شبهات لم تكن فى الطبعة الأولى


الرد على شبهات لم تكن فى الطبعة الأولى للكتاب

س501- كيف يقول القرآن: )وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِين( [المطففين:1] والتطفيف فى أى مسألة يكون بالزيادة لا بالنقصان؟

ج501- إن الإنسان حين يكتال يستوفى ويطفف, أى يريد زيادة ما يشتريه, وحين يبيع يقلل الكيل أو الوزن, ليأخذ ثمناً أكثر من ثمن ما يزِن أو يكيل, وكأنه يطفف فيما يأخذه من المال, أى أنه فى كِلا الحالتين مطفف, إذا اشترى يريد أن يطفف فى السلعة التى يشتريها, وإذا باع يريد أن يطفف فيما يأخذه من مال. وأصل المبادلات غالباً بين طرفين, والتطفيف إنما هو الرغبة فى الاحتفاظ بالزيادة للنفس, أما النقص فيكون للآخرين, والتطفيف يزيد طرفاً وينقص من طرف, وكل صفقة بين اثنين فيها بيع وشراء, فإن أراد واحد أن يجعل الخسران على الطرف الآخر وأن يستوفى لنفسه فهو مطفف, والله أعلم.

س502- كيف يأمر الملَك مريم بالصيام عن الكلام, ثم يأمرها أن تقول: )إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً( [مريم:26]؟

ج502- يجوز أنها قالت هذه العبارة أولاً لأول بشر رأته, ليتم بذلك إعلان صومها, ثم انقطعت عن الكلام, ويجوز أن يكون المراد بالكلام هنا الإشارة, أى أنها أشارت إليهم أنها صائمة عن الكلام, والدلالة بالإشارات من أقوى الدلالات وأعمَّها, فإن اختلفت اللغات بين البشر لأن كل جماعة اعتادوا على لغة خاصة بهم, فإن لغة الإشارة تظل لغة عامة يتفق عليها الجميع, فمثلاً حين تومئ برأسك إلى أسفل تعنى (نعم) فى كل اللغات, وحين تشير بأصبعك يميناً ويساراً تعنى (لا) إذن فالدلالة لغة عالمية وعامة. وقد تعرض القرآن الكريم فى موضع آخر لهذه المسألة فى قوله تعالى: )حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً( [الكهف:93] أى أنهم لا يقربون من الفهم, فهم لا يفهمون من باب أولى, ومع ذلك كان بينهم كلام وإشارة ولغة, وفهم كل منهم عن الآخر.

وهناك تفسير آخر قاله أبو يحيى زكريا الأنصارى فى كتاب (فتح الرحمن بكشف ما يلتبس من القرآن) ص255 قوله تعالى: )فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً( مرتب على مقدر بينه وبين الشرط, تقديره: فإما ترين من البشر أحداً, فيسألك عن الكلام, فقولى: )إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً(  وبهذا سقط ما قيل من أن قولها: )فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً( كلام بعد النذر, إذ هو  بهذا التقدير من تمام النذر لا بعده, والله أعلم.  

س503- يقول القرآن: )حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً(  [الكهف:93] أى أن القوم الذين وجدهم ذو القرنين لا يقربون من فهم الكلام, فهم إذن لا يفهمون من باب أولى, ثم يقول: )قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً{94} قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً( [الكهف:94-95] فكيف تكلموا معه, وفهمهم وفهموه؟

ج503- إن هؤلاء القوم كانوا مثل المصابين بالصمم, أى أنهم مثل الْخُرْس, ولكن هل الخرس لا يتفاهمون؟ فربما كان التفاهم بينهم وبينه بلغة الإشارة التى يتفاهم بها الخرس, والله سبحانه وتعالى أخبرنا أنه وهب لذى القرنين من كل الأسباب )وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً( [الكهف:84] فربما كان من هذه الأسباب قدرته على التفاهم معهم بطريقتهم, لأنهم لابد أنهم كانوا يتفاهمون فيما بينهم بطريقة ما, وإلا= فكيف يتحاورون ويبيعون ويشترون ويتزوجون… إلخ؟ فليس بالضرورة أن يكون الحوار الذى دار بينهم بلغته هو, فحين قالت النملة: )يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ( [النمل:18] هل قالتها باللغات البشرية التى نعرفها, أم أنها قالتها بلغتها الخاصة التى علمها الله لسيدنا سليمان؟ وكذلك حين قال الهدهد: )أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ( [النمل:22] هل قالها بلغة فهمها أحد غير سيدنا سليمان, على نبينا وعليه الصلاة والسلام؟ كما أنه ورد فى القرآن الكريم وصف مقارب لهذا, وذلك فى قوله تعالى: )وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً( [النساء:78] وقد وصف الله المنافقين واليهود بهذا الوصف لعدم فهمهم أن كل شىء من عند الله, مع أنهم كانوا غير مصابين بالصمم, وكانوا يتفاهمون فيما بينهم, وعلى هذا يحتمل أن القوم اللذين تعامل معهم ذو القرنين كانوا يفهمون بصعوبة, ولذلك وصفهم الله تعالى بقوله: )لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثا(, والله أعلم.  

س504- يقول القرآن فى أكثر من سورة: )فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ( فكلمة: ) يَسْتَأْخِرُونَ( مفهمومة, ولكن كيف )يَسْتَقْدِمُونَ( وقد جاء أجلهم؟

ج504- إن الإنسان إذا جاء أجله بإمكانه أن يتحدث قبل موته, بدليل قوله تعالى: )وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ( [النساء:18] وقوله: )حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ{99} لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ( [المؤمنون:99-100] وقوله: )وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ( [المنافقون:10] وقوله عن فرعون: )حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ( [يونس:90] فالآية التى وردت فى السؤال تنفى عن الإنسان استقدام ساعة من عمره (أى برهة من الوقت) إذا جاء أجله. وهنا قد يتساءل أحد ويقول: إن الإنسان غالباً ما يستأخر أجله (أى يطلب تأخيره) ليتوب من ذنوبه, ويتدارك ما فاته من التقصير فى حق ربه جل وعلا بقدر ما يستطيع, ولكن لماذا يريد استقدام أجله؟ ونقول له: ألم تسمع قط من يدعو على نفسه بالموت (رغم أنه مخالف للسُّنَّة) بعد علمه بقرب نزوله؟ ولندرك هذا الأمر أكثر.. نتخيل إنساناً وقع عليه بيت (مثلاً) وهو تحت الأنقاض, ويعانى من الآلام الفظيعة, وضيق التنفس الشديد, وهو موقن بنزول الموت بعد فترة وجيزة, ويريد أن يخلصه الله مما يعانيه, فيدعو بسرعة قبض روحه, وكذلك أصحاب الحرق والغرق (والعياذ بالله) أو المريض بمرض عضال, وقد أجمع الأطباء على موته خلال ساعات, ولكنهم مع ذلك يبذلون كل ما فى وسعهم من الأسباب, كتوصيله بجهاز التنفس الصناعى, وإعطائه المحاليل بالوريد, وغير ذلك من وسائل الإسعاف, فهو فى حالته تلك يريد سرعة قبض روحه, حتى يستريح من هذه الأسقام والآلام, ولكن دعاءه لن يعجل أجله, والله أعلم.

س505- يقول القرآن: )إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا( [الإسراء:7] فكيف يقول: )وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا( أليس المفروض أن يقول: (وإن أسأتم فعليها)؟

ج505- إن هذا وأمثاله من باب الاستهزاء والتبكيت, كقوله تعالى: )وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ( [التوبة:3] وقوله: )وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ( [التوبة:34] وقوله: )وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ{7} يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ( [الجاثية:7-8], والله أعلم.

س506- كيف يصف القرآن المسيح عندما كان فى المهد بإنه كان صبياً, وذلك فى قوله على لسان اليهود: )كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً( [مريم:29]؟

ج506- لو أنك رجعت إلى معنى كلمة (صبى) فى اللغة العربية لَمَا سألت هذا السؤال. إن الصبى معناه: (الصغير دون الغلام, أو من لم يُفطَم بعد) [المعجم الوجيز الصادر عن مجمع اللغة العربية], والله أعلم.

س507- يقول نبيكم: (( وأما شبه الولد أباه وأمه, فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع إليه الولد, وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع إليها )) [صحيح الجامع:1349]‌ ويقول علماؤكم إن هذا معناه أن ماء الرجل (أى المنى) إذا سبق ماء المرأة فى النزول, يصبح الولد شبه أبيه, والعكس بالعكس, فما هذا يا مسلمون؟ ألم تعلموا أن الشَّبَه يرجع إلى الصفات الوراثية لكل منهما؟

ج507- ألم تعلم أنت أن الصفات الوراثية نوعان, صفات سائدة, وصفات متنحية؟ فما المانع أن تكون كلمة (( سَبَق )) فى الحديث الشريف بمعنى التقدُّم والسَّبْق (أى العُلُوّ والارتفاع والسيادة) فى هذه الصفات الوراثية؟ أى أن الولد يأخذ الصفات الوراثية السائدة من كِلا الطرفين, فتظهر عليه, والذى يرجح ذلك (والله أعلم) أن الرسول r لم يقل هذا الكلام من تلقاء نفسه, بل إنه رده إلى سيدنا جبريل u ومعلوم أن سيدنا جبريل لم يأتِ به من عنده, بل جاء به من عند الله جل وعلا, فقد ورد فى [صحيح البخارى] أن عبد الله بن سلام t قال للنبى r عندما وصل إلى المدينة المنورة: إنى سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبى, ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ (ينزع) أى (يشبه) فقال r: (( أخبرنى به جبريل آنفاً )) قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة, قال r: (( أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب, وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت, وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد, وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت )) فقال: (أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله) ومعلوم أن الحيوانات المنوية التى بها الصفات الوراثية تنزل محاطة بسائل يحميها, وكذلك البويضة التى بها الصفات الوراثية تخرج من المبيض محاطة بسائل يحميها أيضاً.

ثم نقول للسائل: أتعجب مما جاء فى هذا الحديث, ولا تعجب مما جاء فى كتابك المقدس, حيث يقول:

ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل. [إشعياء7: 14]

فهل لك أن تخبرنا كيف يحدث هذا؟ إن معجزة خلق المسيح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – لم ولن تتكرر حتى يرث الله الأرض ومن عليها, وقد خلقه الله بغير أب لإثبات طلاقة قدرته, وأنه لا يعجزه شىء فى الأرض ولا فى السماء, ولولا ذلك لتطاول الكفرة عليه سبحانه وتعالى, ولَقالوا (إن القوانين تحكمه, وليس له القدرة على خلق أحد بغير أب) مع أن خلق سيدنا آدم أكثر منه إعجازاً, فقد خلقه الله من الطين, بغير أب ولا أم, قال تعالى: ) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ( [آل عمران:59], والله أعلم.   

س508- يقول القرآن عن الذى يُؤتَى كتابه بيمينه يوم القيامة إنه يقول: )هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ{19} إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ( [الحاقة:19-20] فهل المؤمن يشك فى الحساب؟

ج-508- قوله تعالى: )إِنِّي ظَنَنتُ( أى (إنى علمت) أو (إنى أيقنت) والعرب تستخدم كلمة (الظن) فى الشك واليقين (مختصر تفسير ابن كثير, الجزء الأول, طبعة دار القرآن ببيروت, ص 61) والدليل على أن )ظَنَنتُ( بمعنى (أيقنت) أن القرآن الكريم استخدم كلمة الظن بمعنى اليقين فى أكثر من آية, مثل قوله تعالى عن المؤمنين: )الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ( [البقرة:46] وقوله تعالى: )وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً ( [الكهف:53] وبديهى أن المجرمين حينما رأوا النار يوم القيامة أيقنوا أنهم مواقعوها, ولم يشكوا فى ذلك, وكذلك قوله تعالى فى مَعرِض الحديث عن حادثة الإفك: )لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ ([النور:12] أى أنه كان الأَوْلى بكم عندما سمعتم هذا البهتان أن توقنوا أن هذه الفاحشة التى رُمِيَت بها السيدة عائشة – رضى الله عنها – لا يمكن وقوعها من أحد من المؤمنين, فكيف تقع منها, وهى زوج النبى r الطاهرة المطهرة, الصديقة بنت الصديق t؟ وهناك تفسير آخر لقول المؤمن يوم القيامة: )إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ( أى إنى ظننت أن حسابى سيكون عسيراً, فاجتهدت فى الطاعات, وانتهيت عن المحرمات, والله أعلم.

س509- يقول القرآن: )يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ( [غافر:52] ويقول: )وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ([المرسلات:36] إن الآية الأولى تثبت الاعتذار للكفار يوم القيامة, أما الآية الثانية فتنفى عنهم الاعتذار, ألا ترون معنا أنه تناقض بينهما؟

ج509- إن الإجابة على هذا السؤال تماثل الإجابة على السؤال رقم (200) من أنهم مرة يتكلمون ومرة لا يتكلمون, فهى مواقف مختلفة يوم القيامة. وقد ذكرنا ما يشابه ذلك أيضاً فى الرد على الشبهة رقم (211) من أنهم يحاولون الاعتذار, كقولهم: )رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ{106} رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ( [المؤمنون:106-107] ولكن اعتذارهم لا يُقبل منهم, ثم يُختَم على أفواههم فلا ينطقون )قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ( [المؤمنون:108] فهم ممنوعون من الأعذار التى تنفعهم, أو التى تنجيهم من عذاب الله, أما الأعذار التى يبدونها فلن تقبل منهم. والله سبحانه وتعالى لم يظلمهم, كما قال تعالى: )وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ( [الزخرف:76] فقد كانت عندهم الدنيا, وكان عندهم العمر, فلِمَ لم يؤمنوا بالله ورسله – صلوات الله وسلامه عليهم – ويستعدوا لذلك اليوم؟ إن مثلهم كمثل الطالب الذى أُعطِىَ الوقت الكافى ليستذكر دروسه, حتى ينجح فى الاختبار آخر العام, ففرط فى وقته, ولم يستعد ليوم اختباره, وبعدما دخل لجنة الامتحان, وسلم ورقة الإجابة فارغة, جاء ليعتذر, ويطلب ورقة الإجابة ليتدارك ما فاته, فهل يقبل منه اعتذاره؟, والله أعلم.

س510- يتناقض القرآن مع العلم الحديث فيقول: )وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ( [لقمان:34] وقد أصبح الأطباء يعلمون ما بداخل الرحم, سواء كان ذكراً أو أنثى, حيّاً أو ميتاً… إلى غير ذلك, وذلك بواسطة الموجات فوق الصوتية.

ج510- هل حصر الله علمه بما فى الأرحام فيما ذكرته أيها السائل؟ إن علم الله سبحانه وتعالى ليس كعلم البشر, فهو علم إحاطة بكل شىء, وليس فيما ذكرته فقط, قال رسول الله r: “إن أحدكم يُجمَع خلقه فى بطن أمه أربعين يوماً نطفة, ثم يكون علقة مثل ذلك, ثم يكون مضغة مثل ذلك, ثم يبعث الله ملكاً, ويُؤمَر بأربع كلمات, ويُقال له: اكتب عمله, ورزقه, وأجله, وشقىّ أو سعيد, ثم ينفخ فيه الروح” [صحيح البخارى] فهل يعلم الأطباء كل ذلك, وغيره من الغيبيات؟ والله أعلم.

س511- يزعم نبيكم أن الروح تنفخ فى الجنين بعد أربعة أشهر, فى حين أن قلبه ينبض بعد أقل من شهرين, فكيف ينبض إذن؟

ج511- إن هذا الحديث المذكور فى الإجابة على الشبهة السابقة لم يذكر القلب ولا غيره, ولكنه ذكر الروح, فهل قال لك أحد إن الروح هى التى تحرك القلب؟ إن الحيوان المنوى يتحرك قبل تخصيبه للبويضة, فهل يعنى ذلك أن به روحاً؟ كما أن جميع الكائنات على وجه الأرض بها حياة, فهل بها روح؟ ليس ذلك فحسب, بل إن الجمادات بها حركة, وهى حركة الإلكترونات حول النواة, فهل الذرة بها روح؟ إن الروح لا يعلم كُنهها إلا الله سبحانه وتعالى )وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً( [الإسراء:85] كما أن الجنين لا يتحرك فى بطن أمه إلا بعد أربعة أشهر, أى بعد نفخ الروح فيه, والله أعلم.

س512- يتناقض القرآن مع نفسه فى هلاك قوم شعيب, فيقول: )فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ([الأعراف:91] ويقول: )وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ( [هود:94] ويقول: )فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ( [الشعراء:189] فما كل هذا التناقض؟

ج512- لقد وردت الإجابة على التساؤل عن )الرَّجْفَةُ(  و)الصَّيْحَةُ( فى الرد على الشبهة رقم (196) وأنه لا تناقض بينهما, أما )عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ( فقد قال بعض المفسرين (مثل ابن كثير, رحمه الله) إنهم جُمِعَ عليهم هذه الثلاثة أنواع من العذاب, فقوله تعالى فى سورة الأعراف: )فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (فذلك كما أرجفوا شعيباً وأصحابه, وتوعدوهم بالجلاء والطرد, كما جاء قولهم فى السورة نفسها: )قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا( [الأعراف:88] أما قوله تعالى فى سورة هود: )وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ( فلأنهم – والله أعلم – لما تهكموا به بقولهم الذى جاء فى السورة نفسها: )يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ( [هود:87] جاءت الصيحة فأسكتتهم, وقوله تعالى عنهم فى سورة الشعراء: )فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ( فما ذاك إلا لأنهم قالوا له فى سياق القصة: )فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ( [الشعراء:187] فأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظلة, وقد اجتمع عليهم ذلك كله, أصابهم عذاب يوم الظلة, وهى سحابة أظلتهم, فيها شرر من نار ولهب, ووهَج عظيم, ثم جاءتهم صيحة من السماء, ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم, فزهقت الأرواح, وفاضت النفوس, وخمدت الأجسام )فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ(

وقد ورد فى تفسير (القرطبى) للآية الأخيرة التى وردت فى السؤال, عن قتادة والضحاك وابن زيد, أن سيدنا شعيباً أُرسِل إلى أُمَّتين, إلى قومه من أهل مدين, وإلى أصحاب الأيكة, وعلى هذا فلا تناقض فى طريقة العذاب, فقومه من أهل مدين أخذتهم الصيحة وهم فى ديارهم, أما أصحاب الأيكة فقد أخذهم عذاب يوم الظُّلَّة, والله أعلم.

س513- إن نبيكم رأى امرأة فأعجبته وأثارت شهوته, فذهب إلى امرأته فجامعها, ثم رجع إلى أصحابه, فَعَن جابر بن عبد الله أن النبى  رأى امرأة, فدخل على زينب فقضى حاجته وخرج, وقال: (( إن المرأة إذا أقبلت أقبلت فى صورة شيطان, فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته, فليأتِ أهله, فإن معها الذى معها )) [سنن الترمذى, صحيح ابن حِبّان] أليس فى هذا تحريض على النظر للنساء, وعدم غض البصر عنهن؟ وهل هذه تصرفات نبى؟

ج513- إن رسول الله r بشر كسائر البشر, وقد رأى هذه المرأة دون أن يتعمد النظر إليها, كأن ترى امرأة وأنت متَّجه ببصرك ناحية شىء معين, فتمر بينك وبينه, والصحابة y كانوا يراقبون الرسول r فى كل صغيرة وكبيرة, ونقلوا إلينا كل ما سمِعوه منه وَرَأَوْه, فلو أنه أمْعَن النظر فيها لأخبرونا, والرسول r بذهابه إلى زوجته أراد أن يقطع الوساوس عن صدره, وليس معناه أن المرأة أثارت شهوته, لأنه – كما هو معلوم – أن النظر هو أول خطوات الزنى, حتى إنهم يقولون: النظرة بريد الزنى.

إن الرسول r كان بإمكانه أن يذهب لزوجته فيجامعها, ولا يعلم صحابته y بذلك, ولكن حياته وأفعاله وأقواله كانت كالكتاب المفتوح الذى لا يخفى منه شىء. وأنت تعتبر هذا تحريضاً على النظر للنساء, وعدم غض البصر عنهن, ولكننا نعتبره تشريعاً للأُمَّة, ولو أن الرجال سمعوا لقوله r لتضاءلت الفواحش, وما شاع الاغتصاب, على عكس ما تقول.

إن أى رجل – ولو كان أتقى الناس – مهما غض بصره, فسيرى رغماً عن أنفه بعض النساء بطريق الصدفة المحضة, كما حدث للرسول r وربما كانت واحدة منهن جميلة, فهل يستطيع – وهو بشر – أن يمنع إعجابه بها؟ ولكنه لو فعل كما فعل الرسول r لانتهى تفكيره فيها, ولم يصل به الإعجاب إلى أن يشتهيها.

وقول الرسول r: (( إن المرأة إذا أقبلت أقبلت فى صورة شيطان )) لا يعنى أنها شيطانة (كما قد يتوهَّم البعض) ولكنه بمعنى أن الشيطان يزينها للناظرين حتى يوقعهم فى معصية الله جل وعلا, وقد وصف كتابكم المقدس المرأة بأنها أشد من الموت, فقال: فوجدتُ أمَرَّ مِن الموت المرأة التى هى شِبَاك وقلبها أَشراك ويداها قُيُود. الصالح قُدّام الله ينجو منها. أما الخاطئ فيؤخَذ بها. (الجامعة7: 26), والله أعلم.

س514- إن دينكم يبيح زواج المتعة, فيقول ربكم: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء:24]

ج514- إن مذهب أهل السُّنة والجماعة هو تحريم زواج المتعة تحريماً مطْلقاً, والأئمة الأربعة وجمهور العلماء على تحريمه, وقد أحلَّه الرسول r فى بادئ الأمر لظروف خاصة بالحرب والجهاد, ثم حرَّمه عام الفتح, ففى [صحيح البخارى] عن قَيس عن عبد الله بن مسعود t قال: كنا نغزوا مع رسول الله r وليس لنا شىء, فقلنا: ألا نستخصى؟ فنهانا عن ذلك, ثم رخَّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب, ثم قرأ علينا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة:87] واحتجاجكم بالآية التى ذكرتموها فى السؤال ليس فى محلِّه, لأن اللفظ متشابه, وليس قطعى الدلالة, فالمتعة معناها التلذذ والانتفاع, وقد ورد ذكرها فى القرآن الكريم بعدَّة معانٍ, منها التلذذ بالطعام فى قول الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [المائدة:96] ومنها الانتفاع باللباس فى قوله: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ} [النحل:80] ومنها ما تنتفع به المطلَّقات فى قوله: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:236]  وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب:49] حتى إنها جاءت فى القرآن بمعنى أوانى البيت وما شابهها, وذلك فى قول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ} [الأحزاب:53] وهناك آيات أخرى كثيرة ذكرت المتاع ومشتقاته. ولما كان الزواج يتحصَّل به الاستمتاع البدنى والسَّكَن النفسى, بالإضافة لما يترتب عليه من الاستقرار والذرية.. إلى غير ذلك, عبَّر عنه القرآن الكريم بالاستمتاع. والدليل على أن المقصود فى الآية الكريمة هو الزواج الدائم وليس زواج المتعة, أن القرآن ذكر نوعين فقط من أنواع النكاح, الأول هو ما ذكرتموه فى سؤالكم, والثانى هو نكاح مِلك اليمين, وذلك فى الآية التى تليها مباشرة, ألا وهى قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} فلو كانت الآية الأولى تعنى نكاح المتعة, والثانية تعنى نكاح الإماء, فأين النكاح الدائم إذن؟ كما أن الآيات انتقلت من الأصعب إلى الأسهل, أى أنها انتقلت من نكاح المُحصَنات الحرائر إلى نكاح الإماء لمن لم يقدر على نكاح الحرائر. ولو كانت الآية الأولى تعنى نكاح المتعة, لكان هو الأسهل من نكاح الإماء وأقل فى التَّبِعات, أليس كذلك؟ ثم إن القرآن قال فى الآية نفسها: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} ونكاح المتعة ليس فيه إحصان لا للرجل ولا للمرأة, بل هو قضاء وقتى للوطر, كما أنه يترتب عليه عدم الاستقرار والراحة النفسية, بالإضافة إلى تشريد الأسرة والأولاد إن وُجِدوا بعد. وقد ذهب البعض إلى أن الذى حرم نكاح المتعة هو عمر بن الخطاب t واستدلوا بعدَّة روايات, والصحيح أن الذى حرَّمه هو الرسول r فقد قال: (( يا أيها الناس إنى قد كنتُ أذِنتُ لكم فى الاستمتاع من النساء, وإن الله قد حرَّم ذلك إلى يوم القيامة, فمن كان عنده منهن شىء فلْيُخْلِ سبيله, ولا تأخذوا مِمّا آتيتموهن شيئاً )) [صحيح مسلم], والله أعلم.

س515- عن أنس بن مالك قال: (رأيتُ رسول الله r يفرِّج بين رجْلىّ الحَسَن ويُقبِّل ذَكَرَه) أليس هذا شذوذاً؟

ج515- إن هذا الكلام كذب وافتراء على رسول الله r ولم يَرِد ذِكره فى أى كتاب من كتب الأحاديث الصحيحة, ولكنه ورد فى كتاب: (فوائد تمام) و(تاريخ دمشق) و(تحفة المحتاج فى شرح المِنهاج) وقد حكم عليه علماء الحديث بأنه موضوع, ولكن – للأسف – بعضكم وضعه على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) على أنه فى صحيح مسلم, ونحن نتحداكم أن تثبتوا لنا قولكم, والله أعلم.

س516- إن القرآن يخالف أحكام اللغة العربية, حيث يقول: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [طه:63] ومعلوم أن (إن) تنصب المبتدأ وترفع الخبر, فعلى هذا يكون صحيح العبارة (إن هذين لساحران) وعلى القراءة الأخرى المتواترة أيضاً: {إنَّ هذان لساحران} بتشديد النون, فإن بعض قبائل العرب فى زمن الرسول r وقبله, كانوا يُلْزِمون المُثَنَّى الألف مهما كان موقعه من الإعراب, أى سواء كان مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً, فيقولون مثلاً: مَررتُ برَجُلان, ولا يقولون: برَجُلَين, ويقولون: قبضتُ منه دِرهمان, ولا يقولون: درهمين, ويقولون: جلستُ بين يداه, ولا يقولون: بين يديه, والقرآن نزل بلغة العرب, ولم يعترض عليه منهم أحد, والله أعلم.

ج516- إن (إنْ) بسكون النون غير (إنَّ) بتشديدها, فالأخيرة تنصب المبتدأ وترفع الخبر, أما الأولى فلا عمل لها فى الإعراب, ولكنها بمعنى (ما) أى أن تقدير الكلام فى الآية الكريمة هو: (ما هذان إلا ساحران), والله أعلم.

س517- إن نبيكم حضن زاهراً من خلف ظهره, أليس هذا شذوذاً؟

ج517- سبحان الله! أتجعلون حُسْن الخُلُق والتواضع والملاطَفة شذوذاً؟ إن التصاق الرسول r بظهر سيدنا زاهر t كان فى السوق أمام الناس وهو يبيع متاعاً, وكان الرسول r يحبه, فاحتضنه من خلفه يداعبه, كما يحتضن الصديق صديقه مِن خَلفه, ويضع يديه على عينَى صاحبه, ويقول له: مَن أنا؟ أو يحتصنه مِن خلفه بحيث لا يفلت منه, ويسأله السؤال نفسه, وها هى القصة نسردها لكم كما جاءت فى مُسنَد أحمد:

عن أنس t أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهراً, وكان يُهدِى للنبى r الهدية من البادية, فيجهِّزه رسول الله r إذا أراد أن يخرج, فقال النبى r: (( إن زاهراً باديتنا ونحن حاضروه )) وكان النبى r يحبه, وكان رجلاً دميماً, فأتاه النبى r يوماً وهو يبيع متاعه, فاحتضنه من خلفه ولا يبصره, فقال الرجل: أرسِلْنى مَن هذا؟ فالتفت فعرف النبى r فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبى r حين عَرَفه, وجعل النبى r يقول: (( من يشترى العبد؟ )) فقال: يا رسول الله.. إذن والله تجدنى كاسداً, فقال النبى r: (( لكن عند الله لستَ بكاسد )) أو قال: (( لكن عند الله أنت غالٍ )) أهذه الحادثة تعنى عندكم شذوذاً؟ وهل الشذوذ يكون أمام الناس فى الأسواق؟ إننا لم نسمع عن شىء مثل هذا, ولو فى أفجر البُلدان وأكثرها فساداً, فهل من الممكن أن يحدث فى الجزيرة العربية التى لم يُعرَف عنها شيوع هذا الأمر؟ وهل كان الناس وقتها سيسكتون على ذلك؟ إن الرسول r كان له أعداء كثيرون من المشركين واليهود والنصارى والمنافقين, أتُراهم كانوا يسكتون على هذا الأمر ولا يفضحونه به, ليصدوا الناس عنه؟ وهل لو احتضن رجل منكم رجلاً آخر عزيزاً عليه, وقبَّله من وجنتيه, أيكون هذا شذوذاً؟ إن التصاق الرسول r بظهر سيدنا زاهر t كان فى السوق أمام الناس (كما ذكرنا) وكان من باب المداعبة, بدليل أنه مازحه بقوله لمن فى السوق: (( من يشترى هذا العبد؟ )) وكان فى هذا المزاح رفع لمعنويات سيدنا زاهر (الذى كان دميماً كما ورد فى الحديث) ورفع لقدْره أمام الناس, وأما كَون زاهر قد ألصق ظهره بصدر النبى r فذلك ليتبرك به بعد أن نظر خلفه فرآه.

وقد نسب كتابكم المقدس لمعبودكم أن أحد تلاميذه كان يتَّكئ فى حضنه, فقال:

وكان مُتَّكِئاً فى حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه. (يوحنا13: 23)

كما جاء فى كتابكم المقدس – أيضاً – أن يسوعاً عاتب رجلاً لأنه لم يُقبِّله, فى حين أن الزانية قبَّلت قدميه, وبللّتهما بدموعها, ومسحتهما بشعرها, ولذلك عفا عنها, وقد أوردنا هذه القصة فى الرد على الشبهة رقم (418), والله أعلم.

س518- إن نبيكم كان شاذاً جنسياً, وقد اعترف هو بنفسه, فقال عن أبى سفيان: (( أما ابن عمى فهتك عِرضى )) والاعتراف سيد الأدلَّة.

ج518- كَبُرَت كلمة تخرج من أفواهكم, إن تقولون إلا كذباً, إن الخبيث يفهم كل شىء على قدر خباثته, وإن النجس يفهم كل شىء على قدر نجاسته, وها هو الحديث الذى استشهدتم بجزء منه لتشنعوا به على نبينا r:

قال ابن إسحاق: وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبى أُميَّة بن المغيرة قد لقيا رسول الله r أيضاً بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه, فكلَّمته أم سَلَمَة فيهما، فقالت: يا رسول الله.. ابن عمك وابن عمتك وصِهرك، قال: (( لا حاجة لى بهما، أما ابن عمى فهتك عِرضى، وأما ابن عمتى وصِهرى فهو الذى قال فىَّ بمكة ما قال )) قال فلما خرج الخبر إليهما بذلك, ومع أبى سفيان بُنَىّ له, فقال: والله ليأذنَنَ لى, أو لآخُذنَّ بيدَى بُنَىّ هذا، ثم لنذهبنَّ فى الأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً، فلما بلغ ذلك رسول الله r رَقَّ لهما، ثم أَذِنَ لهما,  فدخلا عليه فأسلما [سيرة ابن هشام] وقد ظننتم بظنكم السيِّئ أن هتْك العِرض فى هذا الحديث معناه الاغتصاب, فهل يُعقَل أن يعترف أى إنسان بأنه تعرّض لاغتصاب جنسى بعد مرور سنوات عديدة, وهو فى عِز قوته وسلطانه؟ وهل يُعقَل أن يأتى إنسان يدَّعى النُّبوَّة, ثم يلوِّث صورته وسمعته أمام أتباعه, إلا إن كان مجنوناً؟ وهل يُعقَل أن يسجِّل القرآن الكريم كل الاتهامات التى وجَّهوها للرسول r من قولهم عنه إنه مجنون وشاعر وساحر وكذاب… إلخ, ثم يتغافل عن هذه التهمة الشنيعة, ولا يرد عليهم ليُبَرِّئه منها؟ وهل يُعقَل أن تروى كتب السيرة جميع الأخبار, بما فيها الشاذ والمنكر والموضوع والضعيف, وما قاله أعداء الرسول r عنه, ولا يسجِّلوا هذه الأكذوبة التى اخترعتموها؟ وهل يُعقَل ألا يُعيّر أبو سفيان الرسول r بهذا قبل إسلامه حتى يصُدّ الناس عنه؟ وهل يُعقَل ألا يُعيّر (الوليد بن المغيرة) النبى r بهذه الأكذوبة، وهو الذى قال الله فى شأنه: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} [القلم:13]؟ وهل يُعقَل أن يتغافل عنها أبو لهب وأبو جهل؟ وهل وهل…إلخ؟ إن هتْك العِرض مصطلَح يُعبِّر عن الإيذاء النفسى, قولاً ونثراً وشِعراً, والتعدِّى على الغير فى غيبته بالكلام الباطل والقبيح, وقد جاء عن الرسول r عِدَّة أحاديث تبين هذا المعنى, منها قوله r: (( أهون الربا كالذى يَنكِح أُمَّه, وإن أرْبَى الربا استطالَة المرء فى عِرْض أخيه )) [صحيح الجامع:2531] وقوله: (( لما عَرج بى ربى عز وجل, مَرَرْتُ بقوم لهم أظفار من نحاس, يخمِشون وجوههم وصدورهم, فقلتُ: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس, ويَقَعون فى أعراضِهِم )) [صحيح الجامع:5213] وقوله: (( فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه )) [صحيح مسلم] ومعلوم من كتب السيرة أن أبا سفيان (قبل إسلامه) وغيره من المشركين كانوا يهجون النبى r بقصائد من الشِّعر, ولذلك كان حسان بن ثابت t يهجو أبا سفيان وغيره دفاعاً عن عِرض رسول الله r وذلك مثل قوله:

هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه         وعند الله فى ذاك الجزاء

أتهجوه ولستَ له بكُفء            فشركما لخيركما الفداء

هجوتَ مبارَكاً بَرّاً حنيفاً             أمينَ الله شيمته الوفاء

فمن يهجو رسول الله منكم            ويمدحه وينصره سواء

فإن أبِى ووالدَه وعِرضى           لعِرض محمدٍ منكم وقاء

لسانى صارمٌ لا عيبَ فيه           وبَحرى لا تكدِّره الدِّلاء

أما لماذا قال الرسول r عن أبى سفيان: (( هتك عِرضى )) ولم يقُل ذلك فى حق عبد الله بن أبى أُميَّة؟ فذلك لأن أبا سفيان أكثر من الهِجاء اللاذِع المُقذِع للرسول r أما أبو أُميَّة فلم يكن يفعل مثله, ولكنه كان يكذب نبوَّة الرسول r ويعلِّق إيمانه به على أن يأتيه الرسول r بمعجزات عظيمة. والشِّعر له تأثير فى النفس أشد من الكلام العادى, كما أن أبا أمية لم يكن وحده الذى طلب هذه المعجزات, ولكنه كان ضِمن رهْط من المشركين, وهم الذين قال الله عنهم: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً{90} أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً{91} أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً{92} أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ} [الإسراء:90-93], والله أعلم.

س519- إن رسولكم سمح لرجل أن يقبّل كشْحَه, أليس هذا شذوذاً؟

ج519- إن الرسول r كان يُمازح ذلك الصحابى t وهذا من تواضعه r وحبه وملاطفته لأصحابه y فلم يكن r متكبراً عليهم, ولا ينظر إليهم من برج عالٍ, بل كان كأحدهم, يمازحهم, ويأكل من طعامهم, ويجلس على الأرض معهم, ويمشى خلفهم فى كثير من الأحيان ليتفقَّد أحوالهم, ولم يكن يخصص لنفسه مكاناً ليجلس فيه, بل كان يجلس حيث ينتهى به المجلس, ثم إنه r لم يأمر ذلك الصحابى t بتقبيل كشْحَه (أى منطقة الخَصْر) ولكن ما حدث هو ما جاء فى هذا الحديث وغيره: عن أُسَيد بن حُضَير t أن رجلاً من الأنصار فيه مِزاح, بينما كان عند رسول الله r يحدث القوم ليضحكهم, فطعنه رسول الله r فى خاصِرته, فقال: أصبِرنى, فقال: (( اِصْطَبِر )) فقال: إن عليك قميصاً, وليس علىَّ قميص, فرفع رسول الله r قميصه, فاحتضنه, وجعل يقبِّل كشحه, ويقول: إنما أردتُ هذا يا رسول الله [المعجم الكبير للطبرانى] إن الأمر بكل بساطة هو أن الرسول r طعن ذلك الصحابى فى خاصِرته بعصاه يمازحه, فما كان من الرجل إلا أنه طلب من النبى r أن يمكِّنه من القصاص منه, فلما أذِنَ له r بالقصاص, قال له ذلك الصحابى: إن عليك قميصاً وليس علىَّ قميص, أى أن الطعن على الجسد مباشرة يكون أشد إيلاماً من الجسد المُغطَّى, وقد كانت عادة العرب أن يلبسوا إزاراً أسفل البدن, ورداء أعلاه, كما يلبس الحاجّ والمعتمِر, وكان الفقير منهم لا يجد الرداء فيكتفى بالإزار, مثل ذلك الصحابى t فكشف له r عن بطنه, فأقبل عليها الصحابى يقبِّلها حباً فيه ولنيل البركة منه, أيكون عدل الرسول r عيباً فيه؟ وهل هذا يدل على الشذوذ إلا بالنسبة لمن من كان فهمه للأمور على قدْر ما بداخله من الشرور؟

وقد نسب كتابكم المقدس لمعبودكم أنه تعرَّى أمام تلاميذه (كما ذكرنا ذلك فى الرد على الشبهة رقم 142) ونسب إليه أيضاً أنه كان عرياناً تماماً وهو على الصليب (بزعمكم) فقال:

فأخذ عسكر الوالى يسوع إلى دار الولاية وجمعوا عليه كل الكتيبة. فعرُّوه وألبسوه رداءً قِرمزياً. وضفَّروا إكليلاً من شوك ووضعوه على رأسه وقَصَبَة فى يمينه. وكانوا يَجثُون قدَّامه ويستهزئون به قائلين السلام يا ملك اليهود. وبَصقوا عليه وأخذوا القصبة وضربوه على رأسه. وبعدما استهزئوا به نزعوا عنه الرداء وألبسوه ثيابه ومضوَا به للصلب وفيما هم خارجون وجدوا إنساناً قيروانياً اسمه سمعان فسخَّروه ليحمل صليبه. ولما أتَوا إلى موضِع يقال له جُلجُثَة وهو المسمَّى موضع الجُمجُمَة أعطوه خلاً ممزوجاً بمرارة ليشرب. ولما ذاق لم يُرِد أن يشرب. ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها. لكى يتم ما قيل بالنبى اقتسموا ثيابى بينهم وعلى لباسى ألقَوا قُرعَة. (متى27: 27-36)

وقال عنه أيضاً: ثم إن العسكر لما كانوا قد صلبوا يسوع أخذوا ثيابه وجعلوها أربعة أقسام لكل عسكرى قِسماً. وأخذوا القميص أيضاً. وكان القميص بغير خياطة منسوجاً كله من فوق. فقال بعضهم لبعض لا نشقُّه بل نقترع عليه لمن يكون. ليتم الكتاب القائل اقتسموا ثيابى بينهم وعلى لباسى ألقَوا قُرعة. (يوحنا19: 23-24), والله أعلم.

س520- إن من مظاهر شذوذ نبيكم – حتى مع الأطفال – أنه أخرج لسانه للحسن ليمصُّه, وفعل الأمر نفسه مع الحسين.

ج520- لقد حقَّ عليكم قول كتابكم المقدس: كل شىء طاهر للطاهرين وأمّا للنجسين وغير المؤمنين فليس شىء طاهراً بل قد تنجس ذهنهم أيضاً وضميرهم. (رسالة بولس إلى تيطس1: 15)

لو أوردتم القصة بكاملها لمَا فهمتم هذا الفهم الخبيث, ولكنه التدليس, وها هى القصة نوردها كما جاءت فى (المُعجَم الكبير للطبرانى) وغيره:

عن أبى هريرة t أنه قال: أشهدُ لخَرَجنا مع رسول الله r حتى إذا كنا ببعض الطريق, سمع رسول الله r صوت الحسن والحسين وهما يبكيان, وهما مع أمهما, فأسرع السير حتى أتاهما, فسمعتُه يقول لها: (( ما شأنُ ابنَى؟ )) فقالت: العطش, قال: فأخلَفَ رسول الله r إلى شنّة يبتغى فيها ماء, وكان الماء يومئذ أغداراً, والناس يريدون الماء, فنادى: (( هل أحد منكم معه ماء؟ )) فلم يبقَ أحد إلا أخلف بيده إلى كلابه يبتغى الماء فى شنة, فلم يجد أحد منهم قطرة, فقال رسول الله r: (( ناولينى أحدهما )) فناولته إياه من تحت الخِدر, فرأيتُ بياض ذراعيها حين ناولته, فأخذه فضمه إلى صدره وهو يطغو ما يسكت, فأدلع له لسانه فجعل يمصّه حتى هدأ أو سكن, فلم أسمع له بكاء, والآخر يبكى كما هو ما يسكت, فقال: (( ناولينى الآخر )) فناولته إياه, ففعل به كذلك فَسَكَتا, فما أسمعُ لهما صوتاً.

فأىّ شىء فى هذا من الشذوذ؟ لقد كان الحسن والحسين – رضى الله عنهما – وهما فى المهد يبكيان من العطش, فأشفق عليهما الرسول r لأنه كان يحبهما حباً شديداً, فأخذهما وضمهما إلى صدره, فلم يسكُتا واستمرا فى بكائهما, فأخرج لهما لسانه ليمصّاه, فَسَكَتا بعد أن مَصّا لسانه المبلل بريقه الشريف, ولم يفعل رسول الله r ذلك إلا بعد أن التمس لهم الماء عنده وعند من معه من الصحابة y ولم يجده, فهل هذا يُعَدّ من الشذوذ إلا عند من كان عقله وتفكيره فى الشذوذ؟ ولو عاملناكم بنفس طريقتكم, وفهمنا نصوص كتابكم المقدس بنفس فهمكم, لَحَكَمنا على يسوعكم بأنه كان شاذّاً لِعِدّة نصوص وردت فى كتابكم, ومنها: وقدّموا إليه أولاداً لِكَى يلمسهم. وأما التلاميذ فانتهروا الذين قدموهم. فلما رأى يسوع ذلك اغتاظ وقال لهم دعوا الأولاد يأتون إلىَّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله. الحق أقول لكم من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد فلن يدخله. فاحتضنهم ووضع يديه عليهم وباركهم (مرقس10: 13-16) ولكننا لا نفعل, لأن يسوعكم هو سيدنا عيسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – كما جاء ذلك عن الشيخ العلامة (سفر الحوالى) والدكتور (منقذ السّقار) وغيرهما من العلماء الأفاضل, ولكنكم نسبتم إليه أقوالاً وأفعالاً لا تليق بنبى, فضلاً عن أن يكون إلَهاً كما زعمتم, والله أعلم.

س521- أنتم تقولون إن علم ربكم أزلى, وإنه يعلم كل شىء قبل حدوثه, مع أن القرآن يثبت عكس ذلك, ويقول إن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها, وذلك (على سبيل المثال) فى هذه الآيات: {وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء} [آل عمران:140] {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:142] {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ{166} وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ} [آل عمران:166-167] {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:3]  إلى غير ذلك من الآيات التى فى معناها.

ج521- إن علم الله سبحانه وتعالى أزَلى, وكل أسماء الله وصفاته أزَلية, أى أنها ملازمة له منذ الأزَل, وهو سبحانه وتعالى يعلم كل شىء قبل وقوعه, قال تعالى: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس:61] وقال: {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [النمل:75]  وقال رسوله r: (( إن أول ما خلق الله القلم, فقال له: اكتب, قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القَدَر ما كان وما هو كائن إلى الأبد )) [صحيح الجامع:2017] أما ما ورد فى الآيات المذكورة فى السؤال – وما شابهها – فقد قال عنها العلماء: إنها بمعنى أن الله يُظهِر علمه لعباده, وليست بمعنى أنه لم يكن يعلم ثم عَلِم. ومعنى كلامهم أن عِلْم الله سبحانه وتعالى أزَلى, ولكن هذا العِلْم لا يَظهر للناس إلا من خلال الأحداث, وذلك مثل المُدَرِّس – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – الذى يقول لتلاميذه: (سأضع لكم اختباراً حتى أعلم مَن منكم سينجح ويصبح متفوقاً, ومَن سيرسُب أو تكون درجاته قليلة) وذلك مع علم المُدرِّس بمستوى تلاميذه, ومَن سينجح, ومَن سيرسُب, ولكنه وضع الاختبار لإقامة الحُجَّة عليهم, هذا وهو بشر ضعيف وعلمه قليل, فما بالكم بالله سبحانه وتعالى؟

ولقد نسب الكتاب المقدس لله سبحانه وتعالى ذميم الصفات والأقوال والأفعال, ومنها ما ذكرناه فى الصفحة التى بعنوان: (صفات الرب فى الكتاب المقدس) فى هذه المدونة, والله أعلم.

 

 

 

 

 

 

 

   

رد واحد to “شبهات لم تكن فى الطبعة الأولى”

  1. سلمى Says:

    اشكرك اخي الكريم على المجهود الرائع🙂 سبحان ربي كلما زادوا في أسئلتهم كلما زاد اثبات صحة ديننا وكلما زاد ايماننا الله اكبر —– جزاك الله كل خير على مجهودك الكريم

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: