شبهات مغرضة حول القرآن


س26- تقولون إن القرآن أنزل من عند الله, لأنه تحدى العرب البارعين فى اللغة, أليس من المحتمل أن يكون محمد شاعراً موهوباً كمن سبقه من الشعراء, كالنابغة, والزهير, وغيرهما؟
ج26- لقد أجمع علماء النفس والاجتماع والسلوكيات, وسائر العلوم الإنسانية, أن الموهبة لا يمكن بحال من الأحوال أن تتأخر إلى سن الأربعين, فلابد أن تنضح على صاحبها منذ الصغر, كما نشاهد طفلاً عنده حب الزعامة, يقوم بتقسيم زملائه إلى فريقين ليلعبوا بالكرة, ويختار أفراد كِلا الفريقين, وحارس المرمى, وكذا وكذا.. وهم يطيعونه, وليس شرطاً أن يكون أكبرهم سناً, أو أقواهم, أو أذكاهم, ولكن شخصيته قيادية. أو نجد طفلاً محباً للمصارعة والكاراتيه, فيصارع أصدقاءه, ويلعب معهم الكاراتيه, حتى أنه يحاول ضرب إخوته الكبار بالطريقة نفسها. ونجد طفلة تتقمص شخصية المدَرِّسة, وتعطى أوامر لصديقاتها, وتضرب التى لا تطيعها. أو طفلاً عنده حب القرآن أو الخطابة, فتراه يقلد المشايخ, ويسجل صوته, أو يضع أمامه ميكروفوناً, ليقلد شيخ المسجد وهو يخطب. أو طفلاً محباً للرسم, أو الزخرفة, أو الاختراعات… إلخ. وكلما ازدادوا فى العمر, ازداد إتقانهم لما يحبونه, والموهبة لابد أن تُصقَل, وتخضع للتجربة والخطأ, والرسول  لم يُعلَم عنه أنه قال شعراً قط, ولا مدح أحداً, ولا هَجَا أحداً, ولكنه كان يُعرَف بالرجل الْمُتَحَنِّف, أى المائل عن الشرك إلى التوحيد (كان هناك بقية قليلة من الموحدين أتباع سيدنا إبراهيم, على نبينا وعليه الصلاة والسلام) وكان المشركون يقولون إن محمداً قد عشق ربه, ويتعجبون لماذا يترك عبادة الأوثان, ويترك متاع الدنيا, وهم غارقون فيه, ولماذا يترك زوجته الجميلة الغنية وأولاده, وينقطع فى غار حِراء للتفكر فى خلق الله.
ربما يُقال إن موهبة الشعر كانت عنده منذ الصغر, ولكنه لم يظهرها إلا بعد سن الأربعين, فهل كان يضمن أن يعيش لسن الأربعين؟ كما أن الشاعر لا يستطيع أن يصبر على نفسه, ويكتم موهبته, أمام ما يلاقيه من الأحداث, والرسول  وُلِدَ يتيماً, فلم يَرَ أباه, وماتت أمه وهو ابن ست سنين, ومات جده وهو ابن ثمان سنين, وعاش مع عمه الفقير, ورعى الغنم وهو صغير, أمَعَ كل هذه الأحداث يستطيع شاعر أن يصبر على نفسه؟ ويكفى فى الرد على هذه الفِريَة قول الله عز وجل: {قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُون} [يونس:16] وقوله: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت:48] ولنا سؤال: هل هناك دجال يرفض الكمال؟ فإن القرآن كمال, فكيف لا ينسبه إليه, إلا إذا كان رسولاً صادقاً, وخاصة أنه أعجز الفصحاء والبُلغاء من أبناء عصره, وكان يمكنه أن يتفاخر عليهم. إننا نجد الكثير ممن يقتبس الرسالات مثل رسالات الماجستير والدكتوراه والمقالات والمؤلفات من غيره, وينسبها لنفسه, لينال بها شهادة, أو منصباً, أو غيره. ولو كان الرسول  هو الذى ألَّف القرآن, فلِمَ لم يُطِع المشركين, ويغير بعض آياته, ليكسب وُدَّهم, أو ليغدقوا عليه الأموال؟ ولِمَ لم يرفع ذِكرَ أهله, ويتفاخر بهم, كما كان يفعل الشعراء من قبله, وقد كانت قبيلته أشرف القبائل؟ ولِمَ ذكر الآيات التى تعاتبه, مثل ما ورد فى سورة (عبس) وغيرها؟ ولِمَ لم يحل مشكلة حادثة الإفك بين يوم وليلة؟ وما الذى جعله ينتظر شهراً كاملاً فى هذه المحنة, بسبب ما قيل عن زوجته الشريفة العفيفة, رضى الله عنها؟ إن الرسول  لم يتكلف شيئاً من عنده, ولم يغير, ولم يبدل {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس:15] ثم إن القرآن ليس شعراً, فإنه لا يخضع لقوافى الشعر وبُحُوره, كما أن الشعراء لهم أحوال نفسية متقلبة كسائر البشر, ويظهر ذلك فى شعرهم, فتراه متناقضاً حسب أحوالهم ومصالحهم, أما القرآن الكريم فليس به أى تناقض {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيد} [فصلت:42] {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء:82] فأى كاتب أو أديب أو شاعر تجد مؤلفاته بها اختلافات كثيرة, حسب حالته النفسية, أو أهوائه, أو مصالحه, وغالباً لا تجد الشعراء إلا مبالغين فى أقوالهم, غير ملتزمين الصدق فى أشعارهم, كما قيل عن الشعر: (إن أعْذَبَه أكْذَبُه) يقول ربنا تبارك وتعالى: {وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ{224} أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ{225} وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ{226} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء:224-227] والعرب كانوا أعلم الناس بالشعر, ولهم قصائد ومُعلَّقات تُدَرَّسُ إلى يومنا هذا, ولم يقولوا عن القرآن إنه شعر إلا جحوداً وصدّاً عن سبيل الله, كما روى ابن جرير عن عكرمة, أن الوليد بن المغيرة قال لأبى جهل (حين طلب منه أن يقول فى القرآن قولاً منكراً): فماذا أقول فيه, فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار منى, ولا أعلم برَجَزِه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن, والله ما يشبه الذى يقول شيئاً من هذا, والله إن لقوله لحلاوة, وإنه ليحطم ما تحته, وإنه لَيَعْلُو وما يُعلَى عليه (بقية القصة يُرجَع إليها فى تفسير سورة المدثر) ومعروف أن لكل صاحب قلم أسلوباً خاصاً, كالشعراء والأدباء والكتّاب والصحفيين, لدرجة أنك لو قرأت كتاباً أو مقالاً أو شعراً, لحكمت عليه بأنه أسلوب فلان, وكأنه بَصمته, أمّا الرسول  فقد جاء بثلاثة أساليب: القرآن, والحديث النبوى, والحديث القدسى, وكل أسلوب مختلف عن الآخر, أمّا لو أن أحداً من الكتاب أو غيرهم حاول تغيير أسلوبه, فبعد فترة تجد أن الأساليب توحدت فى أسلوب واحد, وكأنك وضعت عدة ألوان مع بعضها, فتكون النتيجة أنها أصبحت لوناً جديداً واحداً.
ثم لو كان الرسول  أراد من تلقاء نفسه أن يصحح ما كان عليه قومه من عبادة أصنام لا تنفع ولا تضر, وهو يرى بفطرته أن خالق هذا الكون أعظم من هذا بكثير, أليس كان أول خطاب يوجهه لهم: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً؟ وهل يوجد إنسان له فكر متحضر عن قومه, يريد تغيير ما هم عليه.. ثم يكون أول ما يبدأ به قول: {اقْرَأْ} وهو أصلاً لا يقرأ؟ ولو أن الرسول  ألّفه – كما يقولون – لنسىَ بعضه, كما يُقال: إن كنت كذوباً فكن ذكوراً, وكالمثل الذى يقول: (الكذب مالوش رجلين) أى أن الذى يكذب ينسى ما قاله بعد فترة, ويقول شيئاً غيره, فثبوته على قول واحد على مدار ثلاثة وعشرين عاماً يدل على صدقه. وهناك شىء آخر: إن أى واحد منا إذا خطب فى الناس, وقيل له أعِدْ ما قلته بالحرف الواحد, فلن يستطيع, ولو كان أكثر الناس ذكاءً, فلابد أن ينسى شيئاً, أو يزيد, أو ينقص. ونحن لابد أن نراجع القرآن باستمرار, وإلا- لتفلَّت منا, أما الرسول  فكان يحفظه عن ظهر قلب, مع أنه لا يستطيع القراءة, إلا أنه كان يراجعه مع جبريل  مرة واحدة فى رمضان من كل عام, إلا رمضان الأخير, فقد راجعه عليه مرتين. فعدم نسيان الرسول  للقرآن يدل على أن هناك قوة قادرة تثبّته فى صدره حتى لا ينساه {سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى} [الأعلى:6] وكان الرسول  من حبه فى القرآن يخشى ألا يحفظه, فكان يردد خلف جبريل فنهاه الله عن ذلك فى قوله تبارك وتعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ{16} إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ{17} فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ{18} ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه} [القيامة:16-19] إن الرسول  ليس فقط لم يكن شاعراً, بل إنه كان لا يحفظ أى بيت من الشعر, حتى إنه أراد مرة أن يقول بيتاً من الشعر فأخطأ, فضحك أبو بكر  وقال: سبحان الله! ثم قرأ قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَه} [يس:69], والله أعلم.
س27- أنتم تقولون إن نبيكم لم يؤلف القرآن, لأنه لم تظهر عليه موهبة الشعر منذ الصغر, أليس من المحتمل أن يكون قد تعلمه من غيره؟
ج27- إن الرسول  معلوم عنه أنه كان أمِّيا, لا يعرف القراءة والكتابة, وبفرض أنه كان يعرف.. فلماذا لم يكتب كل شىء يتلقنه؟ فلم يكن فى مكة المكرمة غير المشركين, وعدد قليل جداً من النصارى, كأمثال ورقة بن نوفل – الذى أسلم فيما بعد  – فلو كان الرسول  تعلم من النصارى, فلِمَ دعا إلى التوحيد, ولم يَدعُ إلى التثليث مثلهم؟ ولِمَ ذمَّهم, وحكم عليهم بالكفر {َّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَم} [المائدة:17] أو على الأقل.. لماذا لم يوافقهم فى قضية صلب المسيح عليه السلام؟ أكان هذا يضر دعوته فى شىء؟ إن الذى يتعلم من أحد يخشى أن يخالفه فيما يمليه عليه, حتى لا يكُف عن تعليمه.. أليس كذلك؟ ربما يقول قائل: ربما خالفهم بعدما تعلم منهم, فنقول له: لو حدث هذا لفضحه معلمه ليثبت للناس كذبه, ولقال للناس: أنا الذى علمته, فهل قال هذا أحد؟ وهل لديكم أى دليل على ذلك؟ ربما يقول مُجادل: ليس شرطاً أن يكون قد تعلمه من النصارى, فربما تعلمه من اليهود, فنقول له: بفرض أنه كان يوجد بمكة يهود – مع أن هذا مخالف للتاريخ – فلِمَ لم يَسُب السيدة مريم مثلهم؟ ولِمَ ذمَّهُم فى آيات كثيرة؟
إن هذه الشبهة قديمة من أيام الرسول  فقد اتهمه المشركون بأنه تعلم القرآن من رجل أعجمى من بلاد الروم, فرد الله عليهم بقوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [النحل:103] فكيف يُعَلِّم الأعجمى العربى؟ هل يصلح أن نأتى برجل أجنبى ليعلمنا اللغة العربية, والفصاحة والبلاغة, وهو لا يجيدها, بل يتكلم – كما نقول – كلام مكسر؟ وهل هذا يقوله عاقل؟ والذين يقولون إن القرآن من تأليف بحيرا الراهب, نسألهم: فلماذا لم ينسبه بحيرا لنفسه؟ ولماذا لم يواجهه يهود المدينة بهذا الأمر, ويفضحونه بين القبائل؟ وهل كان لبحيرا أن يذكر أسلافه من اليهود بسوء, كما ذكرهم القرآن؟, والله أعلم. 
س28- كيف تقولون إن القرآن لكل الناس, وإنه مُعجِز لهم, مع أن أغلبهم لا يعرفون اللغة العربية, ولا الفصاحة, ولا البلاغة؟
ج28- إن القرآن الكريم نزل على نبى عربى  فى بيئة عربية, فكان لابد أن يكون معجزاً لأهل عصره, حتى يؤمنوا به, والإعجاز فى كل الديانات كان فى الجانب الذى تفوَّق فيه أهل ذلك العصر, مثل عصا موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – واليد, وشَقّ البحر, وغيره, لأن قومه كانوا متفوقين فى السحر, فجاءهم بما لا يقدرون عليه. وكذلك سيدنا عيسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – أرسل إلى قوم جُل تقدمهم وحضارتهم فى الطب, فجاء بما يعجزهم من إبراء الأكمه والأبرص, وإحياء الموتى بإذن الله. وهكذا كل رسول – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – كان يأتى بمعجزة حِسِّية من جنس ما تفوَّق فيه قومه, ليؤمن بها من شاهدها, لأن كل رسالة كانت للقوم الذين أرسل فيهم خاصة, وكانت المعجزة هى التى تؤيد منهج الرسالة, كناقة سيدنا صالح, وإنجاء سيدنا إبراهيم من النار – على نبينا وعليهما الصلاة والسلام – أما رسالة سيدنا محمد  فهى رسالة عالمية, لأنها الرسالة الخاتمة, وهو الرسول الخاتم {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب:40] {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون} [سبأ:28] فكان لابد أن يأتى بمعجزة تصلح لكل زمان ومكان, لأنه لو أتى بمعجزة حِسِّية فقط, لكان الذى شاهدها هو الذى يؤمن بها, أما من جاء بعده فلا يلزمه الإيمان بها, فأين عصا موسى, وإبراء عيسى للأكمه والأبرص, وناقة صالح؟ إن كل هذه المعجزات أصبحت مجرد أخبار تتناقل عبر التاريخ, ولولا أن الله سبحانه وتعالى ذكرها فى كتابه الكريم لَمَا لزمنا تصديقها. أما سيدنا محمد  فمعجزته القرآن, وهو منهجه فى آن واحد, فالقرآن ليس معجزاً فى الفصاحة والبلاغة فحسب, بل إنه معجز فى منهجه الذى لا يضاهيه أى منهج فى أى رسالة, وها هى كتب اليهود والنصارى بين أيديهم, فلْيقارنوا بين منهجها وبين منهج القرآن الكريم, فمن مظاهر إعجازه فى المنهج على سبيل المثال لا الحصر:
أنه وازن بين الروح والمادة, فاليهود ماديُّون يصعب عليهم التصديق بالغيبيات, كما قال الله عنهم: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة:55] {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف:138] وكما صنعوا من الذهب {عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَار} ليعبدوه, والنصارى يميلون للتخيلات والروحانيات والغيبيات {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد:27] أما الإسلام فهو دين الوسطية, فالقرآن يدعو إلى التفكر فى خلق الله, وحبه, وذكره, والشوق إلى الجنة, والخوف من النار, ويدعو أيضاً إلى عمارة الأرض, والسعى لطلب الرزق, والآيات فى كِلا الأمرين كثيرة ومعلومة.
القرآن حافظ على حياة الإنسان بتحريم الانتحار {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُم} [النساء:29] وتحريم كل ما هو ضار {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِث} [الأعراف:157] وتحريم الاعتداء على الناس بغير حق بأى صورة من الصور {وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِين} [البقرة:190] وشرع القصاص للحفاظ على الأرواح والأبدان {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة} [البقرة:179] وحرم ظلم الناس لمجرد بغضهم {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ} [المائدة:2] {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا} [المائدة:8] وحافظ على العقل بتحريم الخمر, ويندرج تحت تحريمه تحريم كل مُسكِر ومُفتِّر (كما ورد فى سنن أبى داود ومُسنَد أحمد) وحافظ على الأموال بتشريع قطع يد السارق, وتحريم الربا والميسر والغُلول, وغير ذلك من أنواع الكسب المحرم {قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيث} [المائدة:100] وأمر بأداء الأمانات إلى أهلها {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء:58] لدرجة الاهتمام بكتابة الدَّين والإشهاد عليه, سواء كان صغيراً أو كبيراً {وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِه} [البقرة:282] وأمر بإخراج الزكاة للفقراء والمساكين, وغيرهم من المحتاجين, وحرم شهادة الزور, وأمر بقول الحق, ولو على النفس أوالوالدين والأقربين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} [النساء:135] وأمر بمكارم الأخلاق {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْي} [النحل:90] وأمر ببر الوالدين, وصلة الأرحام, والإحسان إلى اليتيم والفقير والمسكين, والجار والصاحب والمملوك, وابن السبيل والأسير {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:36] {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} [الإنسان:8] وحرم الاعتداء على الأعراض, بتحريم الزنى, وتحريم فعل قوم لوط, ووضع العقاب الرادع لمن يقترفهما, وتشريع الحجاب, وغض البصر, وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن} [الأعراف:33] لدرجة تحريم ترقيق صوت المرأة على مسمع من غير محارمها {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَض} [الأحزاب:32] وأمر بالإصلاح بين الناس {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء:114] وأمر باحترامهم, وعدم تتبع عوراتهم, بتحريم السخرية, والهمز واللمز, والتنابز بالألقاب, وسوء الظن, والتجسس, والغيبة (كما ورد فى سورتى الْحُجُرات والْهُمَزَة) وحافظ على أسرار البيوت بتشريع الاستئذان قبل دخولها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَ} [النور:27] وأمر بالاستئذان فى الدخول على الأبوين داخل البيوت (سورة النور) وأمر بالعدل بين الناس, وإن كان الحق مع غير المسلم {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} [النساء:58] (وهناك قصة تُظهر عدل الإسلام فى تَبْرِئَة الرجل اليهودى من السرقة التى نُسِبَت إليه على عهد الرسول  وردت فى سورة النساء فى الآيات من 105 إلى 113 فليرجع إلى تفسيرها من يشاء) وأمر بحفظ العهود مع الناس, ومع الدول الأخرى, طالما أنها عهود مبنية على غير معصية {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً} [النحل:91] وتوعَّد من ينقض العهود لمجرد {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّة} [النحل:92] أى أن تكون أمة أغنى من الأمة التى عاهدناها, أو أكثر منها نفعاً {وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:94] وحافظ على أرواح الْمُعاهَدِين من غير المسلمين, وفرض الدِّيَة على المسلم لو قتل الْمُعاهَد غير المسلم, ولو كان بغير قصد (راجع تفسير النَّسَفِى لقوله تعالى: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً} [النساء:92]) واهتم بصحة الإنسان, فأمَرَه بالأكل من الطيبات {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً} [البقرة:168] وحرم عليه ما يضره, كالميتة والدم ولحم الخنزير, واهتم بجميع شئون الحياة الاجتماعية والأُسَرية, من أحكام زواج وطلاق وخُلْع, ونفقة ومهر, ورَضاع وميراث… إلخ. ولو تكلمنا عن الإعجاز فى المنهج لَمَا انتهينا, ولكن هذا ما تيسر فى هذه العُجالة.
ثم إن القرآن معجز لجميع الأجيال المتعاقبة إلى أن تقوم الساعة {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق} [فصلت:53] وسنذكر إن شاء الله بعضاً من إعجازه على سبيل المثال لا الحصر, فالقرآن الكريم عطاءاته لا تنتهى:
القرآن مزَّق حجاب النفس, كما قال عن اليهود: {سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا} [البقرة:142] فهذه الآية نزلت قبل أن يقولوا, وكان من الممكن ألا يقولوها ليكذّبوه, وخاصة أنهم حين يقولونها سيعلم الناس مَن المقصود بالسفهاء, فمثلاً: لو قلت لمجموعة من الناس: سيقول المجرم كذا, فهل سينطق أحد بما قلت؟ بالطبع لا.. لأنه سَيُعرَف أنه المجرم, وهذا يدل على أن القرآن الكريم منزل من عند رب العالمين, الذى قهرهم فلم يستطيعوا كتمان ما فى نفوسهم. والقرآن حكم على أبى لهب بأنه لن يؤمن أبداً, فقال: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ{1} مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ{2} سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} [المسد:1-3] فلو كان القرآن من عند غير الله لقال أبو لهب – ولو على سبيل التحدى – إن محمداً قد قال لكم إنى سأموت كافراً, وها أنا أقول لا إله إلا الله محمد رسول الله.. فهل قالها؟ إنه لم ينطق بها فحسب, بل زاد فى عداوته للرسول . وآيات أخرى مزَّقت حجاب النفس, مثل: {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} [المجادلة:8] {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم} [التوبة:64] {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات:14] {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون:1]
القرآن مزَّق حجاب الماضى, مثل: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } [آل عمران:44] {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِين} [القصص:44] {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّك} [القصص:46] {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُون} [يوسف:102]
القرآن مزَّق حجاب المستقبل, مثل قوله: {غُلِبَتِ الرُّومُ{2} فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم:2-3] ما الذى كان يدعو سيدنا محمداً  للخوض فى الكلام عن معركة لم تأتِ بعد؟ أليس كان من الممكن أن ينهدم الدين بأكمله لو لم تحدث, أو حدثت وكانت النتيجة عكس ما قال؟ إن هذه الآية ليست إعجازاً بتمزيق حجاب المستقبل فحسب, وهو أن تغلب الرومُ الفرسَ, ولكن بها إعجازاً آخر أثبتته الأبحاث الحديثة فى قوله تعالى: {أَدْنَى الْأَرْضِ} وهو أن أكثر المناطق انخفاضاً على وجه الأرض هى منطقة البحر الميت التى حدثت عندها المعركة, فهى منخفضة عن مستوى سطح البحر بمقدار أربعمائة متر, وكانوا يفهمونها فى الماضى على أنها أقرب الأرض إلى مكة المكرمة, وكِلا المعنيين صحيح.
القرآن به من الإعجاز العلمى ما لا يتسع المجال لذِكره, ويُرجع إليه فى مصادره, ولكننا نكتفى بذكر بعضه, وبالله التوفيق:
أثبت العلم أنه لا توجد حياة على أى كوكب غير الأرض لعدم وجود الماء, وهذا ما ذكره الله عز وجل فى قوله: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:30]
أثبت العلم أن الأرض كروية, وقد قال الله عز وجل: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} [الزمر:5] وقال: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} [ق:7] قال العلماء: إن كلمة {مَدَدْنَاهَا} تثبت أن الأرض كروية.. كيف؟ إن أى شكل هندسى مُجَسَّم, سواء كان مكعَّباً, أو متوازى مستطيلات, أو غير ذلك, لابد أن تكون له حافّات, فلو أن الأرض على أى شكل غير الكروى, لكانت لها حافّات تتهاوى بعدها الأجساد.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ} [النساء:56] أثبت العلم الحديث أن أطراف الأعصاب فى الجلد, وبعد اختراق الجلد لا يشعر الإنسان بالألم – وخصوصاً الحرارة والبرودة – والدليل على ذلك أن الذى يأخذ حقنة لا يشعر إلا بألم دخولها فى جلده, وكثيراً من العمليات لا يشعر الإنسان بعدها إلا بألم الخياطة التى تكون فى الجلد, ولا أقول إن الإحساس منعدم نهائياً فى الأعضاء الداخلية, ولكنه أقل بكثير.
قال تعالى: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى{37} ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى{38} فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى} [القيامة:37-39] وقد أثبت العلم أن الحيوان المنوى هو الذى يحدد جنس الجنين – بإذن الله – ذكراً كان أم أنثى.
القرآن تحدى بخَلْق الحياة والموت, أما الحياة فهناك آيات كثيرة, منها مثلاً: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:73] هل وُجِدَ على وجه الأرض إلى الآن من استطاع أن يخلق ذبابة, أو ما دونها؟ أو هل يستطيع أن يسترجع ما سلبته منه الذبابة, ولو أخضعها لأحدث التحاليل المجهرية؟ أتدرون لماذا؟ لأن الذبابة قبل أن تمتص أى مادة, تفرز عليها لعابها, الذى يحولها إلى مادة سكرية, ثم تمتصها, فلا يوجد للمادة الأصلية أى أثر.. سبحان الله! أما التحدى بالموت فهناك أيضاً آيات كثيرة, مثل: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} [النساء:78] وهذا تحَدٍّ للعالم أجمع إلى يوم القيامة – مهما بلغت علومه وحضارته – أن يمنع الموت عن أى كائن حى.
أثبت العلم الحديث ما ذكره القرآن الكريم فى سورة (المؤمنون) عن خلق الإنسان من {نُطْفَة} وهى ماء الرجل, ثم {عَلَقَةً} وهى البويضة المخصَّبة, التى انقسمت إلى خلايا كثيرة, حتى أصبحت على شكل كرة, ثم تعلقت تعلقاً شديداً بجدار الرحم, ثم {مُضْغَة} وهى قطعة لحمية صغيرة, تبدو وكأنها ممضوغة بالأسنان كقطعة اللِبَان, ثم تكون {عِظَاما} ثم تكسى العظام باللحم (العضلات) وقد اعترف بذلك أشهر أساتذة علم الأجنَّة, وهو البروفِسور (كيث إل مور) الأستاذ بجامعة تورينتو بكندا, فى كتابه الذى اشترك فيه مع مجموعة من علماء الأجِنّة العالميين, ودعا فيه إلى إعادة تقسيم وتسمية مراحل تكوين الجنين لتكون مطابقة لما ورد فى القرآن الكريم, والسنة النبوية المطهرة, لأنهما أدق فى الوصف, وأسهل على طالب العلم من الوصف الحالى, والكتاب اسمه:
(Human development as described in Quran and Sunnah)
أثبت العلم الحديث أن الكون فى اتساع مستمر, وهذا يؤيده قول ربنا تبارك وتعالى: {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات:47] وأثبت أن جميع قيعان البحار والمحيطات مُسجَّرة بالنيران, فلا الماء يطفئ النار, ولا النار تبخر الماء, وهذا يؤيده قول الله جل وعلا: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُور} [الطور:6]
يقول الله سبحانه وتعالى: {وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ{11} وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} [الطارق:11-12] وقد أثبت العلم أن الكرة الأرضية مغلَّفة بغلاف جوى, يفصل بينها وبين العالم الخارجى بطبقة (الأوزون) وهذه الطبقة ترجع معظم الأشعة الضارة المنبعثة من الشمس حتى لا تصيب الإنسان, وكذلك فإنها ترجع الأبخرة المتصاعدة من المحيطات والبحار على هيئة مطر, وترجع الموجات الصوتية, وغير ذلك من المواد المنبعثة من الأرض, ولولا أن الله جعلها هكذا, لتبخرت مياه البحار والمحيطات, ولَمَا انتفع بها الإنسان, ولَمَا استطعنا أن نسمع أصواتنا, أو نستقبل الموجات الإذاعية والمرئية. كما أثبت العلم أن قيعان البحار والمحيطات بها صدوع وتشققات, تتلاحم مع بعضها البعض, لتكوِّن شبكة من الصدوع حول الكرة الأرضية, وكأنها صدع واحد, تفرعت منه الصدوع الأخرى.
وكان من آخر الأبحاث العلمية ما تقدمت به طبيبة منتقبة, فى المؤتمر الثامن للإعجاز العلمى فى القرآن والسنَّة, والذى أقيم فى دولة الكويت فى الفترة من (23-26) نوفمبر لعام 2006 ميلادية, وهذه الطبيبة قد لَفَتَ انتباهها قول الله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَر} [النحل:81] ولاحظت أن الله سبحانه وتعالى قال: {تَقِيكُمُ الْحَر} ولم يقل (تقيكم البرد) فبحثت على شبكة الإنترنت, وغيرها من المصادر العلمية, فوجدت أن الأبحاث الأمريكية قد أثبتت أن التعرض للشمس لمدة طويلة له تأثير ضار جداً على جلد الإنسان, فضلاً عمّا يسببه من ضربات الشمس المعروفة, والتى تتسبب فى موت الآلاف من البشر كل عام, وقد نصحوا الناس المعرَّضين للشمس لمدة طويلة بتغطية أجسادهم كلها ما عدا الوجه والكفين, وبشرط أن تكون هذه الملابس فضفاضة, حتى تقيهم تأثير الشمس على جلودهم, وحتى الوجه والكفين اقترحوا تغطيتها لمن يعملون فى الصحراء, لأنهم أثبتوا أن التعرض للأشعة فوق البنفسجية لمدة طويلة يصيب الجلد بالسرطان (ميلانوما) وأن واحداً من كل خمسة أمريكيين معرض للإصابة بهذا المرض, والله أعلم.
س29- تزعمون أن كتب التوراة والإنجيل مُحَرَّفة, مع أن القرآن يقرر أنها منزلة من عند الله, فلِمَ سمح الله بتحريفها – على حد قولكم – ولم يسمح بتحريف القرآن كما تزعمون؟
ج29- أولاً: إن قولنا عن هذه الكتب إنها محرفة ليس زعماً, ولكنه حقيقة, وقد أوردنا بعضاً من الأدلة على تحريفها من الكتاب المقدس, فى الرد على الشبهة رقم (48) ولا أدَل على تحريفها من أنها نسبت ردىء الصفات والأخلاق لله رب العالمين, ولأنبيائه ورسله, صلوات ربى وسلامه عليهم أجمعين.
ثانياً: إن الله عز وجل أنزل الكتب السابقة, وأخذ العهد على المؤمنين بحفظها, كما ورد فى الآية الكريمة: {بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء} [المائدة:44] فنقضوا العهد مع ربهم وحرفوها, فأعقبتها كتب أخرى تبين الحق, واستُحفِظَ عليها أيضاً المؤمنون بها, لكنهم حرفوها, والدليل على ذلك ليس من عندنا فقط, بل من كتابهم المقدس, إذ يقول: أمّا أوَّلاً فلأنهم استؤمنوا على أقوال الله. فماذا إن كان قوم لم يكونوا أمناء. (رسالة بولس إلى رومية3: 2-3) أما وحى الرب فلا تذكروه بعد لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه إذ قد حَرّفتم كلام الإله الحى رب الجنود إلهنا. (إرمياء23: 36) كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا. حقاً إنه إلى الكذب حوَّلها قلم الكتبة الكاذب. (إرمياء8: 8) ويل للذين يتعمقون ليكتموا رأيهم عن الرب فتصير أعمالهم فى الظلمة ويقولون من يبصرنا ومن يعرفنا. يا لتحريفكم. (إشعياء29: 15-16) أمّا القرآن الكريم فلو حُرِّفَ فماذا يأتى بعده ليصحح أخطاءه؟ إنه الكتاب الخاتم, ولن ينزل الله من بعده كتاباً, ولن يبعث من بعده رسولاً إلى أن تقوم الساعة, فكان لابد ألا يَكِل الله حفظه للمخلوقين فيحرفوه كما حرفوا ما قبله, ولكن الله سبحانه وتعالى تعهد بحفظه, لأنه سيكون منهاجاً للعالمين إلى يوم الدين {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيد} [فصلت:42], والله أعلم.
س30- لِمَ لم يفسر رسولكم القرآن, مع أن من هم أقل منه بكثير يفسرونه؟ ألم يكن محمد أوْلى بتفسيره من علمائكم؟
ج30- الرسول  فسر آيات الأحكام كآيات الصلاة, فلم يذكر الله عز وجل كيفيتها وكم مرة نصلى, وما عدد ركعات كل فرض, فبينها لنا رسول الله  وكذلك الصيام, والزكاة, والحج… إلخ. أما لو فسر كل القرآن, فيكون قد قَصَرَه على مفهوم واحد, ولَجَمُدَ على هذا المعنى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, ولكن القرآن عطاءاته لا تنتهى, وهو صالح لكل العصور, والعلم الحديث أثبت أشياء ذكرها القرآن, لو ذُكِرَت على عهد الرسول  لصدمت العقول, ولَمَا فهمها أحد, قال الله عز وجل: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق} [فصلت:53] {فِي الْآفَاقِ} أى فى أرجاء الكون, مثل قضية انشقاق القمر, فقد ذكر العالم الإسلامى الأستاذ الدكتور (زغلول النجار) أنه كان يلقى محاضرة فى جامعة ببريطانيا عن الإعجاز العلمى فى القرآن الكريم, فقام أحد الحاضرين, وسأله عن انشقاق القمر الذى ذكره القرآن, فرد عليه بأنها آية حدثت فى عهد رسول الله  ونحن مطالبون بالإيمان بها, فقام أحد المسلمين البريطانيين, واسمه (داود موسى بيتكوك) الذى يرأس الحزب الإسلامى البريطانى, وقال: إن هذه الآية كانت سبباً فى إسلامه, فقد كان يشاهد برنامجاً على قناة (بى بى سى) يُسائِل فيها مقدم البرنامج ثلاثة من علماء الفضاء الأمريكيين على إنفاق أكثر من مائة ألف مليون دولار لإنزال رجل على سطح القمر, والعالم يَعُج بالفقر والتخلف والمرض, فقالوا إنهم قد اكتشفوا اكتشافاً خطيراً يستحق هذا الإنفاق وأضعافه, وهو أنهم وجدوا منطقة من الصخور المتحولة على هيئة حزام ممتد على سطح القمر, وقد وضعوا أجهزة رصد الزلازل, فأعطتهم هذه الصورة: أن هذه الصخور ممتدة من ظاهره لباطنه لظاهره من الناحية الأخرى (أى نافذة فى جسم القمر كله) مما يدل على أنه انشق فى يوم من الأيام ثم التحم, سبحان الله! {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر:1] فالقرآن الكريم به أسرار عجيبة, يقرؤه الرجل البسيط فيفهمه على قدر علمه, ويقرؤه العَالِم المتخصص فيفهمه على ضوء الاكتشافات العلمية, مثل الآية الكريمة: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} [الزمر:5] كانت تُفهَمُ فى الماضى على أنها تعاقب الليل والنهار المعروف, أمّا فى العصر الحديث فقد فهمناها على أن الأرض كروية, ومثل الآية الكريمة: {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [سبأ:3] كانت الذرَّة تُفهَمُ فى الماضى على أنها النملة الصغيرة أو الهباءة (أى الجسم الصغير الذى يبدو فى شعاع الشمس) وبعد تطور العلم فهمها العَالِم الحديث على أنها الذرَّة, والأصغر منها هو انشطارها… وهكذا, فالقرآن الكريم بحر من الخير لا ساحل له, ولا منتهى لعطائه, والله أعلم.
س31- تقولون إن القرآن نزل من عند الله, ورغم هذا تقولون إن بعض آياته نُسِخَت, وجاءت آيات أخرى بدلاً منها, إن هذا معناه البَدَاء, وهو أن الحكم ينزل, وبعد تطبيقه يتضح عدم صلاحيته وقصوره فى مواجهة الواقع, فيُغيَّر بحكم آخر, وهذا مُحال على الله, ولماذا لم يُنسَخ شرعكم كما نُسِخَت الشرائع الأخرى كما تقولون؟
ج31- إن البَدَاء مُحال على الله سبحانه وتعالى, وهو من عقائد الشيعة الباطلة, ومعناه أن الله يأمر بشىء ثم يبدو له شىء آخر أصلح منه فيأمر به, وهذا من صفات البشر التى لا تليق بالله, لأنه سبحانه وتعالى يعلم ما كان, وما يكون, وما سيكون, وما لم يكن لو كان كيف كان يكون, ولكن تبديل الآيات أو الأحكام بغيرها يسمى (النسخ) والنسخ ليس خاصاً بالقرآن وحده, بل إن بعض أحكام التوراة والإنجيل نُسِخَت بأحكام أخرى, وسيأتى ذكر بعضها بعد الإجابة على الشبهة إن شاء الله تعالى.
نقول وبالله التوفيق: ليس هناك نسخ فى العقائِد, قال رسول الله : ((خير ما قلت أنا والنبيون من قبلى: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير)) [صحيح الجامع:3274] وهذه لا يمكن نسخها, كذلك أخبار يوم القيامة, والبعث والنشور, والجنة والنار, وقصص الأنبياء… إلخ, لا تُنسَخ لأنها أمور ثابتة لا تتغير. والنسخ معناه الإزالة, وهو أمر ضرورى ومرحلى, فكل زمن له أحكام توافقه, ثم يأتى الزمن الذى يليه فيحتاج لأحكام أخرى, كما يمر الإنسان بمراحل مختلفة من حياته, يحتاج فى كل مرحلة إلى ما لا يحتاجه فى المراحل الأخرى, فالطفل, غير الشاب, غير الكهل… إلخ. فالله سبحانه وتعالى نسخ شريعة إبراهيم بشريعة موسى, ونسخ بعض شريعة موسى بشريعة عيسى, ونسخ شريعة عيسى بشريعة سيدنا محمد, صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. والنسخ لا يكون إلا فى التكاليف.. إفعل ولا تفعل, أشياء تُحَلل, وأخرى تُحَرَّم, أشياء تزيد, وأخرى تنقص, قال تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة:106] والناس تحكمها عادات وتقاليد وبيئات, والمجتمع المشرك كان يَئِن بالأمراض, ولتغيير تلك العادات ومعالجة تلك الأمراض كان لابد من التدرج فى التشريع, كالذى يأخذ الدواء على جرعات, ولو أخذه كله مرة واحدة لمات, وكذلك فإنه من حين لآخر يُغيَّرُ له نوع العلاج, ليناسب ما جَدَّ من أحواله. فمثلاً: تحريم الخمر جاء على مراحل متعددة, فقد كانوا يشربون الخمر شُربهم للماء, وكانت لهم فيها أشعار, فلو حُرِّمَت عليهم فجأة لكان هذا صعباً على نفوسهم, فمن المعلوم لدى الأطباء أن المدمن لشىء يصعب عليه أن يفارقه فجأة, لأن هذا يصيبه باضطرابات عصبية ونفسية, فلابد له من التدرج فى تركه, أمّا الأجيال التى جاءت بعدهم فليس لهم تدرج فى هذا الأمر, لأن أسلافهم منعوها, فلم تبقَ فى خَلَفِهم. ومن جهة أخرى فإن تحريمها فجأة كان سيضر باقتصادهم, وتخيلوا لو أن جميع محلات بيع الخمور أُغلِقَت فجأة.. فمن أين يرتزق أصحابها؟ أما تحريمها بالتدريج فقد جعل الإقبال عليها يقل بالتدريج, حتى يتسنَّى للمتاجرين فيها أن يبحثوا عن مصادر أخرى ليرتزقوا منها. وكذلك آيات الصبر على أذى الكفار كانت فى أول البعثة, حيث المؤمنون قِلَّة مستضعفة لا تستطيع المواجهة, أما بعد أن قويت شوكتهم, وأصبحت لهم دولة, أذِن الله لهم فى القتال {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج:39] ولو ظلت آيات الصفح والعفو عن المشركين لم تنسخ, لأُجهِضَ الإسلام, ولَوئِدَت دولته منذ نشأتها, فلابد للحق من قوة تحميه, قال الله عز وجل: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} [الحج:40] ومن الآيات التى نُسخِت حكماً وبقيت تلاوة, قوله تعالى: {وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا} [النساء:16] و{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} [النساء:43] وآيات أخرى نُسِخت تلاوة وبقيت حكماً, مثل {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة} أى المحصنون إذا زنوا فلابد أن يُرجَموا, وهذه الآيات التى نسخت تلاوة وبقيت حكماً هى التى نُسِيَت, أى فى قوله تعالى: {أَوْ نُنسِهَا} وليس كل ما نُسِخَ نعلم حكمته, ولكننا نسلّم بأن الله سبحانه وتعالى له الحكمة التامة فى ذلك وغيره, فهو سبحانه يفعل ما يشاء {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج:18] قد يقول قائل: {بِخَيْرٍ مِّنْهَا} مقبولة, ولكن ما فائدة {مِثْلِهَا}؟ فنقول وبالله التوفيق: إن هذا مِثل آية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة:144] فالعبرة ليست بالاتجاه يميناً أو يساراً {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} [البقرة115] ولكن العبرة هى تعظيم أمر الله جل وعلا, مثل سجود الملائكة لآدم – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – فليس هذا تعظيماً لآدم, ولكنه تعظيماً لأمر الآمر, وهو الله جل وعلا. وتحويل القبلة كان اختباراً إيمانياً {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى} [البقرة:143] فمثلاً {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} لو قال أب لابنه: قُمْ من على هذا الكرسى واجلس على الآخر, فالوضعان بالنسبة للابن سواء, ولكن الأب يريد أن يختبر طاعة ابنه له, وانقياده لأوامره.
أما لماذا لم يُنسَخُ شرعنا؟ لأنه فى علم الله القديم أن هذا الشرع الأخير يصلح لجميع الأجيال المتعاقبة إلى يوم القيامة, ولن تأتى أحوال تستدعى تشريعاً آخر, وكأن البشرية قد بلغت سن الرشد, كما يُكَلَّفُ أحدنا حين يبلغ سن الرشد, ولا تتغير عليه الأحكام بعد ذلك. قد يقول قائل: قد جَدَّت على البشرية أحوال كثيرة غير التى كانت على أيام الرسول , ونقول له: إنها تقاس على أحكام أخرى مشابهة لها, والفقهاء – بارك الله فيهم – عندهم الإجابة على كل سؤال, فعلى سبيل المثال: شرب الدخان يُحكَم عليه بحديث الرسول : ((لا ضَرَرَ ولا ضِرار)) [مُسنَد أحمد وسنن ابن ماجه, صحيح الجامع:7517] والحشيش والبانجو والأفيون وغيرها, يحكم عليها بحكم الخمر, لأن الخمر تُخمِّرُ العقل.. أى تغطيه, وقد سُمِّىَ الخِمارُ خماراً لأنه يغطى الرأس. التِلفاز, والطبق (الدِّش) والحاسب الآلى, والشبكة العنكبوتية (الإنترنت) يُحكَم عليها بما قيل فى الشِّعر: إن حلاله حلال وحرامه حرام. ويحكم عليها أيضاً بالآية الكريمة: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَان} [المائدة:2] وأشياء أخرى كثيرة يُحكَمُ عليها بما يناسبها.
والآن نذكر لكم بعض ما نُسِخَ من الكتاب المقدس:
وتأكل كعكاً من الشعير. على الْخُرْء الذى يخرج من الإنسان تخبزه أمام عيونهم. وقال الرب. هكذا يأكل بنو إسرائيل خبزهم النجس بين الأمم الذين أطردهم إليهم. فقلت آه يا سيد الرب ها نفسى لم تتنجس ومن صباى إلى الآن لم آكل ميتة أو فريسة ولا دخل فمى لحم نجس. فقال لى انظر. قد جعلت لك خِثى البقر بدل خُرْء الإنسان فتصنع خبزك عليه. (حزقيال4: 12-15) فى هذا النَّص يزعمون أن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه (حزقيال) بعمل الكعك على خُرْء الإنسان (أى برازه) فلما اعترض خفف عنه وأمره أن يخبزه على خِثىّ البقر. 
يقولون إن الله أمر نبيه (إيليا) أن يدمر مَلِك إسرائيل (أخآب) وأن يترك دمه لتلحسه الكلاب, فلما عَلِمَ أخآب تاب, فعفا عنه وجعل العقوبة على ابنه, ورغم ذلك قُتِلَ ولحست الكلاب دمه, وكأن الله سبحانه وتعالى قد رجع فى كلامه, وها هو ملخص قصته: فكان كلام الرب إلى إيليا التشبى قائلاً قُم انزل للقاء أخآب ملك إسرائيل… هكذا قال الرب. فى المكان الذى لحست فيه الكلاب دم نابوت تلحس الكلاب دمك أنت أيضاً… هَأنذا أجلبُ عليك شراً وأبيدُ نسلك… من مات لأخآب فى المدينة تأكله الكلاب ومن مات فى الحقل تأكله طيور السماء… ولما سمع أخآب هذا الكلام شق ثيابه وجعل مِسحاً على جسده وصام واضطجع بالمِسح ومشى بسكوت. فكان كلام الرب إلى إيليا التشبى قائلاً هل رأيتَ كيف اتضع أخآب أمامى. فمن أجل أنه قد اتضع أمامى لا أجلبُ الشر فى أيامه بل فى أيام ابنه أجلبُ الشر على بيته (الملوك الأول21: 17-39) أما قصة قتله ففى الإصحاح الذى بعده, وها هى نهايتها: وإن رجلاً نزع فى قوسه غير متعمد وضرب ملك إسرائيل… وأوقف الملك فى مركبته مقابل أرام ومات عند المساء وجرى دم الجرح إلى حِضن المركبة… وغُسِلَت المركبة فى بركة السامرة فلحست الكلاب دمه… فاضطجع أخآب مع آبائه ومَلَكَ أخزيا ابنه عِوَضاً عنه (الملوك الأول22: 34-40) ومعنى (فاضطجع أخآب مع آبائه) أى دُفِنَ معهم.
فى النَّص التالى يأمر الرب بإهلاك أورشليم, ثم يندم (بزعمهم) ويأمر المَلَك بالكَفّ عن إهلاكها: وأرسل الله ملاكاً على أورشليم لإهلاكها وفيما هو يُهلِكُ رأى الرَبُّ فندم على الشر وقال للملاك الْمُهلِك كفى الآن رُدَّ يدك. (أخبار الأيام الأول21: 15)
نسخ العهد الجديد بعض أحكام العهد القديم مثل الطلاق, فقد كان مباحاً للرجل أن يطلق امرأته, وكان مباحاً لها أن تتزوج بعد طلاقها, بدليل قوله: إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها فإن لم تجد نعمة فى عينيه لأنه وجد فيها عيب شىء وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته ومتى خرجت من بيته ذهبت وصارت لرجل آخر فإن أبغضها الرجل الأخير وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته أو إذا مات الرجل الأخير الذى اتخذها له زوجة لا يقدر زوجها الأول الذى طلقها أن يعود يأخذها لتصير له زوجة بعد أن تنجست. (تثنية24: 1-4) ثم جاء العهد الجديد فحرم الطلاق إلا بسبب الزنى, وحرم زواج المطلقة, وحكم عليه بأنه زنى, فقال: وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق. وأما أنا فأقول لكم إن من طلق امرأته إلا لِعِلَّة الزنى يجعلها تزنى. ومن يتزوج مطلقة فإنه يزنى (متى5: 31-32) قالوا له فلماذا أوصى موسى أن يعطى كتاب طلاق فتطلق. قال لهم إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذِنَ لكم أن تطلقوا نساءكم. ولكن من البدء لم يكن هكذا. وأقول لكم إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزنى. والذى يتزوج بمطلقة يزنى. (متى19: 7-9) نلاحظ أن النَّص الأخير أقرَّ بالنسخ مرتين, مرة فى شريعة موسى, ومرة فى شريعة عيسى – على نبينا وعليهما الصلاة والسلام – لأنهم لما سألوه وقالوا له إن موسى أحلَّ الطلاق, رد عليهم بأن موسى فعل ذلك لأجل قساوة قلوبهم (ولكن من البدء لم يكن هكذا)
حرم العهد القديم أشياءً كثيرة جداً, واعتبرها نجسة, منها أنواع كثيرة فى (سِفْر اللاويين, الإصحاح11) وبعضها قد ذُكِرَ فى الرد على الشبهة رقم (60) ثم جاء العهد الجديد فأحلها, بدليل قوله: إنى عالم ومتيقن فى الرب يسوع أن ليس شىء نجساً بذاته إلا من يحسب شيئاً نجساً فله هو نجس. (رسالة بولس إلى رومية14: 14) كل شىء طاهر للطاهرين وأما للنجسين وغير المؤمنين فليس شىء طاهراً بل قد تنجس ذهنهم أيضاً وضميرهم (رسالة بولس إلى تيطس1: 15) كل الأشياء طاهرة لكنه شر للإنسان الذى يأكل بعَثْرَة. (الرسالة إلى رومية14: 20)
كان تعظيم السبت حكماً أبدياً فى العهد القديم, لدرجة أن من عمل فيه أدنى عمل يُقتل: وكلم الرب موسى قائلاً. وأنت تكلم بنى إسرائيل قائلاً سُبُوتى تحفظونها. لأنه علامة بينى وبينكم فى أجيالكم لتعلموا أنى أنا الرب الذى يقدسكم. فتحفظون السبت لأنه مقدس لكم. من دنَّسَه يُقتل قتلاً. إن كل من صنع فيه عملاً تُقطع تلك النفس من بين شعبها. ستة أيام يُصنع عمل. وأما اليوم السابع ففيه سبت عطلة مقدس للرب. كل من صنع عملاً فى يوم السبت يُقتل قتلاً. فيحفظ بنو إسرائيل السبت ليصنعوا السبت فى أجيالهم عهداً أبدياً. هو بينى وبين بنى إسرائيل علامة إلى الأبد. لأنه فى ستة أيام صنع الرب السماء والأرض وفى اليوم السابع استراح وتنفَّس. (خروج31: 12-17) ثم جاء المسيح – عليه السلام – فنقض السبت, ولذلك أراد اليهود أن يقتلوه: ولهذا كان اليهود يطردون يسوع ويطلبون أن يقتلوه لأنه عمل هذا فى سبت. فأجابهم يسوع أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل. فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه. لأنه لم يَنقُض السبت فقط بل قال أيضاً إن الله أبوه معادلاً نفسه بالله (يوحنا5: 16-18) فقال قوم من الفريسيين هذا الإنسان ليس من الله لأنه لا يحفظ السبت. (يوحنا9: 16)
كان الختان حكماً أبدياً لليهود, فيقول العهد القديم: وقال الله لإبراهيم وأما أنت فتحفظ عهدى. أنت ونسلك من بعدك فى أجيالهم. هذا هو عهدى الذى تحفظونه بينى وبينكم وبين نسلك من بعدك. يختن منكم كل ذكر. فتختنون فى لحم غُرلتكم. فيكون علامة عهد بينى وبينكم. ابن ثمانية أيام يختن منكم كل ذكر فى أجيالكم. وليد البيت والمبتاع بفضة من كل ابن غريب ليس من نسلك. يختن ختاناً وليد بيتك والمبتاع بفضتك. فيكون عهدى فى لحمكم عهداً أبدياً. وأما الذكر الأغلف الذى لا يُختن فى لحم غرلته فتقطع تلك النفس من شعبها. إنه قد نكث عهدى (تكوين17: 9-14) واستمر فيهم هذا الأمر إلى أن اختتن المسيح عليه السلام نفسه: ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبى سُمِّىَ يسوع (لوقا2: 21) ثم جاء بولس بعد ذلك فنسخ الختان بقوله: ها أنا بولس أقول لكم إنه إن اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئاً. لكن أشهد أيضاً لكل إنسان مختتن أنه ملتزم أن يعمل بكل الناموس. قد تبطَّلتم عن المسيح أيها الذين تتبررون بالناموس. سقطتم من النعمة. فإننا بالروح من الإيمان نتوقع رجاء بِرّ. لأنه فى المسيح يسوع لا الختان ينفع شيئاً ولا الغرلة بل الإيمان العامل بالمحبة. (رسالة بولس إلى غلاطية5: 2-6) غير أنه كما قسم الله لكل واحد كما دعا الرب كل واحد هكذا ليسلك وهكذا أنا آمر فى جميع الكنائس. دُعِىَ أحد وهو مختون فلا يَصِر أغلف. دُعِىَ أحد فى الغرلة فلا يختتن. ليس الختان شيئاً وليست الغرلة شيئاً بل حفظ وصايا الله. (رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس7: 17-19) إن عبارة (دُعِىَ أحد فى الغرلة فلا يختتن) مفهومة, ولكن كيف نفهم (دُعِىَ أحد وهو مختون فلا يَصِر أغلف)؟
نسخ جميع أحكام التوراة إلا أربعة: لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير هذه الأشياء الواجبة أن تمتنعوا عمّا ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنا التى إن حفظتم أنفسكم منها فنِعِمّاً تفعلون. وكونوا مُعافين (أعمال الرسل15: 28-29) ولم يقتصر الأمر على ذلك, بل إن جميع أحكام التوراة تم نسخها, يقول بولس: مع المسيح صُلِبتُ فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فىَّ. فما أحياه الآن فى الجسد فإنما أحياه فى الإيمان إيمان ابن الله الذى أحبنى وأسلم نفسه لأجلى. لست أبطل نعمة الله. لأنه إن كان بالناموس بِرّ فالمسيح إذاً مات بلا سبب (رسالة بولس إلى غلاطية2: 20-21) لأن جميع الذين هم من أعمال الناموس هم تحت لعنة لأنه مكتوب ملعون كل من لا يثبت فى جميع ما هو مكتوب فى كتاب الناموس ليعمل به. ولكن أن ليس أحد يتبرر بالناموس عند الله فظاهر لأن البارّ بالايمان يحيا. ولكن الناموس ليس من الإيمان بل الإنسان الذى يفعلها سيحيا بها. المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا (رسالة بولس إلى غلاطية3: 10-13) إن معنى كلام (بولس) فى الفقرة الأولى أن الناموس (أى شريعة سيدنا موسى, على نبينا وعليه الصلاة والسلام) إن كان له بِرّ (أى إن كان سبباً فى البِرّ) فيكون المسيح قد صُلِبَ بغير فائدة, أى أن صَلْبه لم يَعُد عليهم بفائدة فى تخفيف أحكام الناموس عليهم. ومعنى كلامه فى الفقرة الثانية أن المسيح (بزعمهم) صُلِبَ وجُعِلَ لعنة ليخلصهم من لعنة الناموس, لأنه بالإيمان يصبح الإنسان بارّاً لا بالناموس. وهنا يتضح الفرق بيننا وبينهم, فهم يزعمون أن بالإيمان وحده ينجو الإنسان, بل إنهم وصفوا الشريعة (الناموس) بأنها لعنة, أما نحن فلا نقول إن الإيمان وحده يكفى, بل لابد أن يقترن بالعمل الصالح, وهذا ما نص عليه القرآن الكريم فى أكثر من موضع. ومن يرجع إلى الكتاب المقدس فسيجد أشياءً أخرى كثيرة نُسِخَت غير التى ذكرناها, ومنها على سبيل المثال ما جاء فى (إنجيل متى, الإصحاح5) من تكرار قول المسيح – عليه السلام – قد سمعتم إنه قيل كذا وأنا أقول كذا, والله أعلم.     
س32- لماذا لم يُدَوَّن القرآن فى مصحف واحد فى عهد نبيكم, أو حتى يُجمع بين لوحين؟
ج32- لم يجمع القرآن فى عهد رسول الله  فى مصحف واحد لعدة اعتبارات, أهمها:
1) احتمال نزول آيات ناسخة لآيات سابقة.
2) استمرار نزول الوحى على رسول الله  ولا يعرف أين ستوضع الآيات الجديدة.
3) كان القرآن محفوظاً فى صدر النبى  وفى صدور كتبة الوحى, وفى صدور كثير من الصحابة  ومع ذلك كان القرآن مكتوباً على الرِّقاع, والأكتاف, واللخاف, والعسب, وكان كله مجموعاً فى بيت رسول الله .
ونقول للسائل: إن التوراة والإنجيل لم تتم كتابتهما فى عهد رسوليهما – على نبينا وعليهما الصلاة والسلام – فقد جاء فى (ص3) من (الكتاب المقدس طبعة لبنان سنة (1993) ما نصه: كانت أول لائحة وُضِعَت فى سبيل قانونية العهد القديم وأسفاره تضم أسفار الشريعة الخمسة فى أيام عزرا حوالى 400 ق.م ثم زاد المعلمون الأسفار النبوية من يشوع والقضاة حتى إشعياء وإرمياء, وحوالى سنة 90 ق.م التقى معلمو الشريعة اليهود من مختلف البلدان فى بلدة (يمنية) الواقعة فى (فلسطين) وثبتوا لائحة نهائية وكاملة للأسفار… إلخ.
إن معنى هذا الكلام أن أسفار (العهد القديم) الموجودة الآن لم تكن موجودة بكاملها عند أول كتابتها, كما أن أول كتابة لها كانت سنة (400 ق.م) أى بعد موت سيدنا موسى بمئات السنين, والدليل على ذلك أنها ذكرت عهد الملوك فقالت: وهؤلاء هم الملوك الذين ملكوا فى أرض أدوم قبلما مَلَكَ مَلِكٌ لبنى إسرائيل. (تكوين36: 31) وعهد الملوك فى بنى إسرائيل بدأ بعد موت سيدنا موسى بأربعة قرون. والدليل الأقوى على أن التوراة لم تُكتب فى زمن سيدنا موسى, أنها تحدثت عن موته, فمن كتبها إذن بعده؟
فمات هناك موسى عبد الرب فى أرض موآب حسب قول الرب. ودفنه فى الجواء فى أرض موآب مقابل بيت فغور ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم وكان موسى ابن مئة وعشرين سنة حين مات ولم تكِلَّ عينه ولا ذهبت نضارته فبكى بنو إسرائيل موسى فى عربات موآب ثلاثين يوماً. فكملت أيام بكاء مَناحة موسى (تثنية34: 5-8)
كما أن الإنجيل (العهد الجديد) لم تتم كتابته هو أيضاً فى عهد المسيح عليه السلام, والدليل على ذلك وجود أربعة أناجيل مختلفة ليس فيها (إنجيل المسيح) وكلها تذكُره بصيغة الغائب, مثل: ذهب.. جاء.. قال… إلخ, ولم يتم الاتفاق على كونها مقدسة (هى وبقية رسائل الكتاب المقدس) إلا فى القرن الرابع, وبالتحديد فى عام 325 بإقرار من (مجمع نيقيَّة), والله أعلم.
س33- إن جمع القرآن فى خلافة أبى بكر لم يكن منضبطاً, ولا موثوقاً فيه, نظراً لموت كثير من الحفظة, وهذا هو الجمع الأول الذى عليه الاعتماد.
ج33- إن الجمع فى خلافة أبى بكر كان بناءً على اقتراح من عمر بن الخطاب (رضى الله عنهما) بعد أن استحر القتل فى حفظة القرآن الكريم, خصوصاً بعد معركة اليمامة (حرب الردة) التى قُتِلَ فيها سبعون حافظاً لكتاب الله, فخاف عمر على القرآن, وأشار على أبى بكر بأن يجمعه فى مصحف واحد, ورفض أبو بكر فى أول الأمر, واعتبره بدعة, لأن الرسول  لم يفعله, ولكن تحت إلحاح عمر, وبعد مشاورات, تم اختيار الصحابى الجليل زيد بن ثابت  لهذا الأمر الصعب, ورغم أنه كان من الحفظة المهرة, إلا أنه قال: والله لو كلفونى بنقل جبل لكان أهون علىَّ من جمع القرآن. وكان زيد معروفاً بأنه قد حضر العرضة الأخيرة للقرآن سماعاً من فم الرسول , بالإضافة إلى ورعه وتقواه, فتم جمع القرآن فى عهد أبى بكر فى مصحف واحد, وقد نال جَمْعَهُ استحسان ورضا جميع الصحابة  حتى قيل: إن أعظم الناس أجراً فى المصاحف هو أبو بكر, لأنه أول من جمعه بين لوحين.
كيفية جمع القرآن فى عهد أبى بكر:
1) تم جمع كل الوثائق الخطيَّة التى كتبت فى عهد رسول الله  من فمه الشريف من كُتّاب الوحى.
2) إحضار كل الحَفَظَة المهَرَة بالقرآن الذين حضروا العرضة الأخيرة, وكانوا سبعة, خصوصاً زيد بن ثابت, وعبد الله بن الزبير, وسعد بن أبى وقاص, وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام, وأبى بن كعب, تحت إمرة زيد بن ثابت (رضى الله عنهم أجمعين)
3) لم تكتب آية من آيات القرآن إلا إذا كانت مدونة فى الرقاع, أو سعف النخيل, أو الأكتاف, على عهد رسول الله , ويشهد لها جمع من الحفظة, وأقل الجمع رجلان من الحفظة, ولا تقبل شهادة الرجل الواحد, مع أن التدوين يؤيده, إلا آية واحدة لم يجدوا لها إلا شاهداً واحداً هو خُزَيمة بن ثابت  وقد قبلوا شهادته وحده, لأن الرسول  قال عنه: ((من شَهِدَ له خُزَيمة أو شهد عليه فَحَسْبُه)) [المعجم الكبير للطبرانى] ((فحسبه)) أى يكفيه, والله أعلم.  
س34- إن جمع القرآن فى عهد عثمان حذف منه أشياء كثيرة من صلب القرآن, بدليل أنه أحرق كثيراً من المصاحف المخالفة له.
ج34- أحرق عثمان  المصاحف المخالفة لمصحفه لعدة أسباب:
1) كان بها بعض العبارات التفسيرية, سواء فى آخر الآية, أو فوقها, أو تحتها, مما قد يُظَن بعد ذلك أنها من القرآن, وهى فى الحقيقة تفسيرات, وهذه العبارات التفسيرية لم تكن واحدة, ولكن اختلفت باختلاف الكُتّاب.
2) كان بهذه المصاحف قراءات غير صحيحة, وآيات نسخت تلاوة وما زالت عندهم فى هذه المصاحف.
3) الطريقة التى كتبت بها المصاحف لا تحتمل وجود الألسن السبعة, بل أكثرها كان يعبر عن لسان واحد لقبيلة واحدة.
4) اختلاف الطرق الإملائية فى هذه المصاحف, وهذا ما تداركه عثمان, فوحَّد الخط على يد رجل واحد, هو سعيد بن العاص  حتى تصبح النُّسَخ كلها بخط واحد كأنها نُسَخ ضوئية لمصحف واحد, وهو المعروف بمصحف عثمان.
والأهم من هذا كله أن أصحاب المصاحف مثل أُبَىّ بن كعب, وعبد الله بن مسعود, وعلى بن أبى طالب, لم يعترض منهم أحد, وأجمعوا على صحة ما فعله عثمان, وتمت عملية الإحراق أمام الكبراء من أصحاب النبى  حتى لما حدثت الفتنة بعد مقتل عثمان, وقال بعض الروافض إنه حرق المصاحف, قال لهم على بن أبى طالب: اتقوا الله أيها الناس, والله ما فعل عثمان ذلك إلا بمشورتنا, وحضورنا, وموافقتنا جميعاً, لم يَشِذّ منا أحد.
كيفية جمع القرآن فى عهد عثمان  (وقد كان من المهَرَة بالقرآن, كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة):
فزع حذيفة بن اليمان  حينما رأى اختلاف الناس, وتعصبهم لبعض القراءات, إلى حد الافتخار بقراءة على أخرى, ونظراً لفتوح بعض البلدان الأعجمية بدأت تظهر قراءات مليئة بالأخطاء, لدخول ألسنة غير عربية على قراءة القرآن, فظهر كثير من اللحن فى قراءته, فتوجَّه إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان أن يدرك الأمة, قبل أن تضيع لغة القرآن بين الناس, وتحدث فُرقة كفُرقة أهل الكتاب على كتابهم, فتم اختيار نخبة من أصحاب رسول الله  لجمع القرآن فى مصحف واحد تجتمع الناس عليه, ويحمل فى الوقت نفسه صلاحية الأحرف السبعة التى نزل بها. والمعلوم أن الأحرف السبعة غير القراءات السبعة, وكانت النخبة التى كوَّنها عثمان من الحفظة المهرة, الذين حضروا العرضة الأخيرة على رسول الله  وتلوها عليه, وأقرَّهم عليها, ومن هؤلاء الحفظة زيد ابن ثابت, وعبد الله بن الزبير, وسعد بن أبى وقاص, وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام, رضى الله عنهم أجمعين. وقد كان هؤلاء من كتبة الوحى, وكانوا حافظين للقرآن بالسماع المباشر من فم الرسول , وكان زيد بن ثابت له السبْق فى خلافة أبى بكر الصديق فى الجمع الأول للقرآن, وكانت النسخة الأولى المعروفة بالبَكْرية (نسبة لأبى بكر) فى بيت أم المؤمنين حفصة – رضى الله عنها – بعدما تركها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب, وكان قد أخذها بعد موت أبى بكر بعد الجمع الأول الذى تمت الإشارة إليه, فاستأذن عثمان  فى أخذ هذه النسخة, باعتبارها العمدة فى القراءات والأصيلة, لأنها كتبت من فم الرسول , ثم أعادها إليها بعد أن نسخ المصاحف التى أرسل بها إلى الأمصار الإسلامية, وتم نسخ القرآن بطريقة تحفظ الألسن السبعة, والتى عُرِفَت بالرسم العثمانى, وكانت بخط الصحابى الجليل سعيد بن العاص  وكانت حوالى ثمانى نسخ, احتفظ عثمان لنفسه بنسخة, وأرسل الباقى إلى الأمصار الإسلامية, وكان عملاً فخيماً عظيماً نال إعجاب كل الصحابة, وكان هذا فى العام الخامس والعشرين من الهجرة, وكان جمع أبى بكر فى عام 12 هجرية بعد حروب الردة, وكانت النسخة العثمانية من الدقة بمكان, حتى إن أحد المؤرخين المستشرقين واسمه (موير) قال: إن المصحف الذى جمعه عثمان قد تواتر انتقاله من يد إلى يد حتى وصل إلينا الآن دون أى تحريف. وللآن القرآن الموجود فى كل الدنيا هو قرآن واحد, والواقع يؤيد صدق الآية الكريمة: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} [الحجر:9], والله أعلم.
س35- إن القرآن قد مُلئ بالإضافات التى لم تكن فى مصحف عثمان, وقد تم ذلك بعد موته.
ج35- إن الإضافات التى يزعم أعداء الإسلام أنها أضيفت لمصحف عثمان  هى النَّقْط, والضبط, وعلامات الوقف, ثم إنها:
أولاً: لا تمس رسم الكلمة من قريب أو بعيد, ولا تغير من هيكل الرسم العثمانى للكلمات, بل هى إيضاحات خارجة عن أصل الكلمة.
ثانياً: إن هذه الإضافات المزعومة عبارة عن علامات لخدمة النص القرآنى, وهى وسائل إيضاح اصطلاحية متفق عليها, تعين قارئ القرآن على تلاوة متقنة, وليست منزلة من عند الله, ولو جُرِّدَ المصحف منها ما نقص كلام الله شيئاً, وقد كان كتاب الله قبل إدخال هذه العلامات هو كتاب الله, فهى إذن ليست إضافة أو تبديلاً أو تحريفاً أُدخِلَ على كتاب الله فأضاع معالمه.
فالنقْط مثلاً: هو وضع النقط فوق الحروف أو تحتها, مثل النون والباء والتاء والياء.
أما الضبط فهو وضع الحركات الأربع: الضمة والفتحة والكسرة والسكون, حسب النطق الصوتى للكلمة, حسبما تقتضيه قواعد النحو.
أما علامات الوقف: فهى كالنقط والضبط, توضع فوق نهاية الكلمة التى يجوز الوقف عليها, أو وصلها بما بعدها.
وقبل إضافة النقط إلى الحروف, أو الضبط, أو الوقف, كان السماع يقوم مقامها, لأن الحفظة لم يكونوا فى حاجة إلى هذه الوسائل, أما غير الحفاظ – وهم الأكثرية من المسلمين – ففى حاجة ماسَّة إلى هذه الإيضاحات, وإن هذا الضبط والتنقيط والتوقيف تم فى عهد جماعة من كبار التابعين, وأول من نقَّط المصحف أبو الأسود الدؤَلى, وناصر بن عاصم الليثى, ويحيى بن يعمر, والخليل بن أحمد. وكان هذا العمل العظيم من السنن الحسنة التى أجازها كبار التابعين, لأن فيه تيسيراً على قُرّاء كتاب الله, والله أعلم.
س36- كيف تقطعون بصحة نقل القرآن, مع أن الذين كانوا يحفظونه كله حوالى سبعة من الصحابة؟
ج36- كان القرآن فى صدر النبى  وكان مدوَّناً – كما قلنا – فى الرقاع والأكتاف والعسب, وكانت حظوظ أصحاب النبى  من القرآن متفاوتة, فمنهم من يحفظ أوله, ومنهم من يحفظ وسطه, ومنهم من يحفظ آخره, وبذلك يكون القرآن كله مع الصحابة  وقد كان هناك حفظة آخرون غير السبعة الذين تتحدثون عنهم, أما هؤلاء السبعة فقد عرضوه على الرسول  فأقرَّهم عليه قبل موته, ثم جاءت الجَمْعة البكرية, ثم الجَمْعة العثمانية التى أقرها وأجمع عليها كل أصحاب النبى .
ونقول للسائل: هل تضمن صحة نقل ما جاء فى كتابك المقدس؟ فإن قلت: (نعم) سألناك وماذا يعنى قول (لوقا) فى أول إنجيله: إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة فى الأمور الْمُتَيقَّنة عندنا كما سلَّمها إلينا الذين كانوا منذ البَدْء مُعاينين وخُدّاماً للكلمة رأيتُ أنا أيضاً إذ قد تتبعتُ كل شىء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالى إليك أيها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذى علمت به (لوقا1: 1-4) إن معنى كلام (لوقا) أنه كان هناك كثيرون قبله ألَّفوا قصصاً من عندهم, ونسبوها (للكلمة) أى الوحى الأصلى, وهو الإنجيل, فأين صحة النقل إذن؟
كما أن بولس الرسول يقول: إنى أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعاً عن الذى دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر ليس هو آخر غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ويريدون أن يحوِّلوا إنجيل المسيح. (الرسالة إلى غلاطية1: 6-7) إن بولس يُقرُّ بأن هناك ما يُسمَّى بإنجيل المسيح, فأين هذا الإنجيل؟, والله أعلم.
س37- تقولون إن القرآن نزل على سبعة أحرف, ومرة تقولون إن عندكم سبع قراءات, ومرة تقولون إن هناك قراءات شاذة غير السبعة.
ج37- إن القراءات السبع ليس المقصود بها الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن, كما قال رسول الله : ((أُمِرتُ أن أقرأ القرآن على سبعة أحرُف كُلُّها شافٍ كافٍ)) [صحيح الجامع:1374] وهذا من تيسير الله عز وجل على أمة الإسلام, لأن قبائل الحجاز العربية لها لهجات مختلفة, مثل القُرَشية, والتميمية, والْهُزَلية, والثقيفية, والغِفارية, والأَسَدية, وغيرها, فمثلاً قوله تعالى: {وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا} [البقرة:259] فقد صحت قراءة أخرى متواترة {ننشرها} وقوله تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً وَأَقْوَمُ قِيلاً} قرأها أنس  {وأصوب قيلا} فقال له البعض: يا أبا حمزة إنما هى {وَأَقْوَمُ} فقال: أقوم وأصوب وأهيأ واحد. أما القراءات السبع, قال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هى التى أريدت فى الحديث, وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة, وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل. وقال مكى بن أبى طالب: هذه القراءات التى يُقرأ بها اليوم, وصحَّت روايتها عن الأئمة, هى جزء من الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن.
ومن حكمة تعدد القراءات, التعرف من خلالها على حكم الصحيح, وحسم مادة الخلاف عند التعارض فى أقوال الفقهاء, أو ترجيح بعضها على بعض, فإن الفقيه يلجأ فى تصويب رأيه إلى وجوه القراءات, لعلمه أن القرآن يفسر بعضه بعضاً, ولقد وضع العلماء الأقدمون ضوابط محكمة للقراءات الصحيحة التى هى وحى من عند الله, وتلك الضوابط هى:
1) صحة السنَد الذى يؤكد سماع القراءة من رسول الله .
2) موافقة القراءة لرسم المصحف العثمانى الذى أجمعت عليه الأمة.
3) أن تكون القراءة موافقة لوجه من وجوه تراكيب اللغة العربية.
4) أن يكون معنى القراءة غير خارج عن قِيَم الإسلام ومقاصده الأصول والفروع.
وعملاً بهذه الضوابط تميزت القراءات الصحيحة من القراءات غير الصحيحة, أو ما يسمى بالقراءات الشاذة. فإن سأل سائل فقال: فما الذى يُقبَل من القرآن فيُقرَأ به؟ وما الذى يُقبَل ولا يُقرَأ به؟ فالجواب: أن جميع ما رُوِىَ فى القرآن على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قسم يقرأ به اليوم, وهو ما اجتمعت فيه الشروط الأربعة المتقدمة.
القسم الثانى: ما صحَّ نقله عن الآحاد, وصح وجهه فى العربية, وخالف لفظه خط المصحف, هذا يقبل ولا يقرأ به.
القسم الثالث: هو ما نقله غير ثقة, أو نقله ثقة ولا وجه له فى العربية, فهذا لا يقبل وإن وافق خط المصحف, والله أعلم.
س38- لماذا تعددت المصاحف فى عهد عثمان, حتى وصلت إلى سبعة فى الأقطار الإسلامية؟
ج38- إن هذه المصاحف السبعة هى نسخ لم تتعدد, وهى تشبه الآن التصوير الضوئى, لأنها كانت بخط رجل واحد, هو سعيد بن العاص , وهذا المصحف هو المعروف بمصحف عثمان.
وقد ذكرنا فى الشبهة رقم (32) أن الأناجيل الأربع الموجودة الآن تم الاتفاق على أنها مقدسة فى عام (325) بعد ميلاد المسيح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – فى مجمع نيقيَّة, وقد تم اختيار هذه الأناجيل حين ذاك من بين أكثر من سبعين إنجيل, ولم يتم ذلك الاختيار وِفْق منهج علمى تمَّ على أساسه قبول ما قُبِلَ ورَدِّ ما رُدَّ ، وإنما كان الضابط فى ذلك ما ظنَّه رعاة المجمع من عدم معارضة تلك الأناجيل لِما تبنَّوْه من القول بألوهية المسيح وأنه ابن الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وبالطبع فلم يكن هذا القول ليَحْظى بموافقة كل المؤتمرين، فقد عارضه جمع عظيم منهم، إلا أن قوة سيف الرومان حسمت الخلاف لصالح من ذهب إلى القول بألوهية المسيح عليه السلام، وجعلت من المخالفين مبتدعة ومهرطقين، عِلماً بأنهم الأكثرية, وفيهم عدد من الموحِّدين الذين نادوا بوحدانية الله لا شريك له, وأن المسيح عبد الله ورسوله. وهكذا قضت قوة الرومان على هؤلاء المخالفين – وخاصة الموحِّدين منهم – بالملاحقة والتشريد والتعذيب، فلم ينتشر مذهبهم، بل اضمحل مع مرور الوقت, حتى أضحى اليوم – فيما يظهر – من غير أتْباع, والله أعلم.
س39- إن الشيعة يقولون إن عثمان حذف من القرآن شيئاً يتعلق بعلىّ بن أبى طالب, وبعضهم يذكر سورة باسم (سورة النورين) كانت مما نزل، وحذفها عثمان عند جمع المصحف, وهذا يعتبر تعديلاً فى النصوص الموحَى بها, فكيف تقولون إن القرآن لم يُمَس, وأنه متطابق فى المصاحف كلها؟
ج39- إن الذين قالوا ذلك ليسوا من الشيعة, بل من الدخلاء على التشيُّع, ولا وجود لهم الآن فى العالم كله, فقد انقرضوا, ومما يدفع هذه الفِرية عن عثمان  أن التشيع فى خلافته كان شيئاً لا يُذكَر, وكان على يد (عبد الله بن سبأ) اليهودى الحاقد على الإسلام. أما التشيُّع فلم يظهر إلا بعد حادثة التحكيم بين على بن أبى طالب ومعاوية ابن أبى سفيان – رضى الله عنهما – ومعنى هذا أن غَمْط حق علىّ بن أبى طالب لم يكن له وجود فى عهد عثمان, فما الذى كان يحمل عثمان على غمط حقه؟ ولنفترض أن ذلك قد حدث.. فهل من المتصوَّر أن حفاظ القرآن من الصحابة  كانوا سيتركونه يعبث بكتاب الله؟ وقد قلنا قبل ذلك إن علياً قد أثنى على ما قام به عثمان من جمع القرآن, وكذلك كل الصحابة فى خلافة عثمان, وإلى يومنا هذا فإن المصحف المتداول فى العالم الإسلامى كله – بما فيه فِرَق الشيعة – هو المصحف العثمانى.
واسمع إلى رأى الشيعة الإمامية – وهم أهم فِرَق الشيعة – كما ورد فى كتاب أبى جعفر (الأم): (إن اعتقادنا فى جملة القرآن الذى أوحى الله تعالى به إلى نبيه محمد  هو كل ما تحويه دفَّتا المصحف المتداول بين الناس لا أكثر, وعدد السور المتعارف عليه بين المسلمين هو114 سورة, أما عندنا نحن الشيعة فسورتا الضحى والشرح تكوِّنان سورة واحدة, وكذلك سورتا الفيل وقريش, وأيضاً سورتا الأنفال والتوبة, أما ما ينسب إلينا من أن القرآن أكثر من ذلك فهو كاذب) فماذا يقول خصوم القرآن بعد هذا البيان؟ وماذا يقولون عن كتابهم المقدس الذى قال:
كما أمر موسى عبدُ الربِّ بنى إسرائيل. كما هو مكتوب فى سِفْر توراة موسى. (يشوع8: 31) فتشددوا جداً لتحفظوا وتعملوا كل المكتوب فى سِفْر شريعة موسى حتى لا تحيدوا عنها يميناً أو شمالاً. (يشوع23: 6) وكتب يشوع هذا الكلام فى سِفْر شريعة الله. (يشوع24: 26) فأين هذه الأسفار الثلاثة؟ ألا يدلّ ذلك على أن التوراة التى بين أيديكم ليست التوراة الحقيقية التى أُنزِلت على سيدنا موسى, على نبينا وعليه الصلاة والسلام؟ وإلا.. فما معنى (سِفْر توراة موسى) و(سِفْر شريعة موسى) و(سِفْر شريعة الله)؟ ثم إنكم متفقون معنا على أن الكتاب المقدس الموجود الآن هو ترجمة للتوراة والإنجيل, سواء كانت هذه الترجمة باللغة العربية, أو الإنجليزية, أو الفرنسية… إلخ, فأين إذن النُّسَخ الأصلية؟ ولِمَ جعلتم التراجم مقدَّسة, وأطلقتم عليها عبارة (الكتاب المقدس)؟ ألا كان المفروض أن تسمونه (ترجمة الكتاب المقدس) وخصوصاً أن هذه التراجم مختلفة مع بعضها البعض؟, والله أعلم. 
س40- إن بعض المصاحف تختلف فى عدد سور القرآن من 112 إلى 116, وكذلك تختلف المصاحف فى عدد آيات القرآن, وفى عدد كلماته وحروفه, فكيف تقولون إن تعدد المصاحف عندكم على صورة واحدة, وإن كل مصحف تكرار لما عداه من المصاحف؟
ج40- إن الاختلاف بين مصاحف السنَّة والشيعة فى تعداد السور فقط, فإنهم (كما ذكرنا فى السؤال السابق) يدمجون بعض السور مع بعض, بما لا يزيد فى كتاب الله ولا ينقص, فإذا اعتبروا سورتى الأنفال والتوبة سورة واحدة, والضحى والشرح سورة واحدة, والفيل وقريش سورة واحدة, فإن هذا لا يزيد فى كتاب الله كلمة, ولا ينقص منه كلمة. أما عدد الآيات فقد قام بعض الشيعة بقسمة بعض الآيات إلى آيتين, وهذا أيضاً لا ينقص ولا يزيد فى كتاب الله شيئاً. وأما الأحرف, فهناك أحرف أُدغِمَت مثل (إن ما) كتبت (إمّا) وهكذا لم يزد فى القرآن حرف ولم ينقص, والله أعلم.
س41- كثير من سور القرآن افتُتِحَت بكلمات عبارة عن طلاسم لا تُفهم, ولا يُفهم ما المراد منها, ولا يُرى منها فصاحة ولا بلاغة, مثل {الم} {الر} {كهيعص} {حم{1} عسق} {طسم} وغيرها.
ج41- أولاً: هذه أحرف مقطَّعة وليست كلمات كما يقول المدَّعى.
ثانياً: لو أن هذه طلاسم, أو ألغاز, أو كلام عاطل لا معنى له – كما يقولون – لكان أول من تصدى لها أساطين الكلام من المشركين, الذين كانوا يلعبون بالكلام كما يلعب الصبى بالكرة, ولاشتهر عنهم اعتراضهم الشديد على هذه الأحرف, ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث على الإطلاق.
ثالثاً: إن بُلغاء العرب كانوا يعلمون أن وراء هذه الأحرف مُراداً, وأنها تعنى عند بعضهم أرقاماً لبقاء هذا القرآن, وقد قيل فى هذه الحروف تفسيرات كثيرة, من أفضلها أن الله عز وجل يتحدى العرب بهذه الأحرف التى نزل بها القرآن, والتى يتكلمون بها, بمعنى: أن الخامة واحدة, فعليهم أن يأتوا بمثله, طالما فى أيديهم نفس الخامة, وقد تحداهم الله بذلك فى قوله: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} [الإسراء:88] ثم إن هذه الأحرف إذا جمعتها, وحذفت منها المتكرر, تعطيك هذه العبارة: (نص حكيم قاطع له سِر) كما ذكره الإمام الزمخشرى. وقد قال أيضاً: (إن هذه الأحرف هى نصف الأحرف الأبجدية الثمانية والعشرين, وهى تمثل الأساس فى الأحرف الأبجدية المنطوق بها) وإذا نظرت فى هذه الأربعة عشر حرفاً لوجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف, وبيان ذلك أن فيها نصف الحروف المهموسة, والمجهورة, والشديدة, والرخوة, والْمُطبَقة, والمنفتحة, والمستعلية, والمنخفضة.
ونقول لمن يعتبر هذه الحروف ليست وحياً من عند الله, مع أنها ليس فيها ما يناقض ذلك: هل كل ما جاء فى الكتاب المقدس وحى من عند الله؟ وهل كل ما ذكرناه فى الرد على شبهات أخرى, من ألفاظ جنسية صارخة, وسَبّ للأنبياء – صلوات الله وسلامه عليهم – وغير ذلك من قصص الخيانة والسَّب والشتم والعنف, وحى من عند الله؟ وهل القُبْلَة المقدَّسة والسلامات التى ذكرناها فى الرد على الشبهة رقم (61) وحى من عند الله؟ أضف إلى ذلك أن فى سِفْر (الملوك الأول) إصحاحان كاملان – وهما السادس والسابع – فى وصف الهيكل وطوله وعرضه وسُمكه وارتفاعه, وعدد غرفاته ونوافذه وأبوابه ومراحيضه, وتفاصيل أخرى كثيرة يقول الكتاب المقدس إنها المواصفات التى يريدها الرب لمسكنه الأبدى: وكان كلام الرب إلى سليمان قائلاً هذا البيت الذى أنت بانيه إن سلكتَ فى فرائضى وعملتَ أحكامى وحفظتَ كل وصاياى للسلوك بها فإنى أقيمُ معك كلامى الذى تكلمتُ به إلى داود أبيك. وأسكنُ فى وسط بنى إسرائيل ولا أتركُ شعبى إسرائيل (الملوك الأول6: 11-13) وقد ذكرنا بعض مواصفات الهيكل فى الرد على الشبهة رقم (88) 
وفى سِفْر (أخبار الأيام الأول) عدة إصحاحات (من الأول إلى التاسع) كلها أنساب سيدنا آدم وأحفاده, وسيدنا إبراهيم وذريته – على نبينا وعليهم الصلاة والسلام – وفى (عزرا2: 1-67) قائمة بأسماء العائدين من بابل حسب عائلاتهم, وأعداد كل عائلة, بالإضافة لأعداد حميرهم وجمالهم, وقوائم أخرى بأعداد الجيوش والبوابين من كل سِبْط, وعدد كل جيش (انظر سِفر أخبار الأيام الأول: الإصحاح23 والإصحاح24 والإصحاح27) وفى سِفر (الخروج) يأمر الرب سيدنا موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – بصناعة التابوت والمسكَن, بمواصفات دقيقة تستمر 13 صفحة, تبدأ من الإصحاح25 إلى الإصحاح30, وفى سِفْر (الخروج) الإصحاح (28) تفصيل مُطوَّل لحياكة الملابس المقدسة لسيدنا هارون وأولاده, من جُبَّة, ورداء, وقميص, وعمامة, وسراويل… إلخ, وغير ذلك الكثير والكثير, فمن أراد المزيد فليرجع إلى الكتاب المقدس, والله أعلم.
س42- أنتم تقولون إن الأحرف المقطعة فى أوائل السور يأتى الحديث بعدها عن القرآن, ولكن هناك خمس سور بدأت بأحرف مقطعة ولم يأتِ بعدها ذكر للقرآن, وهى مريم والروم والعنكبوت والشورى والقلم.
ج42- لم تَخْلُ سورة من هذه السور من وجه من وجوه الإعجاز, فسورة (مريم) جاء فيها ذكر ولادة سيدنا عيسى بلا أب, ومن قبله مجىء سيدنا يحيى – على نبينا وعليهما الصلاة والسلام – من أب طاعن فى السن, وامرأة عجوز عاقر. وسورة (الروم) جاء فيها البشارة بنصر الروم على الفرس {غُلِبَتِ الرُّومُ{2} فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ{3} فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} [2-4] وسورة (العنكبوت) ذُكِرَ فيها من الإعجاز العلمى قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون} [41] وقد تكلمنا عنها فى الرد على الشبهة رقم (430) وسورة (الشورى) فيها إعجاز علمى فى قوله تعالى: {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ} [33] وقد ذكرناه فى الرد على الشبهة رقم (448) وسورة (القلم) جاء فيها الكلام عن الوليد بن المغيرة, وأنه {زَنِيمٍ} أى أنه ابن زنى, والعياذ بالله. ولا يعنى ما ذكرناه من الإعجاز فى هذه السُّوَر أنها خلت من ضروب الإعجاز الأخرى, ولكن ما ذكرناه هو أبرز ما فيها من الإعجاز, والله أعلم.
س43- هناك سورتان أثبتهما أُبَىّ بن كعب فى مصحفه, ولم يأتِ ذكرهما فى بقية المصاحف, وهما سورتا (الحفد) و(الخلع) فكيف تقولون إن الله قد حفظه من النقص والزيادة والتحريف؟
ج43- يزعم السائل أن هناك سورتين حُذِفتا من القرآن الكريم, وهما سورتا الحفد والخلع, وكانتا عند أبى بن كعب , ونصّهما (اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك, ونؤمن بك ونتوكل عليك, ونثنى عليك الخير كله, نشكرك ولا نكفرك, ونخلع ونترك من يفجرك, اللهم إياك نعبد, ولك نصلى ونسجد, وإليك نسعى ونحفد, ونرجو رحمتك ونخاف عذابك, إن عذابك الجِد بالكفار ملحِق) ونقول لهذا السائل وأمثاله: إنك لن تستطيع أن تثبت صحة هذا القول, وبفرض صحته فإن ما ورد فى مصحف أُبَى بن كعب  ليس من القرآن, ولكنه دعاء كان يَقنُت به فى الصلاة, وقد وضعه على هامش المصحف, كما كان يكتب بعضهم فى مصحفه تفسيراً لآية معينة حتى لا ينساها, كما كتب أحدهم (صلاة العصر) أمام قوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى} [البقرة:238] ولو كتب سيدنا أُبَى هذا الكلام على أنه قرآن لأخبر عنه سيدنا زيد بن ثابت – رضى الله عنهما –  حتى يكتبه فى نصوص القرآن حين كان يجمعه, ولكن شيئاً من هذا لم يحدث. وقد كان الصحابة  يفعلون هذا بمصاحفهم لنُدْرة أدوات الكتابة عندهم, ولأنها كانت مصاحفهم الخاصة بهم دون غيرهم, وقد أمِنوا على أنفسهم أن يحدث لهم لَبْس فى هذا الأمر, لأنهم كانوا يعلمون جيداً ما هو من القرآن أو غيره.
وقد استشهد الكتاب المقدس بأسفار لا وجود لها, فقال على سبيل المثال: لذلك يُقال فى كتاب حروب الرب واهب فى سوفة وودية أرنون (عدد21: 14)
فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه. أليس هذا مكتوباً فى سِفر ياشر. فوقفت الشمس فى كبد السماء ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل. (يشوع10: 13)
وبقية أمور سليمان وكل ما صنع وحكمته أمَا هى مكتوبة فى سِفر أمور سليمان. (الملوك الأول11: 41)
وبقية أمور سليمان الأولى والأخيرة أمَا هى مكتوبة فى أخبار ناثان النبى وفى نبوّة أخيّا الشيلونى وفى رؤى يعدو الرائى على يربعام بن نباط. (أخبار الأيام الثانى9: 29)
وأمور داود الملك الأولى والأخيرة هى مكتوبة فى سِفر صموئيل الرائى وأخبار ناثان النبى وأخبار جاد الرائى (أخبار الأيام الأول29: 29)
فأين كتاب حروب الرب, وسِفر ياشر, وسِفر أمور سليمان, وأخبار ناثان النبى, ونبوَّة أخيّا الشيلونى, ورؤى يعدو الرائى, وسِفر صموئيل الرائى, وأخبار جاد الرائى؟
وجاء فى الكتاب المقدس أيضاً:
وأتى وسكن فى مدينة يقال لها ناصرة. لكى يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيدعى ناصرياً (متى2: 23) إن هذ معناه أنه يستشهد بما قيل فى سِفر (الأنبياء) الذى لا وجود له, لأنه لو كان يقصد أن الأنبياء قالوا عنه: (إنه سيدعى ناصرياً) لقال: لكى يتم ما قال الأنبياء, أو: لكى يتم ما قاله الأنبياء, والله أعلم.
س44- كثيراً ما يذكر القرآن أن الله {يُحْيِـي وَيُمِيتُ} مع أن الإماتة سهلة, فلِمَ لم يكتفِ بقول: {يُحْيِـي} فقط؟
ج44- يظن السائل أن الموت سهل, وأنه بمقدور الإنسان, فيظن أن إطلاق الرصاص, أو السكِّين, أو السُّم, أو غير ذلك يميت الإنسان, كلا- إن هذا ليس إماتة, ولكنه قتل, ومعناه هدم للبِنية بمؤثر خارج عنها, كما فعل النمرود بن كنعان عندما حاور سيدنا إبراهيم, على نبينا وعليه الصلاة والسلام {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ} [البقرة:258] فماذا فعل النمرود؟ أتى برجل برىء فقتله, وأتى بآخر محكوم عليه بالإعدام فعفا عنه, فهل هذه إماتة؟ إنه قتل, أما الإماتة فهى خروج الروح بدون مؤثر خارج عن الجسد. ونحن نتحدى العالم أجمع أن يأتينا بأكبر عالم متخصص يستطيع أن يميت إنساناً بدون تسليط أى شىء عليه – كالإشعاع مثلاً – ولكن يأمره أن يموت فيموت, أو يوجِّه إرادته له بالموت, أما الله سبحانه وتعالى فيميت بسبب وبغير سبب, فمثلاً: تجد مصاباً بمرض عُضال, يقف الطب أمامه عاجزاً, ويُحكَم عليه بأنه سيموت حتماً, ثم تجده يعيش لسنوات عديدة, ليس به إلا التنفس, والأكل المطحون يعطى له بخرطوم عن طريق الأنف (الرايل) ويصاب بقرح الفراش, حتى يتمنى الناس له الموت, لدرجة أنهم أحدثوا لهذه الظاهرة اسماً, وهو (الموت الإكلينيكى) أو (السكتة الدماغية) كما حدث لشارون هذه الأيام, وتجد آخر يتمتع بصحة وافرة, وشباب وحيوية, ثم يموت فجأة, لا لسبب إلا لأن الله هو الذى {يُحْيِـي وَيُمِيتُ}, والله أعلم.
س45- لماذا تخص الآيات التى تتكلم عن بر الوالدين الأم بالذكر دون الأب؟
ج45- إن معظم الآيات التى أمرت ببر الوالدين ذكرتهما معاً, مثل قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا} [الإسراء:23] وقوله: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً} [العنكبوت:8] وقوله: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانا} [الأحقاف:15] ثم إن دور الأم فى حياة الإنسان أعظم بكثير من دور الأب, فهى التى تتحمل متاعب الحمل والولادة والرضاعة, كما قال الله عز وجل: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْن} [لقمان:14] وقال: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً} [الأحقاف:15] أما الرجل فحمله خِفّاً (السائل المنوى) ووضعه شهوة. ومعلوم أن أضعف فترة فى حياة الإنسان, والتى يحتاج فيها إلى رعاية ليل نهار, هى السنوات الأولى من عمره, وهذه الفترة لا يتذكرها أحد, فهل أحد منا يتذكر حين كان فى بطن أمه أو حين كانت ترضعه وتسهر على خدمته؟ أما الأب فرعايته لولده – عادة – تكون بعد ثلاث سنوات أو أربع, فالطفل يجد أباه هو الذى يشترى له طعامه وشرابه وملابسه, وهو الذى يأتيه باللعب والحلوى وكل شىء, وهذه الفترة يتذكرها الإنسان جيداً, وينسى دور أمه, وما لاقته من متاعب, فالله عز وجل يذكرنا بدور أمهاتنا, كى نبرّهنَّ, ولا ننسى فضلهنَّ, كما قال رسول الله  حينما سُئِلَ عن أوْلى الناس بحسن الصُّحبة: ((أمُّكَ ثم أمُّكَ ثم أمُّكَ ثم أبوكَ ثم أدناكَ أدناكَ)) [صحيح مسلم], والله أعلم.
س46- كيف تقولون إن القرآن لكل العالم, وهو يقول: {َلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الأنعام:92] و{أُمَّ الْقُرَى} عندكم هى مكة, فيكون ما حولها بضع قرى وليس كل العالم؟
ج46- لقد ثبت علمياً أن مكة المكرمة تتوسط اليابسة زماناً ومكاناً (وليس الكرة الأرضية كلها, لأن خمس الأرض يابس والباقى ماء) قال الأستاذ الدكتور زغلول النجار عن صديقه الدكتور حسين كمال الدين – رحمه الله – الذى كان أستاذاً فى هندسة القاهرة, ومن أعظم علماء المساحة: إنه كان يجرى دراسة بواسطة الحاسب الآلى لتحديد اتجاه القِبْلة فى مختلف بقاع الأرض, فأثبت أن مكة المكرمة هى وسط اليابسة, بمعنى أننا لو رسمنا دائرة مركزها مكة المكرمة, فهذه الدائرة تحيط باليابسة كافة, فاقترح أن يعيد إسقاط الخرائط الجغرافية والجيولوجية وغيرها باعتبار أن خط طول مكة هو خط طول الأساس, لماذا؟ لأن خط طول جرينتش الذى فرضه الإنجليز على العالم بحد السيف, بحكم أنهم كانوا القوَّة العُظمى, واعتبروه خط طول الأساس (خط الصفر) فيه انحراف مغناطيسى, فإن كل موقع له شمال حقيقى وشمال مغناطيسى, الشمال الحقيقى هو الاتجاه العمودى على اتجاه شروق الشمس, والشمال المغناطيسى هو الذى تحدده الإبرة الممغنطة, سواء بواسطة بوصلة أو غيرها, ولذلك يضعون على كل خارطة شمالاً حقيقياً وشمالاً مغناطيسياً, والزاوية بينهما تسمى زاوية الانحراف المغناطيسى, وهى عند خط طول جرينتش تزيد على ثلاث وعشرين درجة, وعند خط طول مكة تساوى صفراً, فلو وُضِعَ خط مكة خط طول الأساس ينتظم شكل العالم وينتظم شكل الخرائط. وأضاف الدكتور زغلول النجار أن مكة تتوسط اليابسة زماناً أيضاً, لأن العلماء يتكلمون عن خط طول الصفر الزمنى, فوجدوا أحد عشر خطاً عن يمينها وأحد عشر عن يسارها, والله أعلم.
س47- إن نزول القرآن على مدار ثلاثة وعشرين عاماً أمر مريب, فهو الكتاب الوحيد الذى استغرق نزوله هذا الزمن, فالتوراة أنزلت على موسى دفعة واحدة, والإنجيل نزل على عيسى مرة واحدة, وهذا مما يثير الشك حول القرآن أنه من تأليف محمد, لأن تأليف الكتب يستغرق وقتا طويلاً, بعكس الكتب المنزلة من عند الله فإنها لا تحتاج لزمن.
ج47- لقد أجبنا من قبل – بتوفيق الله جل وعلا – على زعم تأليف القرآن, فى الشبهة رقم (26) أما كونه لم ينزل مرة واحدة, فإن هذا السؤال ليس بجديد, فهو منذ عهد رسول الله  {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان:32] وقد رد الله عليهم فى الآية نفسها, بقوله سبحانه وتعالى: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} إن الآية الكريمة قد بينت أن نزول القرآن منجَّماً كان لتثبيت قلب الرسول  فكلما ضاق صدره بتكذيب المشركين له, نزلت عليه الآيات تصبِّره وتثبِّته, وتقص عليه قصص إخوانه من الأنبياء والمرسلين – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – وما فعله معهم أقوامهم. فنزوله مرة واحدة لم يكن ليعجز الله عز وجل, فقد أنزله جملة واحدة ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة فى السماء الدنيا, ثم نزل إلى الأرض منجَّماً حسب الأحداث, كما قال ذلك عبد الله بن عباس – رضى الله عنهما – فى تفسير (ابن كثير) وغيره.
وتنزيل القرآن لم يكن لتثبيت الرسول  فحسب, بل كان أيضاً لتثبيت الصحابة  فكلما حدث أمر, وأرادوا معرفة حكم الشرع فيه, جاءهم الوحى من عند الله غضّاً طريّاً, يبين لهم ما هم عنه سائلون, وما هم فيه مختلفون, ولذلك كثيراً ما نجد فى القرآن قوله: {يَسْأَلُونَك} أو {يَسْتَفْتُونَكَ} وعند ظهور أى مشكلة, ويشتاق المجتمع كله لمعرفة الحق فيها, تنزل الآيات بتوضيحه, لتروى ظمأهم, وتشفى غليلهم, فتثبت الإجابة فى صدورهم, ولا يستطيعون نسيانها, وبذلك تكون العلاقة بين الناس وربهم ورسولهم علاقة حيوية مستمرة, لا علاقة فاترة باردة, وهذا كما يقولون: (الطَّرْق على الحديد وهو ساخن) فحين تكون عطشاناً, وليس عندك ماء, فإنك تشتاق إليه, فإذا جاءك على ظمأ, شعرت بقيمته, وقيمة من أعطاه لك, أكثر مما لو كان عندك منذ البداية – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – ولذلك كان بعض الصحابة  – مثل عبد الله بن مسعود – يعلم كل آية لماذا ومتى وأين نزلت. فلو نزل القرآن جملة واحدة, ثم عَرَضَ لهم أمر, لَمَا ذهبوا إلى الرسول  ليسألوه, ولَمَا حدث اختبار للمسلمين فى كثير من المواقف, وكأنك أعطيت الإجابة جاهزة للطالب الذى تريد اختباره بجانب ورقة الأسئلة, فأين الاختبار إذن؟ ثم إن القوم الذين أرسل فيهم الرسول  كانوا أميين, يصعب عليهم قراءة القرآن, فيضطرون لسؤال غيرهم, أما التلقِّى من الرسول  مباشرة فقد كان أقوى لهم فى معرفة كلام ربهم, وتثبيته فى صدورهم, وارتباطهم بنبيهم, فما أجمله من شعور.. شعور ارتباط الإنسان بربه, لدرجة أن الصحابة  كانوا يبكون بعد موت النبى  لانقطاع الوحى, كما حدث مع السيدة بركة الحبشية وأبى بكر وعمر. وتخيلوا معى كم كانت فرحة السيدة خولة بنت ثعلبة, حين ذهبت للرسول  لتسأله عن ظِهار زوجها منها, وهى تشتكى وتبكى, ثم ينزل الوحى ليجيب عن سؤالها, ويفرِّج كربها؟ (راجع تفسير سورة المجادلة).
ولنضرب لكم بعض الأمثلة التى توضح حتمية نزول القرآن متفرقاً حسب الأحداث: فى حادثة الإفك – مثلاً – ظل الرسول  والمسلمون شهراً كاملاً فى هذه المحنة, وهذا البلاء العظيم, ولا يدرون ماذا يفعلون فيما يردده المنافقون عن السيدة عائشة رضى الله عنها, فلو كانت براءتها معلومة منذ البداية لَمَا حصل اختبار للرسول  والمؤمنين, ولَمَا استفاد المجتمع المسلم من هذه التجربة, ولكن انقطاع الوحى شهراً كاملاً جعلهم يتشوَّفون لبيان هذا الأمر والفصل فيه, فلما نزل الوحى شفى غليلهم, وروى ظمأهم, وعلموا جيداً ما هو المفروض عليهم فى مثل هذا الموقف, وغير ذلك من الآداب التى نزلت فى سورة (النور) بسببه. وعندما تخلَّف المؤمنون الثلاثة عن غزوة تبوك, وأمر النبى  المسلمين بهجرهم إلى أن يقضى الله فى أمرهم, فلو كان القرآن نزل جملة واحدة, لعلموا أن الله قد غفر لهم, فلم يكن لِهَجْرِ المسلمين لهم أىُّ طعم, ولَمَا تضرعوا لله كل هذا التضرع, ولَمَا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت (كما ذكرت قصتهم فى سورة التوبة) وكذلك الغزوات.. فلو علموا – مثلاً – أنهم سينتصرون فى غزوة بدر, لاطمأنت قلوبهم, ولَمَا توكلوا على الله وتضرعوا إليه مثل ما كان منهم حينها. وكذلك غزوة أحد.. كيف كان حالهم لو علموا مصيرها مسبقاً؟ أو لو علموا بما سيحدث فى غزوة حنين؟ {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ{25} ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ{26} ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة25-27] وأشياء أخرى كثيرة يقصر المقام عن ذكرها, مثل تحويل القبلة, والإسراء والمعراج, وفتح مكة…إلخ. وهى فى مجملها تعنى أن القرآن كان سيفقد روحه, وتجدده, وتفاعله مع الأحداث, وتكون العلاقة بين الأرض والسماء مرة واحدة وانتهت. فمن فى واقعنا تعرِض له مشكلة, ثم يرجو الله أن ينزل حكمها, ويشتاق لذلك ليريح قلبه, ويفرج همه؟ إن أى إنسان تعرِض له مشكلة, إما أن يذهب ليسأل عنها العلماء, أو يجتهد فى البحث عنها بنفسه, فلا يجد فى ذلك حلاوة استجابة الله له, وتنزيل الوحى من أجله. أما الصحابة  فقد كانت تنزل عليهم الآيات تبشرهم, وتثبتهم, وتبين لهم, وكلما ألَمَّت بهم محنة, أو ضيَّق المشركون عليهم, نزلت عليهم الآيات تبشرهم بالجنات, وتدعوهم إلى التفكر فى خلق الله وذكره والتضرع إليه, فيزدادون إيماناً مع إيمانهم {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة:124]
ثم أخبرونى يا من تثيرون هذه الشبهة.. ماذا كان الحال لو علم الكفار أن الرسول  سيهاجر؟ وماذا كانت تعنى {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} [التوبة:40]؟ ثم إن نزول القرآن منجَّماً يدل على أنه من عند الله.. وليس العكس, فلو كان من عند سيدنا محمد – كما تقولون – لَمَا تأخر فى إجابة الكفار حين سألوه عن أصحاب الكهف حتى يأتيه الوحى, ولَمَا تأخر فى الرد على كثير من الأسئلة التى طُرِحَت عليه, والله أعلم.
س48- إن القرآن يشيد بالحواريين ويشيد بالتوراة والإنجيل, ويثبت أنه ليس بهما أى تحريف, فيقول: {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} [الحديد:27] {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ} [المائدة:43] {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} [المائدة:44] {وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ} [المائدة:46] {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيه} [المائدة:47]
ج48- أما إشادة القرآن الكريم بالحواريين أتباع سيدنا عيسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – فلأنهم كانوا على الحق, أى أنهم عبدوا الله وحده ولم يشركوا به شيئاً, وآمنوا أن عيسى عبد الله ورسوله {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُون} [المائدة:111] وأمّا إشادته بالتوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب السابقة, فهى خاصة بالكتب المنزلة من عند الله جل وعلا, قبل أن يتم تحريفها, ولكنه مع إشادته بها, أقر بأنه مهيمن عليها, فقال: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْه} [المائدة:48] فهو مصدِّق لما جاء فيها, ولكنه مهيمن عليها. أى أنه يُقِرّ بعض أحكامها, وينسخ البعض الآخر, فما أقرَّه آمنا به, وكان شرعاً لنا, وما نسخه آمنا به, ولكنه ليس شرعاً لنا. ولا يخفى على أحد أن النسخ غير التحريف, فقد نصَّ القرآن على تحريف أهل الكتاب لكتبهم, فقال: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران:78] أما قول الله جل وعلا: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ} وقوله: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيه} فلا يدل على عدم التحريف, لأن التحريف لم يكن شاملاً لكل نصوص التوراة والإنجيل, بدليل أن أوصاف النبى r كانت عندهم ولم تُحرَّف {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} [الأعراف:157] وإلى الآن ليس كل ما بأيديهم محرَّف, ولذلك قال رسول الله r: ((لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم, و{قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا} الآية)) [صحيح البخارى] لأننا ربما صدقنا كاذباً, أو كذبنا صادقاً, فالأفضل عدم التصديق وعدم التكذيب, إلا ما فيه عندنا نص من الكتاب أو السنَّة. والدليل على أن كتبهم محرفة ما نشاهده من تعدد كتبهم واختلافها فيما بينها, فهناك مثلاً: إنجيل يوحنا, ومتى, ومرقس, ولوقا, وغير ذلك من الأناجيل, أما نحن فليس عندنا قرآن أبى بكر, أو عمر, أو عثمان, أو على… إلخ. وقد شهد كتابهم نفسه على تحريفه, وإليكم بعض الأدلة:
فإنه إن كان صِدْق الله قد ازداد بكذبى لمجده فلماذا أُدَانُ أنا بَعدُ كخاطئ. (رسالة بولس إلى رومية3: 7) سبحان الله! كيف يزداد صدق الله بكذب الناس؟
مُبْطلين كلام الله بتقليدكم الذى سلمتموه. وأموراً كثيرة مثل هذه تفعلون. (مرقس7: 13)
ولكن كان أيضاً فى الشعب أنبياء كذبة كما سيكون فيكم أيضاً معلمون كذبة (رسالة بطرس الثانية2: 1)
فقال الرب لى. بالكذب يتنبأ الأنبياء بإسمى. لم أرسلهم ولا أمرتهم ولا كلمتهم. برؤيا كاذبة وعَرافة وباطل ومكر قلوبهم هم يتنبأون لكم. (إرميا14: 14)
صار فى الأرض دهش وقشعريرة. الأنبياء يتنبأون بالكذب والكهنة تحكم على أيديهم وشعبى هكذا أحب. وماذا تعملون فى آخرتها. (إرميا5: 30-31)
لأنهم من صغيرهم إلى كبيرهم كل واحد مُولَع بالربح ومن النبى إلى الكاهن كل واحد يعمل بالكذب. (إرميا6: 13)
اذكر يسوع المسيح الْمُقام من الأموات من نسل داود بحسب إنجيلى. (رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس2: 8) (نلاحظ كلمة: بحسب إنجيلى)
وهذا أنا أفعله لأجل الإنجيل لأكون شريكاً فيه. (رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس9: 23)
وأنبياؤها قد طيَّنوا لهم بالطفال رائين باطلاً وعارفين لهم كذباً قائلين هكذا قال السيد الرب والرب لم يتكلم. (حزقيال22: 28) فهذه وغيرها شواهد على تحريف كتبهم, والله أعلم.
س49- يُقِرُّ القرآن بأن آدم عصى ربه, وأن إبليس عصى ربه, فلماذا تاب الله على آدم, ولم يتب على إبليس؟ مع أن إبليس كان مُحِقّاً فى أن النار أفضل من الطين؟ ثم لماذا يأمره بالسجود لعبد مثله, ولا يأمره بالسجود له؟
ج49- إن معصية سيدنا آدم – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – لم تكن كمعصية إبليس, فإن معصية آدم لم تكن عن كِبْر أو جحود, فهى كمعصية من يغلبه هواه على فعل أمر ما, مع علمه بتقصيره فى حق مولاه. ثم إن آدم ندم عليها وتاب منها {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة:37] {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف:23] أمّا إبليس فقد استكبر عن امتثال أمر الله {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة:34] ومن رحمة الله جل وعلا أن سأله عن عدم سجوده (وهو أعلم به) ولم يلعنه ويطرده من رحمته فور معصيته, ولكنه لم يندم ولم يتب, بل رد بسوء أدب مع خالقه جل وعلا {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف:12] {قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر:33] فهناك فرق بين المعصيتين. فمثلاً: لو أن امرأة لم تحتجب, مع علمها بأن الحجاب فريضة من الله, وأنها مقصرة فى حقه سبحانه وتعالى, فهذه يُرجَى لها الخير, ولا تخرج من الملة بمعصيتها, أمّا لو تكبرت على امتثال أمر ربها, واستهزأت بفريضته, ولم تعترف بها, فإنها تكون فى هذه الحالة قد كفرت, لأنها ردت الأمر على الآمر, ولم تقتنع به كما فعل إبليس (وهذه خطورة قول إحداهن: أنا غير مقتنعة بالحجاب) فمثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لو أن لك ولدين, أمرتهما بأمر فلم يمتثلا له, ولكن أحدهما اعتذر لك, وبكى من خشيتك, ووعدك بعدم عصيان أمرك مرة أخرى, فَرَقَّ له قلبك وعفوت عنه, أمّا الولد الآخر فقد تبجح, ورد عليك بسوء أدب, واستهزأ بأمرك, فهل يستدر عطفك, وتعفو عنه كأخيه؟ ثم من قال إن النار أفضل من الطين؟ إن هذا قياس على حد تصور إبليس, وإلا- فكلاهما له خصائصه التى خلقها الله سبحانه وتعالى. والذى قال هذه المقولة شيطان مثل إبليس, لأنه أدخل القياس العقلى مع الأمر الشرعى, فلا يجوز بأى حال من الأحوال أن يرجح الإنسان هواه على أمر مولاه, أو يقترح شيئاً غير الذى أمره الله به, فمثلاً: لو قال أحد إن عدد ركعات الفجر أو المغرب قليلة لا تليق بالعبودية لله, ثم زاد من عنده ركعة أو أكثر, فهل يقبل منه؟ أو قال إن قطع يد السارق أمر عنيف وفيه شدة, ولكن الأفضل أن نحبسه لمدة معينة حسب حالته, فهل يكون هذا الإنسان مسلماً؟ إنه بذلك قد كفر لاعتراضه على أمر الله, والتحاكم لغير شرعه.
أمّا أمر إبليس بالسجود لآدم, فإن هذا ليس تعظيماً لآدم, بل تعظيم للآمر, وهو الله سبحانه وتعالى, فحين يأمرنا الله جل وعلا ببرّ والدَينا – وإن كانا كافريَن – فهل هذا تعظيم لهما؟ إنهما من أهل النار لو كانا كافريَن, ولكن برهما تعظيم لخالقهما سبحانه وتعالى, فمثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لو أنك مدحت جهازاً مثل الكمبيوتر فى كفاءته, وكذا وكذا, فإنك فى هذه الحالة لم تمدحه, ولكنك مدحت صانعه الذى جعله بهذا الإتقان. فالسجود لآدم إنما هو فى الحقيقة سجود لله جل وعلا, وليس سجود عبادة لآدم, فليس لآدم فضل على الملائكة حتى يعظموه, إنما التعظيم لله سبحانه وتعالى,  كما أن السجود لغير الله كان مباحاً فى الشرائع التى سبقت الإسلام, مثل ما حدث مع سيدنا يوسف – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – ولقد قال الشيخ الشعراوى رَحِمَهُ الله: إن الملائكة التى سجدت لآدم هى الملائكة الموكَّلة بخدمته, كالْحَفَظَة, وكاتبى الأعمال, والملائكة الموكَّلة بالأرحام, والمطر, والرياح… إلخ, وليس كل الملائكة, بدليل قوله تعالى: {أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} [ص:75] أى أن {الْعَالِينَ} – على حَدِّ قوله – هم الملائكة الذين لم يشملهم الأمر بالسجود, كحَمَلَة العرش, وجبريل, وغيرهم من الملائكة, سلام الله عليهم أجمعين, والله أعلم.
س50- كيف تقولون إن الأنبياء معصومون, وتعيبون علينا ذكر أخطائهم, مع أن القرآن يُقِرُّ بأن لهم ذنوباً؟ فقد قال: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِك} [محمد:19] وقال: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّر} [الفتح:2] وقال: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء:82] وقال {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيّ} [نوح:28] وهكذا جاء الاستغفار فى القرآن من إبراهيم, وداود, وغيرهما من الأنبياء, وهذا يؤيد ما جاء فى الكتاب المقدس من أن الأنبياء غير معصومين.
ج50- كيف تزعمون أن القرآن يُقرّ بأن لهم ذنوباً بالمعنى الذى تقصدونه؟ إن قولكم هذا ليس طعناً فيهم, بل فى الذى أرسلهم جل وعلا, وكأنه سبحانه وتعالى لم يحسن اختيارهم, وهو سبحانه الذى قال: {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام:124] وقال: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاس} [الحج:75] إن الذنوب عبارة عن كبائر وصغائر, وأعظم الكبائر هو الشرك بالله, ثم عقوق الوالدين, ثم ذنوب أخرى مثل الربا, والقتل, والسرقة, والزنى, وشرب الخمر, والميسر, والكذب, والتولِّى يوم الزَّحف, وقذف المحصنات, واليمين الغموس… إلخ. وهناك صغائر مثل النظر المحرم, ولمس الأجنبيات باليد… إلى غير ذلك. فالأنبياء – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – معافون من الذنوب جميعها, صغيرها وكبيرها. أما استغفارهم فهو إمّا من تصرفات عملوها بطبيعتهم, بغير وحى من الله, وهذه التصرفات ليست حراماً, ولكنها لم تصادف مراد الله جل وعلا. وإمّا استغفاراً من حالة إيمانية أو تعبدية أقل مما هم عليه فى سائر أحوالهم, قال رسول الله : ((إنه لَيُغان على قلبى, وإنى لأستغفرُ الله فى اليوم مائة مرة)) [صحيح مسلم] قال العلماء: إن إيمان النبى  وعبوديته لربه فى ازدياد مستمر, فهو يستغفر فى كل مرة من الحالة التى قبلها, أى الحالة التى كانت أقل إيماناً من حالته لحظة استغفاره. والحالة الثالثة من استغفار الأنبياء أنه استغفار عبودية, لأن الاستغفار تكليف من الله لجميع خلقه من الجن والإنس, حتى المعصومين منهم, وهم الأنبياء والمرسلون, صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وسنذكر بعض الأمثلة على تصرف الأنبياء بطبيعتهم بغير وحى من الله, وبالله التوفيق:
عفو النبى  عن المنافقين المتخلفين عن الخروج معه فى غزوة تبوك {عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة:43].
أَخْذ الفِدْيَة من المشركين مقابل الأسرى فى غزوة بدر {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْض} [الأنفال:67].
استغفار النبى  لعمه أبى طالب, وقد مات مشركاً {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيم} [التوبة:113].
عبوس النبى  عندما دخل عليه عبد الله بن أم مكتوم  وعنده كبار القوم, يحاول أن يدعوهم إلى الله عز وجل, مع أن عبد الله كان أعمى, لا يرى عبوس النبى  ولم يعبس النبى فى وجهه تأففاً منه, ولكن حرصاً على هداية الجالسين معه {عَبَسَ وَتَوَلَّى{1} أَن جَاءهُ الْأَعْمَى} [عبس:1-2].
تحريم النبى  على نفسه أكل العسل, لأنه عندما أكله عند السيدة زينب بنت جحش – رضى الله عنها – ثم دخل على السيدة عائشة والسيدة حفصة – رضى الله عنهما – قالتا له: أكلت مغافير؟ إنا نجد منك رائحة مغافير (وهو الصمغ) وقد قالتا له ذلك لغَيْرتهما من السيدة زينب, فأقسم ألا يأكله بعد ذلك, فعاتبه ربه, وقال له: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم} [التحريم:1].
سؤال سيدنا نوح ربه أن ينجى ولده من الغرق, وقد كان ولده مشركاً {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} [هود:45] وسيدنا نوح – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – لم يدعُ لولده إلا لأنه فهم من قول الله جل وعلا: {احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَك} [هود:40]  أن ابنه من أهله, ولكن الله سبحانه وتعالى كان له مُراد آخر من قوله: {وَأَهْلَك} أى أهله فى الإيمان, وليس فى النسب {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ{46} قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِين} [هود:46-47].
دعاء سيدنا نوح على قومه {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارا} [نوح:26].
خروج سيدنا يونس – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – من بين أظْهُر قومه (غضباً عليهم) بغير إذن من الله جل وعلا {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:87] فما كان ينبغى له أن يخرج من بين أظْهُرِهم إلا بإذن الله, كما فعل ذلك رسول الله  فى الهجرة, فإنه لم يخرج من مكة إلى المدينة مهاجراً إلا بإذن ربه جل وعلا.
قتل سيدنا موسى للقبطى الذى تشاجر مع رجل من قومه, مع أن سيدنا موسى (على نبينا وعليه الصلاة والسلام) لم يكن يقصد قتله {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْه} [القصص:15]  ولم يكن حينها رسولاً, ولكنه اعتبر ذلك ذنباً, واستغفر ربه {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَه} [القصص:16].
كذب سيدنا إبراهيم على قومه لمحاورتهم, فلم يكن كذبه – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – كذب معصية, ولكنه كان لمحاولة إقناعهم بوحدانية الله جل وعلا (كما ورد فى سورتى الأنعام والأنبياء).
استماع سيدنا داود – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – للمتخاصمين, وحكمه بينهما {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَاب} [ص:21] إلى نهاية القصة, ثم استغفاره {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} [ص:24] وقد قال العلماء: إنه استغفر ربه لأنه سمع من أحد المتخاصمين, ولم يسمع من الآخر. وقيل: لأنه حكم بينهما فى يوم انقطاعه لعبادة ربه, ولم يكن يوم القضاء بين الناس. وقيل: لأنه ظن بهم السوء, وأنهم جاءوا ليقتلوه, لأنه كان يجلس منفرداً, وقد تسوَّروا عليه الجدار {فَفَزِعَ مِنْهُم} [ص:22] أمّا ما قيل من أن هذا مَثَل ضُرِبَ لما فعله مع أحد جنوده, واسمه (أوريا) حين رأى امرأته فأعجبته, فأمره أن يطلقها ليتزوجها, فإن هذا من الإسرائيليات المكذوبة عليه, فإن الأنبياء معصومون, لا يصدر منهم مثل هذه التصرفات الوضيعة الخسيسة, وقد ذكرنا ملخص القصة المكذوبة عليه فى الكتاب المقدس, فى الرد على الشبهة رقم (109).
مما سبق وغيره يتضح أن استغفار الأنبياء والمرسلين لم يكن عن ذنوب حقيقية, ولكنها كانت نِسْبِيَّة, فمثلاً: لو أن طالباً اعتاد أن ينجح كل عام بدرجة 100% ثم نجح بدرجة 95% فإن هذا يحزنه, لأنه نزل عن مستواه, أما لو كان ينجح كل عام بدرجة 60% ثم نجح بدرجة 90% فإن هذا يسعده, ويكون شرفاً فى حقه. وقد جاء فى الحديث التالى عن رسول الله  ذكر بعض ذنوب الأنبياء, حيث قال: ((أنا سيد الناس يوم القيامة, وهل تدرون مِمَّ ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين فى صعيد واحد, يُسمِعُهُم الداعى, ويُنفِذُهُم البصر, وتدنو الشمس منهم, فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون, ولا يحتملون, فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم, فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبونا, أنت أبو البشر, خلقك الله بيده, ونفخ فيك من روحه, وأمر الملائكة فسجدوا لك, اشفع لنا إلى ربك, ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم آدم: إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله, ولن يغضب بعده مثله, وإنه نهانى عن الشجرة فعصَيْتُه, نفسى نفسى نفسى, اذهبوا إلى غيرى, اذهبوا إلى نوح, فيأتون نوحاً فيقولون: أنت أول الرسل إلى أهل الأرض, وسمّاك الله {عَبْداً شَكُوراً} اشفع لنا إلى ربك, ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم نوح: إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله, ولن يغضب بعده مثله, وإنه قد كانت لى دعوة دعوت بها على قومى, نفسى نفسى نفسى, اذهبوا إلى غيرى, اذهبوا إلى إبراهيم, فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم! أنت نبى الله, وخليله من أهل الأرض, اشفع لنا إلى ربك, ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم: إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله, ولن يغضب بعده مثله, وإنى قد كنت كذبت ثلاث كذبات, نفسى نفسى نفسى, اذهبوا إلى غيرى, اذهبوا إلى موسى, فيأتون موسى فيقولون: يا موسى! أنت رسول الله, فضَّلك الله برسالاته وبكلامه على الناس, اشفع لنا إلى ربك, ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله, ولن يغضب بعده مثله, وإنى قتلت نفساً لم أُومَرْ بقتلها, نفسى نفسى نفسى, اذهبوا إلى غيرى, اذهبوا إلى عيسى, فيأتون عيسى فيقولون:  يا عيسى أنت رسول الله, وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه, وكلَّمت الناس فى المهد, اشفع لنا إلى ربك, ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله, ولن يغضب بعده مثله, نفسى نفسى نفسى, اذهبوا إلى غيرى, اذهبوا إلى محمد, فيأتوننى فيقولون: يا محمد! أنت رسول الله, وخاتم الأنبياء, وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر, اشفع لنا إلى ربك, ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطَلِقُ فآتى تحت العرش فأقَعُ ساجداً لربى, ثم يفتح الله علىَّ, ويلهمنى من محامده, وحسن الثناء عليه, شيئاً لم يفتحه لأحد قبلى, ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك سَلْ تُعْطَ, واشفع تُشَفَّع, فأرفعُ رأسى فأقول: يا رب أمَّتى أمَّتى, فيقال: يا محمد أدخِل الجنة من أمَّتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة, وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب, والذى نفسى بيده إن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة لَكَمَا بين مكة وهَجَر, أو كما بين مكة وبُصرَى)) [صحيح الجامع:1466] والثلاث كذبات اللاتى يقصدهن سيدنا إبراهيم, اثنتان منهما كانتا لمحاورة قومه (كما ذكرنا من قبل) والثالثة حينما ذهب إلى مصر, وكانت معه زوجته, فقال لهم إنها أخته, لأنه خاف إن علموا أنها زوجته, أن يقتلوه ليأخذوها منه, لشدة جمالها, ومع أنه كان يقصد أنها أخته فى الله, ولكن لشدة خوفه من الله جل وعلا, اعتبرها كذباً.
فيا من سألتم هذا السؤال, وزعمتم أن القرآن يُقِرّ بعدم عصمة الأنبياء مثل الكتاب المقدس.. فهل ما ذكرناه من ذنوبهم (وهى ليست ذنوباً على الحقيقة) يتوافق مع مانسبتموه إليهم من فظائع الذنوب, مثل الزنى, والسرقة, وشرب الخمر, وغير ذلك مما ذُكِرَ فى مواضع كثيرة من هذا الكتاب؟ {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}, والله أعلم.
س51- يصف القرآن الإنسان تارة بأنه حمار, وتارة بأنه كلب, وتارة بأنه كالأنعام, وذلك فى الآيات التالية: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} [الجمعة:5] {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ} [الأعراف:176] {أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف:179] وكذلك يشبِّه رسولكم الإنسان بالكلب, فى قوله: ((الخوارج كلاب النار)) [سنن ابن ماجه, صحيح الجامع:3347] فأين تكريم الإنسان إذن؟
ج51- إن كل الآيات التى ذكرت هذه العبارات لم تصف إنساناً بعينه, ولكنها شبهت أنواعاً من البشر, يجمع بينهم قاسم مشترك – وهو الكفر بالله جل وعلا – بأنواع من الحيوانات, والله سبحانه وتعالى أعلم بعباده وصفاتهم, وما يوافق بعضها بعضاً. ولماذا تتعجبون؟ فإن الكافر بالله أحَطُّ من الحيوان, لأن الحيوان يعرف ربه, ويسبح بحمده {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44] وعلى سبيل المثال.. فقد ذكر لنا القرآن ما قاله الهدهد لسيدنا سليمان, على نبينا وعليه الصلاة والسلام: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ{25} اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل:25-26] فالآية الأولى فى السؤال تخص بالذكر اليهود الذين لم يعملوا بما أنزل إليهم فى التوراة, فكانوا مثل الحمار الذى يحمل على ظهره كتباً قيّمة, ولكنه لا يعرف قيمتها, ولا يفقه ما فيها, وهى ليست خاصة باليهود, وإن نزلت بسببهم, فالعبرة بعموم اللفظ, لا بخصوص السبب, فلو فعل المسلمون فعلتهم, لكانوا مثلهم. والآية الثانية تصف من جحد الحق, رغم علمه بأنه الحق, فبعدما آتاه الله آياته, انتكس وكفر بها, لِعَرَض من الحياة الدنيا, فكان مَثَلُه كمثل الكلب الذى يلهث فى جميع الأحوال, سواء طارَدتَّه أم تركتَه. قال العلماء: إنه مثل للكافر الذى لا يهتدى, سواء دعوته أم لم تدعُهُ, فجاء تشبيهه بأحط شىء من أحوال الحيوانات, لأن جميع الحيوانات تلهث من الفرار والجرى, أما فى حالة الراحة والسكون فلا تلهث, بخلاف الكلب الذى يلهث فى الحالتين. وقد شُبِّهَ الكافر به لأن الإيمان هو الذى يُطَمْئِن قلب الإنسان, فيستريح ويسكن, وبدونه فلا راحة لقلبه ولا سكون على أى حال {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة:6] أما الآية الأخيرة فهى وصف عام للكافرين بأنهم كالأنعام التى لا تفقه ماترى وتسمع. أما حديث الرسول  فإنه لا يخص أحداً بعينه, ولكنه يتكلم عن الخوارج عامة, وهم الذين يُكفِّرُون المسلمين بمعاصيهم, ويُقنِّطونهم من رحمة الله تعالى, فكان جزاؤهم من جنس صنيعهم, فكما كانوا ينبحون على المؤمنين, ويخيفونهم بأفكارهم الضالة, فهم ينبحون ويخيفون من يستحق النباح والتخويف فعلاً, وهم أهل النار, والعياذ بالله. ولم يَرِدْ عنه  قط أنه شتم أو سب أحداً بعينه, بل إنه نهى عن الشتم والسب فى أكثر من حديث, على نقيض ما جاء فى كتابكم المقدس, واقرأوا إن شئتم:
أيها الْجُهّال والعُميان (متى23: 19)
لا تعطوا القدس للكلاب. ولا تطرحوا درركم قدّام الخنازير. (متى7: 6)
أيها الحيّات أولاد الأفاعى كيف تهربون من دينونة جهنم. (متى23: 33)
فقال له الله يا غبى (لوقا12: 20)
أولاد اللعنة. (رسالة بطرس الثانية2: 14)
أما الرجل ففارغ عديم الفهم وكَجَحش الفرا يولد الإنسان (أيوب11: 12)
الإنسان الرِّمَّة وابن آدم الدود. (أيوب25: 6)
أنتم الآن أيها الفريسييون تنقُّون خارج الكأس والقصعة وأما باطنكم فمملوء اختطافاً وخُبثاً. يا أغبياء أليس الذى صنع الخارج صنع الداخل أيضاً. (لوقا11: 39-40)
ها أنا أرسلكم كغنم فى وسط ذئاب. فكونوا حكماء كالحيّات وبُسطاء كالحمام. (متى10: 16)
فليس للإنسان مَزيَّة على البهيمة لأن كليهما باطل. [الجامعة3: 19]
قد أصابهم ما فى المثل الصادق كلب قد عاد إلى قيئه وخنزيرة مغتسلة إلى مراغة الحمأة (رسالة بطرس الثانية2: 22)
يا ابن المتعوِّجة المتمردة أمَا علمتَ أنك قد اخترتَ ابن يَسِّى لخِزْيك وخِزْى عَورة أُمّك. (صموئيل الأول20: 30)
فتتعثر فى النهار ويتعثر أيضاً النبى معك فى الليل وأنا أَخْرِبُ أُمَّك. (هوشع4: 5), والله أعلم.
س52- يتناقض القرآن مع العلم تناقضاً واضحاً, فيزعم أن القلب هو الذى يعقل, فيقول: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} [الأعراف:179] ويقول: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46] مع أن العلم يثبت أن الإنسان يعقل بمخه وليس بقلبه, فالقلب ليس إلا مضخة للدم, وليس للتفكير أو التعقل.
ج52- لماذا تتعجبون من هذا, وقد جاء فى كتابكم المقدس ما هو أشد منه.. ألا وهو ختان القلب, ولا ندرى كيف يكون هذا الختان؟
فاختنوا غُرلَة قلوبكم [تثنية10: 16]
وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان. (رسالة بولس إلى رومية2: 29)
إن القلب بالنسبة للمخ كغرفة التحكم, أو غرفة العمليات, فالمخ يفكر ويطرح مُعطياته على القلب, والقلب هو الذى يقرر نتيجة هذا التفكير, ويختلف هذا القرار بين الأفراد على حسب ما فى قلوبهم من الإيمان أو عدمه, كغرفة عمليات قائدها طيِّب, وأخرى قائدها شرِّير, والإنسان مهما بلغ فلن يحيط بكل شىء من علم الله سبحانه وتعالى {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء} [البقرة:255] والأطباء أنفسهم يعترفون بأن أغوار الإنسان وأسراره لم يُكتشف منها إلا القليل, وخصوصاً المخ.. يقولون عنه إنه كالقارَّة المظلمة, رغم كل ما اكتشفوه من تركيبه التشريحى, ووظائفه الحيوية. وفى الواقع شاهد على أن القلب يشعر بالأفراح والآلام والأحزان وغير ذلك, فمن ينكر أن قلبه ينشرح لأشياء وينقبض لغيرها؟ حتى إنهم ليقولون: قلبى مطمئن أو مستريح لكذا, قلبى منقبض من كذا, قلبى يقول لى كذا, هذا قلبه أبيض, وهذا قلبه أسود, هذا يتكلم من قلبه, ما خرج من القلب دخل إلى القلب, وما خرج من اللسان لا يتجاوز الآذان… إلخ. فأخبرونى بربكم ما معنى هذا الكلام لو كان القلب مجرد مضخة للدم كما تقولون؟ فالمؤمن يطمئن قلبه بما يرضى الله, وينقبض لما يغضبه {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر:23] على خلاف الكافر أو المنافق أو الفاسق الذى ينشرح صدره لما يغضب الله, وينقبض لما يرضيه {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر:45]
ولنضرب مثلاً للفرق بين القلوب: يعلم شخصان بوجود امرأة عجوز غنية, تعيش بمفردها, ولا يخدمها أحد, هذه القضية مفهومها واحد, ومُعطياتها واحدة, لا يلتبس فهمها على أحد, ولكن الشخصين اللذين عرضت عليهما هذه القصة كان أحدهما مؤمناً والآخر سارقاً, فَرَقَّ لها قلب المؤمن, وسعى فى المجىء لها بمن يخدمها, أما الآخر فطمع فيها وقرر أن يسرقها, لماذا؟ لأن المؤمن صالِحٌ قلبه, وأما السارق ففاسدٌ قلبه, قال رسول الله : ((إن الحلالَ بَيِّنٌ وإن الحرامُ بَيِّنٌ, وبينهما مُشتَبِهاتٌ لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس, فمن اتقى الشُّبُهات استبرأ لعِرضهِ ودينهِ, ومن وقع فى الشُّبُهات وقع فى الحرام, كالراعى يَرعىَ حول الحِمَىَ يُوشكُ أن يرتعَ فيهِ, ألا وإن لكل ملِكٍ حِمَىَ, ألا وإن حِمَى الله مَحَارِمُهُ, ألا وإن فى الجسدِ مُضغةً, إذا صَلَحَت صَلَحَ الجسدُ كُلُّهُ, وإذا فسدت فسد الجسد كُلُّهُ, ألا وهى القلب)) [صحيح مسلم] فصلاح الإنسان أو فساده مَنوط بصلاح قلبه أو فساده. وهناك مثال آخر: يعلم شخصان – أحدهما مؤمن والآخر فاسق – بمكان أحد المجاهدين المختبئين من العدو, وقد رصد هذا العدو جائزة مالية كبيرة لمن يدله على هذا المجاهد, هل يلتبس فهم هذه القضية على الصغير فضلاً عن الكبير؟ وهل يلتبس فهمها على الأمِّى فضلاً عن المتعلم؟ إن مفهومها واحد, ولكن الفرق فى صلاح القلب أو فساده, فقلب المؤمن يوجِّههُ إلى التستُّر عليه, وأما قلب الفاسق فيوجِّههُ إلى إبلاغ العدو عنه, أما المخ فهو الذى يفكر فى وسيلة التستر عليه أو الإبلاغ عنه, وكأن القلب قد أعطى إشارة معينة للمخ ليتصرف بموجبها. وهناك أمثلة كثيرة فى حياة كل واحد منا يستدل بها على صلاح القلب أو فساده, سواء بالنسبة له أو لغيره.
ونريد أن نسألكم أيها العِلمانيون الماديون, يا من لا تعترفون إلا بما أثبته العلم.. ألم يُقِرّ العالم أجمع بأن القلب يحب ويكره؟ وهل يختلف على ذلك اثنان؟ فهل أثبت العلم أن القلب به خلايا معينة أو صمامات تحب وتكره؟ إن غاية ما أثبته العلم هو اضطراب ضرباته بالزيادة أو النقصان حسب الحالة النفسية للإنسان, أما كيف يحب أو يكره فلم يصل إليه العلم إلى الآن.
وقد جاء برنامج (عن كَثَب) على قناة (الجزيرة) يوم الأربعاء الموافق العاشر من يناير لعام2007, فتحدَّث عن بعض مرضى القلب الذين أُجرِيَت لهم جراحة زرع قلوب من أناس ماتوا فى حوادث أو غيرها, فوجدوا أن هؤلاء المرضى قد تغيرت بعض أنماط حياتهم واهتماماتهم وأنشطتهم وفقاً لما كان عليه أصحاب تلك القلوب الأصليون, مع العلم بأن هؤلاء المرضى لا علم لهم بمن أخذوا منهم تلك القلوب, لأن هذا الأمر يخضع لسريَّة تامة (حتى لا يظن ظانّ أنها حالة نفسية اعترتهم) ومن أمثلة ما حدث من هذا التغيير أنهم وجدوا رجلاً لم يَحْظَ بقدر كبير من التعليم, لأنه خرج من المدارس فى سن مبكرة, ويعمل أعمالاً مهنية, ولم يكتب فى حياته شعراً ولا نثراً, ولا حتى رسالة, ثم أصبح بعد زراعة القلب يحب الشعر ويؤلفه ويكتبه, وأصبح عاطفياً نحو امرأته أكثر مما كان, وبعد الاستقصاء عن صاحب القلب الأصلى علم أنه كان عاطفياً وشاعراً. وحالة أخرى هى امرأة كانت رقيقة تخاف من المشاكل, لدرجة أنها كانت تترك لزوجها الغرفة إذا شاهد مباريات كرة القدم فى التِلفاز, ثم بعد أن نقلوا إليها قلب رجل مُلاكِم أصبحت عنيفة, وتشاهد المباريات, وتَصيحُ معها, وتُشيرُ بيديها, وتَسُب كالرجال. وآخر كان لا يهتم بالرياضة, ثم أصبح بعد نقل القلب يحبها ويتسلق الجبال, لأن صاحب القلب كان يعشق الرياضة ويهوى المخاطر. وآخرون أصبحوا يحبون أكلات لم يكونوا يحبونها قبل زراعة القلوب لهم, وهذا كله دفع العلماء أن يُعمِلوا فكرهم وأبحاثهم ليعرفوا ما سر هذا التغيير فى حياة هؤلاء الأشخاص, فوجدوا أن القلب به شبكات عصبية, وخلايا دِماغية, وموجات مغناطيسية قوية, وأنه يسيطر على المخ, ويرسل إليه إشارات ويتلقى منه إشارات أخرى, ولكن التى يرسلها أكبر بكثير مما يستقبلها, وأنه هو الذى يُوَجِّه سلوك الإنسان, ويتحكم فى تصرفاته, وأنه يحتفظ بجزء كبير من ذاكرته, وأن له علاقة بذكائه وتفكيره, فسبحان من قال: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت:53]
وقد جاء فى الكتاب المقدس ما يؤيِّد ما نحن بصدده, إذ يقول: 
وأما ما يخرج من الفم فمن القلب يصدر. وذاك ينجس الإنسان. لأن من القلب تخرج أفكار شريرة قتل زنى فسق سرقة شهادة زور تجديف. هذه هى التى تنجس الإنسان. (متى15: 18-20)
لأنه من الداخل من قلوب الناس تخرج الأفكار الشريرة زنى فسق سرقة طمع خبث مكر عهارة عين شريرة تجديف كبرياء جهل. (مرقس7: 21-22), والله أعلم.
س53- إن رِدَّة عبد الله بن أبى السرح تدل على أن القرآن اجتهاد بشرى, لأنه كان يكتب القرآن لمحمد, فأكمل من عنده آية, فوجدها مثل ما قالها له محمد, فعلم أنه من تأليفه, وارتد لهذا السبب.
ج53- إن عبد الله بن أبى السرح  كان يكتب الوحى لرسول الله  وذات مرة كان الرسول  يُمْلى عليه قول الله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ{12} ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ{13} ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} [المؤمنون:12-14] فأُعجِبَ عبد الله بهذا الكلام, فقال: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} فأمره الرسول  أن يكتبها كما قالها, لأنها هكذا نزلت, فشكَّ عبد الله فى القرآن, وظن أنه من عند سيدنا محمد  فارتد عن الإسلام, وفَرَّ إلى مكة, وقد كان الرسول  يعلم نهاية الآية قبل أن ينطق بها عبد الله, فلم يأخذها منه, ولكنها وافقت قوله, وقد حدث مثل هذا الأمر مع عمر بن الخطاب  فى عدة مواقف, ولكنه لم يرتد كما ارتد عبد الله. فمثلاً: عندما استشار الرسول  أبا بكر وعمر فى أُسارى بدر, فأشار عليه أبو بكر  بقبول الفِديَة, وأشار عليه عمر بقتلهم, فوافق القرآن قول عمر  ووافقه فى فرض الحجاب على النساء, وعلى القول الفصل فى تحريم الخمر, وقد كان كُتّاب الوحى سبعة, والصحابة بالآلاف, ولم يرتد منهم أحد, فليس معنى موافقة القرآن لقول عبد الله أن القرآن من تأليف سيدنا محمد r فإن الإنسان بفطرته يعلم كثيراً من الحلال والحرام بغير وحى من السماء, كما نرى ذلك فى بعض البلدان الشيوعية أو البوذية التى تحرم القتل والزنى والسرقة وغير ذلك من المنكرات. ثم إن عبد الله رجع إلى الإسلام بعد فتح مكة, وحَسُنَ إسلامه, واستعمله أبو بكر وعمر بعد موت الرسول , والله أعلم.
س54- هل كفر عمر بن الخطاب حين أقسم أن هناك آية للرجم يُعمَلُ بها, ولم تُكتَب فى المصحف, لأن هناك غَنَمَة أكلت صحيفة من صُحُف القرآن – كما جاء فى الحديث الذى روته عائشة – أم أن القرآن أخطأ حين قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}؟
ج54- إن عمر بن الخطاب  لم يكفر – وحاشاه – حين قال ما معناه: (لولا أن يقال إنى زدتُ فى المصحف لكتبتُ آية الرجم على هامشه) ولم يخطئ القرآن حين قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] إن آية الرجم التى يقصدها عمر هى {الشيخ والشيخة إذا زَنَيَا فارجموهما البتَّة} وقد كانت من الآيات التى نُسِخَت تلاوة وبَقِيَت حُكماً (كما أشرنا إلى ذلك فى الشبهة رقم 31) وقد عمل الرسول  بهذه الآية, وعمل بها من بعده الخلفاء الراشدون  ومَن بعدَهم من السلف الصالح, وقد قال عمر قولته هذه خشية أن يُترَكَ العمل بها, فأراد أن يكتبها على الهامش ليُذكِّر الناس بها, ولم يُرِد أن يكتبها فى صُلب نصوص القرآن لعلمه بنسخها, وإلا- فلماذا لم يُشِر على زيد ابن ثابت  أن يكتبها فى المصحف, وهو الذى أشار على أبى بكر بتدوين القرآن فى مصحف واحد, عندما قتل سبعون من الحفظة فى حرب الردة؟ وفى بادئ الأمر رفض أبو بكر الفكرة, لأن الرسول  لم يفعلها, ولكن مع إلحاح عمر عليه قَبِلها, وأمر زيد بن ثابت بجمع القرآن وجعله فى مصحف واحد, وكان زيد لا يقبل أى آية إلا إذا شهد بها اثنان علىالأقل من الصحابة , فلم يثبت قط أن عمر بن الخطاب عرض هذه الآية عليه, بغض النظر هل كان زيد سيجد شاهداً عليها أم لا. وبفرض أن الداجن أكلت ما فى الصحيفة, وكان فيها آية الرجم, فهل هذا يعنى أنها كانت الصحيفة الوحيدة التى لا مثيل لها فى بيوت الصحابة ؟ لقد كان القرآن فى صدورهم, ومدوَّن على اليعاسيب وسعف النخيل والأكتاف والرقاع, وبهذا كان القرآن محفوظاً فى الصدور والسطور, وما فى الصدور كان أقوى مما فى السطور, فهل كان عمر هو الوحيد الذى يعلم هذه الآية؟ لقد كانوا يعلمونها, ولكنهم كانوا يعلمون بنسخها, وبقاء حكمها (موضوع الداجن التى أكلت الصحيفة تم الرد عليه فى الشبهة رقم (62) ولله الحمد والمنَّة), والله أعلم.
س55- إن القرآن يعترف بأن اليهود والنصارى على حق, فيقول: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:62] ويقول: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [المائدة:69]
ج55- إن أرجح الأقوال فى الصابئين أنهم عُبّاد النجوم, فهل من يعبد النجوم يؤمن بالله واليوم الآخر؟ وهل له منهج ليعمل صالحاً؟ إن معنى الآيات الكريمة هو فتح باب التوبة لكل هؤلاء أن يؤمنوا بالله ورسوله  ويعملوا صالحاً. فلم يَرِد فى القرآن الكريم كله ذكر {الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} إلا بمعنى الإيمان بالله ورسوله محمد , والعمل الصالح هو ما وافق هديه , حتى لو أن أحد المسلمين عمل عملاً يظن أنه صالح, ولكنه لم يوافق هديه  فلن يقبل منه, كأن يصلى العشاء خمس ركعات, أو يحج فى شهر رجب, أو يصوم إلى العصر… إلخ. قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران:31] فشرط قبول أى عمل أن يكون موافقاً لهدى النبى  وأن يكون خالصاً لوجه الله الكريم {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} [الكهف:110] {عَمَلاً صَالِحاً} هو ما وافق هدى النبى  {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} هو الإخلاص لله فى هذا العمل, قال رسول الله : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدّ)) [صحيح الجامع:6398] ((فهو رد)) أى مردود عليه غير مقبول. وقد مر عمر بن الخطاب  على حَبر من أحبار اليهود, فوجده على حاله من الهزال والشحوب, مما أصابه من كثرة العبادة, فبكى عليه, وتلا قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ{2} عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ{3} تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً} [الغاشية:2-4] لأن كل عبادته لن تنفعه, طالما أنه لم يؤمن بالرسول . وقد ضربنا لذلك مثلاً بالطالب الذى عنده امتحان لغة عربية, وظَلَّ يذاكر طوال العام مادة أخرى, كالكيمياء أو غيرها, هل ينجح فى الاختبار؟ أو المسافر الذى تعب واجتهد فى إصلاح سيارته, ثم اتجه بها إلى طريق خاطئ, وهو يظن أنه سيوصله لغايته, ولكن هيهات هيهات, لقد ضلَّ الطريق منذ البداية, فأنَّى له الوصول فى النهاية؟, والله أعلم.  
س56- أنتم تقولون إن القرآن نزل {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} [الشعراء:195] مع أنه قد ورد به كثير من الكلمات العبرية, والآشورية, والفارسية, والحبشية, وغير ذلك, مثل {الْأَرَائِكِ} {قَسْوَرَةٍ} {إِسْتَبْرَقٌ} {أَبَارِيقَ} {قَمْطَرِيراً} {سِجِّيلٍ} {حَصْحَصَ} {الْإِنجِيلَ}… إلخ.
ج56- هناك كلمات لا تُتَرجم إلى أى لغة, مثل الأسماء.. كعبد الله, وعبد الرحمن, ومحمد, وأحمد, وحسن, وعلى… إلخ. فحين نستمع لنشرة الأخبار باللغة الإنجليزية أو الفرنسية نجدهم ينطقون الأسماء كما هى (بغض النظر عن عدم استطاعتهم لنطق بعض الحروف مثل العين) فهل سمع أحد منا من يقول عن شخص اسمه (سعيد) إن اسمه (هابى) أو شخص اسمه (الأسد) إن اسمه (ليون)؟ ونحن أيضاً حين ننطق أسماءهم ننطقها كما هى, رغم صعوبة بعضها وغرابته. فهناك كلمات أُدخِلَت على اللغة العربية فصارت كأنها منها, مثل سندوتش, راديو, تليفون, تليفزيون, كمبيوتر… إلخ. وهناك بعض الكلمات فى القرآن لم تكن من اللغة العربية الأصلية, ولكنها أصبحت منها لكثرة استعمالها, ولكن مع هذا لا تجد جُملة واحدة فى القرآن بلغة غير العربية. إذن فهى كلمات فقط وليست جُمَلاً, فلا يعنى وجود هذه الكلمات أن القرآن غير عربى. فمثلاً: لو دخلنا مسجداً به آلاف المصريين, وبينهم اثنان أو ثلاثة ليسوا مصريين, ثم قلنا إن هذا المسجد ملىء بالمصريين, هل نكون كاذبين؟ وهل وجود اثنين أو ثلاثة من غيرهم ينفى الصفة عنهم؟ ثم إن الكفار أنفسهم لم يعترضوا على مجىء هذه الألفاظ فى القرآن, وهم أعلم الناس باللغة العربية, وقد كانوا يتمنون أن يجدوا فيه أى خطأ ليقدحوا فى نبوته  فهل أنتم أعلمَ منهم؟, والله أعلم.
س57- إن قصة آدم مع إبليس جاءت فى سبع سور, إن هذه إطالة مملَّة, وكذلك قصص الأنبياء مع أقوامهم جاءت فى عدة سور, أمَا كان يكفى أن تكون هذه القصص فى سورة أو سورتين؟
ج57- إن هذا ليس تكراراً, فالذى يقرأ هذه الآيات يدرك عدم مطابقتها الحرفية لبعضها, فقد جاءت فى عدة مواضع, بصور مختلفة, لتخدم الغرض الذى ذُكِرت له, فهنا مشاهد لم تُذكَر فى تلك, وإيضاحات هناك لم تذكر هنا, أحياناً تَرِد باختصار, وأحياناً بإسهاب.. وهكذا. فمثلاً – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لو أن هناك حدثاً هائلاً وقع فى مكان ما, وتمَّ تصويره بكاميرات الفيديو, أو التصوير الفوتوغرافى, لعرضها على المشاهدين, فهل يلتقطون له منظراً واحداً, أم أنهم يلتقطون له عدة مناظر, من عدة جوانب, حتى يعلم المشاهد من مجموع صُوَره حقيقة ما حدث فيه؟ إذا كان هذا يحدث فى أمور الدنيا, وهى مهما كانت فلن تبلغ أهمية صراع الإنسان مع الشيطان, ونهاية هذا الصراع بالكفر أو الإيمان. صحيح أن الله قادر على أن يعرض جميع مُلابَسات القصة فى سورة واحدة (كما فى سورة يوسف) ولكن لابد من تكرارها لأهميتها, فإن قضية معصية الإنسان للرحمن, وطاعته للشيطان, فى منتهى الخطورة, بل هى أخطر القضايا فى حياة الإنسان, فهى قضية صراعه مع الشيطان, وهذا الصراع نهايته إمّا إلى جنة أو إلى نار, فهى مسألة ليست هينة ولا بسيطة, فلابد من التنبيه عليها مرات عديدة, حتى نأخذ منها حذرنا, ونعد لها عدتنا. ومثال آخر – {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} – لو قلت لابنك: ذاكر لأن الامتحان سيكون صعباً, ثم تركته طوال العام حتى جاء الامتحان فوجده فى منتهى الصعوبة, ألا يعاتبك أنك لم تحذره كما ينبغى؟ ألا يقول لك: لقد قلت لى مرة واحدة إن الامتحان سيكون صعباً, ولكنى نسيت, أو لم أتوقع أنه بهذه الصعوبة؟ أو لو أن هناك منطقة محذوراً السير فيها, لخطورتها على حياة الإنسان, فهل تضع الحكومة لافتة واحدة تشير إلى مكانها؟ إنها تضع عدة إشارات, وجنوداً, ومتاريس, وأضواء, وإنذارات بعدم الاقتراب. ولو أن هناك أسلاكاً كهربائية عارية فى الشارع, والتى نسميها (كوفريه) فإنك تحذر ابنك منها كلما نزل إلى الشارع, ولا تكتفى بتحذيره مرة واحدة. وقد رأينا كيف كان تحذير الدولة من أكل الدجاج, خوفاً من الإصابة بأنفلونزا الطيور, رغم أن نسبة الإصابة بها حوالى نصف فى المليون, فما بالكم بالإصابة بالنار وبئس القرار؟ ألا نحتاج التحذير مراراً وتكراراً؟ وأمّا قصص بقية الأنبياء – على نبينا وعليهم الصلاة والسلام – فقد تكررت لأنها تخدم نفس القضية, وتصُب فى نفس الموضوع, وهو الإيمان وما يترتب عليه من خيْرَى الدنيا والآخرة, أو الكفر وما يترتب عليه من عذاب الدنيا والآخرة.
ومن يرجع إلى الكتاب المقدس – بعهديه القديم والحديث – يجد به من التكرار ما لا حصر له, لدرجة تكرار فقرات كبيرة بأكملها, أو مع تغيير بسيط, فهناك تطابق كلمة بكلمة, وحرف بحرف, وشولة بشولة, بين (الملوك الثانى19: 1-12) مع (إشعياء37: 1-12) فهل نسى الله سبحانه وتعالى أنه أنزل هذا الكلام, فأنزله مرة أخرى؟ وقد جاء هذا التكرار فى إصحاحات أخرى مع تغيير بسيط, مثل (أخبار الأيام الأول: الإصحاح17) مع (صموئيل الثانى: الإصحاح7) و(أخبار الأيام الأول: الإصحاح18) مع (صموئيل الثانى: الإصحاح8) و(أخبار الأيام الأول: الإصحاح19) مع (صموئيل الثانى: الإصحاح10) وغير ذلك كثير وكثير, والله أعلم.
س58- تقولون إن الجذع حَنَّ لفراق رسولكم, عندما تركه وخطب على المنبر, بعد أن كان يخطب عليه, ويقول رسولكم عن جبل أحد: ((أُحُد جبل يحبنا ونحبه)) [صحيح البخارى] وتزعمون أن الجمل اشتكى له من صاحبه الذى كان يضربه ويجوِّعه, وغير ذلك من القصص والروايات, حتى إن القرآن نفسه يزعم أن النمل والهدهد يتكلمون, بل ويزعم أن هناك دابة ستظهر فى آخر الزمان, وتكلم الناس {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ} [النمل:82]
ج58- إن هذا كله ليس زعماً, ولكنه حق, فالله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل أى شىء من مخلوقاته يتكلم, ولكن ليس شرطاً أن نفهم هذا الكلام, وإلا- فأخبرونى كيف تتفاهم المخلوقات مع بعضها البعض؟ لقد أثبت العلم – بما لا يدع مجالاً للشك – أن هناك طريقة أو لغة تتفاهم بها المخلوقات, وهذا مُشاهد ومحسوس فى واقعنا, حتى إن الإنسان ليتعجب من آيات الله سبحانه وتعالى فى خلقه, فهذه النحلة التى تكتشف أفضل أنواع الرحيق, ثم تدل بقية النحل على طريقه, أليست هذه لغة؟ وإذا وضعت كمية من السكر على مكان نظيف تماماً, وليس به أى نملة, ثم تركته بعض الوقت, لوجدت عدداً كبيراً من النمل قد التف حوله, فمن أين جاء كل هذا النمل, إلا أن تكون واحدة منه قد بحثت عن رزقها, فلما وجدته دلَّت عليه أخواتها؟ وغير ذلك الكثير مما يضيق المكان عن ذكره, حتى إن بعض النباتات تموت بعد موت من كان يرعاها, حتى لو تولاها بعده أحد غيره {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام:38] ويوم القيامة ستنطق الأيدى, والأرجل, والألسن, والأسماع, والأبصار, والجلود, لتشهد على صاحبها {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور:24] {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [فصلت:21]
إن الله سبحانه وتعالى فهَّمَ سيدنا سليمان لغة النمل, والهدهد, وغير ذلك من المخلوقات, وهذا وغيره, مما حدث معه, أو مع الرسول  فإنه من باب المعجزات التى أيَّدَ الله بها رسله, صلواته وسلامه عليهم أجمعين. أما الدابة التى ستخرج فى آخر الزمان فسيفهم عنها كل من سمعها, بقدرة الله سبحانه وتعالى {وَاللّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
ولقد جاء فى كتابكم المقدس حوار بين الأشجار, وأن الحيوانات تتكلم, وأن الحجارة تصرخ, ولا ندرى كيف يحدث كل هذا؟!
وأخبروا يوثام فذهب ووقف على رأس جبل جرزيم ورفع صوته ونادى وقال لهم. اسمعوا لى يا أهل شكيم يسمع لكم الله. مرّة ذهبت الأشجار لتمسح عليها ملكاً. فقالت للزيتونة املكى علينا. فقالت لها الزيتونة أأترك دُهنى الذى به يُكَرِّمُون بى الله والناس وأذهب لكى أملك على الأشجار. ثم قالت الأشجار للتينة تعالى أنتِ واملكى علينا. فقالت لها التينة أأترك حلاوتى وثمرى الطيب وأذهب لكى أملك على الأشجار. فقالت الأشجار للكرمة تعالى أنتِ واملكى علينا. فقالت لها الكرمة أأترك مسطارى الذى يُفَرِّح الله والناس وأذهب لكى أملك على الأشجار. ثم قالت جميع الأشجار للعوسج تعالَ أنت واملك علينا. فقال العوسج للأشجار إن كنتم بالحق تمسحوننى عليكم ملكاً فتعالوا واحتموا تحت ظلى. وإلا فتخرج نار من العوسج وتأكل أَرْز لبنان. (قضاة9: 7-15)
وكانت الحيوانات الأربعة تقول آمين. (رؤيا يوحنا5: 14)
فأجاب وقال لهم أقول لكم إنه إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ (لوقا19: 40), والله أعلم.
س59- أنتم تحرِّمون المِيتة مع أن الله هو الذى قتلها, وتحلُّون وتأكلون ما تذبحون بأيديكم, مع أن يد الله أطهر من أيديكم, فلماذا تأكلون ما قتلتموه, ولا تأكلون ما قتله الله؟ ثم إن الذبح طريقة بشعة, ألا توجد طريقة أهون من ذلك؟
ج59- لقد توارث المشركون هذا السؤال جيلاً بعد جيل منذ عهد الرسول  فحكم الله على من أطاعهم بالشرك {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام:121] أى أن من أطاعهم فى تحليل المِِيتَة فقد أشرك بالله, لأن التحليل والتحريم ليس لأحد غيره. إن المِيتَة لا يصح أن يُقال إن الله قتلها, ولكنه أماتها, ولعلمه بضررها فقد حرم علينا أكلها {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [الأعراف:157] فالذى خلقها هو الذى أمر بذبحها, فهو سبحانه لا يأمر إلا بخير, ولا ينهى إلا عن شر {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:54] وقد أثبت العلم الحديث أن الميتة مليئة بالميكروبات والجراثيم التى تسبب الأمراض الفتاكة, فقد أجْرَوْا تجارب علمية كثيرة على الحيوانات, والطيور المذبوحة, وغير المذبوحة, فوجدوا أن الدم المحبوس فى الميتة تنمو فيه الجراثيم بشكل رهيب, على خلاف ما يحدث فى المذبوحة. وقد أجرى فريق من الأطباء السوريين تجارب على الذبائح التى ذُكِرَ اسم الله عليها, والتى لم يُذكَر اسم الله عليها, وقسموها قسمين: لحم مُكبَّر عليه, ولحم غير مُكبَّر عليه, ووضعوهما فى نفس الظروف, وعلى نفس المزارع, فوجدوا أن اللحم المكبَّر عليه خالٍ من الجراثيم, فى حين أن الآخر ملىء بها, فجزاهم الله خيراً. وقد أمرنا نبى الرحمة  بإحسان ذبح البهيمة, فقال: ((إن الله كتبَ الإحسانَ على كلِّ شىء, فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلَة, وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحَ, وليُحِدَّ أحدكم شفرَتهُ, وليُرِح ذبيحتهُ)) [صحيح مسلم]
ثم إن كتابكم المقدس لم يأمر بذبح البهيمة فحسب, بل أمر برجمها, وكسر عنقها, رغم أنها لا تعقل: وإذا نطح ثور رجلاً أو امرأة فمات يُرجَم الثور ولا يؤكل لحمه. (خروج21: 28)
ولكن كل بكر حمار تفديه بشاة. وإن لم تفدِه فتكسر عنقه. (خروج13: 13)
وينحدر شيوخ تلك المدينة بالعِجْلة إلى وادٍ دائم السيلان لم يُحرَث فيه ولم يُزرَع ويكسرون عنق العِجْلة فى الوادى. (تثنية21: 4)
ولقد حرم الله المِيتَة فى كل الديانات لضررها, حتى إن كتابكم المقدس لم يحرمها فقط, بل حرم مَسَّها وحملها, فقال: وإذا مات واحد من البهائم التى هى طعام لكم فمن مَسَّ جثته يكون نجساً إلى المساء. ومن أكل من جثته يغسل ثيابه ويكون نجساً إلى المساء. ومن حمل جثته يغسل ثيابه ويكون نجساً إلى المساء (لاويين11: 39-40), والله أعلم.
س60- يحرِّم القرآن لحم الخنزير, مع أنه ليس من أكَلَة اللحوم, كالأسد, والنمر, والقطط, والكلاب, وغيرها, فلماذا يحرم القرآن ما لم يحرمه الكتاب المقدس؟ مع أنه قال: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} [المائدة: 48]؟ أى أنه يصدِّق ما جاء فى التوراة والإنجيل.
ج60- يبدو أن السائل تعمد ألا يذكر الآية كلها, حيث تقول: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} أى أن القرآن يصدِّق ما جاء فى الكتب الأصلية قبل تحريفها, ولكنه مهيمن عليها, أى أنه يُقرّ بعض ما فيها من أحكام, وينسخ البعض الآخر. ويبدو أنه لا علم له بما جاء فى كتابه المقدس, الذى لم يحرم عليه الخنزير فحسب, بل حرم عليه الجمل, والأرنب, والبط, والأَوِز, وغيرها.. إذ يقول:
شعب يغيظنى بوجهى دائماً… يأكل لحم الخنزير وفى آنيته مَرَق لحوم نجسة… هؤلاء دُخان فى أنفى نار مُتَّقدة كل النهار… لا أسكتُ بل أجازى. أجازى فى حِضنهم. آثامكم وآثام آبائكم معاً قال الرب الذين بخروا على الجبال وعَيَّرُونِى على الآكام فأكيلُ عملهم الأول فى حِضنهم (إشعياء65: 3-7) هذا الكلام ينسبونه لله جل وعلا!!
وكلَّم الرب موسى وهَرُون قائلاً لهما كَلِّما بنى إسرائيل قائلين. هذه هى الحيوانات التى تأكلونها من جميع البهائم التى على الأرض. كل ما شَقَّ ظلفاً وقسمه ظلفين ويجتر من البهائم فإياه تأكلون إلا هذه فلا تأكلوها مما يجتر ومما يشق الظلف. الجمل. لأنه يجتر لكنه لا يشق ظلفاً. فهو نجس لكم. والوبر. لأنه يجتر لكنه لا يشق ظلفاً فهو نجس لكم. والأرنب. لأنه يجتر لكنه لا يشق ظلفاً فهو نجس لكم. والخنزير. لأنه يشق ظلفاً ويقسمه ظلفين لكنه لا يجتر. فهو نجس لكم. من لحمها لا تأكلوا وجثثها لا تلمسوا. إنها نجسة لكم (لاوين11: 1-8) والبط والأوِز داخلان فى التحريم, لأنهما لم يَشُقّا ظلفاً حسب القاعدة المذكورة فى هذه الفقرة. وهناك محرَّمات أخرى فى (سِفْر اللاويين: الإصحاح11) وغيره من الأسفار.
ولم يكتفِ الكتاب المقدس بتحريم هذه الأشياء, بل حكم بنجاستها, ونجاسة كل من مسَّها, أو وقعت عليه جثثها, وكسر الآنية, وهدم الأبنية التى وقعت عليها جثثها: لكن سائر دبيب الطير الذى له أربع أرجل فهو مكروه لكم. من هذه تتنجسون. كل من مس جثثها يكون نجساً إلى المساء وكل من حمل من جثثها يغسل ثيابه ويكون نجساً إلى المساء. وجميع البهائم التى لها ظلف ولكن لا تشقه شقاً أو لا تجتر فهى نجسة لكم. كل من مسها يكون نجساً. وكل ما يمشى على كفوفه من جميع الحيوانات الماشية على أربع فهو نجس لكم. كل من مس جثثها يكون نجساً إلى المساء. ومن حمل جثثها يغسل ثيابه ويكون نجساً إلى المساء… كل من مسها بعد موتها يكون نجساً إلى المساء. وكل ما وقع عليه واحد منها بعد موتها يكون نجساً. من كل متاع خشب أو ثوب أو جلد أو بَلاس. كل متاع يُعمَل به عمل يُلقى فى الماء ويكون نجساً إلى المساء ثم يطهر. وكل متاع خزف وقع فيه منها فكل ما فيه يتنجس وأما هو فتكسرونه… وكل ما وقع عليه واحدة من جثثها يكون نجساً التنور والموقدة يُهدمان. إنها نجسة وتكون نجسة لكم. (لاويين11: 23-35)
إن دائرة الحلال أوسع بكثير من دائرة الحرام, حتى إنه لم يأتِ نص واحد فى القرآن الكريم يذكر الأشياء التى أحلها, ولكنه ذكر المحرمات, لأنها قليلة ومعدودة, فالأصل فى الأشياء الإباحة, إلا ما دل النص على تحريمه, ونحن لا نناقش الله سبحانه وتعالى فى أوامره ونواهيه, فهو الإله ونحن العبيد, ومن يناقش الله فى أوامره ونواهيه, فكأنما جعل نفسه نِدّاً لله سبحانه وتعالى. وقد أثبت العلماء أن الخنازير هى سبب انتشار مرض انفلونزا الطيور, لأنهم يقومون فى أوربا بتربية الخنازير بجانب الطيور, وهذا المرض كان يأتى للطيور فيهلكها, ولكنه كان لا ينتقل للإنسان, وأغلب الظن أنه هو الذى كانت تسميه النساء (الفِرَّة) ولكن تربية الخنازير بجانبها, جعلت هذا الفيروس ينتقل للخنازير, ثم يعود إليها بعد أن تحوَّر فى جسد الخنازير, وأصبح صالحاً للانتقال إلى الإنسان, وتسبب له فى هذا المرض المدمر. هذا فضلاً عمّا يسببه أكل لحم الخنزير من أمراض خطيرة, لكونه يأكل من النجاسات والميتة والقمامة, وغير ذلك من الأشياء المقززة, مثل الفئران الميِّتة والحيَّة, حتى أنه يأكل الشاش والضمادات المستخدمة فى علاج تقيّحات الجروح, إذا ما وُجِدَ بجوار قمامة المستشفيات. ومن الأمراض التى يسببها أكل لحم الخنزير:
أولاً: أمراض باطنية مثل ضغط الدم, والذبحة الصدرية, وتصلُّب الشرايين, والجلطات, وذلك نتيجة الكوليسترول الناتج من تحلل لحم الخنزير بعد تناوله, ودهون الخنزير تترسب فى جسم الإنسان نتيجة صعوبة استحلابها فى الأمعاء, فلا تتحول إلى دُهْن بشرى كأى دُهْن فى أى لحم آخر, بل تتحول إلى دُهن خنزيرى, ولا مَفَرّ من ترسب هذه الدهون الخطيرة, حتى لو أُكِلَ لحم الخنزير مشوياً, لأن علماء الطب البيطرى أثبتوا أن الدهن يتواجد فى داخل الخلايا العضلية.
ثانياً: التهاب المفاصل, خاصة بين الفقرات, ومشاكل فى الأوتار والأربطة والغضاريف والعظام, وذلك لاحتواء لحم الخنزير على نسبة عالية من الكبريت, وهذا العنصر تؤثِّر كثرته فى مدى امتصاص الأنسجة الضامَّة للماء, فتكتسب شكلاً كيسياً اسفنجياً, فتتراكم المواد المخاطية فى الأوتار والأربطة العضلية, مُحْدِثة بعض الأمراض والآلام.
ثالثاً: بعض الأمراض الوبائية مثل: الدودة الشريطية العوساء, الدودة الشَّعرية الحلزونية, الدودة الكبدية, والبلهارسيا اليابانية, طفيل داء النوم الأفريقى, الزُّحار الزقى, ميكروب المكوَّر السِّبْحى, فيروس الكريب, الْحُمرة الخنزيرية… إلخ.
ونحن نمتثل لأمر الله جل وعلا, بغض النظر عن الأمراض والأعراض الناتجة عن تناوله, فالمسلم مُسَلِّم أمره لله, يأتمر بأمره, وينتهى عن نهيه, بغض النظر أَعَلِمَ حكمته أم لم يعلمها, والله أعلم. 
س61- يقول القرآن: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ} [يونس:47] ويقول: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر:24] ويقول: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم:4] أى إن لكل أمة رسولاً منها وإليها, فلو صح هذا الكلام, لكان لكل دول العالم رسل وأنبياء, إذن فمن هم أنبياء ورسل دول وقارات العالم, مثل أوربا, واستراليا, والهند, والصين, واليابان, وكل بلاد العالم القديم؟
ج61- لقد قال الله تعالى لنبيه : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر:78] أى أن الله سبحانه وتعالى لم يذكر جميع الرسل فى القرآن, ولكنه ذكر الرسل الذين أراد أن نستفيد من سيرتهم مع أممهم, ونستفيد من حياتهم وبيئاتهم, وتعود قصصهم بالنفع على الرسول  وأمته, أما بقية الرسل فلم يُذكروا لحكمة يعلمها الله, ربما لأن قصصهم ستكون بمثابة علم لا ينفع, وجهل لا يضر, وقد كان الرسول  يستعيذ بالله من علم لا ينفع [صحيح مسلم] فليست المسألة مسألة حشو للمصحف بغير فائدة.
وقد جاء فى الكتاب المقدس قصص وحَشْو كثير لا طائل من ورائه, مثل:
وصعد معهم لفيفٌ كثير أيضاً مع غنم وَبَقر مَوَاشٍ وافرة جداً. وخبزوا العجين الذى أخرجوه من مصر خبز مَلَّة فطيراً إذ كان لم يختمر. (خروج12: 38-39)
فبادرت أبيجايل وأخذت مئتى رغيف خبز وزقَّى خمر وخمسة خرفان مهيَّأة وخمس كيلات من الفريك ومئتى عنقود من الزبيب ومئتى قرص من التين ووضعتها على الحمير وقالت لغلمانها اعبروا قُدّامى هَأنذا جائِية وراءكم. ولم تخبر رَجُلَها نابال. (صموئيل الأول25: 18-19)
سلِّم على فرسكا وأكيلا وبيت أنيسيفورس. أراستس بقى فى كورنثوس. وأما تروفيمس فتركته فى ميليتس مريضاً. بادر أن تجىء قبل الشتاء. يسلِّم عليك أفبولس وبوديس ولينس وكلافدية والأخوة جميعاً. (رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس4: 19-21)
أوصى إليكم بأختنا فيبى التى هى خادمة الكنيسة التى فى كنخريا كى تُقَبِّلُوها فى الرب كما يحق للقديسين وتقوموا لها فى أى شىء احتاجته منكم. لأنها صارت مساعدة لكثيرين ولى أنا أيضاً سلِّموا على بريسكلا وأكيلا العاملين معى فى المسيح يسوع. اللذين وضعا عنقيهما من أجل حياتى اللذين لست أنا وحدى أشكرهما بل أيضاً جميع كنائس الأمم. وعلى الكنيسة التى فى بيتهما. سلِّموا على أبينتوس حبيبى الذى هو باكورة أخائية للمسيح. سلِّموا على مريم التى تعبت لأجلنا كثيراً. سلِّموا على أندرونكوس ويونياس نسيبى المأسورين معى اللذين هما مشهوران بين الرسل وقد كانا فى المسيح قبلى. سلِّموا على أمبلياس حبيبى فى الرب. سلِّموا على أوربانوس العامل معنا فى المسيح وعلى أستاخيس حبيبى. سلِّموا على أبلس المزكى فى المسيح. سلِّموا على الذين هم من أهل أرستوبولوس. سلِّموا على هيروديون نسيبى. سلِّموا على الذين هم من أهل نركيسوس الكائنين فى الرب. سلِّموا على تريفينا وتريفوسا التاعبتين فى الرب. سلِّموا على برسيس المحبوبة التى تعبت كثيراً فى الرب. سلِّموا على روفس المختار فى الرب وعلى أمه أمى. سلِّموا على أسينكريتس فليغون هرماس بتروباس وهرميس وعلى الإخوة الذين معهم. سلِّموا على فيلولوغس وجوليا ونيريوس وأخته وأولمباس وعلى جميع القديسين الذين معهم. سلِّموا بعضكم على بعض بقُبلة مقدسة. كنائس المسيح تسلِّم عليكم… يسلِّم عليكم تيموثاوس العامل معى ولوكيوس وياسون وسوسيباترس أنسبائى. أنا ترتيوس كاتب هذه الرسالة أسلِّم عليكم فى الرب. يسلِّم عليكم غايس مضيفى ومضيف الكنيسة كلها. يسلِّم عليكم أراستس خازن المدينة وكوارتس الأخ. (رسالة بولس إلى رومية16: 1-23) فهل هذه السلامات وحى من عند الله؟ وهل الله سبحانه وتعالى يأمر الرجال والنساء أن يُقَبِّلوا بعضهم بعضاً بقُبْلَة مُقدَّسة؟ وإذا كان تريتيوس هو الذى كتب هذه الرسالة (أنا ترتيوس كاتب هذه الرسالة) فما الفائدة من ذكرها؟ وما الذى جعلها مقدسة؟
بادر أن تجىء إلىَّ سريعاً لأن ديماس قد تركنى إذ أحبَّ العالم الحاضر وذهب إلى تسالونيكى وكريسكيس إلى غلاطية وتيطس إلى دلماطية. لوقا وحده معى. خُذ مرقس وأحضره معك لأنه نافع لى للخدمة. أما تيخيكس فقد أرسلته إلى أفسس. الرداء الذى تركته فى ترواس عند كاربس أحضره متى جئتَ والكتب أيضاً ولا سِيَّما الرقوق. (رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس4: 9-13)
حينما أرسل إليك أرتيماس أو تيخيكس بادر أن تأتى إلى نيكوبوليس لأنى عزمت أن أُشَتِّى هناك. (رسالة بولس إلى تيطس3: 12) هل قوله لصديقه إنه يريد أن يُشَتِّى ينفعكم بشىء؟ وهل تعتبرون هذا مُقَدَّسأ؟ أو أنه وحى من عند الله؟, والله أعلم.
س62- ورد فى سنن ابن ماجه, والدار قطنى, والطبرانى فى معجمه, أن عائشة زوجة نبيكم قالت: (لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً, ولقد كانت فى صحيفة تحت سريرى, فلما مات رسول الله  وتشاغلنا بموته دخل داجِن فأكلها) إن معنى هذا أن بعض آيات القرآن لم تُكتب فى المصحف الذى بين أيديكم, لأن الداجن (وهى الشاة أو المعز أو الدواجن) أكلته.
ج62- نقول وبالله التوفيق: لوكان فى حديث أم المؤمنين عائشة – رضى الله عنها – يوم أن روته ما يشكك فى سلامة الوحى الإلهى المكتوب بين أيدينا اليوم, لكان حَرِيّاً بأعداء الإسلام يومها أن يتلقفوا قولها, ليشنعوا على القرآن, وأنه ليس كاملاً, وخصوصاً أن كثيراً منهم قد ارتد عن الإسلام بعد موت الرسول , ولكن شيئاً من هذا لم يحدث. ولو كانت صحيفة أم المؤمنين – رضىالله عنها – هى المرجع الوحيد لهاتين الآيتين, ما قبِلهما الصحابة  بعد أن وضعوا لقبول آيات ربهم شروطاً تليق بمقام قرآنهم, يعجز أن يصمد أمامها أى كتاب على وجه البسيطة. وإن كانت الصحف التى احتفظ بها بعض الصحابة  قد أمر سيدنا عثمان بجمعها, فإن ذلك لم يكن لمراجعة الوحى عليها, إنما كان لضمان سلامة ما سوف يتناقله المسلمون من بعدهم, فلم يكن المكتوب فى الصحيفة أصدق مما حفظته صدور الصحابة, وما كانت الصحف المتناثرة بين أيدى صحابة رسول الله  بأدق مما يتلونه بألسنتهم, ويتعبدون به فى ذكرهم, وفى صلواتهم خلف رسول الله  أو فى بيوتهم. ومن المهم أن نفهم دلالة لفظ (صحيفة) الذى ورد فى حديث أم المؤمنين – رضى الله عنها – فهو لا يشير لمصحف مطبوع – مثلاً – كالذى بين أيدى المسلمين اليوم, ولا يُتَصَوَّر أنه كان مجلَّداً من أوراق البردى, أو رُزمة من سعف النخيل, أو كمية من جلود المعز, مما كان يستخدم فى الكتابة. كما أنه لا يُتَخَيَّل أن هذه الصحيفة كانت تحتوى على سورة البقرة – مثلاً – أو عشر من قصار السور, بل ولا أن تحتوى الصحيفة الواحدة على أكثر من آية, أو آيتين, أو ثلاث, أو عشر على أكثر تقدير. وقد جاء لفظ (صحيفة) فى الحديث الشريف بصيغة (المفرد) ولم يَرِد بلفظ (صُحُف) بصيغة الجمع, مما يدل على أنها قطعة واحدة مما كانوا يكتبون عليه, ولو كانت هذه الصحيفة مما تتعبد به أم المؤمنين – رضى الله عنها – ما كان موضعها تحت السرير, بل يكون موضعها فى متناول اليد, إذ لايوضع تحت السرير غير الذى يمكن إيداعه, أو الاحتفاظ به, على سبيل الترك مدة طويلة, لا على سبيل الاستخدام, وقد كان هذا دأب جَدّاتنا إلى عهد قريب بنا, فكان أسفل السرير هو أفضل الأماكن لحفظ الأشياء الثمينة والغالية والعزيزة على النفس. ولا يختلف اثنان فى أن الذى كان مكتوباً فى صحيفة أم المؤمنين – رضى الله عنها – كان موجوداً مضبوطاً ومجوَّداً ومُحْكماً بنصِّه فى صدور الصحابة  وكان يتردد على ألسنتهم, وكانوا يقرأونه على بعضهم البعض. كما كان مثله مكتوباً فى عشرات الصحف الأخرى التى جمعها صحابة رسول الله  ووضعوها كلها بين يدى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب  وبين يَدَى من وُكِّلَ إليهم مهمّة جمع هذا الكتاب العظيم. أما القضية الأشد أهمية فهى الْحُكمان اللذان أشار إليهما الحديث الشريف, وهما: آيتا الرجم, ورضاعة الكبير عشراً, وهما مما لا نجده فى المصحف الذى بين أيدينا اليوم, فإن ذكر عائشة – رضى الله عنها – للحُكمَين لا يصلح وحده أن يكون حجة على إجماع اثنى عشر ألفاً من المسلمين, الذين كانوا شهوداً على جمع كتاب الله سبحانه وتعالى. ونفهم من ذلك أن الآيتين كانتا من التنزيل الحكيم مِصداقاً لقول أم المؤمنين – رضى الله عنها – وأنهما مما نُسِخَ من آيات الله, مع بقاء حكم إحداهما, وهى آية الرجم. وقد ذكرنا بعض الحِكَم من النسخ فى الرد على الشبهة رقم (31) وتكلمنا عن أنواعه الثلاثة, فَصَحَّ أن الآيات التى أكلتها الشاة لو أُمِرَ رسول الله  بتبليغها لبلَّغها, ولو بلَّغها لَحُفِظَت, ولو حُفِظَت ما ضرَّها موته, كما لم يضر موته ما بلَّغه من القرآن, وإن كان لم يبلِّغه, أو بلَّغه ولكن لم يأمر بكتابته فى القرآن, فهو منسوخ بتبيين من الله تعالى, فلا يحل أن يضاف إلى القرآن. ومن قواعد علم القراءات أن القرآن لا يعتبر قرآناً إلا إذا كانت ركيزته التلقين, والتوقيف, والتلقِّى, والمشافهة, وكانت دعامته الرواية والنقل والسماع, ولا شىء وراء ذلك من رَسْم أو كتابة, والله أعلم.
س63- يذكر القرآن أشياءً تافهة مثل البصل, والعدس, والقِثّاء, فى قوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} [البقرة:61] ويذكر حيوانات مثل البقر, والإبل, والغنم, ويذكر حشرات مثل البعوض, والعنكبوت, والنمل, والنحل, وغير ذلك مما لا يليق بكلام الله, بل ويسمى بعض السُّوَر بأسماء هذه الحيوانات والحشرات.
ج63- إن ذكر هذه الأشياء لا نكارة فيه, إذ أن الله سبحانه وتعالى هو الذى خلقها, وهو الذى ذكرها فى كتابه, وهو سبحانه يفعل ما يشاء, وذِكْرها فى كتابه الكريم لم يأتِ عبثاً, ولا مجرد قصص لا فائدة فيه, بل كلٌ منها يخدم معنىً معيناً. وتسمية السُّوَر كان لتَمْييزها من بعضها, ولذلك كانت السورة تُسَمَّى بما يميزها عن غيرها, بذكر ما جاء فيها وحدها دون غيرها, فمثلاً: سورة (البقره) سُمِّيَت هكذا لوُرُود قصة البقرة فيها دون غيرها, وليس تعظيماً للبقرة, أو أن قصتها أعظم ما ورد فى السورة, وكذلك سور (النحل) و(النمل) و(العنكبوت) لوُرُود ذكر هذه الحشرات فيها وحدها.
وقد جاء فى الكتاب المقدس ذكر حيوانات وحشرات كثيرة, وأنواع من الأطعمة, وطريقة طهيها, وطريقة حِياكة بعض الملابس (سِفْر الخروج, الإصحاح 28) وغير ذلك مما يطول شرحه, ونكتفى هنا بذكر بعض النصوص:
أَنْضِجِ اللحمَ تَبِّلْهُ تتبيلاً (حزقيال24: 10)
فأعطى يعقوب عيسو خبزاً وطبيخ عدس. (تكوين25: 34)
وغسَّل الأحشاء والأكارع وأوقدها فوق المحرقة على المذبح. (لاويين9: 14)
تاجَرُوا فى سوقك بِحِنْطة منيت وحلاوى وعسل وزيت وبَلَسَان. (حزقيال27: 17)
فناولوه جزءاً من سمك مشوى وشيئاً من شهد عسل. فأخذ وأكل قُدّامهم (لوقا24: 42-43)
قد تذكَّرنا السمك الذى كنا نأكله فى مصر مجّاناً والقِثّاء والبطيخ والكُرّاث والبصل والثوم. (عدد11: 5)
منها اللَّبْوَة والأسد الأفعى والثعبان السام الطيّار (إشعياء30: 6)
اللَّيْث هالِكٌ لعدم الفريسة وأشبالُ اللَّبْوَة تبددت (أيوب4: 11)
ويل لكم أيها الكتبة والفريسييون المراؤون لأنكم تعشِّرون النعنع والشبَث والكمُّون… أيها القادة العُميان الذين يُصَفُّون عن البعوضة ويبلعون الجمل  (متى23: 23-24)
وكلم الرب موسى قائلاً. كلِّم بنى إسرائيل أن يأخذوا لى تَقْدِمَة. من كل من يحثه قلبه تأخذون تقدمتى. وهذه هى التقدمة التى تأخذونها منهم. ذهب وفضة ونحاس وأسمانجونى وأرجُوان وقِرمز وبُوص وشعر مِعْزَى وجُلود كِباش مُحَمَّرة وجلود تخس وخشب سنط وزيت للمنارة وأطياب لدهن المسحة وللبخور العطر وحجارة جزع وحجارة ترصيع للرداء والصُّدرة. فيصنعون لى مَقدِساً لأسكنَ فى وسطهم. (خروج25: 1-8)
وخبز فطير وأقراص فطير ملتوتة بزيت ورِقاق فطير مدهونة بزيت. من دقيق حِنطة تصنعها. وتجعلها فى سَلَّة واحدة وتقدمها فى السَلَّة مع الثوْر والكبشين (خروج29: 2-3)
وكان كلام الرب له قائلاً… وقد أمرتُ الغِربان أن تعولك هناك… وكانت الغِربان تأتى إليه بخبز ولحم صباحاً وبخبز ولحم مساء (الملوك الأول17: 2-6)
وكان للمرأة عِجْل مُسَمَّن فى البيت فأسرعت وذبحته وأخذت دقيقاً وعجنته وخبزت فطيراً ثم قدمته أمام شاول وأمام عَبْدَيْهِ فأكلوا. وقاموا وذهبوا فى تلك الليلة (صموئيل الأول28: 24-25)
واضرب مثلاً للبيت المتمرِّد وَقُل لهم. هكذا قال السيد الرب. ضَعِ القِدْرَ. ضعها وأيضاً صُبَّ فيها ماء. اجمع إليها قطعها كل قطعة طيبة الفخذ والكتف. املأوها بخيار العظام. خُذ من خيار الغنم وكُومَة العظام تحتها. أغْلِهَا إغلاءً فَتُسْلَق أيضاً عِظامُها فى وسطها (حزقيال24: 3-5)
وإذا قرَّب أحد قربان تَقدِمَة للرب يكون قربانه من دقيق. ويسكب عليها زيتاً ويجعل عليها لباناً. ويأتى بها إلى بنى هَرون الكهنة ويقبض منها مِلء قبضته من دقيقها وزيتها مع كل لبانها ويوقد الكاهن تذكارها على المذبح وقود رائحة سرور للرب… وإذا قرَّبت قربان تقدمة مخبوزة فى تنّور تكون أقراصاً من دقيق فطيراً ملتوتة بزيت ورقاقاً فطيراً مدهونة بزيت. وإن كان قُربانك تقدمة على الصاج تكون من دقيق ملتوتة بزيت فطيراً. تفُتّها فُتاتاً وتسكب عليها زيتاً. إنها تقدمة وإن كان قربانك تقدمة من طاجن فمن دقيق بزيت تعمله… ويوقد على المذبح وقود رائحة سرور للرب… ولا تُخْلِ تقدمتك من ملح عهد إلهك… وإن قربت تقدمة باكورات للرب ففريكاً مشويّاً بالنار جريشاً سويقاً تقرب تقدمة باكوراتك. وتجعل عليها زيتاً وتضع عليها لباناً. إنها تقدمة. فيوقد الكاهن تذكارها من جريشها وزيتها مع جميع لبانها وقوداً للرب (لاويين: الإصحاح الثانى)
وهذه تكرهونها من الطيور. لا تؤكل إنها مكروهة. النسر والأنوق والعقاب والحدأة والباشق على أجناسه وكل غراب على أجناسه والنعامة والظليم والساف والباز على أجناسه والبوم والغواص والكركى والبجع والقوق والرخم واللقلق والببغا على أجناسه والهدهد والخفاش… هذا منه تأكلون. الجراد على أجناسه والدبا على أجناسه والحرجوان على أجناسه والجندب على أجناسه… وهذا هو النجس لكم من الدبيب الذى يدب على الأرض. ابن عرس والفأر والضب على أجناسه والحرذون والوَرَل والوزغة والعظاية والحرباء. هذه هى النجسة لكم من كل الدبيب. كل من مسها بعد موتها يكون نجساً إلى المساء. (لاويين11: 13-31), والله أعلم.

*   *   *

8 تعليقات to “شبهات مغرضة حول القرآن”

  1. نهال حازم Says:

    بارك الله فيكم على هذا الرد انه نصر للقران وللمسلمين هذا القران لو كان من عند غير الله لوجدو فيه اختلافا كثيرا *وانه من يهاجم هذا القران لم يقراه ولا يعرف ما فيه لان القران يوجد فيه معجزات كثيرة*ويجب علينا كمسلمين ان ندافع عن القران والمسلمين والامه الاسلاميه جميعها لان هذا واجب المسلم على المسلم الضعيف*

    (وبارك الله فى شيوخنا الافاضل حامين الاسلام من هؤلاء الكفار الملاعين وبارك الله فيكم مره اخره )

    8

    • islamdefence Says:

      وأنتِ يا أختى جزاكِ الله خيراً
      ونفع بنا وبكِ الإسلام والمسلمين

  2. متدبر Says:

    من يأمن الفتنة بعد قول إبراهيم

    http://tadabbor.com/nzekra/media/48/?p=

    منقول من موقع الهيئة العالمية لتدبر القرآن الكريم

  3. ahmed Says:

    بارك الله فيكم

    • islamdefence Says:

      وفيك بارك الله يا أخى ورفع قدرك

  4. www.nwahy.info Says:

    جزاك الله خيراً

    • islamdefence Says:

      وأنت يا أخى جزاك الله خيراً
      وبارك فى عمرك وعملك وأهلك ومالك

  5. nosa Says:

    اللهم احفظ القرأن واصحابه ومنى نهجه يسيرون عل

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: