة لتبيح الطلاق مرة أخرى, لِمَا رَأَوْه من فوائده, تماماً كما شعروا بفوائد تعدد الزوجات, والله أعلم.      

س66- لماذا لم يُبِح الإسلام للمرأة طلاق زوجها من باب المساواة كما أباح للرجل؟

ج66- إن الآية نفسها التى أباحت للرجل طلاق زوجته أباحت لها الخُلع, قال تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة:229] وقد حدث فى عهد الرسول r أن ذهبت إليه امرأة ثابت ابن قيس, وقالت له: ثابت بن قيس ما أعْتِبُ عليه فى خُلُق ولا دين, ولكنى أكره الكفر فى الإسلام (أى كفر العشير, وليس الكفر بالله) فقال لها: ((أترُدِّينَ عليهِ حديقَتَهُ؟)) (لأنه كان قد أعطاها لها مهراً) قالت: نعم, فقال له الرسول r: ((اِقْبَل الحديقة, وطلِّقها تطليقة)) [صحيح البخارى] ولكن لا يُفهَم من هذا أن المرأة تنخلع من زوجها بغير سبب, قال رسول الله r: ((المختلعات هن المنافقات)) [صحيح الجامع:6681] ويوضحه الحديث الذى بعده, وهو: ((أيُّما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس, فحرام عليها رائحة الجنة)) [صحيح الجامع:2706] فالمرأة إذا طلبت الطلاق بسبب شرعى.. كأن يكون زوجها ضرّاباً, أو شتّاماً, أو لا ينفق عليها… إلخ, فلا تكون منافقة. والإسلام يبيح للمطلقة أن تتزوج بعد انقضاء عدتها, أما الكتاب المقدس فلا يبيح لها أن تتزوج, بل ويحكم عليها وعلى من تزوجها بالزنى, فيقول: كل من يطلق امرأته ويتزوج بأخرى يزنى. وكل من يتزوج بمطلقة من رجل يزنى (لوقا16: 18) فقال لهم من طلق امرأته وتزوج بأخرى يزنى عليها. وإن طلقت امرأة زوجها وتزوجت بآخر تزنى (مرقس10: 11-12) من طلق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزنى. ومن يتزوج مطلقة فإنه يزنى (متى5: 32) ونحن نتساءل: ماذا تفعل المطلقات, وخصوصاً لو كنَّ صغيرات؟ وما ذنبها لو طلقها زوجها بغير سبب؟ أتُترَك للضياع, أم تكون فى ذمة رجل يعفها, وينفق عليها, ويقوم على مصالحها؟ وما ذنب الرجل أن يقيم طوال عمره مع امرأة تنغص حياته, طالما أنها لا تزنى؟ وما ذنبها هى أيضاً أن تبقى مع رجل ينغص حياتها, ولا يعطيها حقها؟, والله أعلم.

س67- للذكر مثل حظ الأنثيين عندكم فى الميراث, هل هذا هو العدل الذى تدَّعونه؟

ج67- إن نصيب المرأة عندنا فى الميراث إكرام لها, لأن المرأة فى الإسلام ليس عليها أى نفقات – ولو على نفسها – سواء كانت أُمّاً, أو زوجة, أو بنتاً, أو أختاً, ففى جميع  الحالات يُلزَم وليّها بالنفقة عليها, حتى لو كانت غنية, أما الرجل فعليه كل النفقات, من مهر, وإعداد المسكن, وتجهيزه, وكفالة أسرته, وأولاده, وكل شىء. أما ما يحدث من مشاركة أهل الزوجة فى جهاز ابنتهم فهو محمود, لأنه من باب التعاون على الخير, ولكنه ليس مُلزِماً لهم, قال الله عز وجل: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء:4] أى (مهراً واجباً بطيب نفس) فالمهر حق للمرأة تفعل به ما تشاء, وليست مُلزَمة بمشاركة زوجها أو أهلها فى نفقات زواجها, وليس لأحد من أوليائها حق فى أخذ مهرها, ولو كان أباً, أو أخاً, أو عمّاً, أو جدّاً, فالمرأة فى الإسلام لها ذِمّة مالية مستقلة, وليس لأحد وصاية عليها, ولكن لها أن تتصدق على زوجها الفقير بمحض إرادتها, ويكون لها فى هذه الحالة أجران.. أجر الصدقة وأجر الصِّلَة, كما أخبرنا بذلك رسول الله r, أما زوجها فلا يحل له أن يتصدق عليها, لأنه مُلزَم بالنفقة عليها, وأن يطعمها مما يطعم, وأن يكسوها كما يكتسى, فلا يخص نفسه بالطيّب من الطعام والشراب والملبس دونها, ولو كانت غنية, أما هى فلا يلزمها ذلك, بل لها أن تخص نفسها بما شاءت. ولو طلقها فلها مؤخر الصداق (إن كانت لم تأخذه) ونفقة مطلقة, ونفقة متعة, بالإضافة لما تأخذه من أثاث بيت الزوجية الذى اشتراه لها زوجها, وهو ما يسميه العامَّة (القائمة) ثم إذا أراد طليقها أن يتزوج, فعليه من جديد أن يتحمل المهر, والسكن, والأثاث, وغير ذلك للزوجة الأخرى. والمرأة كانت فى الجاهلية لا تَرِث, بل كانت تُوَرَّث كأى متاع, فكانت إذا مات عنها زوجها, يأتى والده, أو أخوه, أو أى رجل من عَصَبَتِه – حتى لو كان ابن المتوَفَّى – فيُلقى عليها ثوبه, فتكون مِلكاً له بذلك, ثم جاء الإسلام فحرم هذه العادة القبيحة, فقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً} [النساء:19] وفى بعض القرى – إلى اليوم – لا يُوَرِّثون المرأة, لأنهم يقولون إن مالها سيذهب لزوجها, وهذا حرام قطعاً, وإن استحَلَّهُ أحد (أى اعتقد أنه حلال) يصبح بذلك كافراً.

وبالإضافة لما سبق.. فإن الرجل مكلَّف بطلب العلم, والجهاد فى سبيل الله, أكثر من المرأة, وهذا مما يجعله أشد احتياجاً للمال.

ثم إن الذين ينكرون علينا تفضيل الذكر على الأنثى فى الميراث, يفضلون الذكر على الأنثى منذ ولادته, بل ويجعلون الأنثى نفسها تُوَرَّث, فضلاً عن أن تَرِث, فيقول كتابهم المقدس:

وكلَّم الرب موسى قائلاً كلِّم بنى إسرائيل قائلاً. إذا حبلت امرأة وولدت ذكراً تكون نجسة سبعة أيام… وإن ولدت أنثى تكون نجسة أسبوعين (لاويين12: 1-5)

إذا سكن إخوة معاً ومات واحد منهم وليس له ابن فلا تَصِر امرأة الميت إلى خارج لرجل أجنبى. أخو زوجها يدخل عليها ويتخذها لنفسه زوجة ويقوم لها بواجب أخى الزوج. والبكر الذى تلده يقوم باسم أخيه الميت لئلا يُمحَىَ اسمه من إسرائيل (تثنية25: 5-6), والله أعلم.

س68- لماذا أقرَّ الإسلام تِجارة الرقيق؟ وهل يرضى الله للإنسان الْمُكرَّم أن يكون سلعة تُباع وتُشترى؟ وإذا كان لا يرضى, فلِمَ لم ينص القرآن على تحريمها؟ وكيف يبيح للرجل أن يطأ مِلك يمينه, مع أنها ليست زوجته؟

ج68- إن الإسلام لم يبتدع الرِّق, فقد كان سائداً لقرون طويلة بين أبناء الديانات المختلفة, وبين غير ذَوِى الأديان, وكان استخدام الرقيق يتم بصورة وحشية غير آدمية, وكانوا يُعَرَّضُون للقَمعِ والذل والإهانة, ويُضربون كالبهائم بالسوط (الكرباج) لا لشىء إلا لمجرد لذة السيادة, ويتم استخدامهم فى الأعمال الشاقة والمهينة, فى شدة الحر والبرد, وهم مقيدون بالحديد حتى لا يهربوا, وليس لهم أدنى حق حتى فى الشكوى, وكان يُنظر لهم على أنهم أشياء ليسوا كبقية البشر, خُلِقوا ليُستَعبَدوا. فعلى سبيل المثال: كان الهنود المجوس يعتبرونهم خُلِقُوا من قَدَم الإله, ولابد أن يُذلُّوا ويُحتَقروا, ويعملوا الأعمال الشاقة المهينة, ويُعذبوا, عسى أن تُنسَخ أرواحهم بعد مماتهم على هيئة البشر! وكان الأمر فى بلاد الفرس مثل ذلك. وفى العصر الرومانى كانوا يغيرون على البلاد الفقيرة  لينهبوا خيراتها, ويستعبدوا أهلها (كما يحدث فى عصرنا الحاضر) ويسوموهم سوء العذاب, ويحرقوهم بالنار, حتى إنهم كانوا يجبرونهم على مبارزات بالسهام والنبال, مع بعضهم, ومع الوحوش, لا لشىء إلا لمتعة السّادة برؤية دماء هؤلاء العبيد المساكين, ولا يجدون فى أنفسهم أى شفقة عليهم, حتى لو تمزقت أجسادهم فى هذه المبارزات. بل كان السادة (وربما الإمبراطور نفسه) يحضرون هذه المهرجانات, ويضحكون ويصفقون لمن يقضى على خصمه, ولا دِيَة لهم, ولا ينتصر لهم أحد, أو يسمع شكواهم, وكأنهم كلاب قتلتها الضوارى وانتهى الأمر. وورثهم الأوربيون من بعدهم, فكانوا يغيرون على البلاد الأفريقية, ويخطفون الرجال والنساء والأطفال, ويقوم القراصنة بنقلهم فى سُفن البضائع مُكَدَّسين, فى مكان ضيق مظلم, كريه الرائحة, لا يُسمَح لهم حتى بالمسافة التى تكون فى الحظيرة بين بقرة وبقرة, يبولون ويتغوطون على بعضهم بعضاً, مع الحشرات والفئران, دون أدنى مراعاة لآدميتهم, بل كان التعامل معهم أحط وأحقر من معاملة البهيمة, وشاهد على ذلك مسلسل (جذور) الذى أنتجوه بأنفسهم, ليكون شاهداً على ظلمهم أمام الأجيال المتعاقبة. وكان الرجل الأبيض يستعبد الرجل الأسود, ويرى أن من حقه أن يفعل فيه ما يشاء, ينهب أرضه, ويهتك عِرضه, ويسفك دمه, ليحيا حياة الْمُنعَّمين المترفين, ولو على حساب الآخرين, فكان – وما زال – ينطبق عليهم قول القائل: قَتْلُ رجلٍ أبيض فى غابةٍ شىء لا يُغتَفر, وقتل شعب بأكمله أمرٌ فيه نظر!

وما زالت التفرقة العنصرية شاهدة على ماضيهم الأسود. ومن العجيب أن هؤلاء الظلمة, المحتلين, الذين سفكوا الدماء, وهتكوا الأعراض, وسلبوا الأموال, هم الذين يثيرون الشكوك حول الإسلام, كالقِزْم الأعمى الذى ينفخ بفمه تجاه الشمس ليطفئ نورها! وينسون – أو يتناسون – أن دينهم لم يحرم عليهم تجارة العبيد, ليس هذا فحسب, بل أمرهم بضربهم, وأباح لهم بيع بناتهم, وها هى بعض الأدلة من كتابهم المقدس:

ومن منكم له عبد يحرث أو يرعى يقول له إذا دخل من الحقل تقدَّم سريعاً واتكئ. بل ألا يقول له أعدد ما أتعشى به وتمنطق واخدمنى حتى آكل وأشرب وبعد ذلك تأكل وتشرب أنت. فهل لذلك العبد فضل لأنه فعل ما أُمِرَ به. لا أظن. (لوقا17: 7-9)

إذا اشتريتَ عبداً عبرانياً فسِتّ سنين يخدم وفى السابعة يخرج حُرّاً مجاناً. إن دخل وحده فوحده يخرج. إن كان بعل امرأة تخرج امرأته معه. إن أعطاه سيده امرأة وولدت له بنين أو بنات فالمرأة وأولادها يكونون لسيده وهو يخرج وحده. ولكن إن قال العبد أحب سيدى وامرأتى وأولادى لا أخرج حراً يقدمه سيده إلى الله ويقربه إلى الباب أو إلى القائمة ويثقب سيده أذنه بالمثقب. فيخدمه إلى الأبد. (خروج21: 2-6)

أيها العبيد أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوف وَرِعْدَة فى بساطة قلوبكم كما للمسيح. (رسالة بولس إلى أفسس6: 5)

وإذا باع رجل ابنته أمَة (خروج21: 7)

وأما ذلك العبد الذى يعلم إرادة سيده ولا يستعد ولا يفعل بحسب إرادته فيُضرَبُ كثيراً. (لوقا12: 47)

ونقول لهؤلاء الحاقدين: إن المشركين فى الجزيرة العربية قبل الإسلام كانوا لا يختلفون عن أسلافهم فى قمع العبيد وإذلالهم وتعذيبهم, وكانوا يغيرون على القبائل, ويخطفون الرجال والنساء والأطفال, لبيعهم فى سوق النخاسة, وعندما جاء الإسلام لم يُحَرِّم الرِّق, لأن هؤلاء العبيد كانوا رءوس أموال لأصحابهم, ولنتخيل لو جاء أى نظام جديد يَحرِم الناس من أملاكهم.. ماذا يكون رد فعلهم؟ إن هذا سيصد الكثيرين عن الإيمان به واتِّباعه, وخاصة فى بادئ الأمر, قبل أن تقبله العقول, وترضاه النفوس. ولو حُرِّمَ الرِّق.. فكيف كان يُعامَل أسرى الحروب؟ أيُعامَلون مثل معاملتهم فى وقتنا الحاضر, فيُسجنون, ويُعَذبون, ويُهانون, كما حدث فى سجن (أبو غْرِيب) بالعراق, ومُعتقَل (جوانتانمو)؟ أم ينعمون بحياة آدمية مطمئنة, فى بيوت نظيفة, يأكلون ويشربون ويلبسون مثل أصحابها؟ ثم إن أخذ الأسرى من العدو فى الحروب, واسترقاقهم, هو معاملة بالمثل, ولكن بشروط معينة يُرجع إليها فى كتب الفقه, وقد جعل لهم الإسلام حقوقاً تكفل لهم العيش الكريم مع إخوانهم, وجعلهم مُكَرَّمين, لهم حقوق كسائر البشر, وحرم ظلمهم, أو الاعتداء عليهم بأى وسيلة, وأمر مُلاكَهم بألا يكلفوهم ما لا يطيقون من الأعمال الشاقة, وإذا كلفوهم أن يعينوهم, قال رسول الله r: ((إن إخوانَكُم خَوَلُكُم جعلهم الله تحت أيديكم, فمن كان أخوه تحتَ يَدِهِ, فليطعمه مما يأكل, وليلبسه مما يلبس, ولا تكلِّفوهم ما يغلبهم, فإن كلَّفتموهم فأعينوهم)) [صحيح البخارى] سبحان الله! هل هناك خُلُق أفضل من هذا؟ لقد جعلهم الرسول r إخواناً لمن هم تحت أيديهم, و((خَوَلُكُم)) معناها الذين يتخوَّلون مصالحكم, كما نقول بلغتنا (خُولى الجنينة) أى الذى يتعهد البستان برعايته وإصلاحه. وتخيلوا معى كم تساوى كلمة ((إخوانكم))؟ وكيف كان رفعها لمعنويات هؤلاء الخدم, بعد أن كانوا يُعاملون على أنهم أشياء محتقرة ذليلة؟ وكيف وصَّى بإطعامهم وكسوتهم, بعد أن كانوا لا يأكلون إلا الردىء من الطعام, ولا يلبسون إلا المهلهل من الثياب, يفترشون التراب, ويلتحفون بالسحاب. إن الخدم فى عصرنا الحاضر ليَتَمنّون أن تكون لهم مثل هذه الحقوق التى لم يحصلوا عليها فى ظل ما يدّعونه من مراعاة حقوق الإنسان فى العالم المتحضر!

ومن إكرام الإسلام لهم قول رسول الله r: ((لا يقولنَّ أحدكم عبدى وأَمَتِى, كلكم عبيد الله, وكل نسائكم إماء الله, ولكن ليَقُل غلامى وجاريتى, وفتاى وفتاتى)) [صحيح مسلم] وقوله: ((من ضرب غلاماً له حَدّاً لم يأتِهِ, أو لَطَمَه, فإن كفارته أن يعتقه)) [صحيح مسلم] فهل بعد هذا حفظ للحقوق؟ لقد جعل مجرد ضربهم, أو لطمهم, سبباً لعتقهم, وهذا إذا كان بغير ذنب, وهو معنى ((له حَدّاً لم يأتِهِ)) وهذا العتق كفارة لذنبه, لينجيه من عذاب الله يوم القيامة, وليس مُلزماً له فى الدنيا, إلا عند الإمام مالك (والله أعلم) ولطم الوجه – عموماً – نهى عنه الرسول r, حتى إنه نهى عن ضرب البهيمة فى وجهها, فقال: ((أمَا بلغكم أنِّى لعنتُ من وَسَمَ البهيمةَ فى وجهها, أو ضربها فى وجهها)) [صحيح الجامع:1326] سبحان الله! هل علم العالم أجمع, فى قديمه أو حديثه, أرفع من هذا الْخُلُق؟ أو رفقاً بالحيوان أعظم من هذا؟ فالذى رفق بالحيوان هو أجدر بأن يرفق بالإنسان. فالحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.

لقد حرم الإسلام قتل العبيد, أو الاعتداء عليهم بغير حق, سواء كان بضربهم, أو جَدْع أنوفهم, أو إخصائهم, وقد كان ذلك منتشراً فى الجاهلية قبل ظهور الإسلام, ليصبحوا غير قادرين على المعاشرة الزوجية, لأنهم كانوا يدخلون على نسائهم فى غيابهم, ليقوموا بخدمتهن, قال رسول الله r: ((من خَصَى عبده خصيناه)) [سنن النسائى] وقال: ((من قتل عبده قتلناه, ومن جَدَعَ عبده جَدَعناه)) [سنن أبى داود والترمذى] وعن أبى مسعود البدرى t قال: كنت أضرب غلاماً لى بالسوط, فسمعت صوتاً من خلفى: (( اِعلم أبا مسعود )) فلم أفهم الصوت من الغضب, فلما دنا منى إذا هو رسول الله r فإذا هو يقول: (( اِعلم أبا مسعود أن الله أقدَر عليك منك على هذا الغلام )) فقلت: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً [صحيح مسلم] وفى رواية أخرى فى صحيح مسلم – أيضاً – أن أبا مسعود قال للرسول r عندما رآه غاضباً: يا رسول الله هو حُرّ لوجه الله, فقال له الرسول r: (( أمَا لو لم تفعل لَلَفَحتك النار, أو لَمَسَّتك النار ))

‌أين هذا مما جاء فى الكتاب المقدس الذى يبيح للسيَّد أن يضرب عبده ضرباً مُبَرِّحاً, ولا يُنتَقم منه, طالما أن العبد لم يَمُتْ خلال يوم أو يومين, لأنه اشتراه بماله؟ وها هو الدليل: وإذا ضرب إنسان عبده أو أمَتَه بالعصا فمات تحت يده يُنتَقمُ منه. لكن إن بقىَ يوماً أو يومين لا يُنتَقم منه لأنه ماله. (خروج21: 20-21) إن معنى ذلك أن العبد إذا مات من الضرب بعد اليوم الثانى فلا يُنتقَم من سيِّده! أين هذا من تكريم العبيد فى الإسلام؟ وهل هناك تكريم عرفته البشرية أكبر من أن يتزوج الحر الأمَة, وأن تتزوج الحرة العبد؟ إن الناس يستنكفون من زواج الخادم والخادمة, بل ويستنكفون من زواج من هم دونهم فى الجاه, والمنصب, والتعليم… إلخ, فما بالكم بالعبد والأمَة؟ ولكن الله الرحيم, اللطيف بعباده, شرع ذلك للمؤمنين, فقال فى كتابه الكريم: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء:25] ولم يقل الله سبحانه وتعالى (بإذن أسيادهن) أو (بإذن أربابهن) ولكنه قال: {بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} التى توحى بالرأفة والرحمة وعدم الجفوة, وقال تعالى: {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة:221] وفى الآية نفسها {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} لأن تفاضل الناس عند الله بالتقوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13] وبالفعل حدث هذا عندما تزوج زيد بن حارثة t مولى رسول الله r من السيدة زينب بنت جحش – رضى الله عنها – وهى الشريفة القرشية, بنت عمة رسول الله r, ولم يذكر الله عز وجل أحداً من الصحابة y باسمه فى القرآن إلا زيداً, فقال: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} [الأحزاب:37] وأمَّرَهُ الرسول r فى غزوة مؤتة على المهاجرين والأنصار, واستشهد فيها t, وأمَّرَ ابنه أسامة t وهو ابن سبع عشرة سنة على الجيش, وفيهم أبو بكر, وعمر, وعثمان, وعلىّ, وخالد بن الوليد, وغيرهم من الصحابة الأجلاء y. قال r: ((كلكم بنو آدم, وآدم خُلِقَ من تراب, لَيَنتَهِيَنَّ قوم يفتخرون بآبائهم, أو ليكوننَّ أهون على الله من الْجُعلان)) [صحيح الجامع:4568] ((الْجُعلان)) معناه الْخُنفِسَاء. وقال r لسيدنا بلال t: ((يا بلال! بمَ سبقتنى إلى الجنة؟ ما دخلتُ الجنة قط إلا سمعتُ خشخشتكَ أمامى, إنى دخلتُ البارحة الجنة, فسمعتُ خشخشتكَ أمامى)) [صحيح الجامع:7894] وقال: ((إن الجنة لتشتاقُ إلى ثلاثة: علىّ, وعمّار, وسَلْمان)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:1598] وعمّار وسلمان (رضى الله عنهما) كانا عبدين مملوكين. ‌ورُوِىَ أن أبا بكر t حينما أعتق بلالاً قال له: يا سيدى, فقال له: لا تقل سيدى, إنما أنا أخوك. وورد أن عمر بن الخطاب t قال حين ذاك: سيّدُنا وأعتق سيّدَنا. وقد توارثت الأُمَّة تعظيمهم جيلاً بعد جيل, فلا يُذكَر بلال الحبشى إلا ويُقال سيدنا, وكذلك عمّار بن ياسر, وصُهَيب الرومى, وسلمان الفارسى, وغيرهم, رضى الله عنهم وأرضاهم أجمعين, اللهم اجعلنا معهم يوم الدين.

ولم يكتفِ الإسلام بكل هذا التكريم, بل عمل على تجفيف منابع الرِّق, فحرَّم بيع الأحرار, وحث على عتق الرِّقاب, وجعله قُربَى لله سبحانه وتعالى, مثل: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ{12} فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد:12-13] فكان أول من امتثل لأمر الله سبحانه وتعالى هو الرسول r بأن أعتق جميع من عنده من العبيد, وبعده أبو بكر, الذى أنفق ماله فى تحريرهم, ليرحمهم من التعذيب الذى كانوا يلاقونه على أيدى الكفار ليفتنوهم عن دينهم. وقد جعل الله لتحريرهم نصيباً من الزكاة , فقال سبحانه : {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة:60] وجعل عتقهم تكفيراً لبعض الذنوب, فعلى سبيل المثال: القتل الخطأ, كفارة اليمين, الظِّهار, الجماع فى نهار رمضان… إلخ. وجعل لعتقهم نصيباً من زكاة المال {وَفِي الرِّقَابِ} [التوبة:60] وحث على تحريرهم بالمكاتبة, فقال: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور:33] والْمُكَاتَبَة هى أن يطلب العبد من سيده أن يحرره مقابل مبلغ من المال, بحيث يتركه يعمل, ويسدده له على أقساط, وإذا عمل عند سيده فى هذه الفترة, يكون عمله بأجر, وأمر الله سيده (أو غيره من المسلمين) بإعطائه نصيباً من المال, لإعانته على هذا الأمر, قال r: ((لا يَسألُ الرجل مولاه من فضل هو عنده فيمنعه إيّاه, إلا دُعِىَ لهُ يوم القيامة فضله الذى منعه شجاعاً أقرع)) [صحيح الجامع:7709] أرأيتم ما هو عقاب من منع وليه فضل ما عنده؟ أن يُمَثَّلَ لهُ ثعباناً ضخم الهيئة, يُسمَّى (الشجاع الأقرع) والعياذ بالله. وإذا رفض سيده أن يكاتبه, فله أن يشتكيه للقاضى, ويلزمه القاضى بقبول المكاتبة, بشرط أن يكون هذا العبد موثوقاً فى أمانته وصدقه, لضمان حق وليّه. وقد كان رسول الله r يفك أسرى المشركين مقابل تعليمهم المسلمين القراءة والكتابة, فكان شرط فكاك الواحد منهم أن يعلم عشرة من المسلمين. ويكفى أن آخر وصية للرسول r قبل موته كانت بالعبيد, إذ قال: ((الصلاة وما ملكت أيمانكم, الصلاة وما ملكت أيمانكم)) [سنن ابن ماجه ومُسنَد أحمد, صحيح الجامع:3873]

أما وَطْء الرجل أمَتَه, فإن هذا احترام لحقها, وليس إهانة, فإنها كانت قبل الإسلام ليست ملكاً لسيدها وحده, بل لابنه, وأبيه, ولمن شاء أن يقدمها له من الضيوف, فحرم الله إجبارهن على البغاء, فقال: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النور:33] وهى امرأة, ولها متطلباتها كبقية النساء, وإذا تُرِكَت بغير زوج.. فمن يُعِفُّها إذن؟ أتُترَك لتكون عُرضة لمطمع الفسقة والفجرة من الرجال؟ إن هذا يعرّضها للأمراض, فضلاً عن إشاعة الفساد فى البلاد. ولها تكريم آخر.. أنها إذا ولدت ولداً تصير حرة, وبعض العلماء قال والبنت أيضاً. أما إذا خطبها أحد – سواء كان حراً أو عبداً – فلا مانع من ذلك, بشرط أن يكون بإذن وليها, وفى هذه الحالة تحرم على وليها, لأنها أصبحت زوجة لرجل غيره.

وقد أباح الكتاب المقدس أخذ السبايا, ووطء الإماء, وهذه بعض الأدلة:

فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال. وكل امرأة عرفت رجلاً بمضاجعة ذكر اقتلوها. لكن جميع الأطفال من النساء اللواتى لم يعرفن مضاجعة ذكر أبقوهن لكم حيّات. (عدد31: 17-18) أى أنهم يقتلون الذكور من الأطفال, أمّا الإناث من الأطفال فلا يُقتَلْنَ طالما أنهنَّ عفيفات, ولكن يُؤخَذْنَ كأسيرات.

إذا خرجتَ لمحاربة أعدائك ودفعهم الرب إلهك إلى يدك وسبيتَ منهم سبياً ورأيت فى السَّبْى امرأة جميلة الصورة والتصقتَ بها واتخذتها لك زوجة فحين تدخلها إلى بيتك تحلِق رأسها وتقلِّم أظفارها وتنزع ثياب سبيها عنها وتقعد فى بيتك وتبكى أباها وأمها شهراً من الزمان ثم بعد ذلك تدخل عليها وتتزوج بها فتكون لك زوجة. (تثنية21: 10-13)

فلما رأت راحيل أنها لم تلد ليعقوب غارت راحيل من أختها. وقالت ليعقوب هب لى بنين. فحمى غضب يعقوب على راحيل وقال ألَعَلِّى مكان الله الذى منع عنك ثمرة البطن. فقالت هُوَذا جاريتى بلهة. ادخل عليها فتلد على ركبتى وأُرزَق أنا أيضاً منها بنين. فأعطته بلهة جاريتها زوجة. فدخل عليها يعقوب (تكوين30: 1-4)

وأما بنو السرارى اللواتى كانت لإبراهيم فأعطاهم إبراهيم عطايا وصرفهم عن إسحق ابنه شرقاً إلى أرض المشرق وهو بعد حى (تكوين25: 6), والله أعلم

س69- إن تحريم الربا فى الإسلام يصيب الاقتصاد العالمى بالشلل التام.

ج69- سنورد لكم بعض أقوالكم لتكون حجة عليكم:

لقد جاء فى كتابكم المقدس ما نصه: إن أقرضتَ فضة لشعبى الفقير الذى عندك فلا تكن له كالمرابى. لا تضعوا عليه ربا (خروج22: 25) ولكن هذا التحريم – للأسف – خاص بأبناء دينكم, بدليل: لا تُقرِض أخاك برباً ربا فضة أو ربا طعام أو ربا شىء ما مما يُقرَض بربا. للأجنبى تُقرِض بربا ولكن لأخيك لا تُقرِض بربا لكى يباركك الرب إلهك (تثنية23: 19-20)

إن رجل الاقتصاد الأول, وهو العالِم الألمانى (شاخت) وضع نظرية سنة 1950 قال فيها: (إن الربا ليتسبب فى مصائب عالمية, وإن الربا ليضر بالاقتصاد العالمى, وإنه ليزيد الفقير فقراً, والغنِىَّ غِنىً) وكذلك فإن مؤسس علم الاقتصاد العالمى, وهو رجل بريطانى اسمه (كينز) قال: (إن العالم ليحلم بأن يدور رأس المال مرتين ونصف المرة كل سنة, وعندها تتحقق الرفاهية لكل الشعوب) أى أن رأس المال يعاد استثماره كل أربعة أشهر, إن هذا معناه هو مقدار الزكاة. ويقول أيضاً: (حين تصل قيمة الفوائد إلى الصفر, يشيع النماء والرخاء فى العالم كله) معنى هذا هو عدم الربا. وقد لجأت الولايات المتحدة فى السنوات الأخيرة للإقراض بدون فوائد, لتشجيع الاستثمار فى المجتمع الأمريكى.

إن الربا هو الذى يضر بالاقتصاد العالمى, وليس تحريمه كما يدَّعى المغرضون, فلنفترض أنك اقترضت مليون جنيه لعمل مشروع, ثم ربحت عشرين بالمائة أو أقل فى نهاية العام, وفى الوقت نفسه كانت قيمة الأرباح المطلوب منك سدادها هى أيضاً عشرين بالمائة, فكم يكون ربحك حينها؟ إن هذا المشروع عند رجال الاقتصاد لا يساوى نشاطه, فتضطر لغلق المصانع, وتسريح العمالة, أو تزداد ديونك عاماً بعد عام, إلى أن يتم استيلاء الجِهة الْمُقرِضة على ممتلكاتك, أو وضعك فى السجن, فهل هذا يؤدى إلى نمو الاقتصاد, والقضاء على البطالة, وتشغيل الأيدى العاملة؟ فى حين أنك لو قمت بهذا المشروع من مالك الخاص, أو اقترضت قرضا حسناً بغير فوائد, لكان ربحك خالصاً لك, كما أن فى هذا استمراراً للإنتاج, وازدهاراً للاقتصاد, وقضاءً على البطالة – أو الحدّ منها – ورفعاً لمستوى المعيشة… إلخ. ربما يتعجب البعض ويقول: من الذى يقرض قرضاً حسناً فى هذا الزمان؟ إنه بذلك يكون قد عطل ماله, ولم يَعُد عليه بأى نفع دنيوى؟ فنقول له: ليس شرطاً أن يكون قرضاً, ولكنه يشارك فى المشروع, ويتفق مع شريكه – أو شركائه – على نسبة معينة من الربح أو الخسارة, بحيث لا تكون الفائدة ثابتة, حتى لا يقع فى الحرام, فربما خسر المقترض, أو ربح أرباحاً طائلة, فيكون بذلك قد ظلم نفسه, أو ظلم شريكه.

والذى يسدد أرباحه كفوائد للديون.. ماذا يفعل؟ إنه – كما قلنا – إمّا أن يغلق مصانعه, وينهى مشروعه, ويسرِّح عمالته, وإمّا أن تتراكم عليه ديونه, وفى هذه الحالة قد يلجأ إلى حِيَل تضر بمجتمعه, ليسدد ديونه, ولنفترض أنه يبيع سلعاً استهلاكية, فلو باعها بسعرها فى السوق لَخَسِرَ, ولو باعها بثمن أغلى ليحقق قيمة الربح المرجوَّة لسداد ديونه بفوائدها لكسدت سلعته, فماذا يفعل؟ إنه يلجأ إلى ما يسمى بالحِيَل النَّكِدَة, كأن يغش البضاعة, فيقدم للمجتمع سلعاً مغشوشة تضر بالمستهلك, وإن لم يستطع غشها (كالملابس الجاهزة مثلاً) فإنه يلجأ إلى استغلال المرأة لاستقطاب الزبائن – كما يحدث فى أوربا – نساء يرقصن ويغنين من أجل ترويج السلعة, وبيعها بسعر أغلى, أو يشغل عنده المتبرجات تبرجاً صارخاً, وفى هذه الحالة أيضاً يضر بالمستهلك, لأنه يبيع له بسعر عالٍ (فضلاً عن ضرره فى دينه) فيخفض مستوى المعيشة, لأن المستهلك فى هذه الحالة لا يستطيع شراء كل ما يحتاجه من السلع, لارتفاع سعرها.

والذين يبيحون الفوائد (الربا) يقولون إن العقد شريعة المتعاقدين, وإن كِلا الطرفين (الدائن والمدين) راضيان عن هذا العقد. ونقول لهم: إن هناك مُشرِّعاً أعلى, وهو الله سبحانه وتعالى. وقاعدة (العقد شريعة المتعاقدين) لا تصلح إلا فى العقود الحلال, وإلا- لأصبحت عقود الزنى حلالاً بالتراضى أيضاً. والربا عقوده باطلة قانونياً, وليس شرعياً فقط, فالمفروض أن القانون يحمى الطرفين: المقرض والمقترض, أما عقود الربا فإنها تحمى المقرض فقط, لأنها تبيح له أن يأخذ كل الضمانات التى يريدها من المقترض, مثل الحجز على متاع بيته, أوكذا أوكذا, ولا يضمن للمقترض أى حق. والذين يقولون إن البنوك لا تخسر, وإقراضها للناس بالفوائد يعتبر مثل البيع, فإن قولهم هذا مثل قول الكافرين أيام الرسول r: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275] وكان المفروض أن يقولوا (إنما الربا مثل البيع) ولكنهم بدأوا بالبيع لتشبيهه بالربا فى جلب الزيادة للمال.

ومن قال إن البنوك لا تخسر؟ إن هناك الكثير من البنوك العالمية التى تخسر بالمليارات, وتغلق أبوابها, وتسرِّح عمالَتَها, بل وتستدين, وشركات عالمية تخسر, وتعلن إفلاسها, فطالما أنك دخلت فى التجارة فإنك معرض للربح والخسارة. وهناك سؤال: ما الفرق بين البيع والربا؟ إنك فى البيع تبيع السلعة بنقود, أما الربا فإنك تبيع نقوداً بنقود, والنقود ليست سلعة, ولو أصبحت النقود سلعاً, لتحولت السلع إلى نقود, وهنا يسقط التقايض, وتسقط المنافع العامة, فلابد وحتماً أن تكون التعاملات المصرفية البنكية على أن رصيدها من الفوائد صفر. ومن حِكَم تحريم الربا ألا يدور رأس المال بين الأغنياء فقط {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ} [الحشر:7] {دُولَةً} معناها التداول, فإن رءوس الأموال فى العالم – عادة – تدور دورة أفقية مع الأغنياء فقط مثل (مروحة السقف) ولكن الإسلام يريد أن يدور المال دورة رأسية مثل (الساقية) حتى لا يحرم الفقير, ينزل المال من الغنى على الفقير, ويصعد من الفقير إلى الغنى, فالغنى يشغّل الفقراء, والفقراء يستثمرون مال الغنى, ويعطونه الربح.

إن الربا – كما قال شاخت – يزيد الغَنِىّ غِنَىً ويزيد الفقير فقراً, لأن الغنى تتضاعف أمواله بالربا, أما الفقير فإنه ينشغل بسداد ديونه وفوائدها, فيزداد فقراً على فقر, ويضطر إلى الحرام. والإنهيار الاقتصادى الذى أصاب العالم هذه الأيام – وخصوصاً أمريكا والدول الصناعية الكبرى – سببه أكل الربا, وحين حرَّمه الإسلام لم يترك الناس يتخبطون فى البحث عن البديل, ولكنه حث على الصدقة, والقرض الحسن, وجعل أجره أعلى من أجر الصدقة, ووعد من صبر على الْمُعسِر بجزيل الأجر والثواب, وفى هذا تكافل اجتماعى كبير, ليس له فى العالم نظير, والله أعلم.

س70- تقولون إن الاغتسال والوضوء بالماء للطهارة, فإذا فقدتم الماء تيممتم بالتراب, فهل وضع التراب على الوجه طهارة, أم قذارة؟

ج70- نعم.. نحن نقول إن الاغتسال والوضوء طهارة, ولكن من قال لكم إن الطهارة هى النظافة؟ إن الطهارة هى رفع الحدث الأكبر بالاغتسال, ورفع الحدث الأصغر بالوضوء, والتيمم يحل محل الاثنين فى حالات معينة, فربما كان الإنسان طاهراً, ويستطيع أن يصلى, مع أن جسده متسخ, أو ملابسه, بشرط ألا يكون متسخاً بنجاسة (بغض النظر عن أنه لا يليق بالمسلم) فى حين أن غيره ربما يكون نظيف البدن, نظيف الثياب, متعطراً, ولكنه لا يستطيع أن يصلى, لأنه لم يتطهر من الحدث الأكبر أو الأصغر. إن الوضوء أمر تعبُّدِى اختاره الله لنا, لنتهيّأ للوقوف بين يديه, ويَسَّر علينا أن نستبدله عند فقده بشىء آخر يحل محله, ونحن عبيده يأمرنا بما يشاء, وينهانا عما يشاء, وما علينا إلا الطاعة, سواء علمنا حكمته, أم لم نعلم, فلو أننا أطعناه فيما نعلم حكمته, وتركنا غيره, فأين الإيمان والتسليم إذن؟ وهناك شىء آخر: إن الإنسان خلق من طين, وهو عبارة عن ماء وتراب, فإذا فقد الماء, فإنه يلجأ للشق الآخر. ونحن حين نتيمم لا نضع كمية كبيرة من التراب على وجوهنا, أو ندخله فى عيوننا, وأنوفنا, وأفواهنا, كما تظنون, ولكن يكفى أن نضرب الأرض بكفوفنا, ثم ننفضها, كما كان يفعل رسول الله r, قال تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} [المائدة:6] فهو مجرد غبار, أو أى شىء طاهر صعد على وجه الأرض – وإن لم يكن به تراب – مثل الجبال الصخرية, أو الرخام, أو غيرها.

والآن نذكر لكم بعض ما جاء فى كتابكم المقدس, لتقارنوا بينه وبين التيمم:

فقال لى انظر. قد جعلتُ لك خِثِى البقر بدل خُرْء الإنسان فتصنع خُبزك عليه. (حزقيال4: 15)

هَأنذا انتهر لكم الزرع وأمُدُّ الفَرْث على وجوهكم فَرْث أعيادكم فتُنزَعُون معه. (ملاخى2: 3), والله أعلم.

س71- كيف تقولون إن النساء ناقصات عقل, وقد تفوقن فى علوم شتى, ووصلن إلى أعلى الشهادات, حتى إن المرأة أصبحت طبيبة, ومهندسة, وأستاذة جامعية, وربما تفوقت على الرجل فى بعض المجالات؟

ج71- نقول وبالله التوفيق: نعم.. إن النساء كما تقولون قد تفوقن فى مجالات شتى من العلوم والفنون, ولكن من قال لكم إن العقل هو الذكاء أو التفوق؟ إن الرسول r حين قال للنساء: ((ما رأيتُ من ناقصاتِ عقلٍ ودينٍ أذهبَ لِلُبِّ الرجلِ الحازمِ  منكنَّ)) فسَّر لهنَّ ذلك بقوله: ((أليسَ شَهَادةُ المرأةِ مِثلَ نِصفِ شَهَادةِ الرجلِ… فذلك من نُقصانِ عقلها, أليسَ إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُم… فذلِك من نقصان دينها)) [صحيح البخارى] فلم يقل الرسول r إنهن ناقصات ذكاء, أو مهارة, أو فطنة… إلخ, ولكن قال: ((ناقصات عقل)) والعقل معناه الربط والتحكم, كما جاء فى الحديث الشريف: ((اعقِلها وتوكَّل)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:1068] وذلك حينما سأله رجل عن ناقته هل يُطْلِقُها ويتوكل, أم يعقلها (أى يربطها) ويتوكل. فالعِقال هو الرباط الذى يربطون به الناقة حتى لا تفِر, والعقل هو الذى يتحكم فى الإنسان, فيضبط تصرفاته, ويحجزه عما يضره, فلا ينساق وراء عواطفه, ويجعله يتصرف بحكمة, ولو فى أحلك المواقف, وأخطر الظروف, ومعلوم أن هذا أقوى عند الرجال, فعند حدوث أى خطر – كحادثة طريق أو حريق – تجد النساء لا يستطعن السيطرة على أنفسهن, ويصرخن, ويُغشَى عليهن, أما الرجال فهم الذين يسارعون فى إنقاذ المصابين, والاتصال بالإسعاف, والنجدة… إلخ. إن التفوق العلمى مَلَكَة وهِبَة من عند الله للرجال والنساء, ولكن المرأة لا تتحمل المواجهات الساخنة, مهما بلغت من الدرجات العلمية, ولو كانت أستاذة جامعية, فلو سمعت صوت لِص, أو رأت فأراً – ولا أقول ثعباناً – ماذا تفعل؟ إنها تصرخ, وتنادى أى رجل – ولو البَوّاب الذى لا يعرف القراءة والكتابة – لينقذها مما هى فيه. إن عاطفة المرأة تغلب عقلها, ولذلك لا ينبغى أن تكون قاضية, لأنها لو أتاها مجرم (ولو كان سارقاً أو قاتلاً) وبكى لها واشتكى, لعَفَت عنه, ولضيّعت حقوق العباد, ولو أنه مدحها, لَرَقَّ إليه قلبها. وكذلك فإنها بطبيعتها الضعيفة الرقيقة, التى خلقها الله عليها, لا تستطيع القيام بالأعمال الشاقة, والأعمال الخطرة, لأنها لا تحسن التصرف فيها, فلا نجدها – مثلاً – فى فِرَق الإسعاف, أو قوات المطافئ, أو قوات الصاعقة, والمظلات, والإبرار الجوى… إلخ. وفى هذا أيضاً رد على السؤال الذى يُطرح منذ عشرات السنين, وتمتلئ به وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية, عن مساواة الرجل بالمرأة, فالذين ينادون بتحرير المرأة – كما يقولون – هم أعداء لها, وإلا- فمِمَّ يحررونها؟ أهىَ أسيرة؟ إنهم يريدون تحريرها من حيائها, وحجابها, وعفتها, فتختلط بالرجال, وتشاركهم فى كل مجال, مع أن طبيعة المرأة وخِلقتها تختلف تماماً عن الرجل, كما قال الله عز وجل: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى} [آل عمران:36] وهم يظلمونها, ويحملونها ما لا تطيق من الأعمال التى لا يقدر عليها إلا الرجال. وعدم قدرتها ليس عيباً فى حقها, ويكفيها شرفاً أن جعلها الله رقيقة, عطوفة, رحيمة, حتى تراعى زوجها وأولادها, وتقوم على شئون بيتها, فهم لا يريدون أن يعترفوا أن لها قدرات محدودة, لضعف بدنها وقدرة تحملها, فبالإضافة لما سبق لا نجدها جرّاحة مخ وأعصاب – مثلاً – أو جرّاحة قلب مفتوح, أو غوّاصة فى البحار, أو عاملة فى المناجم والآبار, وأعمال الحفر والمِعمار… إلخ. فالذى خلقها أعلم بها {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14] حتى إنه سبحانه وتعالى خفف عنها بعض العبادات أيام حيضها ونفاسها, فإنها تكون فى تلك الأوقات أضعف نفسياً وبَدنيّاً, وألزَم الرجال بالنفقة عليها, لأنهم أقدر على السعى فى كسب لقمة العيش منها, فسبحان {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50]

إن المرأة فى الكتاب المقدس شر, ولا يحل لها أن تتكلم فى الكنيسة, ولا أن تذهب إليها لتتعلم, وإذا جاءها حيض أو استحاضة فهى نجسة, وكل ما تلمسه نجس, وكل من يلمسها نجس, بل إنها تعتبر مذنبة, ولابد أن تكفر عن خطيئتها, أين هذا من قول رسولنا r: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) [متفق عليه] وقوله: ((إن المؤمن لا ينجس)) [متفق عليه] و((المؤمن)) يشمل المؤمن والمؤمنة. فالمرأة عندنا ليست نجسة, وإن كانت حائِضاً أو نُفَسَاء. وقد كان r ينام فى حِجْر السيدة عائشة – رضى الله عنها – وهى حائض, ويقرأ القرآن. وأين هذا من معارضة امرأة لسيدنا عمر t حين كان يخطب على المنبر, فنهى عن الغُلُوّ فى المهر, فقامت من بين المصليات – وعلى مسمع من الرجال – وذكَّرته بقول الله تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً} [النساء:20] فقال قولته المشهورة: (أخطأ عمر وأصابت امرأة) وحتى لا نطيل عليكم فى سرد أدلة تكريم المرأة فى الإسلام, ننتقل إلى بعض – وليس كل – ما جاء فى الكتاب المقدس بشأن النساء:

وكانت امرأة جالسة فى وسط الإيفة. فقال هذه هى الشر. (زكريا5: 7-8)

ولكن أريد أن تعلموا أن رأس كل رجل هو المسيح. وأما رأس المرأة فهو الرجل. (رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس11: 3)

وقال للمرأة تكثيراً أكثّر أتعاب حَبَلِك. بالوجع تلدين أولاداً. وإلى رَجُلِك يكون اشتياقك وهو يَسُودُ عليكِ. (تكوين3: 16)

لتصمت نساؤكم فى الكنائس لأنه ليس مأذوناً لهنَّ أن يتكلمنَ بل يخضعنَ كما يقول الناموس أيضاً. ولكن إن كنَّ يُرِدنَ أن يتعلمنَ شيئاً فليسألنَ رجالهنَّ فى البيت لأنه قبيح بالنساء أن تتكلم فى كنيسة. (رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس14: 34-35)

لتتعلم المرأة بسكوت فى كل خضوع. ولكن لستُ آذنُ للمرأة أن تُعَلِّم ولا تتسلط على الرجل بل تكون فى سكوت. لأن آدم جُبِلَ أولاً ثم حواء. وآدم لم يَغوِ لكن المرأة أغويت فحصلت فى التعدِّى. ولكنها ستخلص بولادة الأولاد إن ثَبَتن فى الإيمان والمحبة والقداسة مع التعقُّل (رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس2: 11-15) فى هذا النَّص نجد أن اللوم يقع على السيدة حواء – رضى الله عنها – ولم يقع على سيدنا آدم (على نبينا وعليه الصلاة والسلام) بعكس القرآن الذى أثبت المعصية لآدم, وإن كانت حواء ساعدته عليها, فقال: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه:121] ونجد فى النَّص – أيضاً – عدم السماح للمرأة أن تُعَلِّم, بل تتعلم فقط, وفى سكوت. ونجد أن الذى يخلِّصها من خطيئة السيدة حواء هو أن تنجب أولاداً مؤمنين, أما إذا لم تنجب فلا ندرى ماذا يحدث لها؟

أما نجاستها أيام حيضها واستحاضتها, ونجاسة كل من مسها ومسته, فهو فى الرد على الشبهة رقم (278) ونكتفى هنا بذكر كونها مخطئة أيام حيضها واستحاضتها:

وإذا طهرت من سيلها تحسب لنفسها سبعة أيام ثم تطهر. وفى اليوم الثامن تأخذ لنفسها يمامتين أو فرخى حمام وتأتى بهما إلى الكاهن إلى باب خيمة الاجتماع. فيعمل الكاهن الواحد ذبيحة خَطِيَّة والآخر مُحرَقَة ويكفِّر عنها الكاهن أمام الرب من سيل نجاستها. فتعزلان بنى إسرائيل عن نجاستهم لئلا يموتوا فى نجاستهم بتنجيسهم مسكنى الذى فى وسطهم (لاويين15: 28-31) سبحان الله! هل تفعل المرأة هذا كلما جاءها الحيض؟ أين هذا مما حدث مع السيدة عائشة – رضى الله عنها – حين طلب منها الرسول r أن تناوله ثوباً وهو فى المسجد (لأن حجرتها كانت تُطِل عليه) فاعتذرت له بأنها حائض, فقال لها: ((إن حَيْضتك ليست فى يدك)) [صحيح مسلم]؟ وأين هذا من قوله r للحائض: ((إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم, فاغتسلى, وأَهِلِّى بالحج, واقضى ما يقضى الحاج, غير ألا تطوفى بالبيت, ولا تصلى)) [صحيح الجامع:2254]‌؟ لقد سمح لها الرسول r بالقيام بجميع أعمال الحج, إلا الطواف والصلاة, ويكفيها الاغتسال لتتطهر من حيضها, فالحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة, والله أعلم.

س72- إن انتشار الفقر والمرض والتخلف فى بلاد المسلمين له ارتباط وثيق بالدين, بدليل رُقِىّ البلاد الغربية وتفوقها.

ج72- يعلم الناقد أن رُقِىّ الدول الغربية لم يقم على تعاليم دينها, وقد أشرنا إلى ذلك فى الرد على الشبهة رقم (97) وإلا- فهناك دول أفريقية كثيرة متخلفة, مع اعتناقها للمسيحية. ويعلم أيضاً أن الحضارة الغربية ما قامت إلا على الحضارة الإسلامية, وعلى سرقة عقول الشعوب, وامتصاص دمائهم, ونهب ثرواتهم باحتلال بلادهم. وسنذكر (إن شاء الله) بعض نصوص الكتاب المقدس, ونترك القارئ المنصِف يقارن بين ما جاء فيه وبين ما جاء به الإسلام فى هذا الصدد.

إن ما أصاب المسلمين من مرض وتخلف وفقر – وهو ما يسمى بالثالوث المدمر – فهو مِن بُعدهم عن تعاليم دينهم, وليس لالتزامهم به, وإننا لنتحدى أن يأتينا أى إنسان بآية أو حديث فيه صَدّ عن العلم أو العمل, أو فيه ما يؤدى إلى الفقر والمرض. إن الله سبحانه وتعالى لم يأمر نبيه r بطلب الزيادة من أى شىء إلا العلم, فقال جل فى علاه: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} [طه:114] وكانت أول آيات أنزلت عليه r هى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ{2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ{3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ{4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:1-5] إن الله سبحانه وتعالى لا يذكر شيئاً فى كتابه, يَمُنّ به على عباده, إلا إذا كان له أهمية عظيمة, فَذِكْر القلم لم يأتِ عبثاً, فإنه أساس تدوين كل العلوم, وما وصلت إليه البشرية اليوم من العلوم, فهو مبنى على ما سبقه من العلوم المدونة, وكل جيل يطوِّر ما وصل إليه آباؤه وأجداده من قبله, ثم الجيل الذى بعده… وهكذا, كل جيل يبدأ من حيث انتهى الآخرون. والآيات والأحاديث التى تحث على العلم والعمل كثيرة جداً, نذكر من الآيات على سبيل المثال: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} [العنكبوت:20] {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف:105] {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات:21] {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ} [الأعراف:185] {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك:15] {وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة:10] وغير ذلك كثير, لدرجة أن الله سبحانه وتعالى لم يحرم التجارة أثناء الحج, فقال: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة:198] أما الأحاديث التى تحث على العلم, فنذكر منها على سبيل المثال أيضاً: ((طلبُ العلم فريضة على كل مسلم)) [سنن ابن ماجه, صحيح الجامع:3914] قوله r: ((على كل مسلم)) يشمل المسلمة (كما هو معلوم من الآيات والأحاديث التى تأتى بلفظ المذكَّر فى حين أنها للجنسين) و((من سلك طريقاً يطلبُ فيهِ علماً, سَلكَ الله بهِ طريقاً من طرق الجنة, وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع, وإن العالِم ليستغفر له من فى السموات ومن فى الأرض, والحيتان فى جوف الماء, وإن فضل العالِم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب, وإن العلماء ورثة الأنبياء, وإن الأنبياء لم يُوَرِّثوا ديناراً ولا دِرهماً, إنما وَرَّثوا العلم, فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر)) [صحيح الجامع:6297]‌ وهناك أحاديث أخرى تحث على طلب العلم. وقد مر بنا أن الرسول r كان يفك أسْر المشركين مقابل تعليم المؤمنين القراءة والكتابة.

وأما الأحاديث التى تحث على العمل فنذكر منها: ((إن قامت الساعة وفى يد أحدكم فَسِيلَة, فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها, فليغرسها)) [صحيح الجامع:1424] ((ما من مسلم يغرس غرساً, إلا كان ما أُكِلَ منه له صدقة, وما سُرِقَ منه صدقة, وما أكل السبع فهو له صدقة, وما أكلت الطيور فهو له صدقة, ولا يَرزَؤُهُ أحد إلا كان له صدقة)) [صحيح مسلم] قوله: ((يرزؤه)) أى يُصاب فيه, لأن (الرُّزْء) هو المصيبة. وقال r عن الخارج لطلب الرزق: ((إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً, فهو فى سبيل الله, وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين, فهو فى سبيل الله, وإن كان خرج يسعى على نفسه يُعِفُّها, فهو فى سبيل الله, وإن كان خرج يسعى رياءً ومُفاخَرَة, فهو فى سبيل الشيطان)) [صحيح الجامع:1428] ((لأن يأخذ أحدكم حَبْله فيأتى الجبل فيجىء بحزمة الحطب على ظهره, فيبيعها, فيَكُفّ الله بها وجهه, خير له من أن يسأل الناس, أعطوه أو منعوه)) [صحيح الجامع:5041] وغير ذلك أحاديث كثيرة. وبفرض عدم وجود أدلة على الترغيب فى العلم والعمل, فإن الأصل فى الأشياء الإباحة, ما لم يَرِدْ الدليل على تحريمه, فكيف والأدلة كثيرة لا يحصيها العَدّ؟  

أما الفقر الذى أصاب كثيراً من المسلمين, فإن السبب فى ذلك أن الأغنياء بخلوا بما عندهم, ولم يمتثلوا لأمر ربهم فى إخراج زكاة أموالهم, فما جاع الفقراء إلا بتُخْمَة الأغنياء, والآيات والأحاديث التى تحث على الزكاة والصدقة لا تحتاج لبيان فى هذا الموضع, لأنها معلومة لدى الكبير والصغير, والله سبحانه وتعالى قد أثرَى الأمة الإسلامية بالموارد التى تُدِر عليها المال الوفير, مثل آبار البترول, والمعادن المختلفة, والأراضى الزراعية الخصبة, ولكن هذه الأموال لم تستخدم على الوجه الذى يريده الله عز وجل – إلا القليل منها – وشاهد على ذلك دول الخليج التى فتح الله لها كنوز الذهب الأسود, فلو أنهم اتقوا الله فيما جعلهم مستخلفين فيه, لَمَا جاع مسلم على وجه الأرض, ولَمَا رأينا المجاعات فى الصومال, والنيجر, وغيرهما من بلاد المسلمين, قال رسول الله r: ((من كان معه فضل ظهر, فليَعُد به على من لا ظَهْر له, ومن كان له فضل من زادٍ, فليَعُد به على من لا زادَ له)) [صحيح مسلم] ثم إن هناك سبباً قوياً لفقر المسلمين, وهو التقسيم الاستعمارى لبلادهم, حتى أصبحت كل دولة مغلقة على نفسها, وخيرها ليس إلا لأهلها, أو من يعملون فيها, أما لو كانت هناك خلافة إسلامية, لأصبحت جميع الشعوب التى تدين بالإسلام تحت إِمرَة حاكم واحد, هو (الخليفة) ولأصبحت موارد الدولة الموَّحدة وخيراتها ينال منها القريب والبعيد من أبناء المسلمين, ولتوافرت فرص العمل لهم جميعاً, ولَمَا تكدست الأموال عند بعضهم دون البعض, وَلَسَاد التضامن والتكافل والرخاء, نتيجة تعاونهم واتحادهم.

أما الأمراض فإن الإسلام قد جعل الوقاية منها بعدة أسباب, منها النظافة, وهى عامل مهم جداً فى الوقاية منها, ومنع انتشارها, فليس هناك ديانة, ولا مِلَّة, ولا نِحْلَة, ولا منهج سماوى أو وضعى, يحث على النظافة كما حث عليها الإسلام. إن أول شرط فى دخول الإسلام – قبل النطق بالشهادتين – هو الاغتسال, ونحن نتحداكم أن تأتونا بأى منهج سماوى يُلزِم الإنسان بغسل وجهه ويديه ورجليه فى اليوم خمس مرات, وأن يستبرئ من بوله وغائطه, وأن يغتسل مرة على الأقل كل أسبوع, وبعد الحدث الأكبر, مثل الجنابة والحيض والنفاس. إن الكثير من الكفار – رغم ما أوتوا من علم ومال وجمال – لا يتطهرون من البول والغائط كما يتطهر المسلمون, لأنهم يتنظفون بالورق الذى لا يزيل أثر البول والغائط كما يزيله الماء. ونحن نجد الذين يحافظون على الوضوء ليس لأقدامهم رائحة, فى حين أن غيرهم يتعاطون العقاقير لعلاج ما بين أصابعهم من الفطريات, والرائحة الكريهة, لعدم نظافتها, حتى إن الزوجة لتأنَف من زوجها, والزوج ليأنَف من زوجته. وكذلك فإن المسلم الذى يحافظ على وضوئه لا تجد لفَمِه رائحة كريهة لكثرة السِّواك والمضمضة والخِلَّة.

إن أنظف إنسان فى الوجود هو الرسول r الذى ((كان إذا أراد الحاجة أبْعَد)) [صحيح الجامع:4651]‌ أى أنه إذا أراد أن يقضى حاجته بَعُدَ عن الناس بُعداً كبيراً. وكان لا يُرَى له أثر بول أو غائط, وكان يلبس الثياب البيض, ويدهن شعره, ويمتشط, ويتعطر, ويستاك عند كل وضوء, وأحياناً بغير وضوء, و((كان إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فِيهِ, وخفَّض بها صوته)) [صحيح الجامع:4755] وقد نهى عن التنفس فى الإناء, فقال: ((إذا شَرِبَ أحدكم فلا يتنفس فى الإناء, فإذا أراد أن يعود, فليُنَحِّ الإناء, ثم ليَعُد إن كان يريده)) [صحيح الجامع:624] و((نهى أن يُنفَخ فى الطعام والشراب)) [صحيح الجامع:6028] و((نهى عن الشرب من فِى السِّقاء)) [صحيح الجامع:6889] ((السِّقاء)) هى قِربَة الماء, و((فىِ السِّقاء)) أى فمها. وكان من سنَّته غسل اليدين قبل الطعام وبعده, وهو الذى قال: ((إذا نام أحدكم وفى يده ريح غَمْر, فلم يغسل يده, فأصابه شىء, فلا يلومنَّ إلا نفسه)) [صحيح الجامع:803] ((ريح غَمْر)) معناها رائحة اللحم أو دسمه, لأنه يجلب إليه الحشرات والْهَوام, ويسبب له الأمراض. ونهى r عن التبُّول فى الماء الراكد, فقال: ((لا يَبُولَنَّ أحدكم فى الماء الراكد)) [صحيح الجامع:7596] وهذا يمنع أمراضاً كثيرة, مثل البلهارسيا وغيرها. ونهى عن التبُّول أو التبرُّز فى ظِل الناس, فقال: ((اتقوا الملاعِن الثلاث: أن يقعد أحدكم فى ظِلّ يُستَظل فيه, أو فى طريق, أو فى نقع ماء)) ‌[صحيح الجامع:113] ((يقعد)) أى يقعد للتبرُّز, ((فى ظِلّ)) يشمل الحائط أو الشجرة, أو أى شىء يستظل به الناس من حر الشمس, ((نقع الماء)) معناه الماء الراكد, مثل البرك والمستنقعات. وهو الذى علم البشرية استخدام نبات الخِلَّة, لإخراج الطعام من بين الأسنان والأضراس, حتى لا يتحلل ويتعفن, ويصيب اللثة والأسنان بالأمراض. ونهى عن ترك الشعر بدون تنظيف, وأمر بتهذيبه, وقال: ((من كان له شعر فليكرمه)) [صحيح الجامع:6493] كلمة ((شعر)) تعنى شعر الرأس واللحية, وإكرامه يكون بتنظيفه, ودهانه, وترجيله. وكان يأمر بغسل الأيْدى بعد الاستيقاظ من النوم, فقال: ((إذا قام أحدكم من النوم, فأراد أن يتوضأ, فلا يُدخِل يده فى الإناء حتى يغسلها, فإنه لا يدرى أين باتت يده, ولا على ما وضعها)) [صحيح الجامع:718] ومعلوم أن بعض الديدان – مثل الدودة الدبُّوسية – لها دورة كاملة داخل جسم الإنسان, فهى تضع بيضها حول فتحة الشرج, ولذلك يصاب الإنسان بحَكَّة, وخصوصاً أثناء نومه, فإذا وضع يده على فتحة الشرج, ثم لم يغسل يديه قبل الطعام, فإن هذا البيض يدخل عن طريق فمه, ويكمل دورته داخل جسمه, ويصيبه مرة أخرى. وأمر r بالاستحداد, ونتف الإبِط, وتقليم الأظافر, فى زمن لا يزيد على أربعين يوماً, والاغتسال يوماً على الأقل فى الأسبوع – وهو يوم الجمعة – وقال: ((عَشْر من الفِطرة: قص الشارب, وإعفاء اللحية, والسواك, واستنشاق الماء, وقص الأظفار, وغسل البَراجِم, ونتف الإبِط, وحلق العانة, وانتقاص الماء)) [صحيح مسلم] قال مُصعَبُ (أحد رُواة الحديث): ونسيتُ العاشرةَ, إلا أن تكون المضمضة. ((البَراجِم)) هى الجلد الذى به ثَنَيات, مثل الذى على عُقَلِ الأصابع, لأن الأوساخ تتجمع فيها. وقال r: ((إذا تنخَّم أحدكم وهو فى المسجد فليغيِّب نخامته, لا تصيب جِلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه)) [صحيح الجامع:439] وهناك سُنن أخرى, وأحاديث كثيرة, يُرجَعُ إليها فى كتب الفقه والسيرة.

ومن أسباب الوقاية من الأمراض أيضاً: تقليل الطعام, وعدم الشبع, فإن الكثير من الأمراض سببها امتلاء المعدة, قال r: ((ما ملأ آدمى وعاء شراً من بطنٍ, بِحَسْبِ ابن آدم أكلات يُقِمْنَ صُلْبَه, فإن كان لا محالة, فثلث لطعامه, وثلث لشرابه, وثلث لنَفَسِه)) [سنن الترمذى, صحيح الجامع:5674] هذا بالإضافة إلى النهى عن تعاطى ما يضر من الطعام والشراب, أو أى شىء, بقوله r: ((لا ضرر ولا ضِرار)) [صحيح الجامع:7517] وأمر بالتداوى من الأمراض, فقال: ((يا عباد الله تداوَوْا, فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء, غير داء واحد: الهِرَم)) [صحيح الجامع:7934] ((الهِرَم)) معناه الشيخوخة. وقال: ((لكل داء دواء, فإذا أصاب دواءٌ الداءَ بَرِئَ بإذن الله تعالى)) [صحيح الجامع:5164] ووصف علاجاً لأمراض كثيرة, ليس هنا مجال ذكرها.

والآن نسرد عليكم بعض ما جاء فى الكتاب المقدس:

أنكم تركتم وصية الله وتتمسكون بتقليد الناس. غسل الأباريق والكؤوس وأموراً أُخَرَ كثيرة مثل هذه تفعلون. (مرقس7: 8)

ثم سأله الفريسييون والكتبة لماذا لا يسلُك تلاميذك حسب تقليد الشيوخ بل يأكلون بأيدِ غير مغسولة. فأجاب وقال لهم حسناً تنبأ إشعياء عنكم أنتم الْمُرائين كما هو مكتوب. (مرقس7: 5-6)

وأما الأكل بأيد غير مغسولة فلا ينجِّس الإنسان (متى15: 20)

فكذلك كل واحد منكم لا يترك جميع أمواله لا يقدر أن يكون لى تلميذاً (لوقا14: 33)

وحقلك لا تزرع صِنفين ولا يكن عليك ثوب مُصنَّف من صنفين. (لاويين19: 19)

ما أعسر دخول ذوى الأموال إلى ملكوت الله. لأن دخول جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غنى إلى ملكوت الله. (لوقا18: 24-25)

لا تحبوا العالم ولا الأشياء التى فى العالم. إن أحبَّ أحد العالم فليست فيه محبة الآب. لأن كل ما فى العالم شهوة الجسد وشهوة العين وتعَظُّم المشيئة ليس من الآب بل من العالم. والعالم يمشى وشهوته وأما الذى يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد (رسالة يوحنا الأولى2: 15-17)

لا يقدر خادم أن يخدم سيدين. لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال (لوقا16: 13)

ادخلوا من الباب الضيِّق. لأنه واسع الباب ورحْب الطريق الذى يؤدى إلى الهلاك. وكثيرون هم الذين يدخلون منه. ما أضيَق الباب وأكرَب الطريق الذى يؤدى إلى الحياة. وقليلون هم الذين يجدونه (متى7: 13-14)

وقال لتلاميذه من أجل هذا أقول لكم لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون ولا للجسد بما تلبسون. الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس. تأمَّلوا الغِربان. أنها لا تزرع ولا تحصد وليس لها مَخدَع ولا مخزن والله يُقيتها. كَمْ أنتم بالحرِىِّ أفضل من الطيور. ومن منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامَتِه ذراعاً واحدة. فإن كنتم لا تقدرون ولا على الأصغر فلماذا تهتمون بالبواقى. تأملوا الزنابق كيف تنمو. لا تتعب ولا تغزِل. ولكن أقول لكم إنه ولا سليمان فى كل مجده كان يلبس كواحدة منها. فإن كان العُشْب الذى يوجد اليوم فى الحقل ويُطرَح غداً فى التنُّور يُلْبِسُهُ الله هكذا فَكَمْ بالحرِىِّ يُلْبِسُكم أنتم يا قليلى الإيمان. فلا تطلبوا أنتم ما تأكلون وما تشربون ولا تقلقوا. فإن هذه كلها تطلبها أمم العالم. وأما أنتم فأبوكم يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه. بل اطلبوا ملكوت الله وهذه كلها تُزاد لكم لا تَخَف أيها القطيع الصغير لأن أباكم قد سُرَّ أن يعطيكم الملكوت. بيعوا ما لكم واعطوا صدقة. اعملوا لكم أكياساً لا تفنى وكنزاً لا ينفد فى السموات حيث لا يقرب سارق ولا يُبلى سُوس (لوقا12: 22-33)

لا تقتنوا ذهباً ولا فضة ولا نحاساً فى مناطقكم. ولا مِزوداً للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصاً. (متى10: 9-10)

وأخيراً ننصحكم بقراءة الإصحاحين (13و14) من سِفْر (اللاويين) لتعلموا ما جاء فى كتابكم المقدس عن المصاب بالبَرَص أو القَرَع (سقوط الشعر) وأنه نَجِس وآثم, ولابد من ذهابه للكاهن للكشف عليه, وتحديد نوع البَرَص أو القَرَع, ثم الطقوس المطلوبة لتطهيره, والأشياء التى يقربها إلى الله – بزعمكم – حتى يتطهر. ولتعلموا ما جاء فيهما عن البَرَص الذى يصيب الثوب وجدران البيت, واعتبار الثوب والبيت نجسَيْن, ولابد من تطهيرهما, بل والتكفير عن البيت من هذا البَرَص, لأننا لا نستطيع سرد هذين الإصحاحين لطولهما, ولكن نكتفى بنقل بعض فقراتهما, وبالله التوفيق:

 ‌فهو إنسان أبرص. إنه نجس فيحكم الكاهن بنجاسته. إن ضربته فى رأسه. والأبرص الذى فيه الضربة تكون ثيابه مشقوقة ورأسه يكون مكشوفاً ويغطى شاربيه ويُنادَى نجس نجس. كل الأيام التى تكون الضربة فيه يكون نجساً. إنه نجس. يقيم وحده. خارج الْمَحَلَّة يكون مُقامُه

يأمرُ الكاهن أن يؤخذ للمتطهر عصفوران حيّان طاهران وخشب أرْز وقرمز وزوفاً. ويأمرُ الكاهن أن يُذبَح العصفور الواحد فى إناء خزف على ماء حى. أما العصفور الحى فيأخذه مع خشب الأرز والقرمز والزوفا ويغمسها مع العصفور الحى فى دم العصفور المذبوح على الماء الحى وينضح على المتطهر من البَرَص سبع مرات فيطهره ثم يطلق العصفور الحىّ على وجه الصحراء

ويكفِّر عنه الكاهن أمام الرب. ثم يعمل الكاهن ذبيحة الخطِيَّة ويكفِّر عن المتطهر من نجاسته. ثم يذبح الْمُحرَقَة ويُصعِد الكاهن الْمُحرَقَة والتَّقدِمَة على المذبح ويكفِّر عنه الكاهن فيطهر لكن إن كان فقيراً ولا تنال يده يأخذ خروفاً واحداً ذبيحة إثم لترديد تكفيراً عنه وعُشراً واحداً من دقيق ملتوت بزيت لتقدِمَة ولُج زيت ويمامتين أو فَرْخَىّ حمام كما تنال يده فيكون الواحد ذبيحة خَطِيَّة والآخر مُحْرَقَة. ويأتى بهما فى اليوم الثامن لطهره إلى الكاهن إلى باب خيمة الاجتماع أمام الرب

وينضح الكاهن بأصبعه اليمنى من الزيت الذى فى كفه اليسرى سبع مرات أمام الرب. ويجعل الكاهن من الزيت الذى فى كفه على شحمة أذن المتطهر اليمنى وعلى إبهام يده اليمنى وعلى إبهام رجله اليمنى على موضع دم ذبيحة الإثم. والفاضل من الزيت الذى فى كَفّ الكاهن يجعله على رأس المتطهر تكفيراً عنه أمام الرب

إذا كانت الضربة قد امتدت فى الثوب فى السَّدَى أو اللُحمَة أو فى الجلد من كل ما يُصنع من جلد للعمل فالضربة بَرَص مُفسِد. إنها نجسة فيحرق الثوب 

وكلم الرب موسى وهَرُون قائلاً متى جئتم إلى أرض كنعان التى أعطيكم مُلكاً وجعلتُ ضربَة بَرَص فى بيت فى أرض مُلكِكُم. يأتى الذى له البيت ويخبر الكاهن قائلاً قد ظهر لى شبَّة ضربة فى البيت. فيأمر الكاهن أن يفرغوا البيت قبل دخول الكاهن ليرى الضربة لئلا يتنجس كل ما فى البيت

ويغلق البيت سبعة أيام. فإذا رجع الكاهن فى اليوم السابع ورأى وإذا الضربة قد امتدت فى حيطان البيت يأمر الكاهن أن يقلعوا الحجارة التى فيها الضربة ويطرحوها خارج المدينة فى مكان نجس. ويُقَشَّر البيت من داخل حواليه ويطرحون التراب الذى يقشِّرونه خارج المدينة فى مكان نجس. ويأخذون حجارة أخرى ويدخلونها فى مكان الحجارة ويأخذ تراباً آخر ويُطيِّن البيت. فإن رجعت الضربة وأفرَخَت فى البيت بعد قَلْع الحجارة وقشر البيت وتطيينه وأتى الكاهن ورأى وإذا الضربة قد امتدت فى البيت فهى بَرَص مفسد فى البيت. إنه نجس. فيهدم البيت حجارته وأخشابه وكل تراب البيت ويخرجها إلى خارج المدينة إلى مكان نجس. ومن دخل إلى البيت فى كل أيام انغلاقه يكون نجساً إلى المساء. ومن نام فى البيت يغسل ثيابه ومن أكل فى البيت يغسل ثيابه.

فيأخذ لتطهير البيت عصفورين وخشب أَرز وقِرمزاً وزوفاً. ويذبح العصفور الواحد فى إناء خزف على ماء حىّ ويأخذ خشب الأرز والزوفا والقرمز والعصفور الحىّ ويغمسها فى دم العصفور المذبوح وفى الماء الحىّ وينضح البيت سبع مرات ويُطهِّر البيت بدم العصفور

ويكفِّر عن البيت فيطهُر

هذه هى الشريعة لكل ضربة من البَرَص وللقَرَع ولبرص الثوب والبيت وللناتئ وللقوباء وللمْعَة للتعليم فى يوم النجاسة ويوم الطهارة. هذه شريعة البَرَص

هذا قليل من كثير مما جاء فى الكتاب المقدس, والله أعلم.

س73- إن الإسلام يحارب الفقراء بأبشع الصور, بحيث لو سرق الفقير الجوعان رغيفاً من الخبز, طُبِّق عليه حد السرقة, وقُطعِت يده, وإذا جاع وسرق رغيفاً آخر, قُطعِت يده الثانية, حتى لو كان سيطعم أولاده الصغار, ما هذه الوحشية يا أيها المسلمون؟

ج73- إن حد السرقة فى الإسلام ليس فى الرغيف كما تقولون, إن حد السرقة لا يطبق إلا فى ربع دينار من الذهب, وبشرط أن يكون فى حِرْز, قال رسول الله r: ((لا تُقطَع يد السارق إلا فى ربع دينار فصاعداً)) [صحيح مسلم] والدينار يساوى أربعة جرامات وربعاً, فلو قلنا – بالتقدير الحالى تقريباً- إن الجرام يساوى مائة جنيه, فيكون الدينار بأكثر من أربعمائة جنيه (425) وربع الدينار يساوى أكثر من مائة جنيه, ورغيف الخبز الذى تتكلمون عنه يساوى خمسة قروش, أو عشرة قروش, أى أنه لا يساوى بالنسبة لحد السرقة واحداً إلى1000, تنقص أو تزيد قليلاً حسب سعر الذهب والخبز. فالإسلام لا يعاقب بحد السرقة فى أقل من ربع دينار ذهب, ولو كان كسر حِرْزاً, يعنى أننا لا نقطع يد من سرق رغيفاً (كما تقولون) ولا حتى من سرق بطة, أو دجاجة مشوية, فأين هى الوحشية؟ وفى المجاعات لا نقطع يد من سرق ليطعم نفسه أو أولاده, ولو سرق كبشاً, أما عندكم فإن السارق إذا ضُبِطَ وهو يحاول سرقة ثور أو شاة, فضُرِبَ حتى مات, فلا دِيَةَ له, وها هو كتابكم المقدس يقول: إذا سرق إنسان ثوراً أو شاة فذبحه أو باعه يعوّض عن الثور بخمسة ثيران وعن الشاة بأربعة من الغنم. إن وجد السارق وهو ينقب فضُرِبَ ومات فليس له دم (خروج22: 1-2)

فلابد إذن فى قطع اليد من ثلاثة شروط, الأول: أن يكون مقدار السرقة يساوى ربع دينار أو أكثر, فلو سرق بالقيمة الحالية تسعة وتسعين جنيهاً لا تقطع يده. الثانى: لابد أن يكون المال أو المتاع الذى سرقه فى حِرْز, أى فى شىء مغلق عليه, مثل أن يكسر دُرْجاً, أو باب شقة, أو خزانة. فلو خطف السارق شيئاً من أحد يسير فى الشارع – مثلاً – لا تقطع يده, ولو كان الشىء المسروق أكبر من ربع دينار, أما لو هدده بالسلاح وأخذ ماله, فإن هذا يسمى غصباً, ويطبق عليه حد الحِرابة, وهو أشد من قطع اليد, حتى يأمن الناس على أرواحهم وأموالهم, فلابد أن تكون العقوبة رادعة لمن تُسِوِّل له نفسه الاعتداء على خلق الله. الثالث: أن يصل الأمر إلى الحاكم, فلو سرق أحد من حِرْز – ولو 1000 جنيه أو أكثر – ثم جاء أهله واعتذروا لصاحب المال, وتذللوا له أن يترك ولدهم, ولا يرفع أمره إلى الحاكم, فعفا عنه, أو تصالحوا على شىء مقابل عدم البلاغ عنه, فلا تقطع يده, قال رسول الله r: ((تَعافُوا الحدودَ فيما بينكم, فما بلغنى من حَدّ فقد وجب)) [سنن أيى داود والنسائى, صحيح الجامع:2954] ومعنى هذا الحديث الشريف أن الناس إذا تسامحوا فيما بينهم فى حقوقهم فلا تطبق عليهم الحدود, أما لو بلغ الأمر إلى الحاكم فقد وجب عليه تطبيق الحد. ولو سرق أحد من حِرْز, فكسر خزينة – مثلاً – وسرق مائة ألف جنيه, ورُفِعَ أمره إلى الحاكم, واعترف بسرقته, ولكنه اعتذر عن سرقته بأنه عَمِلَ عند هذا الرجل, ولم يعطه أجره الذى يساوى أكثر من المبلغ الذى سرقه, وأتى بشهود فشهدوا له بما قال, فلا تقطع يده. ولو سرق فقير لشدة حاجته واضطراره – مثلاً – إلى إجراء عملية فيها إنقاذ لحياته, أو لحياة ولده, ولا يجد من يساعده, فلا تقطع يده. وقطع اليد فيه حفاظ على أموال الناس, فكما أنه يحذرك من سرقة غيرك, ففى الوقت نفسه يحذر جميع الناس أن يسرقوا منك. والدول التى تطبق حد السرقة – مثل السعودية – يعيش الناس فيها آمنين على أموالهم, ومن يَمُنّ الله عليه بالحج أو العمرة يرى أصحاب المحلات يتركونها مفتوحة, ويذهبون إلى الصلاة وهم آمنون, فمن يضحى بيده ولو أعطيته كنوز الأرض؟ وهنا سؤال يطرح نفسه.. هل معنى هذا أن كل من سرق ولم تنطبق عليه شروط إقامة الحد لا يُعاقَب؟ إذن لاحترف السرقة خلق كثيرون! ونقول لهم: إن هذه الأحوال فيها التعزير, وهو ما يحدده القاضى – أو من ينوب عنه – من عقوبة, مثل الضرب, أو السجن, أو النَّفْى, كل بحسب حاله.

والذين يتهموننا بالوحشية فى قطع يد السارق, عندهم ما هو أشد من ذلك, فقد جاء فى كتابهم المقدس:

إذا تخاصم رجلان بعضهما بعضاً رجل وأخوه وتقدمت امرأة أحدهما لكى تخلِّص رُجُلَها من يد ضاربه ومدَّت يدها وأمسكت بعورتِهِ فاقطع يدها ولا تشفق عينك (تثنية25: 11-12) وجاء فيه أيضاً: فإن أعثرتك يدك أو رجلك فاقطعها وألقها عنك خيراً لك أن تدخل الحياة أعرج أو أقطع من أن تلقى فى النار الأبدية ولك يدان أو رجلان. وإن أعثرتك عينك فاقلعها وألقها عنك خير لك أن تدخل الحياة أعور من أن تلقى فى جهنم النار ولك عينان. (متى18: 8-9), والله أعلم.

س74- لماذا تصرون على ارتداء المرأة للحجاب, مع أن هذا لا يعنى تدينها, ولا يضمن لها السلامة الخُلُقية, بدليل أن المرأة العربية فى الجاهلية كانت محتجبة, وهناك كثير من النساء يرتدين الحجاب وهن غير متدينات, بل ويأتين الفاحشة, فما قيمته إذن؟

ج74- ما رأيكم فى الصورة الفوتوغرافية التى تقولون إنها صورة السيدة مريم, رضى الله عنها؟ وما رأيكم فى أمِّكم (تريزا) التى تحبونها وتوقرونها, وتقولون إنها قامت بأعمال خيرية كثيرة للفقراء فى الهند وغيرها, ثم توفِّيَت فى فترة التسعينيات بعدما تجاوزت الثمانين عاماً؟ هل كانتا ترتديان الحجاب أم لا؟ فإذا كنتم تؤمنون بهما, وتحبونهما, وقد كانتا محجبتين, فلماذا تنكرون الحجاب علينا؟ ثم إن هناك أدلَّة كثيرة فى كتابكم المقدس – ليس على الحجاب فقط – بل على النقاب أيضاً, حتى إنه قد حكم على التى ترفض الحجاب بقص شعرها, واقرأوا إن شئتم:

وأما كل امرأة تصلِّى أو تتنبّأ ورأسها غير مُغطَّى فتُشين رأسها لأنها والمحلوقة شىء واحد بعينه. إذ المرأة إن كانت لا تتغطى فليُقَصُّ شعرها. وإن كان قبيحاً بالمرأة أن تقص أو تحلِق فلتتغطَّ. (الرسالة الأولى إلى كورنثوس11: 5-6)

احكموا فى أنفسكم. هل يليق بالمرأة أن تصلِّى إلى الله وهى غير مُغطّاة. (الرسالة الأولى إلى كورنثوس11: 13)

ها أنتِ جميلة يا حبيبتى ها أنتِ جميلة عيناكِ حمامتان من تحت نقابِك. (نشيد الأنشاد4: 1)

خدّك كفلقة رمّانة تحت نقابِك. (نشيد الأنشاد4: 3)

إن الحجاب له قيمة عظيمة, فكما أنه حماية للمرأة من الاغتصاب والمعاكسات, فهو حماية للرجال من الفتنة فى دينهم, وإشاعة الفساد فى المجتمع, فليس شرطاً أن التى ترتديه تكون متدينة, بل إنه يُفرَض حتى على النساء الكافرات فى بلاد المسلمين, لأنها لو ابتذلت وتكشَّفت, لكانت مثيرة للغرائز والشهوات, وفِتنة للشباب المسلم, فنقول لها لكِ حرية العقيدة, ولكن لا تؤذينا فى ديننا. فالشاب الذى لا يجد ما يعف به نفسه من الحلال, ماذا يفعل؟ إمّا أن يحاول الوصول إليها, وحينها يكون معرَّضاً لعقوبة الدنيا والآخرة, أو يكبت شهوته, فيصاب بالعقد النفسية. والرجل المتزوج من امرأة دميمة حين يرى الجميلة يسخط على قَدَر الله, ويتحسر, ويبغض امرأته, وينظر إليها نظرة احتقار, وربما طلَّقها, أو أساء معاملتها, أو حاول الوصول لغيرها, أما لو غطت المرأة مفاتنها فلن تثير أحداً, ولن يتعرض لها أحد, لأنه لا يدرى أهِىَ صغيرة أم كبيرة, أهى جميلة أم قبيحة, أهى بيضاء أم سمراء… إلخ. ولو فرضنا أن سلوكها الشخصى غير منضبط, فإن هذا لا يضر إلا القليل, أما التى تخرج من بيتها متبرجة – وإن كانت عفيفة – فكم تفتن من الرجال؟ وكم نظرة زنى تتعرض لها؟ وكم صدَّت عن سبيل الله؟ قال رسول الله r: ((كُتِبَ على ابنِ آدمَ نصيبُهُ من الزنى مُدرِكٌ ذلك لا مَحَالةَ, فالعينانِ زناهُما النظر, والأُذنانِ زناهُما الاستماع, واللسانُ زناهُ الكلام, واليدُ زناها البَطْش, والرِّجلُ زناها الْخُطَى, والقلب يهوى ويتمنى, ويُصَدِّقُ ذلكَ الفرجُ ويُكَذِّبُه)) [صحيح مسلم] وما كثرة حوادث الاغتصاب إلا من كثرة تبذُّل النساء وعُريهن, حتى إن الله عز وجل حينما تكلم عن الزنى ذكر المرأة أولاً, لأنها السبب, فقال: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور:2] وإلا- فأخبرونا عن أى امرأة مختمرة أو منتقبة اغتُصِبَت (والعياذ بالله). إن من أهمية الحجاب التى لا يُستهانُ بها أنه يحجز من ترتديه – إلى حد كبير – عن فعل المنكرات, لأنها تستحى – فى كثير من الأحيان – من بعض الأفعال التى لا تليق بحجابها, كالشرطى الذى يرتدى بَدْلَة عَمِله, تجده لا يتصرف كتصرفه لو خلعها. ويكفى الحجاب شرفاً أن الله سبحانه وتعالى وَجَّه الأمر به لزوجات النبى r وبناته أولاً, ثم لنساء المؤمنين من بعده, فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب:59] فالعفاف لا يغنى عن الحجاب, فاعتبروا يا أُولِى الألباب.

والذين يقولون: إن الحجاب تخلُّف وعَوْدَة للوراء, نقول لهم: أهُوَ حجاب للعقل أم للبدن؟ وهل التحضّر والرُّقِى والثقافة فى التعرِّى؟ وهل الحجاب منع النساء أن يتفوقنَ؟ إن الناظر لصور المتفوقات فى الثانوية العامة فى الصحف والمجلات, يجد أن كلهن – أو أكثرهن – محجبات, فلماذا لم يمنعهن الحجاب من التفوق؟ ولو ارتدت الحجاب أى امرأة ممن تفتخرون بعلمهن وثقافتهن, فهل يطير العلم من رأسها؟ ولو ارتدت الحجاب أى وزيرة, أو أستاذة جامعية – أو حتى رئيسة دولة – فهل تصبح أُمِّية, أو متخلِّفة؟ وهل كل المتبرجات مثقفات؟ إنهن بالملايين فى الدول المتخلفة – مثل بعض البلاد الأفريقية – فأين هى ثقافتهن؟ وحين فتح المسلمون البلاد, ودانَت لهم المشارق والمغارب, هل كانت نساؤهم متبرجات؟, والله أعلم.

س75- إن عدم الاختلاط عندكم أصاب الشباب والشابات بالكبت والعقد النفسية, فلماذا لا تبيحون الجنس كما هو عندنا فى الدول الأوربية؟

ج75- إن قائل هذا القول لا دراية له بالنفس البشرية, والشاهد من واقعنا أن الذى يطلق لنفسه العنان فى إشباع رغباته الجنسية, يأتى عليه بعد فترة شعور بالألم النفسى, والحسرة, وعدم الاستقرار, وينظر لمن عَفَّ نفسه بالحلال, وأصبحت له أسرة وأطفال, نظرة غِبطَة, ويتمنى أن لو كان مكانه, وكذلك المرأة التى لا تبالى بأى قيود شرعية أو غير شرعية, تشعر هى الأخرى بعد فترة بالتمزق النفسى, وتتمنى أن لو كان لها زوج وأطفال من الحلال, هذا لأن الإنسان كما هو محتاج لإشباع جسده فهو محتاج لإشباع روحه, وإشباع روحه لا يأتى إلا بالتقرب إلى من خَلَقَها, والدليل على ذلك أن أكبر نسبة انتحار فى العالم توجد فى الدول الأوربية, حيث الرُّقِى المادى, والانحلال الجنسى, وكل وسائل الترف والنعيم, ولكن نفوسهم خَواء. وسَلُوا قائل هذا القول: هل استقرت الأمور بعد أن أطلقتم الحريات, حتى لا يكاد يتأكد أحد من معرفة أبيه؟ وهل الانحلال عندكم أدَّى إلى إشباع جنسى واستراحت النفوس؟ إنهم لم يكتفوا بالمتاح لهم من النساء, فلجأوا إلى الاغتصاب, حتى وصل الاغتصاب فى أوربا وأمريكا إلى أعلى النسب العالمية, ولم يردعهم رادع, رغم قسوة القوانين, التى وصلت فى بعض البلدان إلى الإعدام, ولقد أصيبوا بالأمراض النفسية, والشذوذ الجنسى, لدرجة أنهم أباحوا ما يسمى بزواج المِثلَيْن (أى زواج الذكرين وزواج الأنثيين) حتى إن القساوسة فى أمريكا وأوربا يقومون بعقد هذا الزواج فى كنائسهم! هذا فضلاً عما أصيبوا به من الأمراض الفتّاكة المهلكة, كالزهرى, والسيلان, وسرطان عنق الرحم, وكان آخرها مرض الإيدز, الذى تتكلف أبحاثه مليارات الدولارات, ورغم هذا فهو فى زيادة مطردة. وظهور الأمراض الجديدة التى تتسبب فيها الفاحشة, أخبر عنه رسول الله r حيث قال: ((يا معشر المهاجرين, خِصال خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة فى قوم قط حتى يعلنوا بها, إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التى لم تكن مضت فى أسلافهم الذين مضوا, ولم يُنقِصوا المكيال والميزان, إلا أُخِذوا بالسنين, وشدة المؤنة, وجَوْر السلطان عليهم, ولم يمنعوا زكاة أموالهم, إلا مُنِعوا القطر من السماء, ولولا البهائم لم يُمْطَروا, ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله, إلا سلَّط الله عليهم عدواً من غيرهم, فأخذوا بعض ما كان فى أيديهم, وما لم تحكم أئِمَّتهم بكتاب الله عز وجل, ويتخيَّروا مما أنزل الله, إلا جعل الله بأسهم بينهم)) [سنن ابن ماجه, صحيح الجامع:7978] هذا بالإضافة إلى التفكك الأُسَرِى, وكثرة أطفال الشوارع واللُقطاء.

إن الاختلاط هو سبب المصائب, وسبب الفواحش, ما ظهر منها وما بطن, نار وبنزين, نسمح للفتى والفتاة فى أوْج شهوتهما أن يختلطا ببعضهما, بحجة الزمالة, أو القرابة, أو ما شابه ذلك, ونقول إنهما مثل الإخوة, وقد تربّيا مع بعضهما! ثم نعض على أصابعنا حين يحدث ما لا تُحمَد عُقباه. لقد قدَّروا حالات الأطفال الذين لا يعترف بهم آباؤهم فى بلادنا بنحو أربعة عشر ألفاً. إن التبرج والاختلاط هو الذى يأتى بالكبت والعقد النفسية, عَرْض السلعة ومَنْع الشراء, أضَع أمامك الطعام وأنت جوعان, ثم أقول لك: إياك إياك أن تمتد إليه يدك! فهل يُقِرّ ذلك عاقل؟ إن بعض الدول الإسلامية التى حذت حَذْو الغرب, وسمحت بالاختلاط بين الشباب والشابات, كثرت فيها الفواحش, والزواج العرفى, والأب آخر من يعلم, لقد قدَّروا عدد حالات الزواج العرفى فى بلادنا بنحو 6 ملايين, أكثرها بين طلبة المدارس والجامعات, وهو ليس بنكاح, ولكنه سفاح, قال رسول الله r: ((لا نكاح إلا بوَلِىّ)) [صحيح البخارى] وقال: ((أيما امرأة نُكِحَت بغير إذن وليها, فنكاحها باطل, فنكاحها باطل, فنكاحها باطل)) [صحيح الجامع:2709] فلابد من موافقة ولى الزوجة (وهو أبوها أو من يحل محله) والإشهار, قال رسول الله r: ((فَصْل ما بين الحلال والحرام, الدُّف والصَّوْت فى النكاح)) [سنن النسائى وابن ماجه, صحيح الجامع:4206] ولا يُفهم من الحديث الشريف أن “الصَّوْت” يُقصَدُ به الزغاريد, أوالأغانى الماجنة, أو الموسيقى, ولكنه الضرب بالدُّف فقط, والأغانى العفيفة, بدون تميّع, أو اختلاط بين الرجال والنساء, قال رسول الله r: ((صوتان ملعونان فى الدنيا والآخرة: مِزمار عند نعمة, ورنَّة عند مصيبة)) [صحيح الجامع:3801]

إن الإسلام حارب الرذيلة, وحمى المجتمع منها بفرض الحجاب, وغض البصر, وتحريم الخلوة بين الرجل والمرأة, والخضوع بالقول, وكل ما من شأنه إثارة الغرائز والشهوات, وشجع على الزواج وتعدده, حتى لا تبقى عوانس, أو مطلقات, أو أرامل بغير زوج, لأن عدد الرجال فى أى دولة فى العالم أقل من عدد النساء, وحث على عدم الغُلُو فى المهر والنفقة, حتى لا يكون عائقاً للحلال, مُشجِّعاً على الحرام, قال الله عز وجل: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور:32] {الْأَيَامَى} جمع أيِّم, ويطلق على الرجل والمرأة, فيقال (رجل أيِّم) أى بغير زوجة, و(امرأة أيِّم) أى بغير زوج, وقال الرسول r: ((يا معشر الشباب, من استطاع منكم الباءة فليتزوج, فإنه أغضّ للبصر, وأحصن للفرج, ومن لم يستطع فعليه بالصوم, فإنه له وِجاء)) [صحيح مسلم] ((وِجاء)) أى وقاية, أما إن بقيت بعد ذلك حالات خيانة فهى نادرة, وتعبر عن فطرة ملتوية غير سليمة, والله أعلم.

س76- إن عقوبة الزانى الْمُحصَن عندكم هى الرجم بالحجارة حتى الموت, وعقوبة غير الْمُحصَن مائة جلدة, فما هذه البشاعة رغم رضا الطرفين؟ أليس هذا إهداراً لكرامة الإنسان الذى قهرته شهوته رغماً عنه؟

ج76- أيهما أهدر لكرامة الإنسان.. الزنى أم عقوبته؟ إن الزنى ليس إهداراً لكرامة المرأة وحدها, بل لأهلها, ومن يهمّه أمرها, فلابد أن تكون عقوبته شديدة, حتى لا تكون أعراض الناس عُرضة للمجرمين والمستهترين. وديننا ليس هو الدين الوحيد الذى يفرض هذه العقوبة, فقد جاء فى الكتاب المقدس ما هو أشد, إذ جعل عقوبة الزنى الحرق, أو الرجم بالحجارة حتى الموت, ولو كان الزانى أو الزانية غير مُحصَنَين:

ولما كان نحو ثلاثة أشهر أُخبِرَ يهوذا وقيل له قد زنت ثامار كنَّتك. وها هى حُبْلى أيضاً من الزنى. فقال يهوذا أخرجوها فتُحرَق. (تكوين38: 24) (كنَّتك) معناها زوجة ابنك.

وإذا تدنَّست ابنة كاهن بالزنى فقد دنَّست أباها. بالنار تُحْرَق (لاويين21: 9)

أما عندنا فليس هناك فرق بين ابنة العالِم أو غيرها, فلو زنت ابنة العالِم غير الْمُحصنة فحدّها كغيرها, وهو الجَلد فقط, وليس الحرق كما عندهم, أما المحصن فلابد أن تكون عقوبته أشد, لأنه ليس له أدنى عذر فى ارتكاب الفاحشة, قال رسول الله r: ((إذا رأى أحدكم المرأة التى تعجبه, فليرجع إلى أهله حتى يقع بهم, فإن ذلك معهم)) [صحيح ابن حِبّان, صحيح الجامع:552] وبفرض أن زوجته لا تلبى رغباته – بغض النظر عن السبب – فله أن يتزوج بثانية, وثالثة, ورابعة. أما لو كان الزوج غير قادر على أن يعفّ زوجته, فلها أن تنخلع منه, وتتزوج بغيره, فإن ديننا ليس كالأديان الأخرى التى تحرِّم الطلاق وتعدد الزوجات, ولكنه دين يضع الحلول لكل مشاكل البشر.

وحد الزنى لا يطبق إلا بشروط صعبة قَلَّما توجد, فلابد من شهادة أربعة رجال يرون هذا الفعل بوضوح تام, بحيث لو شك واحد منهم رُفِضَت شهادتهم جميعاً, فمن الذى يفعل هذه الفعلة النكراء على مَرْأَى من الناس؟ فلو كان متفحشاً لهذا الحد لاستحق هذه العقوبة. إن شهادة رجل, أو اثنين, أو ثلاثة, لا تصلح لإقامة الحد, بل إنهم يُجْلَدُون ثمانين جلدة لو لم يأتوا بالشاهد الرابع, ولو كانوا صادقين {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:4] ربما يقول قائل: ربما يراه الناس من حيث لا يدرى, فنقول له: إن ديننا قد نهانا عن التجسس وتتبُّع العورات, وبفرض أن أحداً رأى هذه الفاحشة حال وقوعها, فذهب ليأتى بثلاثة رجال ليشهدوا معه, فهل يسمح له الوقت بذلك؟ ولهذا فإنه لا يطبق غالباً إلا على المعترف بهذا الفعل. إن الزنى – بالإضافة إلى معصية لله ورسوله – هو السبب فى انتشار كثير من الأمراض الفتاكة, كالزهرى, والسيلان, والإيدز, وسرطان عنق الرحم, وغير ذلك, وكذلك فإنه السبب فى وجود اللقطاء الذين يُرمَون فى الشوارع للقطط والكلاب, أو يُرمَون فى الملاجئ لا يعرفون لهم أباً ولا أُمّاً, فيتعرضون لاحتقار المجتمع, مما يصيبهم بالعقد النفسية, وربما يكبرون وعندهم شهوة الانتقام من الأعراض ليذيقوا ما ذاقوه لغيرهم. وحد الزنى – سواء الجلد أو الرجم – كفارة لمرتكب هذه الفاحشة, فلا يُعذَّب بها يوم القيامة, فهل عقوبة الدنيا أشد, أم عقوبة الآخرة؟ والدليل على ذلك أن الرسول r قال عن ماعِز الذى أمر برجمه, بعدما اعترف له بالزنى: ((استغفروا لماعِز بن مالك, لقد تاب توبة لو قُسِّمت بين أُمَّة لوسعتهم)) [صحيح مسلم] وقال عن المرأة الغامِديَّة التى أمر برجمها, بعدما اعترفت له بأنها حامل من الزنى: ((لقد تابت توبة لو قُسِّمَت بين سبعين من أهل المدينة لَوَسِعَتهُم, وهل وَجَدْتَ توبةً أفضل من أن جادت بنفسها لله)) ‌[صحيح مسلم]‌ ومن يرجع لقصتها فى (صحيح مسلم) وغيره يعلم أنه r لم يرجمها بمجرد اعترافها, ولكنه أمرها أن تأتيه بعد ولادتها, ثم أمرها أن تأتيه بعد أن تتم رَضاعة ولدها وتفطمه, وأمر وَلِيَّها بالإحسان إليها, كما أنه أمر بسترها عند رجمها, ثم صلَّى عليها ودُفِنَت, ودفع بابنها لأحد المسلمين ليقوم على رعايته.

أين هذا مما جاء فى الكتاب المقدس من ذبح أبناء الزانية, وكشف عورتها لِمُحبِّيها ومُبْغِضِيها, وتقطيعها بالسيف بعد رجمها, وحرق بيتها, حيث يقول: وأعطيتُها زماناً لكى تتوب عن زناها ولم تتب. ها أنا ألقيها والذين يزنون معها فى ضيقة عظيمة إن كانوا لا يتوبون عن أعمالهم. وأولادها أقتلهم بالموت فستعرف جميع الكنائس أنى أنا هو الفاحص الكُلَى والقلوب سأعطى كل واحد منكم بحسب أعماله. (رؤيا يوحنا2: 21-23)

هكذا دخلوا على أهولة وعلى أهوليبة المرأتين الزانيتين. والرجال الصديقون هم يحكمون عليهما حكم زانية وحكم سفّاكة الدم لأنهما زانيتان وفى أيديهما دم. لأنه هكذا قال السيد الرب. إنى أُصعِدُ عليهما جماعة وأسلِّمهما للجور والنهب. وترجمهما الجماعة بالحجارة ويقطعونهما بسيوفهم ويذبحون أبناءهما وبناتهما ويحرقون بيوتهما بالنار. فأبطل الرذيلة من الأرض فتتأدَّب جميع النساء ولا يفعلنَ مثل رذيلتكما. (حزقيال23: 44-48)

فلذلك يا زانية اسمعى كلام الرب. هكذا قال السيد الرب. من أجل أنه قد أُنفِقَ نحاسك وانكشفت عورتك بزناكِ بمحبيكِ… لذلك هَأنذا أجمعُ جميع محبِّيكِ الذين لذذتِ لهم وكل الذين أحببتِهِم مع كل الذين أبغضتِهِم فأجمعهم عليكِ من حولك وأكشفُ عورتكِ لهم لينظروا كل عورتكِ… وينزعون عنك ثيابكِ ويأخذون أدوات زينتكِ ويتركونكِ عريانة وعارية. (حزقيال16: 35-39)

لأنه هكذا قال السيد الرب هَأنذا أسلِّمكِ ليد الذين أبغضتِهِم ليد الذين جفتهُم نفسكِ. فيعاملونكِ بالبغضاء ويأخذون كل تعبكِ ويتركونكِ عريانة وعارية فتنكشف عورة زناكِِ ورذيلتكِ وزناكِ. (حزقيال23: 28-29)

حاكموا أمَّكم حاكموا لأنها ليست امرأتى وأنا لستُ رَجُلها لكى تعزل زناها عن وجهها وفسقها من بين ثدييها لئلا أجرِّدها عريانة وأوقفها كيوم ولادتها وأجعلها كقفر وأصَيِّرها كأرض يابسة وأُمِيتها بالعطش. ولا أرحمُ أولادها لأنهم أولاد زنى (هوشع2: 2-4)

إن الزانى قد تعدَّى كل الحدود, وتخطَّى كل العراقيل التى وضعها الشارع فى طريق هذه الفاحشة, فهو الذى أورد نفسه المهالك, فإن شرعنا الحنيف لم يحرم الزنى فحسب, بل حرم مقدماته, فحرم الخلوة بين الرجل والمرأة, وأمر بعدم الاختلاط بين الرجال والنساء, وأمر بغض البصر, وعدم الخضوع بالقول, حتى إنه حرم مصافحة الرجل للمرأة, وحث على الزواج المبكر لمن يملك الباءة, والباءة هى القدرة على الزواج من الناحية الجسدية والمالية, وحث على تيسير المهور حتى يتيسر الحلال, ولا يلجأ أحد إلى الحرام, ومن لم يستطع الزواج أمره الرسول r بالصوم, فإنه له وِجاء (أى وقاية).

ونريد أن نضرب مثلاً لاستحقاق عقوبة الزنى – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لو أن حاكماً حذر من الدخول إلى مكان معين, وأوعد من دخله بالعقوبة, ولكن من عدل هذا الحاكم أن وضع فى الطريق إلى هذا المكان المحذور إشارات وعراقيل كثيرة تحذر من الاقتراب منه, ولكن البعض لم يهمهم هذا التحذير, فتخطّوا كل هذه العقبات, إلى أن وصلوا إلى هذا المكان, ففى هذه الحالة.. أيستحقون العقوبة أم لا؟

إن المرأة التى وقع عليها الزنى بالإكراه تحت تهديد السلاح, لا يُقام عليها الحد فى الإسلام, أما فى الكتاب المقدس فهى مُدَانَة, وتُرجَم بالحجارة حتى الموت, ولو كانت غير مُحصَنة, وإليكم الدليل على ذلك:

إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل فى المدينة واضطجع معها فأخرِجوهما كِليهما إلى باب تلك المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا الفتاة من أجل أنها لم تصرخ فى المدينة والرجل من أجل أنه أذلَّ امرأة صاحبه. فتنزع الشر من وسطك (تثنية22: 23-24) ونحن نتساءل: ماذا يكون حالها لو أن مغتصبها هددها بالسلاح فلم تستطع الصراخ؟ أو لو فاجأها بتكميم فمها قبل أن يغتصبها لكى لا تتمكن من الصراخ؟ أيكون هذا وذاك مما تؤاخذ عليه؟, والله أعلم.  

س77- إن حد اللواط عندكم هو أن يُلقَى الفاعل والمفعول به من شاهق, مثل برج القاهرة, فهل هناك أبشع من هذه العقوبة؟

ج77- قبل أن نجيب على هذا السؤال نوَدُّ أن نذكِّر المسلمين بأن إطلاق كلمة (اللواط) على الشذوذ الجنسى بين الرجال غير صحيح, لأن هذه الكلمة مأخوذة من اسم سيدنا لوط – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – وهو الذى كان ينهى قومه عن هذا الفعل الشنيع, ولكن الأصح أن يُقال: فعل قوم لوط, أو: الشذوذ الجنسى بين الذكور.

نعم.. نحن نرميهم من شاهق عقوبة لهم, وليكونوا عبرة لغيرهم, لأنهم نكَّسوا فطرتهم, وخالفوا حكمة الله من التناسل لعمارة الأرض, واستخلاف بنى آدم فيها, فمن أين تأتى الذرية لو كان الرجل يتصل بالرجل, والمرأة تتصل بالمرأة؟ هذا فضلاً عمّا يتسبب فيه فعل قوم لوط من أمراض خطيرة, كان آخرها وأبشعها مرض الإيدز, الذى أجمع العالم كله على أن سببه كان هذا الفعل الشنيع. ومرض الإيدز يُعَدُّ من أخطر الأمراض, لأنه يدمر الجهاز المناعى للإنسان تدميراً كاملاً, فيصبح عُرْضة للإصابة بالأمراض الفتاكة, ولو من أضعف الميكروبات, ويكون مصيره الموت العاجل, وللأسف أنه ينتقل للأبرياء بطرق كثيرة, مثل نقل الدم, والحقن, والحلاقة, والجماع, والولادة… إلخ. فهل رَمْى اثنين من شاهق – ولو حتى برج إيفل – أبشع, أم انتشار الإيدز فى المجتمع؟ إن الإحصائيات العالمية تقول إن المصابين بمرض الإيدز حوالى 380 مليوناً, هذا فضلاً عما ذكرناه من انتكاس الفطرة, وعدم التناسل. وقد جاء فى الكتاب المقدس إن عقوبة فعل قوم لوط هى القتل, وكذلك عقوبة إتيان البهيمة:

وإذا اضطجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة فقد فعلا كلاهما رجساً. إنهما يُقتلان. دمهما عليهما. (لاويين20: 13)

كل من اضطجع مع بهيمة يُقتَل قتلاً. (خروج22: 19)

وإذا جعل رجل مَضْجِعهُ مع بهيمة فإنه يُقتَل والبهيمة تميتونها. وإذا اقتربت امرأة إلى بهيمة لِنِزائِها تُميتُ المرأة والبهيمة. إنهما يُقتَلان. دمهما عليهما. (لاويين20: 15-16), والله أعلم.

س78- يقول القرآن: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة:33] إن حد الحِرابة الذى تتكلم عنه الآية يعتبر وحشية, ومغالاة وبشاعة فى العقوبة, تقتلون, وتصلبون, وتقطعون الأيدى والأرجل, ما كل هذه المجازر البشرية؟ ألا توجد عقوبة أقل من ذلك؟ والآن توجد حدود إقليمية للبلاد, وليس بوسع أحد أن يدخلها كما يشاء, فأين يذهبون عند نفيهم؟

ج78- على من يُطبَّق حد الحرابة؟ يطبق على قُطّاع الطرق, لماذا؟ لأنهم {يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً} ولكن كيف يحاربون الله ورسوله؟ لأنهم يحرمون العباد مما أحله الله لهم, وما تقوم عليه معايشهم من التجارة, والتجارة ركن من أكبر أركان المعايش والاقتصاد فى العالم, فهى نقل للسلعة من المنتج إلى المستهلك, وفيها منافع للجميع. فالحِرابة هى ما يفعله قطاع الطرق من سرقة, ونهب, وقتل, وتخويف للآمنين, وهى إفساد فى الأرض, لأن السلعة إذا لم تنقل إلى المستهلك فإنها تفسد, فمثلاً: لو أن إحدى الدول تعيش على الزراعة, وتصدر محاصيلها الزراعية لدول أخرى, أو دولة منتجة للبترول, وتصدره للآخرين, فلو أن هذه التجارات تعطلت بسبب قطاع الطرق, لحدث ضرر عظيم للناس فى معايشهم, واقتصاد بلادهم.

وحد الحِرابة أنواع, ولهذا جاء بالتخيير بكلمة (أو) وليس بحرف (الواو) لأن الحرابة أنواع: فمنها ما يكون للسرقة فقط, مثل ما يفعله البعض, ويسمى (التثبيت) أى السرقة تحت تهديد السلاح, فهذا يطبق عليه حد السرقة, مع قطع الرجل من الجهة الأخرى للجسد. ومنها ما هو للسرقة والقتل, وهذا تقطع يده ورجله, ويقتل. ومنها ما هو للسرقة, والقتل, وهتك العرض, وهذا تقطع يده ورجله, ويقتل, ثم يصلب, ولا يُدفن, حتى يكون عبرة لغيره, فلا يجرؤ على مثل فعله. وفى بعض الولايات الأمريكية – التى تعيب علينا حد الحرابة – تكثر بها الجرائم, لدرجة أن الشرطة تحذر الناس من الخروج من المنازل, والمشى فى الشوارع بعد دخول أول الليل, وإلا- فإنها غير مسئولة عمّا يحدث من جرائم القتل والنهب والاغتصاب, فلو أنهم طبقوا هذا الحد لَمَا وُجِدَت هذه الجرائم. والحالة الرابعة هى التخويف فقط, بمعنى أنه يقطع الطريق على الناس, ويخوفهم فقط, ولا يسرق, ولا يقتل, ولا يهتك عِرضاً, كما يفعل من نسميهم (الفتوّات) فى زمننا هذا, لإرهاب الناس منهم, فهذا حده النفى فقط.

أما الشِّق الثانى من السؤال – وهو الخاص بالنفى – فليس شرطاً أن يُنفَى قاطع الطريق إلى دولة أخرى, ولكنه يُعتقل فى مكان بعيد فى دولته نفسها. والشاهد من واقعنا على فاعلية هذه العقوبة, ما يقوم به بعض الوزراء أو المديرين من نقل الموظفين إلى أماكن بعيدة عن محل سكنهم وأُسَرهم, كمن يُنقلون إلى سيناء, أو السلُّوم, أو منطقة البحر الأحمر, وهم من سكان القاهرة, مع أنهم غير معتقلين, فكيف لو كانوا معتقلين؟

والذين يتظاهرون بالرحمة والشفقة على المجرمين, يُنْزِلون أشد العقوبات بالمذنبين, حتى إنهم يعاقبون الْمُبتلَى على بلائِه, مع أنه لا ذنب له فيه, فيقول كتابهم المقدس:

وأجعل غيرتى عليكِ فيعاملونكِ بالسخط. يقطعون أنفكِ وأذنيكِ وبقيِّتكِ تسقط بالسيف. يأخذون بنيكِ وبناتكِ وتُؤكل بقيِّتكِ بالنار. (حزقيال23: 25)

ومن سرق إنساناً وباعه أو وُجِدَ فى يده يُقتَلُ قتلاً. (خروج21: 16)

وإذا اتخذ رجل امرأة وأمَّها فذلك رذيلة. بالنار يحرقونه وإياهما لكى لا يكون رذيلة بينكم. (لاويين20: 14)

وإذا اضطجع رجل مع امرأة طامِث وكشف عورتها عَرَّى ينبوعها وكشفت هى ينبوع دمها يُقطعان كلاهما من شعبهما. (لاويين20: 18) 

وإذا كان فى رجل أو امرأة جانّ أو تابعة فإنه يُقتل. بالحجارة يرجمونه. دمه عليه (لاويين20: 27), والله أعلم.

س79- لماذا فرض الإسلام الجزية على الذين لم يعتنقوه؟ أليس هذا إكراهاً فى الدين؟

ج79- نريد أن نسألكم: الروح أغلى عندكم أم المال؟ إن الإسلام قد فرض على أبنائه الجهاد لرفع رايته, وللدفاع عن الأرض والعِرض, وعافاكم من هذا الحمل الثقيل, أكنتم تختارون أن تكونوا فى صفوف المجاهدين, لرفع راية دين غير دينكم؟ لو أن الإسلام دين قهر ووحشية – كما تقولون – لأجبركم على القتال فى صفوفه, ولكنه مِن عَدْلِه لم يجبر أحداً غير أبنائه على رفع رايته, والدفاع عن أرضه, والكافر إذا خُيِّرَ بين القتال والمال, لاختار المال, فالمسلم هو الذى يقاتل, ويُلاقى الأخطار والأهوال, فهو مُعرَّض للقتل والجرح والأسْر, وكل هذا قد عوفيتم منه, مقابل قدر قليل من المال, كأنه ضريبة دفاع عن النفس, مثل ما كان الناس فى بلادنا يدفعونه, ويُسمونه (محو آثار العدوان) فنحن ندافع عنك, ونحافظ على روحك, ودمك, وعِرضك – بأمر الله جل وعلا – مقابل هذا القدر القليل من المال, وتعيش آمناً فى بيتك, أنت وأهلك وأولادك. والناس فى عصرنا يتمنون أن يضحوا بأموالهم مقابل الحفاظ على أولادهم, وعدم تعرضهم للمخاطر. وقد كانت الجزية موجودة قبل الإسلام, حتى إن المسيح نفسه – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – دفعها:

فلم يطردوا الكنعانيين الساكنين فى جازر. فسكن الكنعانيون فى وسط أفرايم إلى هذا اليوم وكانوا عبيداً تحت الجزية (يشوع16: 10)

وكان لما تشدد بنو إسرائيل أنهم جعلوا الكنعانيين تحت الجزية ولم يطردوهم طرداً. (يشوع17: 13)

فأعطوا الجميع حقوقهم. الجزية لمن له الجزية. الجباية لمن له الجباية. والخوف لمن له الخوف. والإكرام لمن له الإكرام. (الرسالة إلى رومية13: 7)

ولما جاءوا إلى كفر ناحوم تقدم الذين يأخذون الدرهمين إلى بطرس وقالوا أما يوفى مُعلِّمكم الدرهمين. قال بلى. فلما دخل البيت سبقه يسوع قائلاً ماذا تظن يا سمعان. ممن يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية أمِن بَنِيهم أم من الأجانب. قال له بطرس من الأجانب. قال له يسوع فإذاً البنون أحرار. ولكن لئلا نعثرهم اذهب إلى البحر وألقِ صنارة والسمكة التى تطلع أولاً خذها ومتى فتحت فاها تجد إستاراً فخذه وأعطهم عنى وعنك (متى17: 24-27)

وقبل أن نترك هذه الشبهة نوَدُُّ أن ننبه على أمر خطير.. وهو أن كثيراً من الناس لا يفهمون قول الله عز وجل: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة:256] ويظنون أنهم يعملون ما يشاءون, من ترك الصلاة, أو الزكاة, أو الحجاب, أو غيره. {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} معناها لا إكراه على الدخول فى الدين, أما بعد دخوله فهو مجبر على الصلاة, والزكاة, وغيرهما, وتُكرَه المرأة على الحجاب والعفاف.. وهكذا, فالمسلم لا يُسمَح له أن يحتج بهذه الآية دون فَهْم مُرادها. ولتوضيح هذا الأمر نذكر لكم مثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لو أن إنساناً تعاقد مع آخر أن يُسكِنَهُ فى بيته, ودفع له ما طلبه من المال, ثم بعد ذلك نقض العهد, وقال له: أنا قد راجعت نفسى, ولا أريد أن أُسَكِّنك فى دارى, ففى هذه الحالة له أن يقاضيه, ويسكن عنده بقوة القانون, لأنه ليس له خيار بعد التعاقد, إنما كان الخيار قبل التعاقد. والذين يقولون إن الذين أسلموا هم الفقراء, لأنهم لم يكونوا يستطيعون دفع الجزية, أما الأغنياء الذين دفعوها فظلوا متمسكين بدينهم, وذرياتهم هى الباقية إلى اليوم. نقول لهم: لو أن هناك إكراهاً فى الدين – كما تقولون – لحدث تطهير عِرقى منذ البداية, ولقتلوا آباءكم, وأخذوا جميع أموالهم, بدلاً من هذا القدر البسيط الذى يُسَمَّى الجزية, ولَمَا كان لكم وجود إلى يومنا هذا, فإن وجودكم لَهُوَ من أكبر الأدلة على عدم إكراه آبائكم على الدخول فى الدين. ثم هناك شىء آخر قد تناسيتموه, وهو أن الذى لا يستطيع دفع الجزية لا يُقهَر عليها, وقد رأى عمر بن الخطاب t رجلاً يهودياً كبيراً طاعناً فى السن, يتسول الناس, فسأله لماذا يفعل هذا, فأجابه أنه لا يستطيع دفع الجزية, لِذا يتسول ليجمعها, فقال له عمر: أكلناك لحماً, ورميناك عظماً! ثم كتب له كتاباً برفع الجزية عنه, وأمر بإعطائه راتبا شهرياً من بيت مال المسلمين. فالجزية لا تفرض على النساء, والأطفال, والعبيد, وذوى العاهات, بل تفرض فقط على الرجل الحر, البالغ, العاقل, القادر على الكسب, والله أعلم.

س80- تقولون إن عندكم حرية عقيدة {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29] ثم تقتلون من يخرج من ملتكم, وتسمون ذلك (حد الرِّدَّة) فأين حرية العقيدة إذن؟ فلولا حد الردة هذا, لخرج من دينكم الكثير والكثير.

ج80- إن هذا لزَعْم باطل, بدليل واقعنا اليوم, فمَعَ عدم تطبيق الحدود (الردة – السرقة – الخمر… إلخ) لا يخرج أحد من الإسلام, إلا تحت وطأة الجوع, فى بعض الدول الأفريقية الْمُعدَمة, مقابل الغذاء, أو قِلَّة ممن لا حَظَّ لهم من العلم, وقعوا فى شباك التنصير, لأنهم لم يكن لديهم رصيد إيمانى, ولا رصيد علمى, يقفون به أمام تيار الشبهات الجارف, والحملة المسعورة للتشكيك فى الدين, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. أما حد الردة فهو لعدم التلاعب بالدين, فالدين ليس مَرْتعاً للهازلين والعابثين, يدخلون فيه, ثم يخرجون منه. وحرية العقيدة التى تتكلمون عنها مكفولة فى الإسلام, ولكن قبل الدخول فيه, فمن حقك أن تفكر, ولو ألف مرة, وتراجع نفسك, وتدرس وتسأل, لكن طالما دخلت فيه, لا تخرج منه, لأن هذا سيكون فتنة لغيرك من ضعفاء الإيمان, لأنهم سيظنون أنه قد ظهر لك فيه عيب, وإلا- فلِمَ خرجت منه؟ وخاصة لو كنتَ من وُجَهاء القوم, الذين يُشار إليهم بالبنان, وهذا الشرط يعرفه الإنسان قبل دخول الإسلام, حتى يكون على بينة من أمره, ويتفكر جيداً فيما هو مُقْدِم عليه, ولنضرب لذلك مثلاً – مع الفارق العظيم قطعاً – لو أنك ذهبت لخطبة امرأة, فقال لك وليّها: سأزوجها لك بمهر زهيد جداً, ولكن لو طلقتها فستدفع لها ملايين الجنيهات.. هل هذا يشجعك على الزواج منها, أم يصدك عنها؟ إنك فى هذه الحالة ستفكر ألف مرة قبل أن تُقدِم على زواجها. فحد الردة حماية لكل الناس, لأن الذى يدخل فيه يدخل على بيِّنة, ويعلم أنه لو خرج منه فسوف يُقتَل, حتى لا يتخذ الدين هزواً, يسلم اليوم, ثم يكفر غداً, ويكفر اليوم, ثم يسلم غداً, كما فعل أهل الكتاب على عهد رسول الله r ليشككوا المسلمين فى دينهم, قال تعالى: {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران:72]

وحد الردة لا يُطبَّق إلا على المجاهر بها, فنحن لا نتسلق الجدران على أحد لنعلم أهُوَ على دينه أم ارتد, وحتى المجاهر فإنه لا يقتل بمجرد العلم بردَّته, بل إنه يُستتاب لمدة ثلاثة أيام, أو أقل أو أكثر (على خلاف بين العلماء) وإن كانت عنده شُبُهات, فنوضحها له, فلو أصرّ بعد ذلك على كفره, يُقام عليه الحد. وجميع النُّظُم العالمية تتهم الخارج عن الدولة بالخيانة العُظمى, وعقوبتها القتل, هذا حال الخارج على نظام البشر, فكيف بالخارج على نظام الله جل وعلا؟ وقد جاء فى الكتاب المقدس رجم المرتد عن دينه بالحجارة, وإبادة الشعوب المشركة بكاملها, ليس هذا فحسب, بل حرق المدن بما فيها من بهائم وغيرها, وها هى بعض الأدلة:

وإذا أغواكَ سِرّاً أخوك ابن أمك أو ابنك أو ابنتك أو امرأة حضنك أو صاحبك الذى مثل نفسك قائلاً نذهب ونعبد آلهة أخرى لم تعرفها أنت ولا آباؤك من آلهة الشعوب الذين حولك القريبين منك أو البعيدين عنك من أقصاء الأرض إلى أقصائها فلا ترضَ منه ولا تسمع له ولا تشفق عينك ولا ترِق له ولا تستره بل قتلاً تقتله. يدك تكون عليه أولاً لقتله ثم أيدى جميع الشعب أخيراً. ترجمه بالحجارة حتى يموت. لأنه التمس أن يُطوِّحَك عن الرب إلهك الذى أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية. (تثنية13: 6-10)

إذا وُجِدَ فى وسطك فى أحد أبوابك التى يعطيك الرب إلهك رجل أو امرأة يفعل شرّاً فى عينى الرب إلهك بتجاوز عهده ويذهب ويعبد آلهة أخرى ويسجد لها أو للشمس أو للقمر أو لكل من جند السماء. الشىء الذى لم أوصِ به. وأُخبِرت وسمعت وفحصت جيداً وإذا الأمر صحيح أكيد عُمِلَ ذلك الرجس فى إسرائيل فأخرِج ذلك الرجل أو تلك المرأة الذى فعل ذلك الأمر الشرير إلى أبوابك الرجل أو المرأة وارجمه بالحجارة حتى يموت. (تثنية17: 2-5)

أما إبادة الشعوب المشركة, وحرقها بما فيها, فقد أوردنا الدليل عليه فى الرد على الشبهة رقم (179).

وجاء فى الكتاب المقدس – أيضاً – فى (الملوك الأول18: 17-40) أن النبى (إيليا) ذبح فى وادى قيشون450 رجلاً من الذين عبدوا البعل, والله أعلم.

س81- إن الإسلام انتشر بحد السيف, والآيات القرآنية تحث المسلمين على الجهاد, ونشر الإسلام بالقوة العسكرية.

ج81- هذه الشبهة قديمة, تتوارثها أجيال الحاقدين على الإسلام جيلاً بعد جيل, فمثلهم كمثل من قال الله فيهم: {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات:53] وقبل أن نجيب على هذه الفِرية, نسأل من يُرَوِّجُها: ما الذى حمل الكثير من الأوربيين على اعتناق الإسلام فى عصرنا الحاضر, مع تفوقهم العلمى على المسلمين؟ هل حملهم أحد على اعتناقه بالقوة؟ أم أنهم أناس هداهم الله عز وجل, واحترموا عقولهم, ولم يتعصبوا تعصباً أعمى لدينهم, وأَعْمَلوا فِكْرَهُم فى المقارنة بين الأديان, فوجدوا أن الإسلام هو دين الحق, وكل ما عداه فهو باطل؟ وهل وُجِدَ إنسان على مر الزمان استطاع أن يقهر ما يَقْرُب من ربع سكان العالم على اتِّباعه بالقوة؟ وإن كان الدين قد انتشر بالسيف – كما تقولون – فلِمَ لم يرتدَّ أتباعه بعد ما حلَّ بالمسلمين من ضعف وهوان, كما هو معلوم الآن؟ والذين يرددون هذه الشبهة نسوا – أو تناسوا – ما جاء فى كتابهم المقدس من العنف والقسوة, وها هى بعض الأدلة:

فالآن اذهب واضرب عماليق وحرِّموا كل ماله ولا تعفُ عنهم بل اقتل رجلاً وامرأة. طفلاً ورضيعاً. بقراً وغنماً. جملاً وحماراً. (صموئيل الأول15: 3)

وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكل أملاكهم. وأحرَقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار. (عدد31: 9-10)

فتحطِّم القِسِىّ الفتيان ولا يرحمون ثمرة البطن. لا تشفق عيونهم على الأولاد. (إشعياء13: 18)

اعبروا فى المدينة وراءه واضربوا. لا تشفق أعينكم ولا تعفوا. الشيخ والشاب والعذراء والطفل والنساء اقتلوا للهلاك. ولا تقربوا من إنسان عليه السمة وابتدئوا من مقدسى. فابتدأوا بالرجال الشيوخ الذين أمام البيت. وقال لهم نجسوا البيت واملأوا الدور قتلى. (حزقيال9: 5-7)

لا تظنوا أنى جئتُ لألقى سلاماً على الأرض. ما جئتُ لألقى سلاماً بل سيفاً. فإنى جئتُ لأفرِّق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها والكنَّة ضد حماتها. وأعداء الإنسان أهل بيته. (متى10: 34-37)

جئتُ لألقى ناراً على الأرض. فماذا أريد لو اضطرمت. ولى صبغة أصطبغها وكيف أنحصر حتى تكمل. أتظنون أنى جئتُ لأعطى سلاماً على الأرض. كلا أقول لكم بل انقساماً. (لوقا12: 49-51)

ملعون من يعمل عمل الرب برخاء وملعون من يمنع سيفه عن الدم (إرميا48: 10)

إن الإسلام بدأ بفرد واحد, هو رسول الله r فأين كان سيفه الذى رفعه على الناس ليسلموا؟ إن رفع السيف يحتاج لعصبة أُولِى قوة تؤازره, فأين كانت هذه العصبة, وأقرب الناس إليه قد عاداه, وعادى دعوته منذ نشأتها؟ إن الإسلام بدأ غريباً, فى مجتمع يعج بالكفر والوثنية, فقوبل بعداوة لا مثيل لها, ولاقى أتباعه فى سبيله العذاب والتنكيل والتشريد, فما الذى كان يحملهم على تحمل كل هذه الصعاب, وأغلبهم فقراء مستضعفون؟ هل كان الرسول r يجبرهم على الإسلام؟ أم أنهم ذاقوا حلاوة الإيمان, فلم يرضوا عنه بديلاً؟ لقد مكثوا فى هذا التعذيب, إلى أن أشار عليهم الرسول r بالهجرة إلى الحبشة, فراراً بدينهم من الأذى, والذين لم يتمكنوا من الهجرة, ظلوا فى الضيق والأذى والاضطهاد, إلى أن جعل الله لهم من المدينة المنورة فرجاً ومخرجاً, وهذه كانت أول انطلاقة للإسلام خارج بلد الله الحرام, فهل كانت هذه الانطلاقة بالسيف؟ لقد بدأت بإيمان مجموعة من الرجال, شرح الله تعالى صدورهم للإسلام, وبايعوا الرسول r فى موسم الحج على ستة أشياء, وهى التى ذُكِرَت فى سورة (الممتحنة) ولذلك سُمِّيَت (بيعة النساء) لأنها مثل بيعتهن, ألا وهى:1- ألا يشركوا بالله شيئاً, 2- ألا يسرقوا, 3- ألا يزنوا, 4- ألا يقتلوا أولادهم (كما كان منتشراً فى الجاهلية) 5- ألا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم, 6- ألا يعصوه فى معروف, ثم رجعوا إلى قومهم دُعاة إلى الله, فشرح الله بهم الصدور, وأنار بهم العقول, فى وقت من أصعب الأوقات عليهم, فقد كانت بين الأوس والخزرج عداوات وإحَن, وبغضاء وحروب, وكان من أشهرها حرب (بُعَاث) التى استمرت لعشرات السنين, لا تنطفئ نارها, ولا يهدأ شررها, وسالت فيها دماؤهم أنهاراً. فحين رأى أهل يثرب أخلاق هؤلاء المؤمنين قد تغيرت, أسلموا وحَسُنَ إسلامهم, وكان فى إسلامهم حَقْن لدمائهم, فقد ألَّف الله عز وجل بين قلوبهم {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:63] ثم هاجر إليهم الرسول r بعد أن أخذ العهد عليهم أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأطفالهم (أى يدافعون عنه ضد أى عدوان) وأقام دولة الإسلام على أرضهم, التى تبعد عن موطنه ومحل نشأته بخمسمائة كيلو متر, تقطعها أكباد الإبل فى أكثر من عشرة أيام. ولكن لم يكتفِ أعداؤه من قومه بأنهم أخرجوه من أحب البقاع إليه, وأخرجوا أصحابه y من ديارهم وأموالهم (أى أنهم كما نقول بلغتنا: تركوا لهم الجمل بما حمل) فبدأوا يكيدون له ولأتباعه, ليقتلعوا الدولة الإسلامية من جذورها, فأذِنَ الله سبحانه وتعالى له ولأصحابه بالقتال, للذود عن حياضهم, ولتأمين أنفسهم وأعراضهم وأموالهم, لتكون كلمة الله هى العليا, فكان أول ما نزل من آيات القتال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ{39} الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:39-40] فبيَّن سبحانه وتعالى فى هذه الآيات أنه أَذِنَ للمؤمنين بالقتال لأنهم {ظُلِمُوا} و{أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} وأنه لولا القتال {لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} لأن الكثير من الناس لا يهدأ لهم بال, ولا يَقِرّ لهم قرار, إلا بالتخريب, وإشاعة الرعب والفزع بين عباد الله الآمنين, والاعتداء على حُرُمات الله, وأماكن عبادته, فكان لابد من ردعهم بالقوة, حيث لا تنفعهم الموعظة, وبيَّن سبحانه أن التمكين للمؤمنين فى الأرض ليس لغرض دنيوى, أو لحب الاستبداد والسيطرة على العباد, فقال فى الآية التى تليها: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ} وليس كما يفعل أعداء الله اليوم, الذين يرفعون شعار الحرية والديمقراطية, ثم يدمرون البلاد, ويقتلون العباد, ولا يرحمون مريضاً, ولا طفلاً صغيراً, ولا شيخاً كبيراً, ولا امرأة عجوزاً, بل يُغِيرون بكل ما آتاهم الله من قوة على المستضعفين العُزَّل, وبعد هذا يثيرون الشبهات حول الإسلام, ويقولون إنه انتشر بالقوة! لقد كان معظم قتال الرسول r إما لاسترداد بعض حقوق المسلمين (كما حدث فى موقعة بدر) وإما للدفاع عن المدينة المنورة, وتأمين الدولة الإسلامية من اعتداءات قبائل العرب من المشركين, الذين تألبوا وتحزبوا واجتمعوا على قتاله, هم وأعوانهم من يهود المدينة, فأمر الله عز وجل بقتالهم: {وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} [التوبة:36] فجاهد r هو وصحابته الكرام y فى سبيل الله حق جهاده, إلى أن نصر الله دينه, ومَكَّنَ له فى أرضه, وأصبحت الدولة الإسلامية لا يلين لها جانب, ولا يستطيع أحد أن ينال من عزتها وكرامتها. ومن أبْدَى له الرغبة فى التعايش السلمى, وعدم التعرض له ولأصحابه بالأذى, وعدم مُظاهرة أحد على قتاله, لم يمتنع أن يعقد معهم العهود والمواثيق, حتى لو لم يعلم صدق نيتهم {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال:61] وذلك مثل ما حدث بينه وبين بعض قبائل العرب من المشركين واليهود, وكان أعظمها صُلح الحديبية, الذى كان مفتاح انطلاقة للإسلام إلى خارج الجزيرة العربية, ولذلك سماه الله سبحانه وتعالى فتحاً مبيناً {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} [الفتح:1] لأن الرسول r كان مشغولاً قبل هذا الصلح, وأصحابه الكرام y بكَفّ أذى المشركين عنهم, والدفاع عن دينهم وأرضهم – كما أشرنا من قبل – فبدأ الرسول r بعد هذا الصلح بإرسال الرسل إلى رؤساء وملوك الدول المجاورة, ليعرض عليهم الدخول فى الإسلام بطريقة سِلمية, كان من بينها رسالته إلى هرقل عظيم الروم ((بسم الله الرحمن الرحيم, من محمد عبد الله ورسوله, إلى هرقل عظيم الروم, سلام على من اتبع الهدى, أما بعد: فإنى أدعوك بدعاية الإسلام, أَسْلِم تَسْلَم, يُؤتِكَ الله أجرك مرتين, فإن توليتَ فإن عليك إثم الأريسيين, و{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ})) [صحيح البخارى] أما قتال من أجرى معهم الصلح, فإن ذلك كان لنقضهم عهدهم معه, كما قال الله عز وجل: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [التوبة:13] فلو كان الرسول r يحب حمامات الدم – كما يقولون – لَمَا قبل من أحدٍ صُلحاً, ولأَصَرَّ على القتال حتى يُسلموا, والشاهد على ذلك أنه عندما فتح مكة, قال أحد الصحابة y: اليوم يوم الملحمة, اليوم أذلَّ الله قريشاً, فقال رسول الله r: ((اليوم يوم المرحمة، اليوم يُعِزُّ الله قريشاً)) [رواه الأموى فى المغازى] وقصته مع من اضطهدوه وعذبوا أصحابه وحاربوه معروفة, حين قال لهم: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)) [أخرجه البخارى فى المغازى] فلو كان فى طبعه سفك الدماء, لانتقم منهم بعد الفتح. وانظروا إلى من يقومون بانقلابات عسكرية للإطاحة بحكامهم.. ماذا يفعلون بمن أطاحوا بهم؟ إنهم لا يكتفون بعزلهم عن حكمهم, بل ويقيمون لهم المشانق والمذابح, لأنهم بذلك – من وِجهة نظرهم – يقطعون رؤوس الفساد, التى أذلَّت العباد, أما الرسول r فكان لا يغضب لنفسه قط, إلا أن تُنتَهك حُرُمات الله, ومن يدرس سيرته المطهَّرة, يجد الكثير من أمثلة عفوه عَمَّن أراد قتله, ولو تكلمنا عن هذا ما انتهينا, ولو كان محباً للقتال لَمَا قال: ((أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو, واسألوا الله العافية, فإذا لقيتموهم فاصبروا, واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف, اللهم مُنزِلَ الكتاب, ومُجْرِىَ السحاب, وهازم الأحزاب, اهزمهم, وانصرنا عليهم)) [متفق عليه]

إن جملة من قُتِل من المسلمين والمشركين فى جميع الغزوات والسرايا على عهد رسول الله r 386, فى حين أن الصِّرب قتلوا من الكُرْوات خمسمائة ألف, فى الحروب الطائفية التى دارت بينهم منذ عشرات السنين, وفى الحملة الصليبية التى شهد التاريخ ببشاعتها, قتل الصليبيون مائة ألف من المسلمين واليهود, فى أول يوم من حملتهم, وتعقبُّوا من لجأ إلى بيت المقدس ليحتمى به, وذبحوهم بداخله, حتى إن الخيول كادت تسبح فى دماء المسلمين, وغير ذلك الملايين من الذين قتلهم هتلر, وستالين, وموسولينى, وغيرهم من الجبابرة. ولم يَرِد عن الرسول r قط أنه أجبر أحداً من الأسرى, أو أحداً من الوفود التى كانت تأتيه فى المدينة على الدخول فى الإسلام, حتى إن الله عز وجل أمره أن يعطى الأمان لمن استجار به من المشركين, ولو ممن أُمِرَ بقتالهم, حتى يُسْمِعَه كلام الله, ثم يرده إلى أهله, ولو لم يُسْلِم {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} [التوبة:6] وكان r يوصى بالأسرى, فامتثل أصحابه y لأمره, حتى أثنى الله عليهم بقوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} [الإنسان:8] وكان r ينهى عن التعرض بأى أذى لمن عاهدهم على الصلح أو دفع الجزية, فقال: ((ألا من ظلم مُعاهَداً, أو انتقصه حقه, أو كلَّفه فوق طاقته, أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس منه, فأنا حجيجه يوم القيامة)) [سنن أبى داود, صحيح الجامع:2655] وقال: ((من قتل مُعاهَدَاً لم يَرِح رائحةَ الجنةِ, وإن ريحَهَا ليوجد من مسيرةِ أربعينَ عاماً)) [صحيح البخارى] فهل عرف التاريخ إحساناً إلى الأسرى, أو وفاءً للعهود مثل هذا؟

وكما انتشر الإسلام فى المدينة المنورة بالدعوة إلى الله بالحسنى, وبالأخلاق الحسنة, فقد انتشر فى معظم البلدان الأسيوية والأفريقية, دون حمل لأى سلاح, ولم يكن إسلام هذه البلدان ببيعة كبيعة أهل المدينة, ولكن بأخلاق التجار المسلمين, فقد كانت تربط الجزيرة العربية بهذه البلدان تجارات كثيرة, كالتى نسميها بلغتنا (استيراد وتصدير) فرأى أهل هذه البلاد أن العرب قد تغيرت أخلاقهم, فبعدما كانوا كذابين, غشاشين, مماطلين, مرابين, أصبحوا أمناء, صادقين, موفين بالعهود, لا يغشون, ولا يخدعون, ولا يماطلون, بالإضافة إلى السماحة فى البيع والشراء, وحسن المعاملة, وإيثار بعضهم على بعض, فتعجبوا لما حدث لهؤلاء التجار, وتساءلوا عن سر تغيرهم, فعلموا أنه الإسلام, فدخلوا فى دين الله أفواجاً, والدليل على ذلك أكبر الدول الإسلامية, وهى (إندونسيا) فهل فتحها المسلمون بالحرب؟ فمن ادَّعى ذلك, فليقل لنا مَن فَتَحَها؟ ومتى فتحها؟ وليقل لنا – على سبيل المثال – من فتح ماليزيا, وطاجيكستان, وأوزبكستان؟ أما البلاد الأخرى التى فتحها المسلمون بالجهاد (مثل مصر) فإنهم لم يهجموا على شعوب هذه البلاد هجمات بربرية شرسة, لأغراض دنيوية, كما يحدث فى عصرنا الحاضر (كما فى العراق) ولم يكن لإكراه الناس على الدخول فى الإسلام {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [يونس:99] ولكن كما قال رِبْعِى بن عامر t لرُسْتم قائد جيوش الفرس: (إن الله ابتعثنا لنُخرِج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد, ومن ضِيق الدنيا إلى سَعَة الآخرة, ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام) فقد كانت هذه الشعوب ترزح تحت وطأة الحكام الجبابرة من الفرس والروم, الذين يحكمون الناس بالحديد والنار, وحين فتح المسلمون هذه البلاد رفعوا الظلم عن العباد, وكفلوا لهم حرية العقيدة, وأمَّنوهم فى ديارهم من بطش أعدائهم, ولم يتعرضوا لأماكن عبادتهم, فأحبَّهم الناس لِمَا رأوه من حسن أخلاقهم, ورحمتهم, وعدلهم, وحسن معاملتهم التى لم يعهدوها فى أبناء دينهم, فأسلموا وحَسُنَ إسلامهم.  

إن الله سبحانه وتعالى أرسل رسوله r للعالمين {لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ} [الأنعام:19] {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] {لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى:7] {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85] فلابد من توصيل دعوته للعالمين, فالإسلام نور, ومن حق كل إنسان أن يصله هذا النور بالْحُجَّة والبيان, لا بالشتم والتجريح, كما يفعل أعداؤنا. ولكى تصل الدعوة إلى هذه البلاد, فلابد أن يُفسَحَ لها الطريق بغير قتال, ولكن إذا لم يُفسَح لها الطريق, فلنتصالح مع أهل هذه البلاد (الذين استكبروا عن قبول الدعوة) على دفع الجزية, ولا نتعرض لهم ولا يتعرضون لنا بأى أذى, وهى حق جعله الله عز وجل للمسلمين {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] وبديهى أن الذى سيدفع الجزية لابد له أولاً أن يعلم لمن ولماذا سيدفعها؟ وهذا فى حد ذاته يجعله يسأل عن هذا الدين الجديد, وبهذا تصل الدعوة إليه, فإن أسلم فَبِهَا ونِعْمَت, وإن استمر على كفره, استمر على دفعها, جزاءً لاستكباره على أمر ربه, ومقابل تأمينه من التعرُّض له بأى أذى (ومعلوم أن الجزية لا تفرض على النساء والأطفال والعبيد, وذوى العاهات, أو غير القادرين) فإن أَبَوْا أن يعطونا الجزية, فلنقاتل من حال بيننا وبين تبليغ رسالة ربنا, أما من لم يعترض طريقنا, فلا سبيل لنا عليه, وبعد إبلاغ الدعوة للناس بالْحُجَّةِ والبيان, لا يُقهَر أحد على الدخول فى الإسلام {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة:256] {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29] ومعنى هذا أننا لا نقاتل غير المحاربين, الذين صدونا عن إبلاغ الدعوة بالحسنى, على نقيض ما جاء به الكتاب المقدس, حين قال: حين تقرب من مدينة لكى تحاربها استدعها إلى الصلح. فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويُستعبَد لك. وإن لم تسالمك بل عملت معك حرباً فحاصرها. وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما فى المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التى أعطاك الرب إلهك. هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جداً التى ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا. وأما مدن هؤلاء الشعوب التى يعطيك الرب إلهك نصيباً فلا تستبقِ منها نسمة ما. بل تحرمها تحريماً الحِثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين كما أمرك الرب إلهك (تثنية20: 10-17) ففى هذا النَّص أمْر باستعباد الشعوب التى رضيت بالصلح, أمّا التى لم ترضَ بالصلح, فيُقتَلُ جميع ذكورها (سواء المحاربين منهم أو غير المحاربين) وأمّا النساء والأطفال والبهائم, فيؤخَذون كغنائم, وهذا هو الحال فى المدن البعيدة جداً, أمّا المدن القريبة (وهى الستة أمم المذكورة فى النَّص) فالحال فيها مختلف, فلا يُقتَلُ ذكورهم وتُسبَى نساؤهم, بل يُبادون إبادة جماعية (فلا تستبْقِ منهم نسمة ما) هل هذا يُقارَن بما أمرنا به رسولنا r فى قوله: ((اغزوا باسم الله, وفى سبيل الله, وقاتلوا من كفر بالله, اغزوا ولا تغلُّوا, ولا تغدروا, ولا تمثِّلوا, ولا تقتلوا وليداً, وإذا لقيتَ عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال, فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم, وكُفَّ عنهم: ادعهم إلى الإسلام, فإن أجابوك فاقبل منهم, وكُفَّ عنهم, ثم ادعهم أن يتحولوا من دارهم إلى دار المهاجرين, وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين, فإن أبَوْا أن يتحولوا منها, فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين, يجرى عليهم حكم الله الذى يجرى على المؤمنين, ولا يكون لهم فى الغنيمة والفَىْء شىء, إلا أن يجاهدوا مع المسلمين, فإن هم أبَوْا, فسَلْهُم الجزية, فإن هم أجابوك فاقبل منهم, وكُفَّ عنهم, فإن أبَوْا فاستعِن بالله وقاتلهم, وإذا حاصرت أهل حصن, وأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه, فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه, ولكن اجعل لهم ذمتك, وذمة أصحابك, فإنكم إن تَخْفِروا ذممكم وذمم أصحابكم, أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله, وإذا حاصرت أهل الحصن, فأرادوك أن تُنْزِلهم على حكم الله, فلا تُنْزِلهم على حكم الله, ولكن أنزلهم على حكمك, فإنك لا تدرى أتصيب حكم الله فيهم أم لا)) [صحيح الجامع‌:1078] وقوله حين رأى امرأة مقتولة: ((ما كانت هذه لتقاتل)) (أخرجه أبو داود والنسائى وابن حِبّان) وقوله: ((تألَّفُوا الناس, وتأنَّوْا بهم, ولا تُغِيرُوا عليهم حتى تدعوهم, فما على الأرض من أهل مَدَر أو وَبَر أن تأتونى بهم مسلمين, أحبّ إلىَّ من أن تأتونى بأبنائهم ونسائهم, وتقتلوا رجالهم)) (أخرجه ابن منده وابن عساكر عن عبد الرحمن بن عائذ) وقوله: ((انطلقوا باسم الله, وبالله, وعلى ملة رسول الله, لا تقتلوا شيخاً فانياً, ولا طفلاً, ولا صغيراً, ولا امرأة, ولا تَغُلُّوا, وضموا غنائمكم, وأصلحوا, وأحسنوا, إن الله يحب المحسنين)) [ضعيف الجامع:1346] وقوله: ((ما بال أقوام جاوز بهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية؟ ألا إن خياركم أبناء المشركين, ألا لا تقتلوا ذرية, ألا لا تقتلوا ذرية, كل نسمة تولد على الفطرة, فما يزال عليها, حتى يُعْرِب عنها لسانها, فأبواها يُهوِّدانها, أو يُنصِّرانها)) [صحيح الجامع:5571]‌ ((ألا إن خياركم أبناء المشركين)) معناها أن الصحابة y كانوا من أبناء المشركين, فربما يهدى الله هؤلاء الأطفال كما هداهم. وقد ((نهى عن النُّهبى, والْمُثلة)) [صحيح الجامع: 6917] وقال لمعاذ بن جبل t حين بعثه لأهل اليمن: ((إنك ستأتى قوماً أهل كتاب, فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, فإن هم أطاعوا لك بذلك, فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات فى كل يوم وليلة, فإن هم أطاعوا لك بذلك, فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة, تؤخذ من أغنيائهم, فتُرَدّ على فقرائهم, فإن هم أطاعوا لك بذلك, فإياك وكرائم أموالهم, واتقِ دعوة المظلوم, فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) [صحيح الجامع:2298] ففى هذه الأحاديث وغيرها, يتضح منهج الرسول r فى القتال.. لا غدر- لا غُلول – لا تمثيل بالقتلى (وإن مثَّلوا بقتلانا) – لا لقتل الأطفال والنساء والشيوخ – لا للتعذيب – لا للإجهاز على الجرحى – لا للتعرض للعابدين فى صوامعهم – لا لحرق الأشجار, ولا لردم الآبار, ولا لتخريب الديار, لا للظلم والإذلال, لا للقهر والاستغلال… إلخ, حتى إنه r لم يترك جثث الكفار لتأكلها السباع والهوام, ولكن أمر بدفنها فى القَلِيب, بعد انتصاره عليهم فى موقعة بدر, على عكس ما جاء فى الكتاب المقدس: هَأنذا أجلبُ عليكَ شرّاً وأبيدُ نسلكَ… لأجل الإغاظة التى أغظتنى ولجعلك إسرائيل يخطئ. وتكلم الرب عن إيزابل أيضاً قائلاً إن الكلاب تأكل إيزابل عند مترسة يزرعيل. من مات لآخاب فى المدينة تأكله الكلاب ومن مات فى الحقل تأكله طيور السماء. (الملوك الأول21: 21-24) وجاء فيه أيضاً التمثيل بالجثث (كما ذكرنا فى الرد على الشبهة رقم 86, وبالله التوفيق) والدليل على أن المسلمين لم يقهروا أحداً على الدخول فى الدين, هو وجود غير المسلمين ببلاد الإسلام إلى عصرنا هذا, وإلا- لكان أجدادهم قُتِلوا, فلم يبقَ نسلهم.

ونلاحظ مما تقدم أننا لا نفاجئ الناس بالهجوم عليهم, بل نعرض عليهم الإسلام, ونعطيهم فرصة ثلاثة أيام, لدرجة أنه قد حدث فى عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز t أن قائد الجيوش, واسمه (قُتَيبة بن مسلم) فاجأ أهل (سَمَرقند) بالهجوم عليهم, وفتح ديارهم, فاشتكوا إلى الخليفة أنه لم يعطهم الفرصة ليتفكروا فى أمرهم, فأمره الخليفة بالرجوع بجنوده من بلادهم, فلما رأى أهلها ذلك الخُلُق العالى, والعدل والإنصاف, الذى لا يُتَوَقَّع ممن انتصر على قوم, ودخل ديارهم, أسلموا, وأجازوا دخوله لبلادهم طواعية منهم.

إن القاعدة فى الإسلام هى السلام, والحرب هى الاستثناء للضرورة, والضرورة إما أن تكون للدفاع عن النفس, والعِرض, والمال, والوطن المسلم ضد الاعتداء, وهذا ما يسمى بجهاد الدفع (أى الدفاع) قال الله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190] وقال رسول الله r: (( من قُتِلَ دونَ مالِهِ فهو شهيد, ومن قُتِلَ دونَ دَمِهِ فهو شهيد, ومن قُتِلَ دونَ دينِهِ فهو شهيد, ومن قُتِلَ دون أهلِهِ فهو شهيد)) [صحيح الجامع:6445] أو للدفاع عن الدعوة, إذا وقف أحد فى سبيلها, بتعذيب من آمن بها, أو بصدّ من أراد الدخول فيها, أو بمنع الداعى من تبليغها, وهو ما يسمى بجهاد الطلب, قال تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ{191} فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{192} وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ{193} الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة:191-194]

والجهاد فى الإسلام إما فرض عَيْن, وذلك أولاً: على من حضر القتال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ{15} وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال:15-16] وثانياً: إذا أغارت دولة كافرة على ديار الإسلام, ففى هذه الحالة يكون الجهاد فرضاً على كل مسلم ومسلمة, حتى إن المرأة تخرج للجهاد, ولو بغير إذن زوجها, فى حين أنها لا تخرج للحج إلا بإذنه, ويخرج الابن بغير إذن أبيه, والعبد بغير إذن وليّه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ{38} إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة:38-39] {انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة:41] وثالثاً: على من أمره الحاكم المسلم بالجهاد فى سبيل الله, وليس لِحَمِيَّة جاهلية, أو اعتداء على الأبرياء, كما يحدث – للأسف – فى عصرنا هذا, من اعتداء دولة مسلمة على دولة أخرى مسلمة, قال رسول الله r: ((لا ترجعوا بعدى كفاراً, يضربُ بعضُكم رقابَ بعض)) [متفق عليه] وقال: ((من قاتل لتكون كلمة الله هى العُليا, فهو فى سبيل الله)) [متفق عليه]‌ وقال: ((لا طاعة فى معصية الله, إنما الطاعة فى المعروف)) [صحيح مسلم]‌

وإما أن يكون الجهاد فرض كفاية, إن قام به البعض سقط عن الآخرين, وذلك أولاً: إذا وقع الظلم على أقلية مسلمة تعيش فى البلاد الكافرة, كالتشريد والقتل والاضطهاد, مثل التطهير العرقى الذى حدث فى البوسنة والهرسك منذ عدة سنوات, هنا يهب المسلمون لنصرة إخوانهم, ورفع الظلم عنهم, وتمكينهم من ممارسة عباداتهم وشعائرهم بغير خوف, ولا تقييد لحرياتهم {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً} [النساء:75] وليس معنى كلمة (فرض كفاية) أن تقوم به أقلية لا يتم بها الغرض من دفع العدوان عن إخوانهم, ولكن بالعدد والإمكانيات التى تتم بها الكفاية. وثانياً: هو الجهاد الدَّعوِىّ (وهو غير مسموح به الآن لأن المسلمين مستضعفون) وهو أن يُسمَح لعلماء المسلمين بدعوة غيرهم بالحسنى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:64] فإن استكبروا عن سماع الحق, فليدفعوا الجزية, وإلا- فالقتال, قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة:122] وقال رسوله r: ((أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله, ويقيموا الصلاة, ويؤتوا الزكاة, فإذا فعلوا ذلك, عصموا منى دماءهم, وأموالهم, إلا بحقها, وحسابهم على الله)) [صحيح مسلم]‌ وهذا الحديث هو عُمْدَة حُجَجَ الكافرين الواهية, فى ادِّعائهم على الإسلام بأنه انتشر بالسيف, وهو ما يلتبس أمره أيضاً على كثير من المسلمين. وقبل أن نجيب عن هذا, نود أن نسألكم: هل كان بوِسْع الرسول r أو صحابته الكرام y أن يتأكدوا من إسلام كل الناس, وأنهم يقيمون الصلاة, ويؤتون الزكاة, حتى لو حاربوهم؟ إن هذا ليس بمقدور أحد من البشر, مهما بلغت قوته, وكثر أتباعه, ولكن الغرض من الحديث أن الرسول r أُمِرَ بتبليغ الدعوة للناس, وإن اقتضى الأمر أن يقاتل مَن حالَ بينه وبين تبليغها, وهذا ما ذكرناه من أننا نقاتل من صدنا عن تبليغ رسالة ربنا, ونحب أن نضع ألف خط تحت قول (من صدنا) أمّا من سالمنا, ولم يقف فى طريقنا, فلا سبيل لنا عليه {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} [النساء:90] إن الرسول r كان إذا بعث سراياه, أمرهم ألا يُغِيروا على قوم يسمعون منهم النداء بالصلاة, فهل كان متأكداً أن كل أهل القرية مسلمون, ويقيمون الصلاة, ويؤتون الزكاة؟ أم أن هذا مجرد دليل على أن دعوة الإسلام قد وصلتهم؟

وقبل أن نفارق هذه الشبهة – التى أطلنا الحديث عنها – نقول وبالله التوفيق: إنه من المعلوم فى أى مكان فى العالم, أنه لابد من التسلسُل القيادى, فكل هيئة من الهيئات لها رئيس, ومجموع تلك الهيئات تخضع لوزارة معينة, فمثلاً: وزارة الصحة.. تتبعها جميع المراكز الصحية والمستشفيات والإدارات التابعة لها, ولكُلّ من هذه المراكز والمستشفيات والإدارات رئيس أو مدير, وفوق هذا المدير مدير آخر, إلى أن نصعد فى السلم الوظيفى إلى الوزير, أليس كذلك؟ وما نقوله عن وزارة الصحة ينطبق على جميع الوزارات, وكل هذه الوزارات مجتمعة لها رئيس يسمى (رئيس الوزراء) وكذلك كل محافظة لها رئيس أو محافظ, ثم فى النهاية يصل حكم الدولة كلها إلى واحد, وهو رئيس الدولة أو الملك, وكأن التسلسل القيادى يأخذ شكلاً هرمياً, قاعدته مديرون ورؤساء كثيرون, ثم يعلو إلى رؤساء أقل منهم عدداً, ثم يعلو إلى حاكم واحد. ربما يتعجب البعض ويقولون: ما دخل كل هذا بموضوعنا؟ وأقول لكم: إن ما أريد أن أصِل إليه هو: كما أنه لا يصلح أن يحكم أى دولة إلا حاكم واحد, فلابد أن يكون لكل العالم حاكم واحد, وهو الله جل وعلا, بل إنه سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين:8] وإذا كان أى حاكم – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لا يرضيه أن يخرج أحد من رعيّته على حكمه, فكيف بالله سبحانه وتعالى؟ كيف يخرج أحد من خلقه على حُكمه؟ أترضون لله ما لا ترضونه لأنفسكم, وهو خالقكم, ورازقكم, ومدبر أمركم, ومن بيده محياكم ومماتكم؟ {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50] فتوحيد الله وعبادته حق على عباده, وهو الغنى عنهم {إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر:7] {أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران:83] قال رسول الله r: ((يا مُعاذ بن جبل.. هل تدرى ما حق الله على عباده, وما حق العباد على الله؟ فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً, وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً)) [صحيح الجامع:7968]‌, والله أعلم.

س82- لماذا تفتخرون بدينكم, وتدعوننا للدخول فيه؟ فإن الدين بالوراثة, فابن اليهودى يكبر ويَشِب على دين أبيه, وكذلك ابن المسيحى, وابن المسلم, فكيف نترك ديننا, وهو دين آبائنا, وندخل فى دين آبائكم؟

ج82- من قال لكم إننا نفتخر عليكم, أو على غيركم؟ إن ديننا مِنَّة من الله علينا, ونحن غير متمسكين به لمجرد أنه دين آبائنا, ولكننا مقتنعون به تمام الاقتناع. إن رسول الله r – وهو خير خلق الله – لم يفتخر بنفسه حين عدَّد نِعَم الله عليه, فقال: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر, وبيدى لواء الحمد ولا فخر, وما من نبى يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائى, وأنا أول شافع, وأول مُشَفَّع, ولا فخر)) [صحيح الجامع:1468] فالمسألة ليست قضية تفاخُر, إنها قضية حق وباطل, ونحن نريد لكم الخير باتباع الحق, لتفوزوا بسعادة الدنيا والآخرة, ولا تكونوا كالذين تمسكوا بدين آبائهم, ولم يؤمنوا بأنبيائهم, فتكونوا كالذين قال الله فيهم: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} [المائدة:104] فإن الحق لا يتجزَّأ, وسبيله واحد, هو الإيمان بالله, وبجميع أنبيائه ورسله, والإيمان بخاتم المرسلين – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – أما سُبُل الباطل فهى كثيرة, فنحن ندعوكم للمناظرة الهادئة, الهادفة, العاقلة, المستنيرة, المبنية على العلم, وليس على الحَميَّة العمياء, لمجرد التمسك بدين الآباء, و{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:64], والله أعلم.

س83- إن الذين دخلوا فى الإسلام من مصر كانوا هم الفقراء, لأنهم لم يستطيعوا دفع الجزية, أما الأغنياء الذين استطاعوا أن يدفعوها, فلم يدخلوا فيه.

ج83- لو كان الفقراء هم الذين دخلوا فى الإسلام كما تقولون, فلِمَ لم يخرجوا منه بعد ذلك؟ وخاصةً أن عمرو بن العاص t بعد أن فتحها, ترك فيها عدداً قليلاً من الجنود, كان يسهل على المصريين حينها أن ينقلبوا عليهم. وهل كانت الجزية بالقَدْر الذى يعجزهم عن دفعها؟ لقد كانت قيمتها دينارين فى السنة, عن الرجل البالغ العاقل, مقابل الدفاع عنه, والدينار قيمته أربع جرامات وربع الجرام من الذهب. وبفرض أن البعض كان لا يستطيع دفعها, فإنها فى هذه الحالة تسقط عنه, بل إن عمر بن الخطاب t أسقطها عن الرجل الكبير الذى وجده يتسول ليجمعها, وأمر له بعطاء من بيت مال المسلمين. وهناك كتاب اسمه (السيف الثقيل) كان فى مصر, ولكنه سُرِقَ أيام نابليون بونابرت, ووُضِعَ بمتحف (اللوفر) فى فرنسا, وهو كتاب مخطوط يحتوى على المناظرات التى تمت بين الصحابة y والقساوسة المصريين, وقد اقتنع منهم الكثير, ودخلوا فى الإسلام, كما دخل فيه الكثير من أهلها طواعية, لَمّا رأوا سماحته, ومعاملة أهله الطيِّبين, وهم الذين حولوا كنائسهم إلى مساجد. فسيدنا عمرو لم يهدمها, ولكنه بنى فى ظهر كل كنيسة مسجداً, وكان لهذه الكنائس أبراج عالية لدَقِّ الأجراس, فحين أسلم أهلها, حولوا هذه الأبراج إلى مآذن, وجعلوا لها سلالم ليصعد عليها المؤذن وينادى بالصلاة, فلم تكن المآذن معروفة فى المساجد قبل هذا, وقد حدث الأمر نفسه فى البلاد الأخرى التى دخلها الإسلام. إن الجيش الذى فتح مصر كان قوامه 1550 مقاتلاً, وكان هذا العدد قليلاً جداً بالنسبة لأهل مصر, الذين كان يُقدَّر تعدادهم بحوالى مليون نسمة أو يزيدون, وبعد فتحها لم يمكث بها إلا القليل, حوالى ألف, أو خمسمائة, وهم عبارة عن قوة حاكمة, يسمونها الحامية الإسلامية, والباقى ذهب لفتح ليبيا وتونس والمغرب, والأراضى المجاورة لها. والصحابة y كان بينهم وبين المصريين وُدّ ومحبة, لأن بينهم نسباً, فإن السيدة هاجر – رضى الله عنها – أم سيدنا إسماعيل أبى العرب – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – كانت مصرية, وكذلك السيدة مارية القبطية – رضى الله عنها – زوج الرسول r كانت أيضاً مصرية. ولذلك فإن المصريين أكْبَروا الصحابة y وأحبُّوهم, ودخلوا فى دين الله أفواجاً بسبب هذا النسب, وبسبب المعاملة الطيبة التى وصى بها الرسول r صحابته حيث قال: ((إنكم ستفتحون مصر, وهى أرض يُسَمَّى فيها القيراط, فإذا فتحتموها فاستوصوا بأهلها خيراً, فإن لهم ذمَّة ورَحِمَاً, فإذا رأيتَ رجلين يختصمان فى موضع لَبِنَة فاخرج منها)) [صحيح الجامع:2307] بل إن المصريين انضموا إليهم, وقاتلوا معهم قتالاً مريراً ضد الرومان, ‌لأن الرومان كانوا قد أذلُّوهم, وساموهم سوء العذاب, حتى إنهم اضطهدوا باباواتهم, وهرب كبير الباباوات (بنيامين) إلى وادى النطرون, والذى أمَّنه ورجَّعه هو عمرو بن العاص t. والجزية لم يبتدعها الإسلام, ولكنها كانت فى الديانات التى قبلنا, وقد ذكرنا بعض ما جاء بشأنها فى الكتاب المقدس, فى الرد على الشبهة رقم (79), والله أعلم.

س84- إن المسلمين ليسوا مصريين, ولكنهم أبناء العرب, بينما أصحاب البلاد الحقيقيون المصريون هم أقباط مصر, فهم أوْلى بها, والمسلمون غرباء عنها.

ج84- غالبية المصريين, الذين تسمونهم أقباط مصر, أسلموا طواعية – كما ذكرنا فى السؤال السابق – عندما رأوا الفرق بين المسلمين والرومان الذين هم على ملِّتهم, فبينما كان الرومان يسومونهم سوء العذاب, جاء الإسلام فرفع الظلم عنهم, وأعطاهم حريتهم, ورأوا أخلاق الصحابة y وعدلهم, وورعهم, وتقواهم, فآمنوا بدينهم. والكل يعرف قصة الشاب المصرى الذى تسابق مع ابن عمرو بن العاص t فسبقه, فضربه ابن عمرو, وقال له: أتسبقنى وأنا ابن الأكْرَمَيْن؟ فغضب الولد واشتكى لأبيه, فذهب به إلى عمر بن الخطاب t واشتكى له, فما كان من عمر إلا أن بعث برسالة عاجلة – من أبلغ ما يكون – إلى عمرو بن العاص, يقول له فيها: من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص أمير مصر: يَدُكَ فى الخطاب, ورِجلُك فى الرِّكاب, وأْتِنى بوَلَدِك. فذهبا إليه, واستمع لقولهما وقول الشاب المصرى, فقال لعمرو: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ ثم أمر الشاب المصرى أن يضرب ابن الأمير كما ضربه, بل ويضرب الأمير نفسه على رأسه, وحين تساءل الأمير: لماذا يضربنى وقد أخذ حقه؟ فقال له: لولا أنت ما ضربه. فهذه الحادثة التى لم يعرف التاريخ لها مثيلاً, وغيرها من صُوَر العدل والرحمة, جعلت الكثير من أهل مصر يدخلون فى دين الله, وحَسُنَ إسلامهم, ولو كان إسلاماً ظاهرياً بالحديد والنار, لانقلبوا بعد ذلك, كما انقلب أتباع الشيوعية بعد انقضاض عريشها, فمجموع المسلمين فى مصر معظمهم إذن هم أبناء السلف الذين دخلوا فى دين الله أفواجاً, وبتزاوج العرب والقِبط صاروا وأبناؤهم مزيجاً ونسيجاً مصرياً عربياً مسلماً. ثم إن الإسلام ليس ديناً مَحَلِّياً مرتبطاً بالمكان الذى بدأ فيه, بل هو رسالة لجميع الإنس والجن إلى قيام الساعة, فليس محدداً بزمان ولا مكان, وليس له جنسية عربية أو غير عربية, فالمسلمون كلهم إخوان, وإن اختلفت جنسياتهم ولغاتهم, والله أعلم.

س85- لقد قُتِلَ بعض أصحاب محمد, وهم أمراء المسلمين, مثل عمر وعثمان وعلى, وأنتم تقولون إنهم صالحون, وعلى درجة كبيرة من الإيمان بالقرآن واتباع هَدْى نبيكم, فلِمَ قُتِلوا إذن؟

ج85- هل معنى أنهم قُتِلوا أنهم غير صالحين؟ لقد زعمتم أن معبودكم قُتِلَ.. فهل كان يستحق القتل؟ أو كان غير صالح؟ ولقد قتلتم الكثير من أنبيائكم, فهل حُرمَة الصحابة y أشد عندكم من حرمة أنبيائكم؟ وهل كان الأنبياء – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – يستحقون القتل؟ لقد أوضح القرآن الكريم فى أكثر من آية أن قتلكم إياهم كان بغير حق, فكذلك قتل هؤلاء الصحابة كان بغير حق, وقد نالوا بذلك الشهادة, ومعلوم أن الذى قتل عمر لم يكن مسلماً, ولكنه كان مجوسياً, والذى قتل عليّاً كان من الخوارج, أما عثمان فقد كان ضحية فتنة, قادها عبد الله بن سبأ اليهودى, والله أعلم.

س86- إن القصاص فى الإسلام يزهق الأرواح, ويملأ المجتمع بالتشوهات, ففى سورة البقرة آية 178{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وفى سورة المائدة آية 45{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} فهل رأيتم استهانة بأرواح الناس وأجسادهم مثل هذا؟

ج86- إن اعتراضكم على القصاص لَهُوَ من أشد الظلم, وكان الأجدر بكم أن تطبِّقوه فى مجتمعاتكم, لأن فيه صيانة لأرواحكم, ودمائكم, وأعراضكم, فهل يرضى سائل هذا السؤال أن يقتله أحد, أو يقتل أحد أقاربه, ثم لا يُقتَص من القاتل بقتله؟ أم هل يرضى أن يفقأ عينه أحد, ثم يُسجَن لمدة عام أو أكثر, ثم يخرج من السجن, وينعم بعينيه طول حياته؟ أم أنه يتمنى أن لو فُقِئَت عينه مثله؟ إن الذى أشاع الجرائم فى كثير من المجتمعات, هو عدم تطبيق حدود الله, فلو أن المجرم علم أنه سيُقتَص منه, ويُفعَل به ما فعل بالناس, لَمَا أقدم على جريمته, ولَمَا أصبحت دماء الناس, وأموالهم, وأعراضهم, نهبة سائغة له, يقتل هذا, ويقطع أُذُن هذا, ويفقأ عين هذا, ثم يدخل السجن, يأكل ويشرب وينام, وبعد ذلك يخرج سليم الأعضاء, بعدما أراق دماء الناس, وشوَّه أجسادهم, فهل هذا يقبله عاقل؟ إن بعض المجتمعات المسلمة التى لم تمتثل لأمر ربها, شاعت فيها جرائم التشويه لأقصى درجة, ففى باكستان – على سبيل المثال – شاع ظلم الرجل للمرأة ظلماً شديداً, وأصبح من المألوف عندهم أن الرجل يعاقب المرأة برش ماء النار على وجهها! فلو أنه عوقب بفعلته نفسها لَمَا تجرّأ على ذلك, ولكنه الظلم {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} وقد جاء فى كتابكم المقدس ما يشابه آية سورة (المائدة) التى وردت فى السؤال:

وإن حصلت أذيّة تعطى نفساً بنفس وعيناً بعين وسِناً بسِن ويَداً بيَد ورِجلاً برِجل وكَيّاً بكَىّ وجرحاً بجرح ورَضّاً برَض. (خروج21: 23-24)

وإذا أحدث إنسان فى قريبه عيباً فكما فعل كذلك يُفعَلُ به. كَسْر بكَسْر وعين بعين وسِن بسِن. كما أحدث عيباً فى الإنسان كذلك يُحدَث فيه. (لاويين24: 19-20)

وجاء فيه أن جزاء القاتل قتلُه, ليس هذا فحسب, بل التمثيل بجثته بعد موته:

إذا كان رجلان باغيان يقتلان صديقاً فى بيته على سريره. فالآن أمَا أطلب دمه من أيديكما وأنزعكما من الأرض. وأمر داود الغلمان فقتلوهما وقطعوا أيديهما وأرجلهما وعلقوهما على البركة فى حبرون. (صموئيل الثانى4: 11-12)

سافك دم الإنسان بالإنسان يُسفَك دمه. لأن الله على صورته عمل الإنسان. (تكوين9: 6)

إن القاتل يُقتَل. (عدد35: 16)

ثم إن الإسلام لا يمنع أحداً أن يتنازل عن حقه فى القصاص {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} أما الكتاب المقدس فلا يبيح العفو عن القاتل المتعمِّد, ولا يبيح أخذ الدِّيَة منه, بل لابد من قتله: ولا تأخذوا فدية عن نفس القاتل المذنب للموت بل إنه يُقتَل. ولا تأخذوا فدية ليهرب إلى مدينة ملجئه فيرجع ويسكن فى الأرض بعد موت الكاهن. لا تدنسوا الأرض التى أنتم فيها لأن الدم يدنس الأرض. وعن الأرض لا يُكَفَّرُ لأجل الدم الذى سُفِكَ فيها إلا بدم سافكه. ولا تنجسوا الأرض التى أنتم مقيمون فيها التى أنا ساكن فى وسطها. إنى أنا الرب ساكن فى وسط بنى إسرائيل (عدد35: 31-34)

ومن عدل الله سبحانه وتعالى أن قضى بأن الذى قتل يُقتل, ولا يُقتل أحد غيره ظلماً وعدواناً, على نقيض ما يحدث فى بعض القرى, من أنهم لا يأخذون الثأر من القاتل, بل يأخذونه من البرىء, فإذا كان القاتل غير ذى بال, كأن يكون فقيراً, أو وضيعاً فى قومه, لم يقتصوا منه, ولكن يقتصون ممن هو أعلى منه منزلة وجاهاً, رغم براءته, ولذلك قال الله تعالى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى} وحَدّ القتل فى الإسلام يطبق على من فعله متعمداً, أما قتل الخطأ ففيه الدِّيَة, كأن يخطئ طبيب فى إجراء عملية للمريض فيموت, أو يعطيه جرعة كبيرة من البنج تكون سبباً فى وفاته, أو حادثة سيارة عن غير قصد, أو غير ذلك. أما فى الكتاب المقدس فإن من قتل خطأ لا يدفع دِيَة لأهل المقتول, ولكنه يهرب من ولى الدم (أى من ولى المقتول) حتى لا يعاقبه: وكلَّم الرب موسى قائلاً. كلِّم بنى إسرائيل وقل لهم إنكم عابرون الأردن إلى أرض كنعان. فتعيّنون لأنفسكم مُدناً تكون مُدن ملجأ لكم ليهرب إليها القاتل الذى قتل نفساً سهواً (عدد35: 9-11)

ولكن إن دفعه بغتة بلا عداوة أو ألقى عليه أداة ما بلا تعمد أو حجراً ما مما يُقتَلُ به بلا رؤية. أسقطه عليه فمات وهو ليس عدواً له ولا طالباً أذيّته تقضى الجماعة بين القاتل وبين وَلىِّ الدم حسب هذه الأحكام. وتُنقِذُ الجماعة القاتل من يد وَلىِّ الدم وتردّه الجماعة إلى مدينة ملجئه التى هرب إليها (عدد35: 22-25) ربما يظن أهل الكتاب أن هروب القاتل غير المتعمِّد, وعدم معاقبته بدفع الدِّيَة لأهله هو الصواب, لأنه فى نظرهم غير مذنب. ونقول لهم: صحيح أنه لم يتعمد, ولكن هذا يفتح الباب للمجرمين كى يقتلوا من أرادوا قتله, ويتفننون فى طرق القتل, حتى تبدو فى التحقيقات وكأنها عن غير قصد, ثم يكذبون ويقولون: لم نقتله متعمدين. وكذلك فإنه يفتح الباب للعابثين والمستهترين ألا يحتاطوا, طالما أنهم لن يُعاقَبوا, كالشباب المتهوِّر الذى يقود السيارات بسرعة رهيبة, أو الذين يطلقون الرصاص فى الأفراح والاحتفالات, وغير ذلك من مظاهر الاستخفاف, وعدم أخذ وسائل الحيْطة والحذَر. ثم إن الدِّيَة التى يأخذها أهل الميت تخفف عنهم مُصابهم إلى حدٍ كبير, وخصوصاً لو ترك يتامى, فإن المال الذى يأخذونه يعينهم على أمر معاشهم, والله أعلم.

س87- لقد دافعتم عن حد القصاص, وقلتم إنه عدل, لأنه معاملة بالمثل, فلِمَ لا يكون القصاص فى الزنى والسَّب والقذف بالمثل أيضاً؟

ج87- إن هذا سؤال خبيث, لا يُظن بقائله إلا أنه يحب إشاعة الفاحشة فى المؤمنين. إن الإسلام هو دين العِفَّة, والمحافظة على الأعراض, فهو الذى يحض على الفضيلة, ويحارب الرذيلة بكل وسيلة, فهل يعاقب على الفاحشة بفاحشة مثلها, حتى تنتشر فى المجتمع أكثر وأكثر؟ وهل هذا يقبله عاقل, فضلاً عن أن يكون شرعاً؟ وهل لو سَبَّ دينَ الله أحدٌ, تكون عقوبته أن يُسَب دينه؟ إن هذا لا يزيد الشرر إلا تطايُراً, كما يقول المثل: (لا يزيد الطين إلا بِلَّة) قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور:19] وقد قال العلماء: إن مجرد الكلام عن قصص الفحش والتفحّش – وليس ردّ الفاحشة بفاحشة مثلها – يدخل فى مضمون هذه الآية, أى أن ما يحدث فى وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة من نشر الفضائح, وأخبار القتل, والسرقة, والخيانة الزوجية, داخل فى مضمون هذه الآية (وللأسف) فإن كثيراً من المسلمين لا يعلمون هذا الأمر, ولا يفطنون له, وتراهم يتناقلون ما سمعوه وما قرأوه من هذه الأخبار المشينة, ولا يدرون أنهم بفعلهم هذا ينشرون الفاحشة بين الناس أكثر وأكثر. وكذلك الذى يذهب للعمل فى بعض البلاد العربية, ثم يعود فيحكى عمّا رآه وسمعه من هذه المعاصى, ولا يعلم – فضلاً عن وقوعه فى أعراض المسلمين – أنه ينشر الفاحشة بين المؤمنين. حتى لو كانت دولة كافرة, فلا ينبغى له أن يحكى ما رأى وما سمع فيها, لأنه يفسد قلوب سامعيه وهو لا يشعر. كذلك فإن المعصية تهون فى أعين الناس بكثرة سماعها, وتجعلهم يظنون أنهم أفضل من غيرهم, فلا يزدادون فى الأعمال الصالحة. أما سماع قصص الصالحين, فهى تحث على الاقتداء بهم, واحتقار النفس بالنسبة لهم, مما يبعث على النشاط فى العبادة, والاستكثار من الأعمال الصالحة, قال رسول الله r: ((لا تسُبَّن أحداً, ولا تحقِرَنَّ من المعروف شيئاً, ولو أن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهُك, إن ذلك من المعروف, وارفع إزارك إلى نصف الساق, فإن أبَيْتَ فإلى الكعبين, وإياك وإسبال الإزار, فإنه من المخيلة, وإن الله لا يحب المخيلة, وإنِ امْرُؤٌ شتمك وعيَّرك بما يعلم فيك, فلا تعيِّره بما تعلم فيه, فإنما وبالُ ذلك عَلَيه)) [صحيح الجامع:7309] أرأيتم كيف نهى الرسول r عن رد الإساءة بإساءة مثلها؟ فكيف بردّ الفاحشة بفاحشة مثلها؟

إن التعامل بالمثل, ورَدّ الفاحشة بمثلها, هو ما جاء به الكتاب المقدس, حيث قال:

مع الطاهر تكون طاهراً ومع الأعوج تكون مُلتوياً. (صموئيل الثانى22: 27)

هكذا قال الرب هَأنذا أقيمُ عليك الشر من بيتك وآخذ نساءك أمام عينيك وأعطيهن لقريبك فيضطجع مع نسائك فى عين هذه الشمس. لأنك أنت فعلت بالسِّر وأنا أفعل هذا الأمر قُدّام جميع إسرائيل وقُدّام الشمس. (صموئيل الثانى12: 11-12) أتدرون مِن مَن, ولمن هذا الكلام؟ إنه – بزعمهم – من الله سبحانه وتعالى لسيدنا داود – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – والدليل على ذلك ماجاء فى الكلام الذى قبله من الإصحاح نفسه, والله أعلم.

س88- تقولون إن دينكم ينهى عن الإسراف والتبذير, مع أنكم أشد الناس تبذيراً وإسرافاً, ألا ترون ما تفعلونه فى الحج من كثرة الذبائح التى تُعَدّ بمئات الألوف, وتركها فى مِنىَ لا يستفيد منها أحد من الفقراء, ويكون مصيرها الفساد وانتشار الأمراض, وخصوصاً قبل وجود المجازر الآلية والثلاجات؟

ج88- متى تُذبَح هذه الذبائح؟ إنها تُذبَح يوم النحر, وهو أول أيام العيد, ثم تليه أيام التشريق الثلاثة, التى قال رسول الله r عنها: ((أيام التشريق أيام أكْل وشُرْب وذِكْر الله)) [مُسنَد أحمد, صحيح الجامع:2689] فالمسلم مأمور بأن يوسِّع على نفسه وأهله, وعلى فقراء المسلمين, فى هذه الأيام المباركة, على قدر استطاعته. ولكن لماذا سُمِّيَت هذه الأيام بأيام التشريق؟ إن إجابة هذا السؤال فى حد ذاتها رد على هذه الشبهة. لقد سُمِّيَت بهذا, لأن العرب كانوا يذبحون الذبائح فى مِنى, ثم يسلخونها, ويقطعونها قطعاً صغيرة, ويرشونها بالملح, ويربطونها ببعضها, ويعلقونها فى اتجاه شروق الشمس, إلى أن يخرج منها الماء تماماً, وتصبح جافة مثل قوالب الطوب. وهذه الطريقة كانت تحفظ اللحم من التعفن, ليستخدموه طوال العام, بعد نقعه فى الماء عند اللزوم, ليزول منه أثر الملح, ويصبح طرياً قابلاً للطهى, وهذه الطريقة من أفضل طرق حفظ اللحم, لأن الملح ليس له أضرار جانبية مثل غيره من المواد الحافظة (وقد بُنِيَت على هذه الطريقة فكرة صناعة البسطرمة) أمّا الآن فتوجد جمعيات وهيئات خيرية تقوم بالإشراف على هذه الذبائح, والاحتفاظ بها فى الثلاجات, ثم تقوم بتوزيعها على فقراء المسلمين فى أنحاء العالم.

ونَوَدّ أن نسألكم: هل تعتبرون هذا إسرافاً, ولا تعتبرون ما جاء فى كتابكم المقدس من استخدام الذهب والمجوهرات فى بناء الهيكل, وعمل مراحيضه من النحاس, إسرافاً؟

والبيت الذى بناه الملك سليمان للرب طوله ستون ذراعاً وعرضه عشرون ذراعاً وسُمْكه ثلاثون ذراعاً… وهيّأ محراباً فى وسط البيت من داخل ليضع هناك تابوت عهد الرب. ولأجل المحراب عشرون ذراعاً طولاً وعشرون ذراعاً عرضاً وعشرون ذراعاً سُمْكاً. وغشّاه بذهب خالِص… وغشّى سليمان من داخل بذهب خالِص. وسدَّ بسلاسل ذهب قُدّام المحراب. وغشّاه بذهب. وجميع البيت غشّاه بذهب إلى تمام كل البيت وكل البيت وكل المذبح الذى للمحراب غشّاه بذهب… وغشّى الكروبين بذهب… وغشّى أرض البيت بذهب من داخل ومن خارج… ورسم عليهما نقش كروبيم ونخيل وبراعم زهور وغشّاهما بذهب ورصَّع الكروبيم والنخيل بذهب… ونحت كروبيم ونخيلاً وبراعم زهور وغشّاها بذهب… وعمل بيتاً لابنة فرعون التى أخذها سليمان كهذا الرواق. كل هذه من حجارة كريمة… وكان مؤسساً على حجارة كريمة حجارة عظيمة حجارة عشر أذرع وحجارة ثمان أذرع. ومن فوق حجارة كريمة كقياس المنحوتة… وعمل القواعد العشر من نحاس طول القاعدة الواحدة أربع أذرع وعرضها أربع أذرع وارتفاعها ثلاث أذرع… والأكتاف مسبوكة تحت المرحضة… وعمل عشر مراحِض من نحاس تسع كل مرحضة أربعين بثاً. المرحضة الواحدة أربع أذرع. مرحضة واحدة على القاعدة الواحدة للعشر القواعد… وعمل سليمان جميع آنية بيت الرب المذبح من ذهب والوجوه والمائدة التى عليها خبز الوجوه من ذهب. والمنائر خمساً عن اليمين وخمساً عن اليسار أمام المحراب من ذهب خالص والأزهار والسرج والملاقط من ذهب. والطسوس والمقاص والمناضح والصحون والمجامر من ذهب خالص. والوصل لمصاريع البيت الداخلى أى لقدس الأقداس ولأبواب البيت أى الهيكل من ذهب. وأكمل جميع العمل الذى عمله الملك سليمان لبيت الرب. وأدخل سليمان أقداس داود أبيه. الفضة والذهب والآنية وجعلها فى خزائن بيت الرب (مختصر ما جاء فى سفر الملوك الأول, الإصحاح6و7)

إن من رحمة الله سبحانه وتعالى بأمة سيدنا محمد r أن أباح لهم الأكل من هذه الذبائح وغيرها, أمّا الأمم السابقة فكانت هناك نار تنزل من السماء لتأكل ذبائحهم, كعَلامة على قبولها. وفى الكتاب المقدس توجد كلمة (مُحْرَقة) و(مُحْرَقات) عشرات المرّات, ومنها قوله: ولما انتهى سليمان من الصلاة نزلت النار من السماء وأكلت الْمُحْرَقة والذبائح وملأ مجد الرب البيت. (أخبار الأيام الثانى7: 1) وقوله: ثم إن الملك والشعب ذبحوا ذبائح أمام الرب. وذبح الملك سليمان ذبائح من البقر اثنين وعشرين ألفاً ومن الغنم مئة وعشرين ألفاً ودشَّن الملك وكل الشعب بيت الله… وقدَّس سليمان وسط الدار التى أمام بيت الرب لأنه قرَّب هناك الْمُحْرَقات وشحم ذبائح السلامة لأن مذبح النحاس الذى عمله سليمان لم يكْفِ لأن يَسَع الْمُحْرَقات والتَّقدِمات والشحم. (أخبار الأيام الثانى7: 4-7), والله أعلم.

س89- إن الذى أخرج المسلمين من جزيرة العرب هو الجوع والفقر, وليس لنشر الدين كما تزعمون.

ج89- سنسلِّم معكم جدلاً أنهم خرجوا يبحثون عن الطعام, فلماذا لم يكتفوا بفتح بلاد الشام المليئة بالأنهار والثمار؟ وما الذى حملهم على أن يفتحوا البلاد الواقعة فى شمال أفريقيا, مثل مصر وليبيا وتونس والجزائر, وبعض البلاد الأخرى مثل الأندلس, حتى وصلوا إلى مشارف فرنسا؟ وهل الفقير الذى يبحث عن الطعام يعرِّض نفسه للحروب (وهى مظنَّة الهلاك) بعدما وجد بُغْيته؟ إننا نجد الأغنياء مستعدِّين لدفع آلاف الجنيهات ليجنِّبوا أنفسهم وأولادهم الدخول فى الحروب التى تحرمهم من رَغَد العيش الذى ينعمون به, ولكن هؤلاء الصحابة y ما خرجوا إلا لنشر دين الله جل وعلا, والذى يقرأ سِيَرَهم, يعلم أنهم رغم كل الفتوحات التى مَنَّ الله بها عليهم, لم تغرهم الدنيا, ولم تشغلهم عن عبادة ربهم, وكانوا كلما انتهوا من فتح بلد, استعدوا لفتح بلد آخر, فهل هذا فعل من يبحث عن الطعام؟ ثم إن الجزيرة العربية ظلَّت فقيرة معتمدة فى رزقها – بعد الله سبحانه وتعالى – على موسم الحج, والمعونات التى كانت تأتيها من الدول المجاورة, إلى أن ظهر فيها البترول, بفضل من الله ونعمة, فلو كانوا خرجوا للبحث عن المال, فلِمَ لم يبعثوا به لأهليهم, وينقذوهم من الفقر, كما يفعل من يسافر للعمل فى دول الخليج, أو كما يفعل المستعمر الغربى الذى يسرق أقوات الشعوب وثرواتها, ويحولها لبلاده؟ إن المستعمر الغربى لم يكتفِ بتحويل الثروات, بل حوَّل الآثار والحيوانات, حتى إن الإنسان نفسه لم يفلت من قبضتهم, فحوَّلوه لبلادهم ليخدمهم, كما حدث فى ترحيل الأفارقة إلى أمريكا وغيرها, ليقوم الرجل الأسود بخدمة الرجل الأبيض, وظلَّ القراصنة المستعمرون يعاملونهم أسوأ معاملة عُرِفَت بالتفرقة العنصرية, التى ما زالوا يعانون من آثارها إلى يومنا هذا. حتى إنهم سرقوا العقول الذكية من العالم الثالث بالإغراء المادى – وما زالوا يسرقونها – حتى أصبحوا ينعمون بالثراء الفاحش, ويملكون أكبر حضارة على وجه الأرض. فلو أن المسلمين الأوائل فعلوا فعلتهم, لعاش أهل الحجاز فى رغد وسَعَة عيش, ولافتقرت البلاد التى فتحوها, ولكان لهم أعداء كثيرون فى كل مكان من العالم, كما للرجل الأبيض الآن, ولتمتعت الجزيرة العربية بالكراهية التى يتمتع بها الغرب, وعلى رأسهم أمريكا, ولكن (ولله الحمد) لم يحدث أى شىء من هذا, بل على العكس من ذلك, فكَمْ تنازل الحكام العرب الفاتحون لأهالى البلاد المفتوحة عن أموال الجزية, فلم يدفعها إلا القليلون, وكم شُيِّدت الدواوين والأنظمة لتنظيم جمع الخَراج, وتخفيف أموال الجِبايات, إن أصاب البلاد المفتوحة جدب وقحط, وكم رغَّب الإسلام فى إكرام الجيران والضيفان, وإشاعة العدل والإحسان, حتى بين أهل البلاد المفتوحة, وأهل الذمَّة والْمُعاهَدين, والله أعلم.

س90- إن انتصار المسلمين على الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية جاء بعد أن أنهكتهما الحروب, وأصابهما الضعف, فاستغل المسلمون الفرصة, وقضوا عليهما.

ج90- إن الفترة التى انتصر فيها المسلمون على الروم والفرس لم تكن بينهما فيها حروب, فإن آخر حرب بينهما كانت والرسول r ما زال فى مكة, أما أول انتصار للمسلمين على الروم فكان فى موقعة (اليرموك) فى خلافة عمر بن الخطاب t فكانت المدة بينهما حوالى عشرين عاماً أو أكثر, استعادت فيها كل منهما قوتها, وعددها, وعتادها, أما غزوة (مؤتة) فكانت أيام الرسول r وقد سُمِّيَت غزوة, رغم أن الرسول r لم يحضرها, لأنه كان يشاهدها ويصفها وهو فى المدينة, كما لو أنه رآها رأى العين, ولم تتسم هذه الغزوة بالتكافؤ العددى, فقد كان عدد المسلمين ثلاثة آلاف, وكان الروم مائتى ألف, فرجع المسلمون بقيادة خالد بن الوليد t بعدما استشهد من الصحابة y حوالى سبعين, مقابل مائتى قتيل فى صفوف العدو. أما غزوة (تبوك) فلم يحدث فيها أى قتال بين المسلمين والروم, بعدما ذهب إليهم الرسول r ليقاتلهم, لأنهم اعتدوا على من أسلم منهم بالتعذيب والقتل, وأرادوا مهاجمة المسلمين فى المدينة, فذهب إليهم فى ثلاثين ألف مقاتل, إلى أن وصل إلى تبوك, ومكث بها حوالى عشرين يوماً ينتظرهم, ولكنهم لم يأتوا لحربه, فرجع r إلى المدينة. وفى موقعة (اليرموك) كان عدد المسلمين ستين ألفاً, مقابل مائتين وأربعين ألف مقاتل من الروم, معهم القساوسة والبطارقة والمطارنة, يرتلون لهم الأناجيل, ويدقون لهم بالنواقيس, ليثبِّتوهم فى المعركة, ورغم ذلك انتصر عليهم المسلمون بقيادة خالد بن الوليد, الذى ذهب بعد انتصاره عليهم ليساعد سعد بن أبى وقاص – رضى الله عنهما – فى حربه ضد الفرس, فانتصر المسلمون على الفرس والروم فى آن واحد, بفضل من الله ونعمة, وليس بضعف الإمبراطوريتين كما تزعمون. والدليل على أنهما لم يصبهما ضعف, أن البلاد الواقعة تحت حكمهما لم تنفصل عنهما, فقد كانت كل امبراطورية منهما تحكم مجموعة من البلاد والشعوب, ونحن نشاهد فى عصرنا أن الدول العظمى حين تضعف قوتها, يظهر فيها المتمردون والانفصاليون, وكل أهل بلدة يحاولون الوصول إلى حكم أنفسهم (حكماً ذاتياً) كما حدث عندما انهار الاتحاد السوفييتى, فقد تفرقت بعض البلاد الواقعة تحت سيطرته وكوَّنت جمهوريات مستقلة. ولا يخفى على الأريب مصادر القوة الأخرى غير العددية لجيوش الروم والفرس, فإن هناك الاستقرار فى مواقع بلادهم, وقد يقال: (الأرض تلعب مع أصحابها) فهم كانوا أدرى بأحوالها من مياه, وتضاريس, وثغور, وطُرُق, وجسور… إلخ من العرب المنقولين إليهما, بعد المعاناة فى الغزوات, وشظف العيش, وحروب المرتدين, وموت الرسول القائد r ثم لا ننسى التاريخ العسكرى والعلمى والاقتصادى للدولتين, وما كانت تمدهما به المستعمَرات من أمداد وعَتاد, والله أعلم.

س91- أنتم تزعمون أنكم تؤمنون بموسى وعيسى, ثم لا تقبلون أن تزوجوا نساءكم للرجل اليهودى أو النصرانى, فى حين أنكم تسمحون لأنفسكم بالزواج من المرأة اليهودية والمسيحية, كما قال كتابكم: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [المائدة:5] فهل هذا من عدل الإسلام؟

ج91- إن المسلم يؤمن بجميع أنبياء الله ورسله (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فحين يتزوج من اليهودية أو النصرانية, فهو يؤمن برسوليهما, ولن يمنعهما من أداء شعائرهما, لأن بيننا وبين اليهود والنصارى قواسم مشتركة, كالإيمان بالله وملائكته واليوم الآخر, وتحريم الخمر والزنى والسرقة وفعل قوم لوط… إلخ. فحين تطلب منه اليهودية أن تذهب للمعبد يوم السبت – مثلاً – فلن يمنعها, وكذلك حين تطلب منه النصرانية أن تذهب إلى الكنيسة يوم الأحد – أو أى يوم – فلن يمنعها. أما لو تزوجت المرأة المسلمة من الرجل اليهودى أو النصرانى, فالحال مختلف, لأنه لا يؤمن بالإسلام, فربما منعها من أداء عبادتها, فإذا أرادت – مثلاً – أن تصوم رمضان, جعلها تفطر لحاجته إليها, وربما منعها من الصلاة, أو الزكاة, أو الذهاب للحج, بل وربما أجبرها على اتباع دينه. قد يقول قائل: لماذا تحكمون على اليهودى أو النصرانى بأنه سيمنع زوجته من أداء عباداتها, أو يجبرها على دينه؟ أليس من المحتمل أن يكون رجلاً متحضِّراً يؤمن بحرية العقيدة؟ فنقول له: ومن يضمن لنا أنه رجل متحضر يؤمن بحرية العقيدة؟ ولو فرضنا أن بعضهم عنده هذا الفكر, فهل كل اليهود والنصارى على شاكلته؟ ثم إن هناك شيئاً آخر.. وهو أن المرأة ضعيفة الشخصية, وتتأثر كثيراً بزوجها, على عكس الرجل, فإنه لا يتأثر كثيراً بزوجته, وهذا مُشاهد فى واقعنا, لدرجة أن كثيراً من النساء يتكلَّمنَ بطريقة أزواجهنَّ, ويستخدمنَ نفس الأسلوب, ونفس العبارات والتعليقات, لدرجة أنك تقول: سبحان الله! إن فلانة تتكلم مثل زوجها تماماً! فلهذا يُخشَى على المرأة المسلمة أن تتأثر بدين زوجها, وتتبعه وتترك دينها, وإن لم يفرضه عليها. وهناك شىء آخر لا يَقِل أهمية – بل يزيد – وهو أن الأطفال فى الغالب يكونون على دين آبائهم, وليس على دين أمهاتهم, لأنه – كما قلنا من قبل – هم الأقوى شخصية, ونفوذاً وتحكّماً, ونحن لا نرضى لأولاد المسلمات أن يكونوا كفاراً. كما أن جميع القوانين الوضعية فى العالم أجمع تنسب الأبناء إلى الآباء عند تسمِيَتهم, فهل يرضى أحد من المسلمين أن ينتسب للكافرين؟ وبتوضيح آخر: هل يرضى من كان اسمه (محمد) أو (أحمد) أن يُنسَب لبطرس, أو مرقس, أو يوحنا؟

ونقول للسائل: إنكم تعيبون علينا أننا لا نزوج رجالكم لبناتنا, ونتزوج ببناتكم, مع أن هذا يساهم فى حل مشكلة العنوسة عندكم, فى حين أن كتابكم المقدس نهى عن هذا وذاك, وإن شئتَ فاقرأ: وأن لا نعطى بناتنا لشعوب الأرض ولا نأخذ بناتهم لبنينا. (نحميا10: 30), والله أعلم.

س92- تقولون إن الجنة بها أكل وشرب وجماع, وهذا يتنافى مع كمال وجمال القرب من الله فى دار كرامته, لما فيه من كشف العورات, والانشغال بالشهوات, كما أن ذلك يؤدى إلى إخراج الفضلات والقاذورات التى لا تليق بالجنات, إن هذا التمتع الذى تتشدقون به لهو تمتع بهيمى محض, ليس فيه للروح أى نصيب.

ج92- إن الإنسان جسد وروح, وكل منهما له متعته, فمتعة الروح فى القرب من الله سبحانه وتعالى, وذكره, ومناجاته, ومتعة الجسد فى الأكل والشرب والجماع… إلخ. والله سبحانه وتعالى قد أعدّ لأوليائه فى دار كرامته كِلا النوعين من النعيم, وهذا من تمام النعيم وكماله. ومن الأحاديث التى وردت فى المتعة النفسية لأهل الجنة قوله r: ((إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك! والخير فى يديك, فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تُعطِ أحداً من خلقك, فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا ربِّ وأىّ شىء أفضل من ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رضوانى, فلا أسخطُ عليكم بعده أبداً)) [صحيح البخارى]‌ وقوله: ((إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر, لا تضامون فى رؤيته, فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس, وصلاة قبل غروبها, فافعلوا)) [صحيح الجامع:2306]‌ أما الأحاديث التى ذكرت النعيم المادى لأهل الجنة فهى أكثر من أن تحصى, ومنها قوله r: ((فى الجنة خيمة من لؤلؤة مجوَّفة, عرضها ستون ميلاً, فى كل زاوية منها أهل ما يرَون الآخرين, يطوف عليهم المؤمن)) [صحيح الجامع:4243] فالنعيم فى الجنة للروح والجسد معاً, وأعلى نعيم فى الجنة هو النظر إلى وجه الله الكريم. وأريد أن أسألكم.. هل أهل الجنة سيتذكرون الدنيا؟ ستقولون: نعم.. أليس كذلك؟ فما الحال إذن لو أنهم تذكروا متاع الدنيا من الأكل والشرب والجماع؟ إنهم – قطعاً – سيشتاقون إليه, فماذا يكون الحال لو أنهم لم يجدوا مثله فى الجنة؟ إن ذلك ينافى كمال متعتهم, ويكون متاع الجنة ليس مشبعاً لكل رغباتهم, لأنهم سيتحسرون على فوات هذه اللذات, وهذا ينافى قوله تعالى: {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاؤُونَ} [الفرقان:16] ولو كان زعمكم حقاً, لكانت الدنيا أفضل من الجنة, لأن الدنيا جمعت بين المتع البدنية والروحية, أما الجنة فهى للمتعة الروحية فقط. وهذه الأشياء التى تتحدثون عنها قد رَضِيَها الله لأحَبّ خلقِه إليه, وهم الأنبياء والمرسلون – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – أفلا يرضاها لأهل الجنة؟ ولقد حرم الله الرهبانية على المسلم فى الدنيا, أفيرضاها له فى الآخرة؟ ثم من قال لكم إن فى الجنة فضلات تنتج عن الطعام, أو مَنِيّاً يخرج بالجماع؟ قال رسول الله r: ((أول زُمرة تَلِج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر, لا يبصقون فيها, ولا يمتخطون, ولا يتغوَّطون, آنيتهم فيها الذهب, وأمشاطهم من الذهب والفضة, ومجامرهم الألّوة, ورشْحُهم المسك, ولكل واحد منهم زوجتان, يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الْحُسن, لا اختلاف بينهم ولا تباغض, قلوبهم قلب واحد, يسبِّحون الله بُكْرَة وعشيّاً)) [صحيح البخارى]‌ فالنعيم فى الجنة لا يكدره شىء من بول, أو غائط, أو غيره.

ثم إن الذين يعترضون على النعيم الجسدى فى الجنة, جاء فى كتابهم المقدس ما يدل على هذا النعيم, وهذه بعض الأدلة:

طوبى لمن يأكل خبزاً فى ملكوت الله. (لوقا14: 15)

من يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التى فى وسط فردوس الله (رؤيا يوحنا2: 7)

اعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقى للحياة الأبدية الذى يعطيكم ابن الإنسان لأن هذا الله الآب قد ختمه. (يوحنا6: 27)

ولما رأى الجموع صعد إلى الجبل. فلما جلس تقدم إليه تلاميذه. ففتح فاه وعلَّمهم قائلاً. طوبى للمساكين بالروح. لأن لهم ملكوت السموات… طوبى للجياع والعطاش إلى البر. لأنهم يشبعون. (متى5: 1-6)

الحق أقول لكم إنى لا أشرب بعد من نتاج الكَرمَة إلى ذلك اليوم حينما أشربه جديداً فى ملكوت الله. (مرقس14: 25)

وأنا أجعل لكم كما جعل لى أبى ملكوتاً. لتأكلوا وتشربوا على مائدتى فى ملكوتى وتجلسوا على كراسِىَّ تدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر (لوقا22: 29-30)

وأقول لكم إنى من الآن لا أشرب من نتاج الكَرمَة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديداً فى ملكوت أبى. (متى26: 29)

ولما كانت الساعة اتكأ والاثنى عشر رسولاً معه. وقال لهم شهوة اشتهيتُ أن آكل هذا الفِصح معكم قبل أن أتألم. لأنى أقول لكم إنى لا آكل منه بعد حتى يكمل فى ملكوت الله. (لوقا22: 14-16)

وكل من ترك بيوتاً أو إخوة أو أخوات أو أبَاً أو أُمّاً أو امرأة أو أولاداً أو حقولاً من أجل اسمى يأخذ مئة ضعف ويرث الحياة الأبدية. (متى19: 29)

وأقول لكم إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب فى ملكوت السموات. (متى8: 11)

ويأتون من المشارق ومن المغارب ومن الشمال والجنوب ويتكئون فى ملكوت الله. (لوقا13: 29)

بل كما هو مكتوب ما لم ترَ عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بالِ إنسان ما أعده الله للذين يحبونه. (رسالة بولس إلى كورنثوس2: 9)

وقد صَرَّح الكتاب المقدس بأن العذاب يوم القيامة يقع على الجسد, فقال: فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها وألقها عنك. لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يُلقى جسدك كله فى جهنم. وإن كانت يدك اليمنى تعثرك فاقطعها وألقها عنك. لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يُلقى جسدك كله فى جهنم (متى5: 29-30) وقال: وإن أعثرتك يدك فاقطعها. خير لك أن تدخل الحياة أقطع من أن تكون لك يدان وتمضى إلى جهنم إلى النار التى لا تُطفأ. حيث دُودُهم لا يموت والنار لا تُطفأ. (مرقس9: 43-44)

فطالما أن العذاب يقع على الجسد, فيكون المقابل له أن النعيم للجسد أيضاً, والله أعلم.

س93- لماذا تغتسلون من الجنابة؟ ألا يكفى غسل العضو الذى تنجس؟ هَبْ أن معك كيساً ملئ بالتمر, فوقعت منه تمرة فى الطين, هل تغسل كل التمر, أم التى وقعت؟

ج93- إن الأمر بالاغتسال أمر إلَهِى, لا دخل لنا فيه, وما علينا إلا السمع والطاعة لربنا جل وعلا, ولا يعنى اغتسالنا من الجنابة أننا تنجسنا, ولكننا فعلنا ما يوجب الاغتسال, فالمؤمن لا ينجس على أيَّة حال, لعموم قول الرسول r: ((إن المؤمن لا ينجس)) [متفق عليه] والاغتسال من الجنابة والحيض والنفاس مفيد للصحة الجسدية, والنفسية, والعقلية, وفيه تجديد للنشاط والحيوية. وقد جاء الاغتسال من الجنابة فى كتابكم المقدس, ليس هذا فحسب, بل إن الْجُنُب عندكم يصبح نجساً حتى بعد اغتساله: والمرأة التى يضطجع معها رجل اضطجاع زرع يستحمان بماء ويكونان نجسين إلى المساء. (لاويين15: 18)

ونَوَدُّ هنا أن نلقى الضوء على بعض ما جاء فى الكتاب المقدس بشأن الطهارة والنجاسة, ليشكر المسلمين ربهم على تيسير دينهم:

وكلم الرب موسى وهَرُون قائلاً كَلِّما بنى إسرائيل وَقُولا لهم. كل رجل يكون له سَيْل من لحمه فسَيْله نجس. وهذه تكون نجاسته بسَيْله. إن كان لحمه يبصق سَيْله أو يحتبس لحمه عن سَيْله فذلك نجاسته. كل فراش يضطجع عليه الذى له السَّيْل يكون نجساً وكل متاع يجلس عليه يكون نجساً. ومن مس فراشه يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء. ومن جلس على المتاع الذى يجلس عليه ذو السيل يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء. ومن مس لحم ذى السيل يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء. وإن بصق ذو السيل على طاهر يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء. وكل ما يركب عليه ذو السيل يكون نجساً. وكل من مس كل ما كان تحته يكون نجساً إلى المساء ومن حملهن يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء. وكل من مسه ذو السيل ولم يغسل يديه بماء يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء. وإناء الخزف الذى يمسه ذو السيل يُكسَر. وكل إناء خشب يُغسَل بماء. وإذا طهُرَ ذو السيل من سيله يُحسَبُ له سبعة أيام لطهره ويغسل ثيابه ويَرحَض جسده بماء حىّ فيطهر. وفى اليوم الثامن يأخذ لنفسه يمامتين أو فرخى حمام ويأتى إلى أمام الرب إلى باب خيمة الاجتماع ويعطيهما للكاهن. فيعملهما الكاهن الواحد ذبيحة خَطِيَّة والآخر مُحْرَقة ويُكَفِّر عنه الكاهن أمام الرب من سَيْله (لاويين15: 1-15)

هذه هى الشريعة. إذا مات إنسان فى خيمة فكل من دخل الخيمة وكل من كان فى الخيمة يكون نجساً سبعة أيام. وكل إناء مفتوح ليس عليه سداد بعصابة فإنه نجس. وكل من مَسَّ على وجه الصحراء قتيلاً بالسيف أو مَيْتاً أو عظم إنسان أو قبراً يكون نجساً سبعة أيام. فياخذون للنجس من غبار حريق ذبيحة الخطِيَّة ويجعل عليه ماء حيّاً فى إناء. ويأخذ رجلٌ طاهرٌ زوفاً ويغمسها فى الماء وينضحه على الخيمة وعلى جميع الأمتعة وعلى الأنفس الذين كانوا هناك وعلى الذى مَسَّ العظم أو القتيل أو الميت أو القبر. ينضح الطاهر على النجس فى اليوم الثالث واليوم السابع. ويطهره فى اليوم السابع فيغسل ثيابه ويَرحَض بماء فيكون طاهراً فى المساء. وأما الإنسان الذى يتنجس ولا يتطهر فتُبَاد تلك النفس من بين الجماعة لأنه نجَّس مَقدِس الرب. ماء النجاسة لم يُرَش عليه. إنه نجس. فتكون لهم فريضة دهرية. والذى رش ماء النجاسة يغسل ثيابه والذى مس ماء النجاسة يكون نجساً إلى المساء. وكل ما مسه النجس يتنجس والنفس التى تَمَس تكون نجسة إلى المساء (عدد19: 14-22)

نلاحظ فى النَّص الأخير أن الذى يَمَسّ إنساناً مات فى الخيمة يصبح نجساً سبعة أيام, ولابد أن يتطهر, وإن لم يتطهر يُبَاد من بينهم. ولكن بماذا يتطهَّر؟ يتطهَّر بماء مخلوط بغبار من رماد ذبيحة خَطِيَّة, أى أن الإنسان يتطهَّر برَماد حيوان. ليس هذا فحسب, بل إن كل من كان فى الخيمة يتنجَّس بموْت الإنسان, ولابد أن يتطهَّر بالطريقة نفسها, حتى إن الإناء الذى ليس عليه غطاء يتنجس أيضاً. والعجيب أن الذى يَمَسّ ماء النجاسة – الذى جُعِلَ للتطهير – يتنجَّس هو أيضاً, أى أنه ماء يُطَهِّر ويُنَجِّس فى الوقت نفسه!

لقد رأينا كيف أن الذى يَمَسّ ميتاً, أو عَظْمَهُ, أو قتيلاً, أو قبراً يتنجَّس, فى حين أن الذى يمس تَقْدِمَة مصنوعة من الدقيق يتقدَّس, ويتقدس أيضاً إذا مسَّ ذبيحة خَطِيَّة, وها هى الأدلَّة:

وهذه شريعة التَّقْدِمَة. يقدِّمُها بنو هَرُون أمام الرب إلى قُدّام المذبح ويأخذ منها بقبضته بعض دقيق التقدمة وزيتها وكل اللُّبان الذى على التقدمة ويُوقِدُ على المذبح رائحة سرور تِذْكارَها للرب. والباقى منها يأكله هَرُون وبنوه. فطيراً يؤكل فى مكان مقدَّس. فى دار خيمة الاجتماع يأكلونه. لا يُخْبَز خميراً. قد جَعَلْتُه نصيبهم من وقائدى. إنها قُدْس أقداس كذبيحة الخطيَّة وذبيحة الإثم. كل ذكر من بنى هَرُون يأكل منها. فريضة دهرية فى أجيالكم من وقائد الرب. كل من مَسَّها يتقدَّس (لاويين6: 14-18)

وكلَّم الرب موسى قائلاً كلِّم هَرُون وبنيه قائلاً. هذه شريعة ذبيحة الخطيَّة. فى المكان الذى تُذْبَح فيه الْمُحْرَقة تُذْبَح ذبيحة الخطيَّة أمام الرب. إنها قُدْس أقداس. الكاهن الذى يعملها للخطيَّة يأكلها. فى مكان مقدَّس تؤكل فى دار خيمة الاجتماع. كل من مَسَّ لحمها يتقدَّس. (لاويين6: 24-27), والله أعلم.

س94- إن الإسلام يستغل فقر الناس لإغرائهم بالدخول فى الدين, فقد جعل القرآن بنداً من بنود الزكاة للإغراء {وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} [التوبة:60]

ج94- لو كان الإسلام يغرى الناس للدخول فى الإسلام عن طريق المال, لَمَا فرض عليهم الجزية {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] وهل تسَمّون مكارم الأخلاق إغراء؟ إذن فلماذا تقيمون المستشفيات والمبرّات الخيرية والملاجئ, وتساعدون الفقراء فى بلاد المسلمين؟ ولماذا أنشأتم هيئة الصليب الأحمر, وغيرها من الهيئات؟

إن اختصاص بعض الناس بالعطايا ليدخلوا فى الإسلام هُوَ من رحمة الله بهم, كَمَن – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – يرى ابنه مُشْرِفاً على الهلاك, كأن يكون قد جلس على حافة نافذة, يوشك أن يتردَّى منها, أو قَرُبَ من موقد (مثل البوتاجاز) وعليه ماء مغلى, يخشى وقوعه عليه, فلو زجره لانتفض ووقع فى الشارع, أو وقع عليه الماء المغلى, فماذا يفعل ليحافظ على حياته وصحته؟ إنه يدنو منه مبتسماً متحبباً إليه بشيكولاته أو غيرها ليقربه إليه, فالله سبحانه وتعالى أمر رسوله r بإعطاء {الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} رحمة بهم, وليس احتياجاً إليهم, فهو الغنى عن العالمين, قال رسوله r: ((قال الله تعالى: يا عبادى! إنى حرَّمت الظلم على نفسى, وجعلته محرَّماً بينكم, فلا تظالموا, يا عبادى! كلكم ضال إلا من هديته, فاستهدونى أهدكم, يا عبادى! كلكم جائع إلا من أطعمته, فاستطعمونى أطعمكم, يا عبادى! كلكم عار إلا من كسوته, فاستكسونى أكْسُكُم, يا عبادى! إنكم تخطئون بالليل والنهار, وأنا أغفر الذنوب جميعاً, فاستغفرونى أغفر لكم, يا عبادى! إنكم لن تبلغوا ضرى فتضرونى, ولن تبلغوا نفعى فتنفعونى, يا عبادى! لو أن أوَّلكم وآخركم, وإنسكم وجنَّكم, كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم, ما زاد ذلك فى ملكى شيئاً, يا عبادى! لو أن أولكم وآخركم, وإنسكم, وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئاً, يا عبادى! لو أن أولكم وآخركم, وإنسكم وجنكم, قاموا فى صعيد واحد فسألونى, فأعطيت كل إنسان مسألته, ما نقص ذلك مما عندى, إلا كما ينقص المِخْيَط إذا أُدخِلَ البحر, يا عبادى! إنما هى أعمالكم أحصيها لكم, ثم أوفيكم إياها, فمن وجد خيراً فليحمد الله, ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه)) [صحيح الجامع:4345] ومما يؤيِّد قولنا برحمة الله سبحانه وتعالى بعباده, باختصاصهم ببعض العطايا, لكَيْلا يدخلوا ناره, قول رسوله r: ((إنى لأعطى الرجل وغيره أحب إلى منه, خشية أن يَكُبَّه الله فى النار على وجهه)) [صحيح البخارى]

وعلى أيَّة حال فإن إعطاء المال للناس لترغيبهم فى الدين, أهون من مُمالأتهم على باطلهم لاستجلاب وُدّهم, كما جاء ذلك فى الكتاب المقدس على لسان بولس الرسول: فإنى إذ كنتُ حُرّاً من الجميع استعبدتُ نفسى للجميع لأربح الأكثرين. فصِرْتُ لليهود كيهودى لأربح اليهود. وللذين تحت الناموس كأنى تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس. وللذين بلا ناموس كأنى بلا ناموس. مع أنى لستُ بلا ناموس لله بل تحت ناموس للمسيح. لأربح الذين بلا ناموس. صِرْتُ للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء. صِرْتُ للكل كل شىء لأُخَلِّصَ على كل حالٍ قوماً. وهذا أنا أفعله لأجل الإنجيل لأكون شريكاً فيه. (رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس9: 19-23) إن هذا النَّص واضح الدلالة على أن بولس الرسول كان يتعامل مع الناس بأكثر من وجه ليكسب وُدَّهم, بغَضِّ النظر عمّا كان يعتقده, وأنه عمل هذه الأعمال ليكون شريكاً فى الإنجيل, أى أنه أضاف فيه أشياءً من عنده, والله أعلم.

س95- إن الإسلام لم يكتفِ بتفضيل الرجل على المرأة فى الدنيا, بل إنه فضله عليها فى الآخرة, حيث جعل له فى الجنة من الحور العين ما شاء, أما هى فليس لها من المتعة إلا القليل.

ج95- إن المرأة المؤمنة تتنعم بما يتنعم به الرجل فى الجنة من طعام وشراب وغير ذلك, إلا أن له عدة زوجات, أما هى فلها زوج واحد (وهو ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة) وهو زوجها فى الدنيا, إن كان من أهل الجنة, وإن لم يكن لها زوج, أو كان زوجها من أهل النار, فسيزوجها الله رجلاً آخر من أهل الجنة, وإن كانت قد تزوجت فى الدنيا بأكثر من رجل, بعد طلاق أو وفاة أحدهم, فستكون لأحسنهم خُلُقا وديناً, وهذا يتناسب مع الفطرة التى فطر الله الناس عليها, فمن من الرجال يرضى أن يكون لزوجته زوج غيره؟ أمّا المرأة فصحيح أن عندها غَيْرَة, ولكنها أقل بكثير من غَيْرَة الرجل. والجنة ليس فيها أى كَدَر, فهذا القدر اليسير من غيرتها سيُذهِبه الله عنها, ولا تشعر به, كما أنها ستكون مَلِكَة على الحور العين, وسَتُعطَى جمالاً, وعذوبة صوت, ورِقَّة أكثر منهن. وقد ورد أن الحور العين يَقُلن للمؤمنات: نحن الخالدات فلا نبيد, ونحن الناعمات فلا نبأس, ونحن الراضيات فلا نسخط, طوبى لمن كان لنا وكنا له. فترد عليهن المؤمنات ويقلن: نحن المصليات ولم تُصَلِّين, نحن الصائمات ولم تَصُمْن, ونحن الحافظات لكتاب الله ولم تحفظن… إلخ, فيقول الله لهن: (( ليس من خلقته بيدىّ كمن قلت له كن فيكون )).

إن أمر المرأة فى الإسلام – وخصوصاً الجنسى – مبنىّ على التستر, حتى إن السنَّة فى ختان الولد أن يُعلَن عنه, وتُصنَع له وليمة, أمّا الأنثى فيُخفَى خِفاضها (ختانها) ولا تُصنَع لها وليمة, فكذلك متعتها بالرجل فى الآخرة لا تُذكَر صراحة, بل ضِمنيّاً, لأن الجنة وصفها الله سبحانه وتعالى بأن {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} [الزخرف:71] وأن أهل الجنة {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤُونَ} [النحل:31] فما تشاؤه المرأة فى الجنة تجده, إلا أنها لن تشاء أن يكون لها أكثر من زوج, لأنه سيكون فى عينيها أجمل رجل على الإطلاق, ولأن فطرتها لن تتغير, والله أعلم.  ‌ 

س96- يُصِرُّ المسلمون فى سائر بقاع الأرض على تطبيق الشريعة الإسلامية, مع أن هذا سيُحدث فتنة طائفية, لأن فى البلاد الإسلامية أقلِّيات وأعراقاً دينية مختلفة, وهذا يسبب أعمال عنف شديدة بين هذه الفئات, ثم إن هذا التمسك بتطبيق الشريعة يُعَد مُصادَرَة للعقول المستنيرة, بجعلها تابعة, لا مبدعة.

ج96- لقد قال الله سبحانه وتعالى: {قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:84] إن المسلمين يعظمون جميع الأنبياء والمرسلين – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – ولم تحدث فتنة طائفية فى تاريخ تطبيق الشريعة الإسلامية, بل إن غير المسلمين قد وجدوا فى المسلمين من هم أرحم بهم من أهل دينهم (كما ذكرنا ذلك فى أكثر من موضع) فالشريعة الإسلامية لا تجعل للمسلمين حقوقاً دون غيرهم, بل لهم ما لنا, وعليهم ما علينا, فلا تقضى الشريعة – مثلاً – بقطع يد السارق البوذى ومُعافاة السارق المسلم, ولا تقضى برجم أو جلد الزانى اليهودى وترك المسلم, أو أخذ القصاص من النصرانى دون المسلم… وهكذا.  وهذه الحدود كما قال عنها الشيخ الغزالى, رحمه الله: (إن لم يقبلوها شريعة فليقبلوها قانوناً) والمعروف فى سائر دول العالم أن قانون الأغلبية هو الذى يطبق, وشاهد على ذلك ما يحدث فى البلاد الغربية, من تطبيق حكمها على الأقليات المسلمة التى تعيش بها, وهو ما يسمونه بالديمقراطية, وهى أن قانون الأغلبية يسرى على الأقلية, ويتضح هذا فى انتخاباتهم العامَّة والمحليَّة, فرئيس الدولة يُعَيَّن كرئيس لها, ولو بفارق واحد بالمئة على مُنافِسه, صحيح أنه مسموح للأقلية بالإدلاء بأصواتها, ولكن النتيجة النهائية تكون للأغلبية. والإسلام يحافظ على غير المسلم, طالما أنه غير متآمر أو محارب, ولا يفرض عليه الدخول فى الدين, ويحافظ على أماكن عبادته, ولا يتعرض لها بسوء, ويحمى دمه وماله وعرضه كما يحمى المسلمين, فهل يرفض تطبيق الشريعة إلا مُنتكِسو الفطرة؟ وهل يكره قطع يد السارق إلا اللصوص؟ وهل يكره رجم الزانى إلا الزُّناة؟ وهل يكره جلد شارب الخمر إلا السكِّير العربيد؟ وهل يكره القصاص إلا الظلمة المعتدون؟ والأمثلة على عدل الإسلام فى تعامله مع غير المسلمين أكثر من أن تحصى, ومنها تبرئة الرجل اليهودى من تهمة السرقة التى نُسِبَت إليه على عهد الرسول r والتى ورد ذكرها فى الآيات (105-113) من سورة (النساء) ومنها قول الرسول r: ((ألا من ظلم مُعاهَداً, أو انتقصه حقه, أو كلَّفه فوق طاقته, أو أخذ منه شيئاً بغير طِيب نفس منه, فأنا حجيجه يوم القيامة)) [صحيح الجامع:2655] إن من لم يحافظ على الأقليات غير المسلمة يشوِّه سمعة الإسلام, ويصد عن سبيل الله (بشرط ألا يكونوا محاربين, أو مُعينين للمحاربين ضد المسلمين) وقد ذكرنا فى الرد على الشبهة رقم (84) ما حدث بين الشاب القبطى وابن عمرو بن العاص t وحُكْم عمر بن الخطاب t بينهما. ولا يتسع الْمُقام لسرد الأدلة على عدل الإسلام, ولكن هذه إشارات لبعضها, والتاريخ حافل بها, لدرجة أن بعض الشعوب كانت تبعث لوُلاة المسلمين أن يذهبوا لفتح بلادهم, لِمَا  سمعوه عن عدلهم, ومنها ما حدث من الملك (تشارلز) ملك بريطانيا, حين بعث للخليفة (المأمون) الذى كان مقر خلافته فى بغداد, ولكن المأمون حين تلقَّى الرسالة سأل عن بريطانيا, فقالوا له إنها بلاد بعيدة, ولابد أن يقطع المسافر إليها البحر, فخاف على العلماء والدُّعاة والجنود من طول مسافة السفر, وخشى عليهم من الغرق, فتكاسل وتباطأ فى تلبية رغبة الملك, فانظر نتيجة تباطؤ الحكام فى تبليغ الإسلام!, والله أعلم.

س97- نحن نرى أن العِلمانية هى خير طريق, فهى وسط بين الأديان, منعاً للفرقة والاختلاف والطائفية, فنحن نؤمن بالله والرسل, ولكن لابد من التطوير والتحديث لنساير العصر, إذ أنه من غير المعقول أن نأتى فى القرن الحادى والعشرين, ونقول برجم الزانى والزانية, رغم رضا الطرفين, أو نقطع يد السارق, أو نقتل القاتل, فيزداد عدد القتلى, فنحن ننظم الحياة بالطريقة التى نراها, ونساير الحضارة, ولا نعود إلى عصر الجمال والحمير.

ج97- قبل أن نجيب على هذا, لابد أن نعرف ما هى العِلمانية؟ إن العِلمانية هى اتباع العلم ونبذ الدين, أى تحكيم العلم فى جميع شئون الحياة, وجعل الدين قاصراً على دور العبادة والعبادات, مثل الصلاة والصيام والحج, وغير ذلك من العبادات التى لا شأن لها بالسياسة, ولا الاقتصاد, ولا الفنون, ولا أى شىء من شئون الحياة. وقد ظهرت العلمانية فى أوربا, فى عصر النهضة, بعد عام 1516م, بعدما قامت الثورة الفرنسية, وكان شعارها (اشنقوا آخر قسيس بأمعاء آخر نبيل, أو اشنقوا آخر نبيل بأمعاء آخر قسيس) والنبيل معناها عندهم (الغنى أو الإقطاعى) وذلك لأن الكنيسة فى أوربا وقفت حجر عثرة فى طريق التقدم والحضارة, فكانت تحكم على كل جديد بالْحُرْمَة, وأنه من عمل الشيطان, وحاربت العلم والعلماء, لدرجة أنهم أعدموا بعض المكتشفين والمخترعين, مثل (جاليليو) الذى قالوا عنه إنه يريد أن يرى الرب, وكانت فى حالة من التخلف والقذارة, لدرجة أن طارق بن زياد حين فتح الأندلس, ووصل إلى مشارف فرنسا, وجدها لا تعرف الاغتسال, كمثيلاتها من دول أوربا, التى كانت تُسَمَّى ببلاد الهَمَج الهامِج, لدرجة أنهم كانوا يعتبرون الاغتسال عقوبة, وكانت عندهم حمامات يغسلون فيها من يريدون معاقبته, فلما كثر فيهم تقتيل العلماء, وتعذيبهم, ومنعهم من العلم, بفتاوى هؤلاء القسيسين, وتحكَّم فيهم الأغنياء, وأذلوهم, وساموهم سوء العذاب, ثار عليهم دُعاة النهضة والإصلاح, وقتلوا القساوسة والنبلاء, ونادوا بفصل الدين عن الحياة, فهَمَّشوا الكنيسة, وجعلوها قاصرة على العبادات فقط, وليس لها أى دخل فى شئون الحياة, وانطلقوا فى أبحاثهم, وتقدموا فى علومهم التى اقتبسوها من علماء المسلمين فى الأندلس, وأصبح منهجهم – إلى اليوم – أن يؤمنوا بالعلم, ويحكِّموه فى حياتهم, حتى لو خالف ما جاءت به شريعتهم الكَنَسيَّة, وسنُّوا القوانين, وأقاموا نُظُم الحكم على أساس تفكيرهم, بغض النظر عن دينهم ورجاله. أما الإسلام فلم يقف كحجر عثرة فى طريق العلم, ولم يعاقب العلماء, ولم يحرِّم ما يقومون به من أبحاث علمية نافعة كما فعلت الكنائس فى أوربا فى القرون الوسطى, وكذلك فإنه لم يفرق بين الدين والدولة, فليس فيه (اعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله) بل {إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران:154] {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162-163]

ثم كيف نحكم أنفسنا بأنفسنا؟ إننا ضعفاء قاصرو العلم والفكر, ولا نعلم الخير لأنفسنا كما يعلمه ربنا, وكذلك الشر, ونختلف فيما بيننا فى تصوُّر هذا الخير والشر, وكل منا له وجهة نظره التى يعتبرها أفضل من وجهة نظر الآخرين, وهذا لا يجمع شمل الناس على منهج واحد, كما نرى دولاً شيوعية وأخرى رأسمالية, ودولاً اشتراكية وأخرى ديمقراطية, وكل من هؤلاء يظن أن نظامه أفضل من النظم الأخرى. إن صانع الشىء هو الذى يعلم ما يصلحه وما يفسده, وهو الذى يضع له قوانين تشغيله وحمايته (وهو ما يسمى بالكتالوج) فهل تُصلِح سيارتك عند الجزار؟ أو غسالتك عند النجار؟ {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} فالذى خلقنا هو الذى شرع لنا قوانين حمايتنا, وسعادتنا, بما وضعه لنا من منهج لحياتنا {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14] أمّا الحدود – سواء حد القتل, أو السرقة, أو غير ذلك – فقد أجبنا عنها فى مواضعها.. وبالله التوفيق. والواقع أكبر شاهد على انتشار جرائم الزنى, والسرقة, والقتل, فى البلاد التى لا تطبق شرع الله جل وعلا, وكَثُرَ فيها تحايُل الناس على القوانين الوضعية, بتقديم الشهادات الطبية التى تدَّعى أن حالتهم النفسية غير سوية, حتى لا تطبق عليهم العقوبات الوضعية, كعقوبة القتل, أو السرقة, أو غير ذلك.

إن الإسلام عقيدة وعمل, وهذا العمل يشمل العبادات, وجميع شئون الحياة السياسية, والاقتصادية, والثقافية… إلخ. وهل أتى بالشرور والمصائب فى البر والبحر إلا مخالفة الشرع؟ {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم:41] وهل أتى بالأمراض المهلكة, مثل الإيدز, والسَّيَلان, والْجُذام, والزُّهَرى, وغير ذلك من الأمراض والأوبئة, إلا مخالفة الشرع؟ حتى جنون البقر فسببه مخالفة الشرع, لأنهم أطعموه العلف المصنوع مما نَفَقَ وتبقى من الأبقار والحيوانات الأخرى, بعد تجفيفها وطحنها, قال رسول الله r: ((يا معشر المهاجرين! خصال خمس إذا ابتليتم بهن, وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة فى قوم قط حتى يعلنوا بها, إلا فشا فيهم الطاعون, والأوجاع التى لم تكن مضت فى أسلافهم الذين مضوا, ولم يُنقِصوا المكيال والميزان, إلا أُخِذوا بالسِنين, وشدة المؤنة, وجور السلطان عليهم, ولم يمنعوا زكاة أموالهم, إلا مُنعوا القطر من السماء, ولولا البهائم لم يُمْطَروا, ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله, إلا سلَّط الله عليهم عدوهم من غيرهم, فأخذوا بعض ما كان فى أيديهم, وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله عز وجل, ويتحرَّوْا فيما أنزل الله, إلا جعل الله بأسهم بينهم)) [صحيح الجامع:7978]

إن أعلى معدلات الجرائم من سرقة, واغتصاب, وقتل, هى فى الدول التى لا تدين بالإسلام, أو التى لا تحَكِّم شرع الله, حتى إن أمريكا – وهى أكثر الدول تقدماً – بها أعلى نسبة من حوادث السيارات فى العالم, وذلك بسبب الخمر. وليست خطورة الخمر قاصرة على هذه الحوادث, بل إنها السبب فى انتشار الكثير من أمراض الكبد والكُلَى, فلو كان رأيهم عن العلمانية صحيحاً, لكانت هذه الجرائم والأمراض عندهم أقل من البلاد التى تطبق الشريعة (كالسعودية مثلاً) إن تطبيق الشريعة يجعل الإنسان آمناً على نفسه وماله وعِرضه, حافظاً لبدنه وعقله, وذلك بما شرعه الله له من قوانين حمايته مما يضره, وبما شرعه من الحدود الرادعة لمن يتعدى عليه بقتل, أو قطع طريق, أو سرقة, أو اغتصاب, أو غير ذلك. إن من قُطعِت أيديهم بسبب السرقة من عهد الرسول r إلى عهد على بن أبى طالب t ستة أفراد, وكان تطبيق الحدود فى هذه الفترة على أشُدّه, أما الآن – ولغياب تطبيق الحدود – فإن أموال الناس وأقوات الشعوب تُنهَب, دون أى رادع من تقوى أو قانون, وهل يفهم الإنسان تنظيم حياته أكثر من ربه؟ وهل فرض علينا الإسلام أن نركب الجمال أو الحمير بدلاً من السيارات؟ وانظروا على أحوال من تسمونهم متشددين, أو أصوليين, أو متطرفين – أو حتى من تسمونهم إرهابيين – هل حرَّموا على أنفسهم ركوب القطارات, والسيارات, والطائرات؟ وهل حرَّموا استخدام الثلاجات, والتليفونات, والكمبيوترات, والتلكسات… إلخ؟ فلماذا تظنون أن تطبيق الشريعة يعود بالإنسان إلى عصر الحمير والجمال؟ إن هذا العِلمانى الذى سأل هذا السؤال لا يريد التقيُّد بالشرع, حتى لا يحرم نفسه من ملذاتها وشهواتها, فهو يريد أن يطلق العَنان لنفسه, دون النظر لعاقبته, والله أعلم.

س98- إن نبيكم يمسح على ظهر الْخُفّ فى الوضوء, وكذلك أنتم تفعلون, أليس من الأحرى أن تمسحوا على باطن الخف لأنه أقذر؟

ج98- أولاً: إن الدين بالنقل, وليس بالعقل (كما قال على بن أبى طالب t) ولو كان الدين بالعقل, لكان الاغتسال من الغائط أوْلى من الاغتسال من الجنابة. ثانياً: لو فرضنا أن المسح كان أسفل الخف.. فماذا يحدث لو كان الخف مليئاً بالتراب؟ إن هذا التراب سيتحول إلى طين لو مسحنا عليه بالماء, وسيلوِّث المساجد. ولا أقول إن هذه هى الحكمة, ولكنها مجرد فكرة, والله أعلم.

س99- هل الأغنياء الصالحون عندكم أفضل عند الله من الفقراء الصالحين؟ فإن نبيكم حينما اشتكى له الفقراء من مشاركة الأغنياء لهم فى الذكر والطاعة, وتفوقهم بالعِتق والصدقة, قال لهم: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ}

ج99- إن القاعدة المعروفة عند المسلمين هى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13] فالتقوى هى المِعيار الوحيد للتفضيل, فربما تفوق الغنى على الفقير, أو الفقير على الغنى, بناءً على هذه القاعدة, وكلاهما مُبتلَى {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:35] فالغنى مُبتلَى بغناه {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ} [الفجر:15] والفقير مُبتلَى بفقره {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} [الفجر:16] والقاعدة عند العلماء أنه كلما ثَقُلَ مالُك ثقل حسابُك. ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه جعل أبواب الطاعات كثيرة جداً, فمن لا يقدر على بعضها, فبوسعه أن يجتهد فى البعض الآخر, فمن لا يقدر على الصدقة, فأبواب الخير كثيرة أمامه, من صيام وقيام, وبر الوالدين, وصلة الرحم, وإحسان إلى الجار… إلخ. ليس هذا فحسب.. بل إن الفقير الذى يتمنى أن يتصدق ولا يملك, فإن الله سبحانه وتعالى يكتب له أجر المتصدقين, قال رسول الله r: ((ثلاث أقسِمُ عليهن: ما نقص مالُ عبدٍ من صدقة, ولا ظُلِمَ عبد مَظلمة صبر عليها, إلا زاده الله عز وجل عِزّاً, ولا فتح عبد باب مسألة, إلا فتح الله عليه باب فقر, وأحدِّثكم حديثاً فاحفظوه, إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً, فهو يتقى فيه ربه, ويصل فيه رَحِمه, ويعمل لله فيه حقاً, فهذا بأفضل المنازل, وعبد رزقه الله تعالى علماً, ولم يرزقه مالاً, فهو صادق النيَّة, يقول: لو أن لى مالاً لعملتُ بعمل فلان, فهو بنِيَّته, فأجرهما سواء, وعبد رزقه الله مالاً, ولم يرزقه علماً, يخبط فى ماله بغير علم, لا يتقى فيه ربه, ولا يصل فيه رَحِمه, ولا يعمل لله فيه حقاً, فهذا بأخبث المنازل, وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً, فهو يقول: لو أن لى مالاً لعملتُ فيه بعمل فلان, فهو بنِيَّته, فوزرهما سواء)) [صحيح الجامع:3024] وقد اختلف العلماء أيهما أفضل؟ الغنى الشاكر, أم الفقير الصابر؟ فمنهم من رجح الأول, ومنهم من رجح الثانى. والشاكر ليس معناه الذى يقول الحمد لله, ثم يفعل فى ماله ما يشاء, بدون أى ضوابط شرعية, ولكن الشاكر هو الذى يُصَرِّف نعم الله فيما أرضاه, فلا يخرجه غناه عن طاعة مولاه, مع قوله الحمد لله, قال رسول الله r: ((نِعْمَ المال الصالح مع الرجل الصالح)) [صحيح ابن حِبّان] والصابر ليس بالمتسخِّط على قَدَر الله, الذى يشتكى لخلق الله, ولكنه الصابر المحتسب, الذى لا يلجأ للكسب الحرام, مهما كان فيه, ولا يشتكى لغير الله, ولا يذل نفسه لأحد سواه, قال رسول الله r: ((من سأل شيئاً وعنده ما يُغنيه, فإنما يستكثر من جمر جهنم)) قالوا: وما يغنيه؟ قال: ((قدر ما يغدّيه ويعشّيه)) [صحيح الجامع:6280] وقال: ((لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتى الجبل, فيجىء بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها, فيَكُفّ الله بها وجهه, خير له من أن يسأل الناس, أعطوه أو منعوه)) [صحيح الجامع:5041] (هناك تفاصيل فى كتب الفقه عن الحالات التى يجوز فيها السؤال) 

وهل يعيب ديننا أنه يحث على الزكاة والصدقة, فيفتح أبواب الخير للغنى والفقير معاً؟ أما الغنى فسيزيده الله سبحانه وتعالى فى الدنيا {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم:7] وفى الآخرة سيجازيه على طاعته, وامتثال أوامره, وأما الفقير فيسد حاجته فى الدنيا بمعاونة إخوانه, ويجزيه فى الآخرة على صبره خير الجزاء {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10] والزكاة جعلها الله سبحانه وتعالى غير مرهقة للغنى, أى أنها ليست عبئاً عليه, فهى رُبع عُشْر ماله إذا بلغ النصاب, ومرَّ عليه عام كامل (مع اختلافات بسيطة فى بعض أنواع المال) وبذلك يسهل عليه إخراجها, ومن ثَمَّ يثاب عليها, أما عندكم فالزكاة تعجيزية, بمعنى أنها تطالب الغنى بالتصدق بكل ماله, إن كان يريد دخول الجنة, وإن لم يفعل فلن يدخلها, وها هو الدليل من كتابكم المقدس:

بِعْ كل مالك ووزّع على الفقراء فيكون لك كنز فى السماء وتعالَ اتبعنى. (لوقا18: 22) فلما سمع رجل غنى ذلك الكلام من المسيح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – حزن لأنه لا يستطيع التصدق بكل ماله, فلما رأى المسيح حزنه قال: ما أعسر دخول ذَوِى الأموال إلى ملكوت الله. لأن دخول جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غنى إلى ملكوت الله. (لوقا18: 24-25)

أما نبينا r فيقول: ((يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام)) [أخرجه الترمذى وقال حسن صحيح] أى أن الأغنياء لن يُحرموا من دخول الجنة, ولكنهم سيدخلونها بعد الفقراء بخمسمائة عام, وهذا من عدل الله سبحانه وتعالى, لأن الفقراء حُرِموا فى الدنيا, فلابد أن يعوضهم الله يوم القيامة, والله أعلم.

س100- إن الإسلام يتدخل فى حرية الناس الشخصية التى لا تضر أحداً, مثل تحريم الذهب والحرير على الرجال.

ج100- إن تحريم الذهب والحرير على الرجال أمر تعبُّدى, وليس كما يقول البعض إنه منعاً للترف, إذن فلماذا لم يحرم الماس والأحجار الكريمة عليهم؟ فلو كان النهى عنهما منعاً للترف, لكان الأوْلى منع ما هو أكثر منهما ترفاً. والإسلام لم يحرم على الرجال أنواعاً كثيرة من الأقمشة, ربما تفوق الحرير فى ثمنها, ولم يحرم عليهم التزيُّن, بل إن الله أمرهم به فى قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31] ولكن بغير إسراف ولا مَخِيلة, قال رسول الله r: ((كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا فى غير إسراف ولا مخيلة)) [صحيح الجامع:4505] ومعلوم أن المحرَّم على الرجال هو الحرير الطبيعى فقط, وليس الصناعى, وحتى الطبيعى مسموح به فى حالات الإصابة ببعض الأمراض الجلدية, كما سمح بذلك رسول الله r.

والذين يتعجبون من تحريم الذهب والحرير على الرجال, يشجعونهم على (الإخصاء) مع ما فيه من حرمانهم مما أحله الله لهم من النكاح والتناسل اللازم لعمارة الأرض, فيقول العهد الجديد (الإنجيل):

لأنه يوجد خصيان وُلِدوا هكذا من بطون أمهاتهم. ويوجد خصيان خصاهم الناس. ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات. من استطاع أن يقبل فليقبل (متى19: 12)

مع أن هذا يتناقض مع ما جاء فى العهد القديم (التوراة) حيث تقول:

لا يدخل مَخْصِىّ بالرَّض أو مجبوب فى جماعة الرب. (تثنية23: 1), والله أعلم.

س101- إن الإسلام يقف حجر عثرة أمام الإبداع والفنون, خصوصاً السينيما, والمسرح, والأوبرا, والباليه, ويعطل الإبداعات والملكات الذكية عند الموهوبين, خصوصاً فى مجال الفن.

ج101- عجباً لكم أيها القوم, أتسمون الدعارة والفحش والرذيلة فنّاً؟ أىّ فن هذا الذى يسمح للمرأة أن تنام بجوار رجل أجنبى عنها, بدون أدنى حياء, على مرأى ومسمع من الآخرين؟ بل ويفعل معها ما لو ذكرناه لدنَّس هذا الكتاب! إن الذى يرضى عن هذا – ولو برؤيته أو سماعه فقط – فهو آثم, قال رسول الله r: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان)) [صحيح الجامع:6250] هذا فضلاً عن إشاعة الفواحش والرذائل بين الناس, وصرفهم عن دينهم, وتعليمهم فنون السرقة, والإجرام, وغير ذلك مما تأباه الفطرة السليمة. إن هؤلاء الفنانين – كما تقولون – ومن عاونهم على فعلهم, أو أباحَه لهم, ليستحق العقوبة فى الدنيا قبل الآخرة, فمنهم من يستحق الرجم, ومنهم من يستحق الجلد, ومنهم من يُنفَى من الأرض, ومنهم من يُعزَّر.

إن تسميتكم لهذه الأشياء بغير أسمائها, كالذى يشرب الخمر ويقول إنها ليست خمراً, ولكنها بيرة, أو كونياك, أو شامبنيا, أو  مشروبات روحية, أو غير ذلك من الأسماء الكاذبة. إن ما يقال عنه (فن الباليه) مستورد من روسيا الملحدة التى لا تدين بدين, ولا تؤمن برب العالمين, ولا يرضى من عنده أدنى قدر من الرجولة أن يُفعَل مع زوجته, أو ابنته, أو اخته, ما يُفعَل مع هذه الراقصة. ونحن نتعجب.. لماذا لا يُطلَق لقب (فنان) على الطبيب الحاذق, أو المهندس البارع, أو الصانع الماهر؟ لماذا يكون لقب (الفن) قاصراً على الهابطين والهابطات؟ حتى إنه قد وصل الأمر إلى أناس يسبُّون الله ورسله – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – ويستهزئون بالله واليوم الآخر, ثم يقال عنهم إنهم مفكِّرون وأدباء ومُبدعون, ويُكرَّمون, ويُعطَوْن أعلى الجوائز, كجائزة (نُوبِل) فهل الكفر, والإجرام, والوقاحة, إبداع؟ إن هذا قلب للموازين, ووضع للأمور فى غير موضعها, قال رسول الله r: ((سيأتى على الناس سنوات خدّاعات, يُصَدَّق فيها الكاذب, ويُكذَّب فيها الصادق, ويُؤتمن فيها الخائن, ويُخوَّن فيها الأمين, وينطق فيها الرُّوَيْبِضَة, قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافِه يتكلم فى أمر العامَّة)) [صحيح الجامع:3650]

ونحن نظن أن السائل استباح الرقص والغناء والمزامير, لأن كتابه المقدس اعتبر بعض هذه الأشياء من العبادة, حيث يقول:

مُكَلِّمين بعضكم بعضاً بمزامير وتسابيح وأغانى روحية مترنِّمين ومرتلين فى قلوبكم للرب. (رسالة بولس إلى أفسس5: 19)

غنُّوا للرب أغنية جديدة (إشعياء42: 10)

فأخذت مريم النبيَّة أخت هَرُون الدُّف بيدها. وخرجت جميع النساء وراءها بدفوف ورقص. وأجابتهم مريم. رنِّمُوا للرب فإنه قد تَعَظَّم. (خروج15: 20-21)

اسمعوا كلمة الرب أيها الأمم وأخبروا فى الجزائر البعيدة وقولوا مُبَدِّد إسرائيل يجمعه ويحرسه كَرَاعٍ قطيعَهُ. لأن الرب فَدَى يعقوب وفكَّه من يد الذى هو أقوى منه. فيأتون ويرنِّمون فى مُرتفع صهيون ويَجرُون إلى جود الرب على الحِنطة وعلى الخمر وعلى الزيت وعلى أبناء الغنم والبقر. وتكون نفسهم كجنَّة رَيّا ولا يعودون يذوبون بعدُ. حينئذ تفرح العذراء بالرقص والشبان والشيوخ معاً وأحَوِّل نوْحهم إلى طرب وأعزِّيهم وأفرِّحهم من حزنهم. وأروى نفس الكهنة من الدَّسَم ويشبع شعبى من جُودى يقول الرب (إرميا31: 10-14) (نلاحظ رقص الرجال والنساء مع بعضهم)

فأُخبِرَ الملك داود وقيل له قد بارك الرب بيت عوبيد أدوم وكل ما له بسبب تابوت الله. فذهب داود وأصعد تابوت الله من بيت عوبيد أدوم إلى مدينة داود بفرَح. وكان كُلَّما خطا حاملوا تابوت الرب سِتَّ خطوات يذبح ثوراً وعجلاً معلوفاً. وكان داود يرقص بكل قوته أمام الرب. وكان داود متنطقاً بأفود من كتان. فأصعد داود وجميع بيت إسرائيل تابوت الرب بالهتاف وبصوت البوق… فأدخلوا تابوت الرب وأوقفوه فى مكانه فى وسط الخيمة التى نصبها له داود وأصعد داود مُحْرَقات أمام الرب وذبائح سلامة. ولما انتهى داود من إصعاد المحرقات وذبائح السلامة بارك الشعب باسم رب الجنود. وقسم على جميع الشعب على كل جمهور إسرائيل رجالاً ونساء على كل واحد رغيف خبز وكأس خمر وقرص زبيب… فقال داود لميكال إنما أمام الرب الذى اختارنى دون أبيكِ ودون كل بيته ليقيمنى رئيساً على شعب الرب إسرائيل. فلَعِبْتُ أمام الرب. (صموئيل الثانى6: 12-21) هل هذا يُعقَل؟ نبى يرقص ويوزع الخمر ويلعب؟ وأمام مَن يلعب؟ يلعب أمام الرب؟ وهل الله سبحانه وتعالى يرضى عن هذا اللعب؟ سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً, والله أعلم.

س102- لماذا يقول القرآن: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} [النساء:34] ولماذا يقول نبيكم: ((لن يفلح قوم وَلَّوْا أمرهم امرأة)) [صحيح الجامع:5225] أليس هذا تفضيلاً للرجل على المرأة؟

ج102- لقد ورد قدر كبير من الرد على هذه الشبهة فى الرد على الشبهة رقم (71) وهو مختصر فى كون الرجال أرجح عقلاً, وأصوب رأياً, وأقوى جسداً, وأكثر تحمُّلاً, وأضبط لعواطفهم من النساء. وقوامة الذكر على الأنثى أمر فطرى, حتى فى المملكة الحيوانية, ولو أننا قمنا بعمل استطلاع للآراء, لوجدنا أن معظم النساء يفضِّلن قوامة الرجل عليهن, حتى فى الدول البوذية التى لا تدين بدين, ولا تؤمن برب العالمين. فالزوجة اليابانية – على سبيل المثال – مشهورة بأنها أفضل الزوجات, وذلك لحسن تبعُّلِها, وطاعتها لزوجها, وقد ملَّت النساء الأوربيات من تحملهن للمسئولية كالرجال, واشتقنَ للعودة لبيوتهن, وتربية أطفالهن, كما دلَّت على ذلك نتائج استطلاع آراء النساء فى تلك البلاد, والنساء أنفسهن يحتقرن الرجل الذى يخضع لامرأته, ويَصِفْنَه بعدم الرجولة.

وقد أوردنا فى الرد على الشبهة (71) بعض الأدلة من الكتاب المقدس على تفضيل الرجل على المرأة, وأنها لابد أن تخضع له, ولا يخضع لها, بل لابد أن تتعلم منه, ولا يتعلم منها, ونضيف هاهنا:

أيها النساء اخضعنَ لرجالكن كما للرب. لأن الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح أيضاً رأس الكنيسة. وهو مخلِّص الجسد. ولكن كما تخضع الكنيسة للمسيح كذلك النساء لرجالهن فى كل شىء. (الرسالة إلى أفسس5: 22-24)

فإنه هكذا كانت قديماً النساء القدِّيسات أيضاً المتوكلات على الله يُزيِّنَّ أنفسهن خاضعات لرجالهن كما كانت سارة تطيع إبراهيم داعِيَة إياه سيدها. (رسالة بطرس الأولى3: 5-6)

فإن الرجل لا ينبغى أن يغطى رأسه لكونه صورة الله ومجده. وأما المرأة فهى مجد الرجل. لأن الرجل ليس من المرأة بل المرأة من الرجل. ولأن الرجل لم يُخلَق من أجل المرأة بل المرأة من أجل الرجل (رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس11: 7-9)

ولكن لستُ آَذَن للمرأة أن تُعَلِّم ولا تتسلط على الرجل بل تكون فى سكوت. (الرسالة الأولى إلى تيموثاوس2: 12) ولذلك فإن اليهود لا يسمحون للمرأة أن تكون من الأحبار, أو الحاخامات, ولا يسمح النصارى لها أن تكون شماسة, أو قسيسة, أو مُطرانة… إلخ, ثم يطالبوننا بأن نسمح لها بالولاية العامة!

إن قوامة الرجل على المرأة لا تعنى أنه يقهرها, أو يذلّها, أو لا يعطيها حقها, بل تعنى تحمُّله للمسئولية أكثر منها, قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً{19} وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً{20} وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [النساء:19-21] {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة:187] {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ} [البقرة:231] {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:21] {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة:228] وهذه الدرجة التى للرجال على النساء هى درجة القوامة, وقد توعَّد رسول الله r من يظلمهن بقوله: ((إنى أُحَرِّج عليكم حق الضعيفين: اليتيم والمرأة)) [صحيح الجامع:2447]‌ وكان يوصى بهن فى قوله: ((استوصوا بالنساء خيراً, فإن المرأة خُلِقت من ضِلَع, وإن أعوج شىء فى الضلع أعلاه, فإن ذهبتَ تُقِيمُه كسرتَه, وإن تركتَه لم يزل أعوج, فاستوصوا بالنساء خيراً)) [صحيح الجامع:960]‌ ((ليس أحد من أمتى يعول ثلاث بنات, أو ثلاث أخوات, فيحسن إليهن, إلا كُنَّ له سِتراً من النار )) [شُعَب الإيمان للبيهقى, صحيح الجامع:5372] ((من ابتُلِىَ من هذه البنات بشىء, فأحسن إليهن, كُنَّ له سِتراً من النار)) [صحيح الجامع:5932] ((حق المرأة على الزوج أن يطعمها إذا طعم, ويكسوها إذا اكتسى, ولا يضرب الوجه, ولا يُقبِّح, ولا يهجر إلا فى البيت)) [صحيح الجامع:3149] ((ولا يُقبِّح)) أى لا يسب, ولا يشتم, ولا يفعل أفعالاً تؤذيها, أو تهينها, ((لا يَفرَك مؤمن مؤمنة, إن كره منها خُلُقاً رضى منها آخر)) [صحيح مسلم] ((يَفرَك)) أى يبغض, وكان r يحسن معاشرة زوجاته – رضى الله عنهن وأرضاهن – ولما سُئِلَت عنه السيدة عائشة قالت: ((كان يخيط ثوبه, ويخصف نعله, ويفعل ما يفعله الرجال فى بيوتهم)) [صحيح الجامع:4937] وكان r يقول: ((خيركم خيركم لأهله, وأنا خيركم لأهلى)) [سنن الترمذى وابن ماجه, صحيح الجامع:3314]‌ وكان عبد الله بن عباس – رضى الله عنهما – يقول: (إنى لأتزيَّن لامرأتى كما أُحِبُّ أن تتزيَّن لى) ولكن بالرغم من أن للمرأة مثل الذى عليها, إلا أنه لابد للأسرة من قائد, حتى تنضبط أحوالها, ويستقيم أمرها, وإلا- لانفرد كل فرد فيها برأيه وتصرفاته, ولتمزق شملها, ولم يستقر أمرها, والمثل الشعبى يقول: (المركب التى لها رئيسان تغرق) فكما أن الدولة لابد لها من رئيس واحد, فلابد للأسرة من رئيس واحد, وكما أنه لا ينبغى للحاكم أن يستبد برأيه دون استشارة شعبه, فلا ينبغى للرجل أن يستبد برأيه دونها, بل يستشيرها كما استشار رسول الله r السيدة أم سلمة – رضى الله عنها – فى أمر أصحابه y حينما تباطأوا فى حلق رءوسهم, ونحر هديهم, من شدة حزنهم على عدم دخولهم الحرم عام صلح الحديبية.

أما الحديث الوارد فى السؤال بشأن تولى المرأة لأمر الدولة.. فما قلناه عن قوامة الرجل عليها, نقوله على توليها الحكم, فإذا كانت لا تصلح للقوامة على زوجها, فكيف تصلح للقوامة على بلدها؟ ولا أدَلّ على عدم صلاحيتها للحكم من واقع العالم اليوم, فلو نظرنا إلى أشد الدول مُطالَبة لحقوق المرأة, ومشاركتها فى الحكم, لوجدنا أن عدد النساء الحاكمات – أو المشتركات فى الحكم – قليل جداً بالنسبة للرجال, وعلى سبيل المثال: البيت الأبيض الأمريكى, الكونجرس ومجلس الشيوخ الأمريكى, مجلس الأمن, الأمم المتحدة, الكنيسيت الإسرائيلى, مجلس الدوما الروسى, محكمة العدل الدولية فى لاهاى, البرلمانات ومقارّ الحكم فى انجلترا, وفرنسا, وألمانيا, وأسبانيا, وإيطاليا… إلخ.

ونقول للعالم أجمع, ولمن يثير الشبهات حول حقوق المرأة فى الإسلام: والله ثم والله ثم والله.. إن الذى ظلم المرأة فى الدول الإسلامية ليس الإسلام, ولكنه الرجل الذى لم يمتثل لأمر ربه جل وعلا, ولا لأمر نبيه r فى تكريم المرأة, فأعطى بذلك صورة مشوَّهة عن دينه, والإسلام برىء منها, فالمرأة فى الإسلام هى الأم, والأخت, والزوجة, والبنت, والخالة, والعمَّة, وهى نصف المجتمع, وأُمّ للنصف الآخر, فكيف لا نكرمها؟, والله أعلم.

س103- نحن نرى أن رمضان يتسبب فى قلة الإنتاج, نظراً لجوع الناس وعطشهم, فترى الموظفين فى المصالح الحكومية نائمين على المكاتب, والعمّال متكاسلين, وإذا سألتهم اعتذروا بقولهم: إنه رمضان.

ج103- إن هذه التهمة قديمة من بداية حكم العِلمانيين لبعض البلاد الإسلامية, وهم السبب فى ذلك, لأنهم يقومون أثناء شهر رمضان بعرض مئات الفوازير, والأفلام, والتمثيليات, والمسرحيات, والحفلات, ومباريات كرة القدم, ويُحشد التلفاز – على غير العادة – بكل هذه السهرات الفاسدة إلى أذان الفجر وبعده, والشباب يلعبون كرة القدم فى الشوارع ليلاً, والرجال والنساء يسهرون على المقاهى فى الأحياء الشعبية, وتقام الأُمْسيات الشِّعرية, والصالونات الأدبية, وكأنه شهر السهر والمجون, وليس شهر العبادة, فمن الطبيعى أن يذهب الناس إلى أعمالهم فى حالة من الإعياء الشديد, حتى أن طلبة المدارس والجامعات لا يستطيعون استيعاب دروسهم. فأجهزة الإعلام بدلاً من أن تعلم الناس دينهم, وتقربهم إلى ربهم, فى هذا الشهر الكريم, حولته إلى لعب ولهو, وغير ذلك مما لا يرضى الله سبحانه وتعالى, ثم بعد هذه الحيَل الماكرة, والسهرات الطويلة المرهقة, يُتَّهم شهر رمضان بأنه يتعب الناس, ويعطل الإنتاج, فى حين أنه شهر البركة, وشهر الانتصارات, والفتوحات الإسلامية. ولو أن المسلمين صلوا العشاء والتراويح, ورجعوا إلى بيوتهم ليناموا مبكِّرين, ثم استيقظوا قبل الفجر بساعة, ليتسحروا ويصلوا الفجر فى جماعة, ثم ناموا مرة أخرى قبل العمل, لَمَا حدث ما تتحدث عنه من تكاسل العمال, ونوم الموظفين على المكاتب, ولو أنهم أخروا السحور كما أمرهم نبيهم, لكان سبباً فى عدم إحساسهم بالجوع والعطش الذى تتحدث عنه, ولكان سبباً فى نشاطهم, قال r: ((لا تزال أمتى بخير ما عجَّلوا الإفطار, وأخَّروا السحور)) [مُسنَد أحمد] ومما زاد الطين بِلَّة ظهور هذه الفضائيات الخبيثة – إلا قليلاً منها – وما يُبَث فيها من برامج تافهة, وأخرى فاسدة مفسدة, جعلت الناس لا يسهرون على معصية الله فى رمضان وحده, بل فى السنة كلها. ونحن نتحدى أى دولة فى العالم, أن يسهر أهلها لوقت الفجر لمدة شهر كامل, ثم يستطيعوا أن يُنتجوا, أو يذهبوا لأعمالهم بنشاط, حتى ولو كانوا غير صائمين, والله أعلم.

س104-  إن الإسلام لا يعطى المرأة حقها فى اختيار زوجها, ولكن وليها هو الذى يتولى تزويجها, فيقول نبيكم: ((لا نكاح إلا بوَلِىّ)) [صحيح الجامع:7555] ويقول: ((أيما امرأة نُكِحَت بغير إذن وليّها, فنكاحها باطل, فنكاحها باطل, فنكاحها باطل)) [صحيح الجامع.:2709]

ج104- إن الإسلام لا يبيح لولى المرأة أن يفرض عليها زوجاً معيناً, ولكنه فى الوقت نفسه لا يطلق لها العنان لتختار من شاءت, ولو كان غير صالح لها, فالمرأة عاطفية بطبعها, وغالباً ما يتحكم فيها قلبها دون عقلها, وتستميلها المظاهر الخادعة, والكلمات العذبة, والوعود الكاذبة, وربما تتمنى الزواج بمن لا دين له ولا خُلُق, بل لمجرد جماله, أو ماله, أو منصبه, أما وليها فهو أدرى بمصلحتها, وبمن يصونها ولا يهينها. ولكن الإسلام لا يطلق الحبل على الغارب لأولياء الأمور ليتحكموا فيمن يتولونهم من النساء – سواء بناتهم, أو أخواتهم, أو من هن تحت ولايتهم – فلا يبيح للولى أن يزوجها من تارك الصلاة, أو شارب الخمر, أو سبّاب الدين… إلخ, ولا يحل له أن يزوجها ممن لا رغبة لها فيه, ليتحقق له بهذا الزواج مصلحة شخصية, أو منفعة دنيوية, ومن حقها أن ترفض من يريد أن يجبرها على الزواج منه, ولا يحل له أن يحجزها عنده, ويتركها للعنوسة, ليستفيد من مالها, إن كان لها دَخْل خاص بها, ولا يحل له أن يمنعها من الزواج من الكُفء إذا تقدم لخطبتها, قال تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور:32] وقال رسوله r: ((إذا أتاكم من ترضون خُلُقه ودينه فزوجوه, إلا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد عريض)) [صحيح الجامع:270]‌ وإذا منعها من الزواج ممن تقدم لخطبتها, وكان كُفؤاً لها, فتسقط ولايته عليها, وتنتقل لمن بعده من أقربائها, وإن لم يكن لها وَلِىّ, فوَلِىّ الأمر وليّها, أو من يحل محله كالقاضى.  

إن الإسلام – كما قلنا – لا يفرض على المرأة زوجاً معيناً, أما الكتاب المقدس فيفرض الزواج فى بعض الأحيان على الرجل والمرأة معاً, وذلك فى حالة المرأة التى مات عنها زوجها ولم ينجب منها, وكان لهذا الميت أخ حَى, فيجبره الكتاب المقدس أن يتزوج من امرأة أخيه, حتى تنجب منه, فيحيى ذكر أخيه, أى أن الولد فى هذه الحالة يُنسَب لعمِّه الْمُتَوَفَّى ولا يُنسَب لأبيه, وإن مات هو الآخر ولم تنجب منه, فتتزوج بأخيه, ثم أخيه…وهكذا, وإليكم الدليل:

إذا سكن إخوة معاً ومات واحد منهم وليس له ابن فلا تَصِر امرأة الميت إلى خارج لرجل أجنبى. أخو زوجها يدخل عليها ويتخذها لنفسه زوجة ويقوم لها بواجب أخى الزوج. والبكر الذى تلده يقوم باسم أخيه الميت لئلا يُمحَى اسمه من إسرائيل وإن لم يرضى الرجل أن يأخذ امرأة أخيه تصعد امرأة أخيه إلى الباب إلى الشيوخ وتقول قد أبَى أخو زوجى أن يقيم لأخيه اسماً فى إسرائيل. لم يشأ أن يقوم لى بواجب أخى الزوج. فيدعوه شيوخ مدينته ويتكلمون معه فإن أصَرَّ وقال لا أرضى أن أتخذها تتقدم امرأة أخيه إليه أمام أعين الشيوخ وتخلع نعله من رجله وتبصق فى وجهه وتصرِّح وتقول هكذا يُفعَل بالرجل الذى لا يبنى بيت أخيه. فيُدْعَى اسمه فى إسرائيل بيت مخلوع النعل (تثنية25: 5-10)

فى ذلك اليوم جاء إليه صدوقيون الذين يقولون ليس قيامة فسألوه قائلين يا معلم قال موسى إن مات أحد وليس له أولاد يتزوج أخوه بامرأته ويقيم نسلاً لأخيه. فكان عندنا سبعة إخوة وتزوج الأول ومات. وإذ لم يكن له نسل ترك امرأته لأخيه. وكذلك الثانى والثالث إلى السبعة. وآخر الكل ماتت المرأة أيضاً. ففى القيامة لمن من السبعة تكون زوجة. فإنها كانت للجميع. (متى22: 23-28), والله أعلم.

س105- يقول نبيكم: ((أفضلُ الحجّ العَجّ والثَّجّ)) [صحيح الجامع:1101] و((العَجّ)) هو رفع الصوت بالتلبية, و((الثَّجّ)) هو إراقة دماء الهدْى, وتقولون إن الله يحب إراقة دماء الأضاحى فى العيد, فماذا يستفيد الله من إراقة هذه الدماء؟

ج105- إن الله سبحانه وتعالى لا يستفيد من هذه الدماء, ولا من غيرها, فهو الغنى عن العالمين, والكل فقير ومحتاج إليه, قال تعالى: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} [الحج:37] ولكن هذا تعظيم لشعائره سبحانه وتعالى {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32] والمستفيد الأول والأخير من هذه الذبائح كلها هو الإنسان, وكَوْن الله يحبها يجعل المسلمين يسارعون فى امتثال أمره بذبحها, ويقدمونها عن طيب نفس لعلمهم بثوابها, فيَعُم بذلك نفعها. وقد جاء فى الكتاب المقدس ما هو أشد مما تعجب منه السائل, فقد جاء فيه رش دم الذبيحة على الأبنيَة والناس, وجاء فيه أن رائحة شواء اللحم هى رائحة سرور للرب سبحانه وتعالى, وإليكم بعضاً مما جاء فيه, لأننا لا نستطيع أن نذكره كله لكثرته:

فجاء موسى وحدَّث الشعب بجميع أقوال الرب وجميع الأحكام. فأجاب جميع الشعب بصوت واحد وقالوا كل الأقوال التى تكلم بها الرب نفعل. فكتب موسى جميع أقوال الرب. وبكَّر فى الصباح وبنى مذبحاً فى أسفل الجبل واثنى عشر عموداً لأسباط إسرائيل الاثنى عشر. وأرسل فتيان بنى إسرائيل فأصعدوا مُحْرَقات وذبحوا ذبائح سلامة للرب من الثيران. فأخذ موسى نصف الدم ووضعه فى الطسوس. ونصف الدم رشه على المذبح. وأخذ كتاب العهد وقرأ فى مسامع الشعب. فقالوا كل ما تكلم به الرب نفعل ونسمع له. وأخذ موسى الدم ورش على الشعب وقال هُوَذا دم العهد الذى قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال (خروج24: 3-8)

وتأخذ الكبش الثانى. فيضع هَرُون وبنوه أيديهم على رأس الكبش. فتذبح الكبش وتأخذ من دمه وتجعل على شحمة أُذُن هَرُون وعلى شحم آذان بنيه اليمنى وعلى أباهم أيديهم اليمنى وعلى أباهم أرجلهم اليمنى. وترش الدم على المذبح من كل ناحية. وتأخذ من الدم الذى على المذبح ومن دهن المسحة وتنضح على هَرُون وثيابه وعلى بنيه وثياب بنيه معه. فيتقدس هو وثيابه وبنوه وثياب بنيه معه. ثم تأخذ من الكبش الشحم والإليَة والشحم الذى يغشى الجوف وزيادة الكبد والكليتين والشحم الذى عليهما والساق اليمنى. فإنه كبش مِلء. ورغيفاً واحداً من الخبز وقرصاً واحداً من الخبر بزيت ورُقاقة واحدة من سلَّة الفطير التى أمام الرب. وتضع الجميع فى يدى هَرُون وفى أيدى بنِيه وترددها ترديداً أمام الرب. ثم تأخذها من أيديهم وتوقدها على المذبح فوق المحرقة رائحة سرور أمام الرب. وقود هو للرب (خروج29: 19-25)

وكلم الرب موسى وهَرُون قائلاً هذه فريضة الشريعة التى أمر بها الرب قائلاً. كلِّم بنى إسرائيل أن يأخذوا إليك بقرة حمراء صحيحة لا عيب فيها ولم يَعلُ عليها نِير فتعطونها لألعازار الكاهن فتخرج إلى خارج الْمَحَلَّة وتذبح قُدّامَه. ويأخذ ألعازار الكاهن من دمها بأصبعه وينضح من دمها إلى جهة وجه خيمة الاجتماع سبع مرات. وتُحرَق البقرة أمام عينيه. يُحرَق جلدها ولحمها ودمها مع فرثها. ويأخذ الكاهن خشب أرْز وزوفاً وقِرمزاً ويطرحهن فى وسط حريق البقرة. ثم يغسل الكاهن ثيابه ويَرحَض جسده بماء وبعد ذلك يدخل الْمَحلَّة ويكون الكاهن نجساً إلى المساء. والذى أحرقها يغسل ثيابه بماء ويرحض جسده بماء ويكون نجساً إلى المساء. ويجمع رجل طاهر رماد البقرة ويضعه خارج المحلَّة فى مكان طاهر فتكون لجماعة بنى إسرائيل فى حفظ ماء نجاسة. إنها ذبيحة خَطِيِّة. والذى جمع رماد البقرة يغسل ثيابه ويكون نجساً إلى المساء. فتكون لبنى إسرائيل وللغريب النازل فى وسطهم فريضة دهريَّة (عدد19: 1-10)

لكن بِكْر البقر أو بِكْر الضأن أو بِكْر المعز لا تقبل فداءه. إنه قُدس. بل ترش دمه على المذبح وتوقد شحمه وقوداً رائحة سرور للرب. (عدد18: 17)

وعُشراً واحداً من دقيق ملتوت بزيت تَقْدِمَة لكل خروف. مُحْرَقة رائحة سرور وقوداً للرب. (عدد28: 13)

برائحة سروركم أرضى عنكم (حزقيال20: 41) وقد وردت عبارة (رائحة سرور للرب) كثيراً جداً فى الكتاب المقدس, وخصوصاً فى سِفْر اللاويين, الإصحاح الأول والثانى, والله أعلم.

س106- إن القرآن يحل مشكلة الخيانة الزوجية بمجرد القسم, وتنتهى المسألة, فيقول: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ{8} وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [النور:8-9]

ج106- ماذا تريدون أن نفعله مع من اتهمها زوجها بالزنى؟ هل تريدون أن يفضحها, فيأتى بثلاث رجال معه ليشهدوا عليها, فيزيد الطين بِلَّة؟ أم تريدون أن نقيم عليها الحد بمجرد شهادته, وقد يكون كاذباً؟ إن الإسلام يفرق بينهما بعد هذه الملاعَنة, وَيَكِل أمرهما إلى الله سبحانه وتعالى, وهو الذى يحاسبهما. ولقد جاء فى كتابكم المقدس أن الذى يرمى زوجته بالزنى, يأتى بها إلى الكاهن, فتكشف رأسها أمامه, ويسقيها ماء اللعنة (وهو ماء مخلوط بتراب) فإن كانت مخطئة, تتورم بطنها, ويصاب فخذها بالشلل, وتصبح ملعونة بين شعبها, وهذا ملخص ما جاء بهذا الشأن:

وكلَّم الرب موسى قائلاً كلِّم بنى إسرائيل وقل لهم إذا زاغت امرأة رجل وخانته خيانة… يأتى الرجل بامرأته إلى الكاهن ويأتى بقربانها معها عُشر الإيفة من طحين شعير لا يَصُبُّ عليه زيتاً… فيقدمها الكاهن ويوقفها أمام الرب ويأخذ الكاهن ماءً مقدَّساً فى إناء خزف ويأخذ الكاهن من الغبار الذى فى أرض المسكن ويجعل فى الماء… ويكشف رأس المرأة… ويقول الكاهن للمرأة يجعلكِ الرب لعنة وحلفاً بين شعبكِ بأن يجعل الرب فخذكِ ساقطة وبطنكِ وارماً. ويدخل ماء اللعنة هذا فى أحشائكِ لورم البطن ولإسقاط الفخذ. فتقول المرأة آمين آمين. ويكتب الكاهن هذه اللعنات فى الكتاب ثم يمحوها فى الماء الْمُر ويسقى المرأة ماء اللعنة الْمُر فيدخل فيها ماء اللعنة للمرارة… ومتى سقاها الماء فإن كانت قد تنجست وخانت رَجُلها يدخل فيها ماء اللعنة للمرارة فيَرِم بطنها وتسقط فخذها فتصير المرأة لعنة فى وسط شعبها. وإن لم تكن المرأة قد تنجست بل كانت طاهرة تتبرأ وتحبل بزرع (عدد5: 11-28) إذا كان ماء اللعنة يفرق بين الخائنة لزوجها والبريئة, فهيّا ائتونا بالكهنة, ليحلوا مشاكل الخيانة الزوجية فى العالم, ويوفروا على معامل الأبحاث تحليلات الدى إن إيه (DNA) الباهظة الثمن, والتى تحتاج لتقنيات, ومهارات عالية, لتثبت نسب الولد لأبيه من عدمه, والله أعلم.

س107- هناك خلل فى بعض حالات الميراث, كما نراه فى مسائل العُول. ومثاله: ماتت امرأة وتركت زوجاً, وأختاً شقيقة, وأُمّاً, فلو قلنا: للزوج النصف, لعدم وجود الفرع الوارث, لبقى فى التركة النصف، فلو أعطيناه للأخت, لم يبقَ للأم شىء، ويضاف لذلك سدس الأم, فتعُول المسألة.. يعنى أن المستحق أكثر من أصل التركة, فكيف تزيد السهام عن أصل التركة؟

ج107- أولاً: لقد جاء الميراث فى الإسلام بعد أن كان المال كله يذهب للقوىّ من ورثة الميت, الذى يستطيع أن يحمى الأسرة, ويركب الدابة من بعده، وليس للفقراء, ولا للإناث فيه من نصيب, بل كانوا يُورَثون كما يورث المتاع، فجاء الإسلام بالميراث على هذا النحو ليقطع النزاع, وليعطى كل ذى حق حقه، فميَّز الذكر عن الأنثى, لما يلزمه ولا يلزم الأنثى, من الجهاد, والنفقة, وغير ذلك.

ثانياً: الأحكام تُبنى على الغالب الأعَم, وليس للشاذ حكم الغَلَبة, بمعنى أن غالب المسائل ليس فيها عُول, بدليل أن هذه المسألة لم تحدث فى زمان النبى r ولا فى زمان أبى بكر t  وهذا يؤكد أنه أمر نادر، وفى غالب الأحوال يكون الميراث على قدر المسألة.

ثالثاً: كان أول ظهور العُول فى زمان عمر بن الخطاب t فجمع الصحابة y واستشارهم فيه, فاتفقوا على أن ينقص قدر من نصيب كل واحد, حتى لا يُحرَم أحد، ونحن لا ننكره, بل نعمل به, لأن إجماع الصحابة عليه، ولا تجتمع الأمة على ضلالة. وأخذ بعض ميراث الورثة أفضل من حرمان البعض وإعطاء البعض, إذ ليس أحد منهم أوْلى من الآخر, وإن وُجِدَ بين المسلمين – كابن مسعود t – يقدم بعض الورثة على بعض فى الميراث لقوَّته, فلا يكون هناك عُول، ولكن الأخذ بالعُول أضبط وأحكم. هذا ولم يقل أحد بوجوب التساوى بين الفروض حتى تكون المسألة صحيحة، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء. ثم إن هذه المسألة منقوضة بأمر بَيَّن.. ألا وهو (الدَّيْن) فلو افترضنا أن رجلاً مَديناً لرجل بمائتين, ولآخر بثلاثمائة، ولآخر بخمسمائة، وهم جميعاً فى درجة واحدة، ثم قضى القاضى ببيع جميع ما يجوز بيعه من ماله لوفاء دينه، فلم يجئ من ذلك إلا خمسمائة، فهل يُقدَّم واحد على واحد, بأن نعطى صاحب الخمسمائة, ثم نمنع الباقين؟ أم نعطى صاحب القليل جميع ماله, ثم نعطى الباقين ما بقى من المال؟ وكيف تقسم هذه المسألة على مذهب هؤلاء؟ لا شك أن التقسيم باعتبار العُول فى هذه المسألة أَوْلى وأَحْكَم, بأن نعطى كل واحد من الدائنين الثلاثة مما تحصَّل من المال, قيمة ما يناسب دينه, بالنسبة إلى مجموع الديون.

رابعاً: هذه الشبهة مردودة أيضاً بالرد, فلو فُرِضَ أن الميت مات عن بنت وزوجة، وأعطينا البنت النصف، والزوجة الثمُن.. فأين يذهب الباقى؟ هل نقول: إن القسمة غير عادلة, لعدم المساواة بين سهام التركة وأصلها, أم أننا نرد الباقى على الوارثتين بحسب ميراث كل واحدة منهما؟ فكما أن الوارث استفاد فى حال الرد، فلا حرج أن يَقِلّ نصيبه بالعُول عند كثرة السهام، والله أعلم.

 

*   *   *

 

3 تعليقات to “شبهات ظالمة حول الإسلام”

  1. الشاعر الصديق Says:

    بارك الله فيك اخي الكريم

  2. الشاعر الصديق Says:

    هل لك موقع على الفيس بوك ؟ هل المادة المكتوبة متاحة لكل مسلم جزاك الله خيرا

    • islamdefence Says:

      وأنت يا أخى جزاك الله خيراً , وبارك فيك وفى جميع المسلمين
      نعم يا أخى .. كل ما فى المدونة متاح لكل المسلمين
      ولى صفحة واحدة على الفيس بوك اسمها : لو انا جندى وللا ضابط إيه المانع انى التحى ؟
      ورابطها موجود ى مقدمة المدونة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: